دراساتاقتصاد

أزمة الدين العام المصري: رؤية تحليلية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

مقدمة:

تعد قضية الدين العام من أهم القضايا التي لها تأثير مباشر على اقتصاديات الدول، ومستوى معيشة أبنائها، ومستقبل الأجيال الحالية والقادمة فيها. فهى تتطلب توفير الموارد الحكومية اللازمة لذلك من ميزانيتها. ومن ثم فإنها تُشكل جزءاً مهماً من إدارة الدين الحكومي، والموازنة العامة، وإدارة الاحتياطي من النقد الأجنبي.

وقد ظهرت مشكلة الديون في مصر وارتبطت بأبعاد نفسية ووطنية تمس السيادة المصرية، خاصة في ظل حكم الخديوي إسماعيل، الذي كانت مدخلا للتدخل الأجنبي المباشر في مصر، بل وفقدان الخديوي إسماعيل عرشه، واحتلال مصر على يد بريطانيا بعد ذلك في عام 1882م.

وتعاني مصر في واقعنا المعاصر، وخاصة بعد الإنقلاب العسكري في 3 يوليو 2013 على أول رئيس مدنى منتخب في تاريخها وهو الرئيس محمد مرسي، من إفراط ملحوظ في الاقتراض المحلي والخارجي، في ظل انهيار اقتصادي ملحوظ، من تدني المدخرات والاستثمارات، وارتفاع سعر الدولار، ورصيد وهمي للاحتياطيات من النقد الأجنبي، وعجز متنامي في الموازنة، وعجز متنامي في الميزان التجاري بصفة خاصة، وميزان المدفوعات بصفة عامة. وسيطرة لا حدود لها على الاقتصاد من العسكر، حتى زاحم القطاع الخاص قاطرة التنمية في كل شيء وأصابه بالانكماش، مما فاقم من مشكلة البطالة، وساهم في ضعف الإنتاج في القطاعات الاقتصادية المختلفة.

وتحولت قضية الدين العام في مصر من مشكلة إلى أزمة مزمنة زادات تبعاتها بعد الانقلاب العسكري، رغم تسابق دول الخليج الداعمة للانقلاب في تقديم منح تجاوزت 40 مليار دولار، ومع ذلك لم تزدد أزمة الدين العام المصري إلا اشتعالا وتنامي هذا الدين بصورة تنذر بالخطر، وقد لا يسلم من لهيبها أحد.

وفي هذا الإطار تأتي هذه الدراسة للوقوف على أبعاد أزمة الدين العام المصري من خلال رؤية تحليلية لواقعه ومستقبله، وأزمته وسبل علاجه، وذلك من خلال أربعة مباحث، يتناول الأول: التعريف بالدين العام من حيث مفهومه وأنواعه. ويتناول الثاني: تطور هيكل الدين العام من خلال الوقوف علي الدين العام المصري في مراحل ثلاثة:

المرحلة الأولى: منذ عهد محمد على حتى نهاية عهد الملكية.

المرحلة الثانية: من انقلاب يوليو 1952 حتى نهاية حكم مبارك.

المرحلة الثالثة: من ثورة يناير 2011 حتى نهاية مارس 2016.

بينما يتناول المبحث الثالث: مؤشرات الدين العام المصري بعد ثورة يناير 2011، للوقوف على واقع الدين العام ومستقبله، من خلال تحليل عدد من المؤشرات الخاصة بالدين العام الخارجي، وأخرى خاصة بالدين العام المحلي، وثالثة خاصة بالدين العام المحلي والخارجي معا، ورابعة خاصة بمؤشرات قياس الاقتدار المالى العام. بينما يتناول المبحث الرابع والأخير: آثار الدين العام المصري، وكيفية علاجه. وتنتهي الدراسة بخاتمة تتضمن أهم ما توصلت إليه وتوصياتها (1).

المبحث الأول: التعريف بالدين العام:

أولاً: مفهوم الدين العام:

يمثل الدين العام مصدرا من مصادر الإيرادات العامة، تلجأ إليه الدولة لتمويل نفقاتها العامة، عندما تعجز عن توفير إيرادات أخرى ولا سيما من الضرائب، فتقترض إما من الأفراد أو من هيئات محلية أو دولية أو دول أجنبية. وفكرة الدين العام بمفهومه المعاصر تُعتبر حديثة نسبيا حيث تعود إلى بداية القرن الثامن عشر تقريباً، حيث ظهرت نتيجة لتطور المجتمع وحصول السلطات التشريعية الممثلة للشعب على حقها الكامل في فرض الضرائب من جهة واللجوء إلى الدين العام من جهة أخرى.

وقد اتخذت المدرسة التقليدية (الكلاسيكية) في غالبيتها2 موقفاً عدائياً من سياسة التجاء الدولة إلى الدين العام وطالبت بضرورة تعادل الموازنة العامة للدولة سنويا، حيث ترى أن الدين العام يؤدي إلى تحويل أموال القطاع الخاص التي كانت معدّة للتشغيل (التوظيف) في مشروعات إنتاجية إلى القطاع العام حيث يتم تبديدها في نفقات عامة غير منتجة.كما أن الدين العام يؤدي إلى رفع سعر الفائدة، الأمر الذي يعمل على عرقلة النشاط الاقتصادي وسوء توزيع الموارد الاقتصادية ويقف عقبة في طريق التقدم الاقتصادي.فضلا عن أن خدمة الدين العام تؤدي إلى زيادة العبء الضريبي، وكذلك التضخم، فقد تعمد الدولة –أحيانا-إلى تسديد التزاماتها عن طريق الإصدار النقدي.

وحينما ظهرت المدرسة الكينزية بعد أزمة الكساد العظيم في العام 1929، وعجز المدرسة الكلاسيكية عن مواجهة التحديات الاقتصادية، انتقد كينز – ومن سار على نهجه من أنصار المدرسة النيوكلاسيكية – المدرسة التقليدية ولاسيما في صيغة الإطلاق والتعميم التي استخدمتها في طرح آرائها، وأكد على أهمية الدين العام في الاقتصاد الوطني باعتباره أحد الوسائل المالية الثلاث الهامة في يد الدولة وهي: النفقات العامة والضرائب والدين العام، إذ يمكن عن طريقها أن تتدخل وتوجه الاقتصاد وتعمل على تحقيق أهداف المجتمع الاقتصادية في التنمية والاستقرار والعمالة (التشغيل أو التوظيف الكامل)، فالدين العام يجب أن يزداد كي يمتص أي قوة شرائية زائدة أو أي أموال عاطلة، وليقلل السيولة في أوقات الرواج، ويجب أن يرد الدين العام أو يسدد الجزء الأكبر منه في أوقات الكساد لزيادة السيولة في الاقتصاد الوطني.

وفي بداية السبعينيات من القرن العشرين، أدت الأزمة المالية إلى انهيار العلاقة العكسية بين التضخم والبطالة، التي آمن بها الكينزيون، ومن ثم تراجعت الأفكار الكينزية أمام تلك التحديات الجديدة، وحلت محلها المدرسة النقدية أو مدرسة شيكاغو، التي انتقدت دور المدرسة الكينزية في تنامي حجم الدين العام، ونادت بمعالجة العجز المتراكم في الموازنة من خلال تخفيض النفقات العامة ذات الطابع الاجتماعي، وقد تمت صياغة برامج الإصلاح الاقتصادي على الرؤية النقدية تجاه القروض العامة. وهذه المدرسة في الحقيقة جعلت جل همها التخلص من دور الدولة الاجتماعي، وربطت التخلص من عجز الموازنة بالتخلص من المزايا الاجتماعية للدولة.

وإذا كان الواقع يعكس أن أغلب دول العالم تلجأ اليوم، وعلى نطاق واسع، إلى الدين العام من أجل تغطية عجز موازناتها العامة. فإنه المنطق والواقع أيضا يؤكد أنه ينبغي أن يتم اللجوء إلى الدين العام في حدود ما يمكن أن يحدثه من آثار حميدة على كل من مستوى الدخل القومي وتوزيعه والطلب الفعال الكلي.

وفي هذا الإطار يمكن تعريف الدين العام (بصورة تشمل الاعتبارات القانونية والاقتصادية) بأنه: “مبلغ نقدي من المال تقترضه الدولة أو أحد أشخاص القانون العام من الأفراد أو المؤسسات المالية الخاصة أو العامة الوطنية منها أو الدولية أو من الدول الأخرى، بموجب اتفاق يستند في أساس مشروعيته إلى قاعدة قانونية عامة صادرة عن السلطة التشريعية يتضمن مقابل الوفاء والتعهد برده ودفع فائدة عنه وفقاً لشروط الاتفاق”. (العضايلة وآخرون، 2015، ص516).

ثانياً: أنواع الدين العام:

للدين العام تقسيمات متعددة وفقا لاعتبارات متعددة، ويمكن تقسيم الدين العام وفقا لنطاقه إلى دين محلي (داخلي)، ودين خارجي.

1- الدين العام المحلي:

وهو المبالغ التي تحصل عليها الدولة من الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين المقيمين في إقليمها بغض النظر عن جنسياتهم سواء كانوا مواطنين أو أجانب. ويُعرف الدين العام المحلي في علم المالية العامة بالقروض العامة المحلية.

والدين العام المحلي المصري يتمثل في: المبالغ الذي تلتزم بها الوحدات العامة فى الدولة للغير نتيجة اقتراضها له، وذلك لتمويل العجز فى الموازنة، مع تعهدها بالسداد بعد مدة معينة لأصل الدين وفائدته، وفقا للشروط الحاكمة لإنشاء هذا الدين. وعادة ما يكون الدائن جهة وطنية.

وللدين العام المحلي في مصر مفهومين: أولهما: ضيق، حيث يقتصر على مديونية الحكومة ومديونية الهيئات العامة الاقتصادية. والثاني: واسع، حيث يضيف إلى ما سبق مديونية بنك الاستثمار القومى.

وبذلك يخرج من نطاق الدين العام المحلي دين شركات قطاع الأعمال العام أو البنوك العامة، كما لا يتضمن الدين العام المحلي الدين التجارى عن الناتج عن توريد سلع وخدمات أو المستحقات الاستثمارية التي تستحق للمقاولين والموردين عن أعمال استثمارية.

ومن الجدير بالذكر أن الخزانة العامة بوزارة المالية هي التي تمثل الحكومة وهى مسئولة عن الدين المطلوب لتمويل عجز الموازنة العامة للدولة، وتتمثل الجهات الداخلة فى نطاق الموازنة العامة للدولة في كل من:

(أ) الجهاز الإدارى للدولة (الحكومة المركزية): وتشمل الوزارات والمصالح الملحقة بها وقطاع الخدمات الرئاسية.

(ب) الهيئات العامة الخدمية: وهى هيئات تتمتع باستقلال مالى وإدارى وتقدم خدماتها للمواطنين مجاناً أو بسعر رمزى، ومن أمثلتها: الجامعات، الهيئة العامة للطيران المدنى، هيئة السد العالى، دار الكتب ….الخ.

(ج) وحدات الحكم المحلى: تتمثل فى المحافظات والوحدات الخدمية التابعة لها.

أما الهيئات العامة الاقتصادية فتتمثل في الهيئات التى تقدم خدمات عامة بأسلوب اقتصادى بمعنى أنها تمول نفقاتها من إيراداتها المتحصلة من بيع هذه الخدمات وتحقق فائضاً، ومن أمثلتها هيئة السكك الحديدية، وهيئة النقل العام بالقاهرة، وهيئة ميناء القاهرة الجوى، والهيئة العامة للتأمين الصحى، وهيئة الأوقاف المصرية، واتحاد الإذاعة والتليفزيون…الخ . ولكن نظراً لسوء الإدارة وتدهور الأداء فى هذه الهيئات أصبح الغالب منها يحقق عجزاً وليس فائضاً الأمر الذى ترتب عليه تزايد مديونياتها التى تضمنها الحكومة.

أما بنك الاستثمار القومى فقد أنشئ بموجب القانون 119 لسنة 1980 من أجل أن يوفر التمويل اللازم للاستثمارات القومية التى تقوم بها الحكومة أو القطاع الخاص أو القطاع العام، على أن تودع فيه المدخرات القومية من أموال التأمينات والمعاشات، ومن حصيلة شهادات الاستثمار، ومن صندوق توفير البريد إلى جانب ما يمكن تدبيره من مدخرات محلية وخارجية، وكان البنك حسب قانون إنشائه يتبع وزارة التخطيط باعتبارها المشرفة على تنفيذ الخطة الاستثمارية فى الدولة، وتم نقل تبعيته عام 2002 إلى وزارة المالية، وكان ذلك مدخلا لاستيلاء وزير المالية الأسبق الدكتور يوسف بطرس غالي عام 2006 وما بعدها على أموال التأمينات (وهي أموال خاصة) لسد عجز الموازنة بحجة أن الدولة ممثلة في وزارة المالية تتعهد بسداد هذه الأموال عند طلبها، وأنها هي الضامن الوحيد للمعاشات التي تقوم بصرفها لأرباب المعاشات.

ثالثاً: هيكل الدين العام المحلي:

يتمثل هيكل الدين العام المحلي في تحديد المديونية لكل جهة من الجهات العامة السابق ذكرها ومصادر هذا الدين، ومن ثم فإن هيكل الدين العام المحلي يتكون من الآتي:

أ- الدين الحكومى: وهو الدين المستحق على الخزانة العامة للدولة، ويتكون من أربعة عناصر أساسية، هي:

العنصر الأول: سندات الخزانة (حكومية): هى صكوك قابلة للتداول تصدرها الحكومة، ويدين به حاملها الحكومة بمبلغ من المال قدم على سبيل القرض طويل الأجل يعقد عن طريق الاكتتاب العام، ليمنح حامل السند حق الحصول على الفوائد المشروطة أثناء المدة المحددة لبقائه واقتضاء دينه عند انقضاء أجله.

وقد يكون الاكتتاب في تلك السندات إجبارياً بموجب قانون الشركات الذى يلزم كل شركة مساهمة بشراء سندات حكومية بما يعادل 5% من صافى الربح سنوياً. أو سندات الإسكان والطاقة وخلافها، كما قد يكون الاكتتاب في تلك السندات اختيارياً فيما تطرحه الحكومة من سندات للاكتتاب العام (عمر، 2003، ص3).

العنصر الثاني: أذون الخزانة: وهى صكوك مديونية قصيرة الأجل تصدرها الحكومة بقيمة أكبر من قيمة المبالغ الحقيقية التي تدفع لشرائها، ويمثل الفرق بين القيمتين مقدار الفائدة المستحقة لحاملها في تاريخ استحقاقها. وتتنوع إصدارت هذه الأذون، حيث تصدر لآجال مختلفة، فمنها ما يصدر لمدة 91 يوما، ومنها ما يصدر لمدة 182، ومنها ما يصدر لمدة 273، ومنها ما يصدر لمدة 364، وعادة ما يتم الاكتتاب فيها من قبل البنوك والمؤسسات المالية.

العنصر الثالث: الإقتراض من بنك الاستثمار القومى: مما جمعه من أموال التأمينات وشهادات الاستثمارات وصناديق توفير البريد.

العنصر الرابع: صافى أرصدة الحكومة لدى الجهاز المصرفى:، وهى الفرق بين الودائع الحكومية فى البنوك وبين ما سحبته منها. مع ملاحظة أنه إذا كانت الودائع الحكومية أكبر مما سحبته فإن الرصيد يكون بالموجب وتخفض به مديونياتها.

ب- مديونية الهيئات العامة الاقتصادية: وتتكون من: اقتراض هذه الهيئات من بنك الاستثمار القومى، وصافى أرصدة الهيئات لدى الجهاز المصرفى، وتتمثل فى الزيادة التى سحبتها هذه الهيئات عن قيمة ودائعها لدى المصارف.

ج- مديونية بنك الاستثمار القومى: يحصل بنك الاستثمار القومى على المدخرات الوطنية ممثلة فى أموال التأمينات وشهادات الاستثمار للبنك الأهلى، وصناديق توفير البريد، ويقرض منها الحكومة والهيئات الاقتصادية، والباقى يمثل ديوناً فى ذمة بنك الاستثمار القومى يدخل فى هيكل الدين العام.

وهذه الأنواع الثلاثة من المديونية يطلق عليها «الدين العام المحلى» وبإضافة “الدين العام الخارجى” عليه يتكون “إجمالي الدين العام” .

رابعاً: الدين العام الخارجي:

الدين العام الخارجي هو الدين الذي تحصل عليه الدولة من دولة أجنبية أو من شخص طبيعي أو اعتباري مقيم في الخارج أو من هيئة حكومية أو صندوق حكومي أو دولي أو منظمة دولية في الخارج. وقد عرف البنك الدولي إجمالي الدين الخارجي بأنه: “مبلغ الديون المستحقة لغير المقيمين في الدولة والقابلة للسداد بالعملة الصعبة أو من خلال سلع أو خدمات”.

وهذا التعريف يُعد مفهوماً شاملاً للدين العام الخارجي، ممثلا في الالتزامات المالية الخارجية للدولة. فالدين الخارجي هو ذلك الجزء من الدين الكلي في البلاد الذي يستحق للدائنين خارج البلاد. ومن هذا المنطلق يمكن القول أن: الدين العام الخارجى بهذا المفهوم الشامل وما يطلق عليه في اللغة الدارجة (ديون مصر) يتمثل في الالتزامات القائمة (رصيد الدين) بالعملة الأجنبية على المقيمين تجاه غير المقيمين ويتم سداده أو تسويته بالعملة الأجنبية. ويقصد بالمقيمين: الأفراد أو الجهات المقيمة في مصر، وغير المقيمين: الأجانب سواء أكانوا مؤسسات أو حكومات أو أفراد.

ومن خلال تعريف الدين العام الخارجي يمكن القول أن هيكل الدين العام المصري يتكون من: القروض الثنائية الميسرة وغير الميسرة، والقروض من المؤسسات الدولية، والإقليمية، وتسهيلات الموردين، وصافى ودائع غير المقيمين في الجهاز المصرفى. كما أنه من حيث القطاع المدين يتكون هيكل الدين العام الخارجي المصري من: الديون الحكومية، وديون على السلطة النقدية (البنك المركزى)، وديون على البنوك، وديون على القطاعات الأخرى ومنها القطاع الخاص سواء أكانت تلك الديون مضمونة أو غير مضمونة من طرف الحكومة.

المبحث الثاني: التطور في هيكل الدين العام المصري

من خلال تتبع التطور هيكل الدين العام المصري، يمكن تقسيم مراحل هذا التطور إلى مراحل ثلاث: الأولى: منذ عهد محمد على حتى نهاية عهد الملكية (1805ـ1952)، والثانية: من انقلاب يوليو 1952 حتى نهاية حكم مبارك (2011)، والثالثة: من ثورة يناير 2011 حتى نهاية مارس 2016. 3

وسوف نتناول هذه المراحل باختصار فيما يلي:

المرحلة الأولى: منذ عهد محمد على حتى نهاية عهد الملكية (1805-1952م):

تولي محمد علي حكم مصر في العام 1805م، وقد اتسم عهده اقتصاديا باهتمامه بالتنمية، حتى يمكن وصف مرحلة حكمه بأنها: تنمية بلا ديون. (أمين، 2012، ص11-16)  وكانت التجارة الخارجية هي المحرك لعجلة الاقتصاد لاسيما تصدير القطن، وقد حقق محمد على الاكتفاء الذاتي لمصر في الغذاء، بل عمل على تصدير الفائض من الأرز والفول والذرة، واعتمد على النفس في بناء المصانع وإقامة الخزانات والسدود وإرسال البعثات، وتكوين جيش يحمي نظامه، ولم يتورط في الديون. حتى أنه في السنوات الصعبة التي كان يحتاج فيها لمزيد من المال لتمويل حملاته العسكرية، كان يستغني عن كل الواردات غير الضرورية، وفي الوقت نفسه يُجبر الأجانب على دفع فيمة مشترياته منه مقدما. وذكر كراوشلي (Crouchley, 1938,P. 105) أن محمد على حينما كان يعجز عن دفع مرتبات موظفيه، يعطيهم بدلا منها سندات على الحكومة يقومون بخصمها لدى التجار أو بعض المقرضين المحليين، بسعر فائدة يصل أحيانا إلى 15% أو 20%، وخلال بعض الظروف الصعبة يكون مدينا للتجار بمبالغ كبيرة مقابل ما دفعوه مقدما، أو لموظفيه مقابل مرتباتهم المتأخرة.

ولكن كان بمجرد أن يحل السلام ويمر بفترة رخاء، سرعان ما يقوم بسداد ديونه وسرعان ما تمتليء خزائنه من جديد خلال فترة لا تزيد عن سنة أو سنتين في أثناء ذلك، ورغم أنه كان دائم التطلع إلى مشروعات ضخمة للتنمية وتقدم البلاد، إلا أنه كان يتجنب دائما التورط في مشروعات تفوق أعباؤها موارد البلاد المالية، وكان يرفض رفضاً مطلقاً عروض القروض من الأجانب مقابل تخصيص إيرادات بعض المديريات لضمان السداد، وقد رحل في العام 1849م دون أي تكون مصر مدينة لأحد بقرش واحد.

وقد عرفت مصر عصر توريط الديون ومرحلة الديون بلا تنمية التي أودت باستقلال مصر الاقتصادي والسياسي بدءا من حكم سعيد باشا لمصر في العام 1854م، حيث يشير لهيطة (1944، ص240) أنه بعد ثلاث سنوات من حكم سعيد باشا تورط في الديون، لسد رواتب الموظفين، فاقترض من بعض البنوك الأوربية بالإسكندرية، ثم استجاب لنصيحة ديلسبس بإصدار أذونات على الخزانة، تراوحت مدتها ما بين 6 أشهر و3 سنوات، بسعر فائدة يتراوح ما بين 15 – 17% بينما كان سعر الفائدة السائد 7%. واستخدم هذه الأذون في دفع مرتبات الموظفين، الذين يشترون بها احتياجاتهم، ثم يتجمع على أبواب وزارة المالية دائنو الموظفين من الخبازين والجزارين وغيرهم ليطالبوا بقيمة ما بأيديهم من أذونات.

ويذكر Owen(1981, P.125) بأن سعيد باشا اتجه للقروض الخارجية في العام 1860م من خلال عقد قرض خارجي باسمه الشخصي (وليس باسم الحكومة) مع أحد البنوك الفرنسية. ويضيف مارلو (Marlowe,1974,p.96) بأن القيمة الاسمية للقرض بلغت 1.2 مليون جنيه استرليني، بسعر فائدة 6%، وتسلم سعيد من قيمة القرض ثلاثة أرباعه بعد خصم ما يتعلق بالقرض من عمولات وأتعاب ومصروفات، وخصصت لضمانه حصيلة جمارك الإسكندرية.

ومع ذلك فقد أصبحت خزانته بعد عام واحد خاوية من جديد، فلجأ في العام 1862م إلى عقد أول قرض خارجي في تاريخ مصر الحديث، من بنك “أوبنهايم” الألماني، بمبلغ 2.5 مليون جنيه استرليني، وبسعر فائدة 11%، ومضمونا بحصيلة ضريبة الأطيان على أراضي الدلتا. ولم يحصل سعيد من هذا القرض سوى على نسبة 84% من القيمة الاسمية بعد خصم العمولات والمصاريف.

ويضيف أمين (2012، ص20) أنه عندما مات سعيد في العام 1863، كانت مصر مدينة بنحو 8 مليون جنيه استرليني مستحقة السداد عبر ثلاثين عاما، بالإضافة إلى مليون آخر واجب الدفع خلال ثلاث سنوات، وديون قصيرة الأجل تبلغ نحو 9 مليون جنيه، وبلغ إجمالي حجم الدين المصري نحو 18 مليون جنيه عند وفاة سعيد (1863)، بما يعادل خمسة أمثال إيرادات الحكومة المصرية في السنة السابقة على وفاته. وكان ذلك نتيجة توريط الأجانب له في حفر قناة السويس وفقا لمصالحهم، وانحيازه لهم، وهو ما أفقد مصر العوائد التي كانت تحصل عليها من مرور التجارة إلى وسط الدلتا، فضلا عن إسرافه في نفقاته الخاصة وقصوره، وهو ما ورط مصر في ديون وغابت عنها التنمية.

ثم جاءت مرحلة الخديوي اسماعيل التي اتسمت بتوريط مصر في مزيد من الديون، وذلك نتيجة إسرافه وسوء إدارته البلاد، رغم ما شهدته مصر من طفرة في الموارد المالية في عصره . فقد خدم اسماعيل الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1864م) حيث ارتفع سعر القطن بنحو 100% في السنتين الأولتين من حكمه (1863-1865) وزادت حصيلة الصادرات المصرية كما يقول كراوشلي (Crouchley, 1938,P.134) من 27 مليون ريال إلى 90 مليون ريال، ومع ذلك لجأ اسماعيل إلى الاستدانة حتى خلال هذين العامين، فعقد قرضا خارجيا بمبلغ 5.7 مليون جنيه في عام 1864م وآخر بمبلغ 2.4 مليون جنيه في السنة التالية.

ويضيف مارلو (Marlowe,1974,p.224) عندما مرت 13 عاما من حكم اسماعيل -أي في عام 1876م الذي خرجت إدارة المالية المصرية عن سيطرته وأصبحت في يد المراقبين الماليين من الأجانب، بلغت ديون مصر الخارجية (بما في ذلك ديون الخديوي الخاصة) نحو 91 مليون جنيه، بزيادة 73 مليونا جنيها عن عهد سعيد.

ويضيف أمين (2012، ص20) أن حجم خدمة هذا الدين السنوية (أي حجم الأقساط السنوية والفوائد) أكثر من ستة ملايين جنيه، أو ما يمثل نحو 80% من إجمالي إيرادات الدولة في تلك السنة، وذلك مقارنة بعبء خدمة الديون في آخر عهد سعيد الذي لم يزد على 260 ألف جنيه أو ما يمثل أقل من 5% من إجمالي إيرادات الدولة في عام 1863م.

ويضيف مارلو (Marlowe,1974,p.112) أن القيمة الاسمية للقروض الخارجية طويلة الأجل فقط التي حصل عليها اسماعيل منذ اعتلائه للعرش وحتى سنة 1876م هى 53 مليون جنيه لم يتسلم منها بالفعل إلا 32 مليون جنيه، أي ما يقل عن القيمة الاسمية بمقدار 21 مليون جنيه.

ويبين أمين (2012، ص33-34) دور قضية الديون في إنهاء عرش اسماعيل حيث بدأ التدخل الأجنبي في مصر بقبول الخديوي إسماعيل تحت وطأة الديون أن يضع تحت يد الخبير البريطاني كيف في عام 1875م ما يريد جمعه من معلومات عن إيرادات مصر ومصروفاتها، والعجيب أنه ذكر في المراسلات المتبادلة أن ذلك يتم بشرط أي تدخل أو عدوان علي السيادة المصرية.

ثم اضطر اسماعيل في العام 1876 إلى قبول إنشاء صندوق الدين المكون من مراقبين أوربيين يمثلون أهم الدول الدائنة، تكون مهمتهم تسليم وتوزيع ما تضعه الحكومة تحت تصرفهم من إيرادات بغرض تسديد الديون، وإلى أن يقبل في نفس السنة شروط التسوية التي فرضها ممثلا الدائنين (جوشين الانجليزي وجوبير الفرنسي) بإعادة جدولة الديون فيما يشبه الآن نادي باريس.

على أن كل هذا لم يكن كافيا لطمأنة الدائنين على تنظيم إيرادات ونفقات الحكومة المصرية بما يوفر فائضا لخدمة الديون، مما أدى لتكوين لجنة التحقيق عام 1878م التي تشبه توصياتها ما يقوم به صندوق النقد الدولي حاليا تحت اسم إصلاح المسار الاقتصادي، أو إجراءات التصحيح والتكيف، أو ترشيد السياسة الاقتصادية….الخ.

وقد حاول اسماعيل استعادة سيطرته على مقاليد الأمور، فعزل مجلس الوزراء، واستدعى شريف باشا لتشكيل وزارة مصرية خالصة، وحاول تطبيق مشروعه الخاص بالإصلاح المالي وتجاهل المشروع الذي أعدته لجنة التحقيق، فأرسلت الحكومتان البريطانية والفرنسية مذكرتين متطابقتين تحملان الخديوي اسماعل مسؤولية ما صنع، واعتبرت تصرفه من قبيل الاعتداء المباشر والصريح على الاتفاقيات الدولية، وسرعان ما سعت الحكومتان لدى الباب العالي لعزله، وهو ما تم بالفعل في 26 يونيه 1879م، ولم يكن قد انقضي بعد عشرة أسابيع على قيام اسماعيل بطرد الوزارة الأوربية.

وبذلك انتهي عهد إسماعيل الذي شهد الاقتصاد المصري فيه نموا لايستهان به ولكنه بلا تنمية، باعتبار أن التغير في بنيان الاقتصاد وفي هيكل الجهاز الإنتاجي شرطا للتنمية تمييزا لها عن مجرد النمو، وأصبح عهد إسماعيل كسابقه سعيد من حيث توريط مصر في ديون لا قبل لها بها، وهو ما ساهم في الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882م باسم حماية حقوق الدائنين الأوربيين، وتحويل الاقتصاد المصري إلي اقتصاد خادم للدائنين.

ورغم أن ديون مصر الخارجية قدرت بمبلغ 91 مليون جنيه في عام 1876م الذي أصبحت فيه إدارة مصر المالية بيد المراقبين الماليين الأجانب فإن Mabro(1974,P.18) يذكر أن تقرير لجنة التصفية الذي صدر بمقتضاه قانون التصفية في عام 1880م قدر ديون مصر الخارجية بمبلغ 98.4 مليون جنيه، بما في ذلك ديون الدائرة السنية والقرض الإضافي الذي عقد مع روتشيلد عام 1878، ثم زادت الديون خلال العشرين سنة التالية بما عقدته إدارة الاحتلال البريطاني من قروض حتى بلغت 116 مليون جنيه في عام 1900م .

وقد شهدت العشرين سنة التالية للحرب العالمية الأولى (1914-1934م) انخفاضا للدين الخارجي المصري، حيث يذكر هانسن ومرزوق (Hansen&Marzouk, P.270) أنه انخفض من 86 مليون جنيه إلى 39 مليونا، أي ما يمثل 20% من الدخل القومي مقارنة بـ 100% عند بداية الاحتلال البريطاني.

وفي العام 1940م تم إلغاء صندوق الدين الذي فرض الرقابة الأوربية على المالية المصرية في عام 1876م، وحينما انتهت الحرب العالمية الثانية تم إقرار قانون تمصير الدين المصري في عام 1943م بتحويل الدين الخارجي إلى دين داخلي، من خلال سندات تطرح للاكتتاب العام للمصريين والأجانب المقيمين في مصر.

وقد برر وزير المالية حينئذ “أمين عثمان” اللجوء لتمصير الدين بأن ذلك يعدم الدين القديم ويعدم معه ذكرياته السيئة التي جرت على البلاد في الماضي ويلات الاحتلال، والتدخل في أخص شؤون مصر الداخلية، فضلا عن أنه يهدف إلى إرضاء الكرامة الوطنية، وتخفيف عبء الدين إلى حد بعيد، ومع ذلك فإن البعض لم يسترح لهذا القانون باعتبار “أمين عثمان” من أشد المخلصين لبريطانيا، وأنه فتح المجال للأجانب المقيمين في مصر للاكتتاب في السندات، وهو ما يعني انتقال الدين من أيدي الأجانب المقيمين في أوربا إلى الأجانب المقيمين في مصر، بل لأيدى أيضا الأجانب المقيمين بالخارج من خلال اكتتابهم في تلك السندات بواسطة ممثليهم في مصر.

وقد تم عرض سندات الدين الخارجي للاكتتاب في نوفمبر 1943م للمصريين والأجانب في مصر بالعملة المصرية وتم الاكتتاب بكامل قيمة السندات، وبذلك تم سداد الديون الخارجية المصرية التي بدأت مع عهد سعيد من خلال قانون تمصير الدين، وخرجت مصر من الحرب العالمية الثانية دائنة لبريطانيا بمبلغ 340 مليون جنيه، حتى قيام انقلاب يوليو 1952م. ويوضح الجدول رقم (1) التطور في الدين العام المصري الخارجي لمصر من عهد محمد علي عام 1805 حتى نهاية العهد الملكي 1952م

جدول رقم (1) تطور الدين العام المصري الخارجي (1805-1952) القيمة بالمليون جنيه استرليني

السنة فترة الحكم الدين العام الخارجي التغير (%)
1805 محمد على
1863 سعيد باشا 18 18
1876 الخديوي اسماعيل 91 405.6
1878 98.4 8.1
1900 الاحتلال البريطاني 116 17.9
1943 (100)

المصدر: تم إعداد الجدول من خلال الباحث اعتمادا على بيانات متنوعة.

ومن خلال بيانات الجدول السابق يمكن تلخيص وضع الدين العام المصري الخارجي منذ عهد محمد على حتى نهاية العهدالملكي فيما يلي:

1- عرفت مصر الدين العام الخارجي لأول مرة في عهد سعيد باشا في عام 1876 بقيمة 18 مليون جنيه، وزاد هذا الدين بنسبة 405.6% ليبلغ 91 مليون جنيه عام 1878م في عهد الخديوي اسماعيل، بما يمثل 100% من الناتج المحلي الإجمالي.

2- تنامي الدين العام الخارجي خلال الفترة (1876-1887) بنسبة 8.1% ليصل إلى 98.4 مليون جنيه عام 1878 بعد أن أصبحت إدارة المالية المصرية في يد المراقبين الماليين من الأجانب، ثم تواصل نموه في عهد الاحتلال البريطاني بنسبة 17.9% خلال الفترة (1878-1900) ليصل إلى 116 مليون جنيه، ثم تم سداد الديون الخارجية لمصر من خلال قانون تمصير الدين المصري في عام 1943م الذي عمل على تحويل الدين الخارجي إلى دين داخلي.

المرحلة الثانية: من انقلاب يوليو 1952 حتى نهاية حكم مبارك (2011):

ظلت مصر حتي نهاية يونيو 1958م غير مدينة للخارج، وفي الوقت نفسه أصبحت بريطانيا مدينة لمصر بمبلغ 80 مليون جنيه استرليني بعد أن كانت مدينة بـ 340 مليون جنيه استرليني. ويقدر الجريتلي (1974م، ص128) ما تلقته مصر من مساعدات وقروض خلال الفترة من يونيو 1958م إلى يونيو 1965م بما يعادل 800 مليون جنيه مصري، منها 300 مليون قيمة المساعدات الغذائية المقدمة من الولايات المتحدة الأمريكية و500 مليون جنيه من الاتحاد السوفيتي وغيرها من دول الكتلة الشرقية وبعض الدول الغربية والمؤسسات الدولية.

وينقل إكرام (1980م، ص344 ) ما ذكره “هانس” أن تزايد التجاء مصر منذ عام 1964/1965م إلى الاقتراض قصير الأجل بأسعار فائدة باهظة أمر من شأنه أن يصيب بالدهشة الخديوي إسماعيل نفسه. كما يذكر إكرام (1980م، ص342) أن مصر حصلت على معونات من الكتلة الشرقية بلغ متوسطها السنوي خلال الفترة من عام 1954-1964م نحو 116 مليون دولار، وخلال الفترة من عام 1967-1972م نحو 140 مليون دولار. ويضيف أمين (2012م، ص62) أن مصر حصلت بناءً على اتفاقية الخرطوم الموقعة عام 1968م من السعودية والكويت وليبيا على منح يقدر متوسطها السنوي 286 مليون جنيه.

ويقدر أمين (2012، ص67) إجمالي مديونية مصر الخارجية بمختلف أنواعها المدني والعسكري والعام والخاص، وذات الأجل الطويل والقصير والمتوسط بنحو 5 مليار دولار في عام 1970م أي بنهاية حكم عبد الناصر، وانها مع نهاية حكم السادات وصلت إلى نحو 30 مليار دولار.

ويشير إكرام (1980م، ص343-347) إلى أن المنح التي تلقتها مصر من الدول النفطية في عهد السادات بلغت 731 مليون دولار في عام 1973م، و1.3 مليار دولار في عام 1974، و1.1 مليار دولار في عام 1975م.

وقد قوبلت محاولات النظام المصري في العام 1975م والعام 1976بالطلب من الدول الخليجية بزيادة المعونات المقدمة لمصر برفض دول الخليج ذلك معللة الأمر بأن هذا أقصي ما يمكن تقديمه، وأنه حتى لو كان بالاستطاعة تقديم معونات أكثر فإنه ليس لدينا ما يضمن أن مصر سوف تحسن ما تستخدمه من معونات. ويضيف أمين (2012، ص76) كانت هناك أيضا تلميحات إلى ما يسود تصرفات الإدارة المصرية من فساد وتبديد، وهى أمور كانت حكومات النفط العربية آخر من يحق له أن يشير إليها.

وكانت هناك ردود تعلمتها حكومات دول النفط من رجال البنك الدولي والمؤسسات الدولية مثل القول بأن تقديم المساعدات لدعم ميزان المدفوعات يساعد على التبديد وأن الأفضل هو تقديم مساعدات لتمويل مشروعات بعينها يتفق عليها، ولكن مصر للأسف الشديد لا يتوافر لديها كمية كافية من دراسات الجدوى، ومن المشروعات كاملة الإعداد تبرر زيادة حجم المساعدات.

ونتيجة لذلك شهدت المعونات التي قدمتها دول النفط العربية لمصر انخفاضا ملحوظا رغم الضائقة الاقتصادية لمصر في عام 1976م، فانخفض إجمالي المدفوعات الثنائية الميسرة التي دفعتها هذه الدول لمصر من 1873 مليون دولار في عام 1975م إلى 1028 مليون دولار في عام 1976م، أي بنسبة 45%، وانخفضت المدفوعات غير الميسرة لمصر من نفس الدول من 668 مليون دولار إلى 235 مليون دولار اي بنحو الثلثين بين هذين العامين.

وقد كانت تلك الضائقة الاقتصادية والديون الخارجية المستحقة الدفع، وما حدث من انتفاضة الأسعار في يناير 1977م، وموقف دول الخليج برفض زيادة المعونات لمصر، وبحث النظام عن موارد بأي ثمن، من العوامل الرئيسة لاتجاه السادات بوجهه نحو الكيان الصهيوني وزيارته للقدس في نوفمبر 1977، وعقد اتفاقية السلام مع الكيان الصهيوني. وقد شهد العام 1977م انفكاكا للوضع الاقتصادي المتأزم نتيجة لرضا الأمريكيين والدول الغربية وهيئات المعونة الغربية والدولية عن سياسة السادات ومن ثم دعمه اقتصاديا حتى تراوح معدل نمو الناتج المحلي بالأسعار الثابتة ما بين 8%-9% خلال الفترة من 1977-1981م، وزادت موارد العملات الأجنبية واتجه معدل التبادل الدولي لصالح مصر.

ورغم ذلك زادت المديونية وعجز الموازنة خلال هذه الفترة لزيادة الاستهلاك والاعتماد على الاستيراد ليس على السلع الاستهلاكية فحسب بل أيضا للسلع الوسيطة والرأسمالية، وكذلك الاتجاه بالاستثمارات إلى الاستثمارات قليلة الإنتاج ضعيفة العائد كالمرافق العامة والخدمات التجارية والمالية دون إحداث أي تصحيح لهيكل الاقتصاد المصري سواء في هيكل الإنتاج أو هيكل العمالة.

ثم جاء مبارك ليتولي حكم مصر بعد مقتل السادات في عام 1981م، وقد بلغت الديون الخارجية لمصر -كما ذكرنا سلفا- نحو 30 مليار دولار، بما يعادل 140%من الناتج المحلي الإجمالي، ويذكر أمين (2012، ص84، 88) أن هذا المبلغ يتمثل في ديون عامة مدنية متوسطة وطويلة الأجل 14.3 مليار دولار، وهي الديون المستحقة على الحكومة المصرية أو المضمونة من جانبها والمسحوبة بالفعل، وديون عامة مدنية قصيرة الأجل 6.8 مليار دولار، وديون القطاع الخاص نحو نصف مليار دولار، وديون عسكرية 5 مليار دولار للولايات المتحدة والدول الغربية، و3 مليار دولار للاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية.

وفي العام 1986م تعرض الاقتصاد المصري لصدمة جديدة نتيجة للانخفاض الحاد في أسعار البترول، ففي 30 يونيو 1986م ارتفعت قيمة الديون الخارجية العامة المدنية طويلة ومتوسطة الأجل إلى 24.3 مليار دولار، بزيادة 10 مليار دولار، كما ارتفعت ديون القطاع الخاص إلى 2.7 مليار دولار، بزيادة 2.2 مليار دولار، بينما انخفضت الديون المدنية العامة قصيرة الأجل إلى 6 مليار دولار، بانخفاض 800 مليون دولار، وبقيت الديون العسكرية المستحقة للاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية ثابتة عند 3 مليار دولار، بينما زادت الديون العسكرية للولايات المتحدة والدول الغربية من 5 مليار دولار إلى ما بين 8-9 مليار دولار.

ويرجع ارتفاع الدين العام الخارجي إلى التورط في الاقتراض لتمويل مشروعات المرافق العامة في ظل إهمال واضح للقطاعات السلعية التي يمكنها وحدها أن تولد القدرة على خدمة هذه القروض في المستقبل، وهى نفس سياسة السبعينيات التي تقوم على تبني أسهل الحلول في المدى القصير مع تجاهلها اثر ذلك المدمر على الاقتصاد في المدى الطويل.

هذا وقد استمرت الديون الخارجية لمصر في التنامي حتى بلغت 45.7 مليار دولار في يونيه 1989م بزيادة بنسبة 21% عن عام 1986م الذي شهد صدمة انخفاض أسعار البترول. وحينما تفجرت أزمة الخليج في أغسطس 1990م بلغ إجمالي الديون الخارجية 47.6 مليار دولار، أي أكثر من 150% من الناتج المحلي الإجمالي، مما جعل عبء الدين الخارجي لمصر من أعلى أعباء الديون في العالم إذا قيس بنسبة للناتج المحلي، وأعلى حتى من عبء الدين الخارجي في عهد اسماعيل والذى أدي لعزله واحتلال بريطانيا لمصر حيث بلغ حينئذ 100% من الناتج المحلى الإجمالي.

ويذكر أمين (2012، ص104) أن دول الخليج (السعودية والكويت والإمارات) تعهدت بمساندة مصر بنحو 4726 مليون دولار، وكان الأهم من ذلك ما حصلت عليه مصر من إعفاءات كبيرة في ديونها، حيث أعفيت أولا من جانب دول الخليج والولايات المتحدة من ديون قدرها 13.7 مليار دولار، ثم دعت مصر لعقد اتفاقية في مايو 1991 مع الدول المكونة لنادي باريس، نتج عنها إعفاء مصر من ديون أخرى على مراحل، مع الاشتراط بأن يكون حصول مصر على الإعفاء في المرحلتين الأخيرتين (1992 و1994م) متوقفا على تنفيذ مصر لتوصيات صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي فيما سمي ببرنامج الإصلاح الاقتصادي، وترتب على هذا أن انخفضت ديون مصر الخارجية من 47.6 مليار دولار في يونيه 1990م إلى 34 مليار دولار في فبراير 1991م ثم إلى 24 مليار دولار في منتصف 1994م، ولكنها ارتفعت بعد ذلك إلى 33.7 مليار دولار في نهاية يونيه 2010 م.

ويوضح الجدول التالي رقم (2) التطور في الدين العام الخارجي لمصر منذ الانقلاب العسكري في يوليو 1952 حتى نهاية عهد مبار ك فبراير 2011.

جدول رقم (2) التطور في الدين العام الخارجي (يوليو 1952 ـ فبراير 2011) القيمة بالمليار دولار

السنة (نهاية العام المالي /يونيه) /شهر الدين العام الخارجي التغير (%)
1952 0 0
يونيه 1958 0 0
سبتمبر 1970 5 5
أكتوبر 1981 30 500
يونيه 1989 45.7 52.3
يونيه 1990 47.6 1.9
فبراير 1991 34 (28.6)
يونيه 1994 24 (29.4)
يونيه 2001 26.6 10.8
يونيه 2002 28.7 7.9
يونيه 2003 29.4 2.4
يونيه 2004 29.9 1.7
يونيه 2005 28.9 (3.3)
يونيه 2006 29.6 2.4
يونيه 2007 29.9 1
يونيه 2008 33.9 13.4
يونيه 2009 31.5 7.1
يونيه 2010 33.7 7
مارس 2011 34.8 3.3

المصدر: تم إعداد الجدول من خلال الباحث اعتمادا علي بيانات البنك المركزي، ووزارة المالية، (النشرات والتقارير الشهرية، أعداد متنوعة) .

ومن خلال بيانات الجدول السابق يمكن تلخيص وضع الدين العام المصري الخارجي منذ منذ إنقلاب يوليو 1952 حتى نهاية عصر مبارك فيما يلي:

1- شهد عصر عبد الناصر لجوءا للديون الخارجية منذ النصف الأخير من عام 1958م حتى وصل الدين العام الخارجي عند وفاته في سبتمبر 1970م مبلغ 5 مليار دولار.

2- تنامي الدين العام الخارجي بصورة ملحوظة في عهد السادات، حتى بلغت نسبة نموه فترة حكمه 500% ليصل عند وفاته في أكتوبر 1981 إلى 30 مليار دولار.

3- شهدت فترة مبارك مرحلتين هامتين بالنسبة للدين العام الخارجي: الأولى كانت ما قبل حرب الخليح 1991، حيث وصل الدين العام الخارجي إلى 47.6 في يونيه 1990م بزيادة نحو 37% عما كان عليه الحال في نهاية حكم السادات. الثانية، بعد حرب الخليج نتيجة لإعفاء مصر من نصف ديونها حتى وصل الدين العام الخارجي لأدنى انخفاض له في عصر مبارك في يونيه 1994م، لتصل قيمته إلى 24 مليار دولار. ثم شهد الدين العام الخارجي تزايدا حتى وصل في مارس 2011 (بعد نهاية حكم مبارك) مبلغ 34.3 مليار دولار بنسبة ارتفاع 45% عما كان عليه في العام 1994، وبنسبة ارتفاع 16% فيما كان عليه في نهاية حكم السادات.

4- من خلال بيانات السلاسل الزمنية بالبنك المركزي المصري، نجد أنه خلال الفترة (2001-2011) بلغت أعلى نسبة ارتفاع سنوي للدين العام الخارجي في يونيه 2008 بنسبة 13.4%، كما حدث انخفاض وحيد للدين العام الخارجي بنسبة 3.3% في يونيه 2005م. وبلغ أعلى نسبة للدين العام الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي في 2003/2004م بنسبة 38.1% وأقل نسبة في 2010/2011 بنسبة 15.2%. كما بلغ أعلى نسبة للدين العام الخارجي إلى الصادرات السلعية والخدمية في 2001/2002 بنسبة 171.2%، وأقل نسبة في 2007/2008 بنسبة 59.9%. كما بلغ اعلى نسبة خدمة للدين العام الخارجي إلى الصادرات السلعية والخدمية في عام 2001/2002 بنسبة 12.2%، واقل نسبة في عام 2007/2008 بنسبة 4.6%.

ومن الجدير بالذكر أنه في العام 1991 وبعد جدولة الديون المصرية من نادي باريس وتوقيع مصر مع كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ما عرف ببرنامج الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي، اتخذت الحكومة التمويل بالعجز وسيلة رئيسة لتمويل عجز الموازنة، فاتجهت للاقتراض الداخلي من خلال أذون وسندات الخزانة .

ويوضح الجدول التالي رقم (2) التطور في الدين العام المحلي لمصر بين 2000 وفبراير 2011. (وفقا للبيانات المتوفرة)

جدول رقم (3) تطور الدين العام المحلي (2000 -2011) (القيمة بالمليار جنيه)

السنة (نهاية يونيه) الدين العام المحلي التغير (%)
2000 245.5
2001 290.8 18.5
2002 329.8 13.4
2003 370.1 12.2
2004 425.6 15
2005 504.7 18.6
2006 587.4 16.4
2007 630.1 7.3
2008 658.3 4.5
2009 755.3 14.7
2010 888.6 17.6
مارس 2011 1001.9 12.7

المصدر: تم إعداد الجدول من خلال الباحث اعتمادا علي بيانات البنك المركزي، ووزارة المالية، (النشرات والتقارير الشهرية، أعداد متنوعة) .

ومن خلال بيانات الجدول السابق يمكن تلخيص وضع الدين العام المحلي المصري منذ عام 2000 حتى نهاية عصر مبارك فيما يلي:

1-شهد الدين العام المحلي تزايدا منذ عام 2000 وكانت أعلى نسبة زيادة له في عام 2005 بنسبة 18.6%، وأقل زيادة له في عام 2008 بنسبة 4.5%. كما بلغت الزيادة في الدين العام المحلي من العام 2000 حتى نهاية حكم مبارك نسبة 308%.

2-بلغت أعلى نسبة للدين العام المحلي إلى الناتج المحلي الإجمالي في عام 2006 بنسبة 95.1%، وبلغت أدنى نسبة 72.2% في عام 2000م.

المرحلة الثالثة: من ثورة يناير 2011 حتى نهاية مارس 2016:

تولي المجلس العسكري حكم مصر لفترة انتقالية بعد تنحي مبارك في فبراير 2011م، ويظهر الجدول التالي رقم (4) التطور في هيكل الدين العام الخارجي منذ مارس 2011 حتى نهاية مارس 2016م، كما يعكس الجدول رقم (5) التطور في هيكل الدين العام المحلي عن نفس الفترة

جدول رقم (4) التطور في هيكل الدين العام المصري الخارجي من مارس 2011 حتى مارس 2016 القيمة بالمليون دولار

بيان السنة (نهاية يونيه)  شهر مارس

2011

يونيه

2012

يونيه

2013

يونيه

2014

يونيه

2015

مارس

2016

1ـ إجمالي الدين العام الخارجي الحكومي ممثلا في: 26.755 25.594 28.490 29.054 25.707 24.468
(أ) السندات والأذون 2.866 2.901 5.159 6.085 4.938 3.514
(ب) القروض 23.889 22.694 23.331 22.696 20.770 20.954
2ـ إجمالي الدين العام الخارجي غير الحكومي ممثلا في: 8.086 8.790 14.744 17.013 22.356 28.977
(أ) دين على البنك المركزى (السلطة النقدية) 1.502 2.612 9.064 11.005 16.318 20.758
(ب) دين على البنوك 1.855 1.624 1.600 1.544 2.387 3.811
(ج) دين على القطاعات الأخرى ومنها القطاع الخاص 4.729 4.554 4.080 4.464 3.651 4.408
إجمالي الدين العام الخارجي 34.841 34.385 43.233 46.067 48.063 53.445

المصدر: تم إعداد الجدول من خلال الباحث اعتمادا علي بيانات البنك المركزي، ووزارة المالية، (النشرات والتقارير الشهرية، أعداد متنوعة) .

جدول رقم (5) التطور في هيكل الدين المحلي المصري من مارس 2011 حتى مارس 2016 القيمة بالمليون جنيه

بيان/ السنة (نهاية يونيه) / شهر مارس

2011

يونيه

2012

يونيه

2013

يونيه

2014

يونيه

2015

مارس

2016

إجمالي الدين العام المحلي (1+2+3-4) 1.001.927 1.238.137 1.527.378 1.816.582 2.116.345 2.495.514
(1) صافي الدين المحلي الحكومي ممثلا في: 778.884 990.529 1.261.141 1.538.459 1.871.332 2.247.375
سندات وأذون خزانة 879.155 1.078.162 1.269.289 1.478.846 1.722.165 2.222.517
اقتراض من جهات أخرى 2.000 13.036 25.348 15.686 5.640 0
تسهيلات ائتمانية من صندوقي التامين الاجتماعي 2.343 1.725 1.225 1.225 450 250
شهادة المصري الدولارية 0 193 1.421 2.256 2.207 1.227
صافي أرصدة الحكومة لدى الجهاز المصرفي -10.4614 -102.587 -36.142 40.556 140.870 23.381
(2) صافي مديونية الهيئات العامة الاقتصادية 67.645 63.112 63.256 58.360 11.341 22.934
(3) صافي مديونية بنك الاستثمار القومي 224.550 251.028 266.595 2d80.946 293.902 297.954
(4) مديونية بينية (مديونية الحكومة والهيئات الاقتصادية قبل بنك الاستثمار القومي) 69.152 66.532 63.614 61.183 60.230 71.779

المصدر: تم إعداد الجدول من خلال الباحث اعتمادا علي بيانات البنك المركزي، ووزارة المالية، (النشرات والتقارير الشهرية، أعداد متنوعة) .

ونظرا لأهمية فترة ما بعد ثورة يناير 2011 وما طرأ على الدين العام من تغيرات جوهرية نتيجة للإنقلاب العسكري في 3 يوليو 2013 فسوف نتناول الدين العام في هذه الفترة بالدراسة بالتحليل من خلال الوقوف على مؤشراته في المبحث التالي.

المبحث الثالث: مؤشرات الدين العام المصري بعد ثورة يناير 2011

مرت مصر بعد ثورة يناير بمرحلة انتقالية للمجلس العسكري، ثم تولي الرئيس مرسي رئاسة البلاد كأول رئيس منتخب في تاريخ مصر، ثم قام العسكر بانقلابهم بعد عام واحد فقط من تولى الرئيس مرسي، ويستهدف هذا المبحث الوقوف على عدد من المؤشرات التي يمكن من خلالها الحكم على الدين العام لبيان إن كان الأمر في مرحلة الظاهرة المقبولة أم تعداها إلى مرحلة الخطورة والمشكلة أو الأزمة، ومن ثم الحكم على مدى الرشد في إدارة الدين العام.

أولا/ مؤشرات الدين العام الخارجي:

يظهر الجدول التالي عددا من المؤشرات الخاصة بالدين العام المصري الخارجي، للوقوف على موقف الدين العام المصري الخارجي خلال الفترة من مارس 2011 حتى مارس 2016.

جدول رقم (7) مؤشرات الدين العام المصري الخارجي  من مارس 2011 حتى مارس 2016.

السنة (نهاية يونيه) / شهر الدين العام الخارجي

(بالمليون دولار)

معدل النمو في الدين العام الخارجي

(%)

معدل نمو الناتج المحلي الحقيقي (بالأسعار السوق) الدين العام الخارجي/ الناتج المحلي الإجمالي

(%)

الدين العام الخارجي/ الصادرات السلعية والخدمية

(%)

خدمة الدين العام الخارجي/ الصادرات السلعية والخدمية

(%)

متوسط نصيب الفرد من الدين الخارجي

(بالدولار)

مارس 2011 34.841 15.1 333.2 9.7 412.8
يونيه 2012 34.385 (1.3) 2.2 12.5 74.8 6.3 387.7
يونيه 2013 43.233 25.7 2.1 16.4 87.9 6.3 475.3
يونيه 2014 46.067 6.6 2.2 15.6 105.3 7.3 506.4
يونيه 2015 48.063 4.3 4.2 14.9 109.4 12.8 528.4
مارس 2016 53.445 11.2 4.5* 16.5 560.2* 10.1* 549.3

المصدر: تم إعداد البيانات من الباحث اعتمادا على بيانات البنك المركزي ووزارة المالية (النشرات والتقارير الشهرية، أعداد متنوعة).

*تمثل تلك البيانات نهاية ديسمبر 2015 حيث إنها آخر بيانات متاحة.

ومن خلال بيانات الجدول السابق يتبين ما يلي:

1-شهدت فترة حكم المجلس العسكري انخفاضاً في الدين العام الخارجي بمبلغ 456 مليون دولار بنسبة انخفاض 1.3% عما كان عليه الحال في عهد مبارك، وهو الانخفاض الوحيد منذ ثورة يناير. وهذا شيء طبيعي في ظل ورود منح تقدر 10.1 مليار جنيه (البيان المالي لمشروع الموازنة العامة للعام المالي 2016/2017، ص43)

2-شهدت فترة حكم الرئيس محمد مرسي زيادة في الدين العام الخارجي بمبلغ 8.848 مليون دولار بنسبة زيادة 25.7% عما كان عليه الحال في عهد المجلس العسكري، وهى أعلى نسبة ارتفاع للدين العام الخارجي بعد الثورة، ويرجع ذلك بصفة رئيسة إلى ارتفاع السندات والأذون الحكومية بنسبة 77.8%، حيث ارتفعت من 2900.7 مليون دولار في يونيه 2012 إلى 5158.6 مليون دولار في يونيه 2013، وكذلك ارتفاع الدين المتوسط والطويل الأجل الخاص بالسلطة النقدية (البنك المركزي) بنسبة 74.7%، حيث ارتفع من 2612.0 مليون دولار في يونيه 2012 إلى 4564.2 مليون دولار في يونيه 2013، وكذلك ارتفاع العملة والودائع الخاص بالسلطة النقدية (البنك المركزي) بنسبة 200%، حيث ارتفعت من 1000 مليون دولار في يونيه 2012 إلى 3000 مليون دولار في يونيه 2013. (البيان المالي لمشروع الموازنة العامة للعام المالي 2016/2017، ص43)

والملاحظ في تلك الفترة أن المجلس العسكري ترك البلاد بدون احتياطي للمنتجات البترولية، وهو ما دفع الرئيس مرسي إلى السعي لتوفير ذلك، باعتباره من الضروريات مما زاد من فاتورة الدين العام الخارجي، كما أن المنح التي جاءت في عهد الدكتور مرسي بلغت 5.2 مليار جنيه وهي تمثل تقريبا نصف المنح التي حصل عليه المجلس العسكري.

3- شهدت فترة عدلي منصور زيادة في الدين العام الخارجي بمبلغ 2.834 مليون دولار بنسبة زيادة 6.6% عما كان عليه الحال في عهد الرئيس مرسي. وهذا شيء طبيعي في ظل وجود منح سخية بلغت 95.5 مليار جنيه في تلك الفترة.

4- شهدت فترة السيسي (حتى نهاية مارس 2015) زيادة في الدين العام الخارجي بمبلغ 5.382 مليون دولار بنسبة زيادة 11.2% عما كان عليه الحال في عهد عدلي منصور. رغم ورود منح بنحو 25.4 مليار جنيه في العام المالي 2014/ 2015 ومنح متوقعة بنحو 4.2 مليار جنيه حتى نهاية العام المالي 2015/2016، أي بنحو 6 أضعاف ما كانت عليه المنح في عهد الدكتور مرسي. وقد جاءت هذه الزيادة في الدين العام الخارجي بصفة رئيسة نتيجة لعدة ارتفاعات، وذلك على النحو التالي:

(أ) ارتفاع ديون السلطة النقدية (البنك المركزي) بنسبة 88.6% حيث ارتفعت من 11004.5 مليون دولار إلى 20758.5 مليون دولار، نتيجة ارتفاع الدين متوسط وطويل الأجل من 10504.5 مليون دولار إلى 17558.5 مليون دولار، والقروض من 115.6 مليون دولار إلى 1392.7 مليون دولار، والعملة والودائع من 9000.0 مليون دولار إلى 14900.0 مليون دولار.

(ب) ارتفاع ديون البنوك، بنسبة 146.8% حيث ارتفعت من 1544.3 مليون دولار إلى 3810.8 مليون دولار، نتيجة ارتفاع القروض متوسطة وطويلة الأجل من 651.8 مليون دولار إلى1700.9 مليون دولار، والقروض قصيرة الأجل من 0.0 مليون دولار إلى 764.5 مليون دولار، والعملة والودائع من 892.5 مليون دولار إلى 1345.4 مليون دولار .

(ج) ارتفاع ديون القطاعات الأخرى، بنسبة 9.4% حيث ارتفعت من 4079.7 مليون دولار إلى 4464.3 مليون دولار، نتيجة ارتفاع القروض متوسطة وطويلة الأجل من 2205.8 مليون دولار إلى 2881.7 مليون دولار وانخفاض الدين قصير الأجل (التسهيلات التجارية) من 2258.5 مليون دولار إلى 1526.2 مليون دولار.

5- شهدت الفترة من 3 يوليو 2013 حتى نهاية مارس 2015 زيادة في الدين العام الخارجي بمبلغ 10.212 مليون دولار بنسبة زيادة 23.6%. رغم ورود منح عن تلك الفترة بنحو 125.5 مليار جنيه، أي بنحو 24 ضعف ما كانت عليه المنح في عهد الدكتور مرسي. (البيان المالي لمشروع الموازنة العامة للعام المالي 2016/2017، ص43)

وقد جاءت هذه الزيادة في الدين العام الخارجي بصفة رئيسة لارتفاع ديون السلطة النقدية (البنك المركزي) بنسبة 129.3% حيث ارتفعت من 9064.2 مليون دولار إلى 20758.5 مليون دولار، نتيجة ارتفاع الدين متوسط وطويل الأجل من 4564.2 مليون دولار إلى 17558.5مليون دولار، والقروض من 213.0 مليون دولار إلى 1392.7 مليون دولار، والعملة والودائع من 3000.0 مليون دولار إلى 14900.0 مليون دولار.

وكذلك ارتفاع ديون البنوك، بنسبة 138.2% حيث ارتفعت من 1599.9 مليون دولار إلى 3810.8 مليون دولار، نتيجة ارتفاع القروض متوسطة وطويلة الأجل من 806.5 مليون دولار إلى1700.9 مليون دولار، والقروض قصيرة الأجل من 0.0 مليون دولار إلى 764.5 مليون دولار، والعملة والودائع من 793.4 مليون دولار إلى 1345.4 مليون دولار .

وكذلك ارتفاع ديون القطاعات الأخرى، بنسبة 8% حيث ارتفعت من 4079.7 مليون دولار إلى 4407.9 مليون دولار، نتيجة ارتفاع إضافة إلى ارتفاع القروض متوسطة وطويلة الأجل من 2327.0 مليون دولار إلى 2881.7 مليون دولار وانخفاض الدين قصير الأجل (التسهيلات التجارية) من 1752.7 مليون دولار إلى 1526.2 مليون دولار.

6-بلغت أعلى نسبة للدين العام الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي في مارس 2016 بنسبة 16.5% حيث وصل الدين العام الخارجي في عهد السيسي إلى أكبر قيمة له في تاريخ مصر المعاصر بمبلغ 53.4 مليار دولار. بينما بلغت أفل نسبة للدين العام الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي في يونيه 2012 (فترة حكم المجلس العسكري) بنسبة 12.5%. مع التأكيد على أن نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي بلغت في عهد اسماعيل نسبة 100%، وعهد السادات نسبة 140%، وعهد مبارك حتى حرب الخليج في العام 1990 نسبة 37%، وما بعد تسوية ديون مصر بعد حرب الخليج حتى نهاية حكم مبارك نسبة 45%.

7-بلغت أعلى نسبة للدين العام الخارجي إلى الصادرات السلعية والخدمية في ديسمبر 2015 بنسبة 560.2% (عهد السيسي، باعتبار ذلك آخر بيانات متاحة) بينما بلغت أقل نسبة للدين العام الخارجي إلى الصادرات السلعية والخدمية في يونيه 2012 (عهد المجلس العسكري) بنسبة 74.8%.

8-بلغت أعلى نسبة لخدمة الدين العام الخارجي إلى الصادرات السلعية والخدمية في يونيه 2015 بنسبة 12.8% (عهد السيسي، باعتبار ذلك آخر بيانات متاحة) بينما بلغت أقل نسبة للدين العام الخارجي إلى الصادرات السلعية والخدمية في يونيه 2012 (عهد المجلس العسكري) ويونيه 2013 (عهد الرئيس مرسي) بنسبة 6.3%.

وهذا المؤشر يكشف بوضوح مدى القدرة على سداد الدين العام الخارجي، فالحد المقبول عالميا له هو نسبة 25%، لذا فإن الديون الخارجية لم تصل لمرحلة المخاطر العالية بعد وفقا لآخر أرقام رسمية معلنة، وإن كان مخاطر السداد تضاعفت في عهد السيسي عنها عما كان عليه الحال في عهد المجلس العسكري والرئيس مرسي.

9- تفوق معدل نمو الدين العام الخارجي على نمو الناتج المحلي الإجمالي عدا نهاية العام المالي 2012/2013 (يونيه 2013)، وهذا يبرز تآكل نمو الناتج المحلي الإجمالي بفعل نمو الدين العام الخارجي، بل وتآكل جزء من الناتج المحلي الإجمالي نفسه.

10- بلغ نصيب الفرد من الدين العام الخارجي في مارس 2016 مبلغ 549.3 مليون دولار وهو أعلى مبلغ منذ قيام ثورة يناير.

11-شهدت الفترة ما بعد مارس 2016 من حكم السيسي حتى نهاية يونيو 2016، اتجاهاً ملحوظاً وتسارعاً متنامياً نحو الديون الخارجية، وبات دور سحر نصر وزيرة التعاون الدولي مشهودا في هذا الشأن. ويظهر الجدول التالي عددا من القروض التي تم رصدها ولم يتضمنها رصيد الدين العام الخارجي المنشور في مارس 2016م.

جدول رقم (8) ديون خارجية مصرية ما بعد مارس 2016

الجهة المقرضة قيمة القرض الغرض من القرض/المستفيد ملاحظات
الصندوق السعودي للتنمية 1.5 مليار دولار المساهمة في العديد من المشروعات التنموية في مصر . مايو 2016
23 مليار دولار تزويد مصر باحتياجاتها البترولية لمدة خمس سنوات أبريل 2016 / اتفقت الهيئة العامة للبترول مع شركة أرامكو السعودية على تزويد مصر باحتياجاتها البترولية لمدة خمس سنوات بواقع 700 ألف طن شهريا بتمويل الصندوق السعودي للتنمية بفائدة 2% والسداد على 15 سنة.
119 مليون دولار تمويل القصر العيني لإنشاء 6 مستشفيات بإشراف الهيئة الهندسية للقوات المسلحة خلال 3 أعوام. أبريل 2016
الصندوق الكويتي للتنمية 100 مليون دولار لتمويل إنشاء محطات لتحلية المياه في شبه جزيرة سيناء مايو 2016
الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي 216 مليون دولار لتمويل محطة كهرباء غرب القاهرة أبريل 20016
بنوك ( CDPالإيطالى وكريدى إجريكول وبى ان بى باريبا الفرنسيين) 1.2 مليار دولار لتمويل شركة ميدور لسد احتياجات السوق من الغاز الطبيعي فبراير 2016
3 بنوك ألمانية تشمل التعمير الألمانى ودويتشه بنك و«HSBC. 4.1 مليار يورو لتمويل المكون الأجنبي ضمن صفقة شركة سيمنس لإنشاء محطات كهرباء مارس 2016 / القيمة الكلية للصفقة تقدر بمبلغ 8 مليار يورو
مجموعة من البنوك الفرنسية من خلال بنك كريدي أجريكول للشركات والاستثمار 2.2 مليار يورو تمثل نشبة 40% من القيمة المتبقية من صفقة تسليح مع فرنسا مارس 2016 / إجمالي القرض 5.6 مليار يورو وقد وافق البرلمان على الدفعة الأولى من القرض بمبلغ 3.4 مليار يورو بنسبة 60% من الصفقة في مارس الماضي.
البنك الدولي 3 مليار دولار دعم الموازنة أبريل 2016 / البنك الدولي أبدى تراجعاً عن تعهدات القرض الذي جرى التوقيع عليه في ديسمبر الماضي. لأن الحكومة لم تلتزم بالاشتراطات التي أقرت بها في متن الاتفاق، والتي على أساسها وافق البنك الدولي على القرض، خاصة فيما يتعلق بإقرار قانون ضريبة القيمة المضافة، وتقليص فاتورة الأجور والدعم.

هذا بخلاف صفقة تسليح روسية بمبلغ 3.5 مليار دولار (الجزيرة مباشر)، وكذلك توقيع مذكرات تفاهم لقروض وتمويل لمشروعات من كوريا الجنوبية بقيمة 3.1 مليار دولار (مباشر مصر) واليابان بقيمة 17.8 مليار دولار  (أصوات مصرية)، وما تم التصريح به من قبل مسؤولين بالبنك المركزي بالحصول على وديعة إماراتية بمبلغ 2 مليار دولار لدعم الاحتياطي بالبنك المركزي قبل 30 يونيه 2016 ومن ثم سداد ما تبقي من وديعة قطر (مليار دولار) والقسط النصف سنوي لنادي باريس (700) مليون دولار (اليوم السابع).

فضلا عن وديعة سعودية لدعم الاحتياطي بالبنك المركزي بمبلغ 3 مليار دولار بعد زيارة العاهل السعودي وتنازل السيسي عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية (الوطن) والتي ربطت إيداعها بتصديق البرلمان على ترسيم الحدود المصرية السعودية والتي تأخر وصولها بعد حكم محكمة القضاء الإداري في 21 يونيه 2016 ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود مع السعودية وسيادة مصر على تيران وصنافير (الشروق)، وكذلك التفاوض للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 8.4 مليار دولار (الصباح).

إضافة إلى تكاليف المرحلة الأولى من العاصمة الجديدة التي قوامها الاقتراض وتقدر بمبلغ 45 مليار دولار (العربية نت)، وكذلك تكاليف إنشاء محطة الضبعة النووية التي قوامها قرض روسي بمبلغ 25 مليار دولار فضلا عن تمويل مصري بمبلغ نحو 3.8 مليار دولار، وما يتضمنه ذلك من مصادرة حق الأجيال القادمة حتى عام 2051 في العيش في حياة كريمة بفعل تبعات هذا القرض وفوائده، والتكاليف الباهظة لمتأخراته، فضلا عن عدم الحاجة الملحة أصلا للمشروع الممول له.

فقد نشرت الجريدة الرسمية المصرية  في عددها الصادر يوم الخميس 19 مايو 2016 قرار رئيس الجمهورية رقم 484 لسنة 2015 بالموافقة علي الاتفاقية الموقعة بين حكومتي مصر وروسيا الاتحادية بشأن تقديم قرض تصدير حكومي من حكومة روسيا الاتحادية إلي حكومة مصر لإنشاء محطة طاقة نووية في الضبعة بقيمة 25 مليار دولار أمريكي، ويستخدم القرض بواسطة الطرف المصري لتمويل 85% من قيمة كل عقد لصالح تنفيذ الأعمال والخدمات والشحنات المتعلقة بالمعدات.

ويسدد الطرف المصري القيمة المتبقية للتمويل والبالغة 15% في أقساط، إما بالدولار أو بالجنيه المصري لصالح المؤسسات الروسية المفوضة بما يتوافق مع العقود في صورة دفعة سداد مقدمة أو أي مدفوعات بعد تنفيذ الأعمال والخدمات وتسليم التوريدات. ويستخدم الطرف المصري القرض على دفعات لمدة 13 عامًا ما بين أعوام 2016 و2028 وفقًا للجدول الزمني الموضوع، ويقوم بسدادالمبالغ المستخدمة من القرض على مدار 22 عامًا، على 43 قسطًا نصف سنوي متساويًا في 15 أبريل و15 أكتوبر من كل عام، بشرط سدادالدفعة الأولى من أصل القرض في 15 أكتوبر 2029.

وذكرت الاتفاقية أن الطرف المصري يدفع الفائدة على القرض بمعدل 3% سنويًا. وأنه في حالة عدم سداد أي من الفوائد المذكورة خلال 10 أيام عمل، ويُحتسب المبلغ على أنه متأخرات، ويخضع لفائدة قيمتها 150% من معدل الفائدة الأساسي. وأنه في حالة عدم سداد أي دفعة من أصل القرض أو الفائدة المذكورة خلال 10 أيام عمل يحتسب المبلغ على أنه متأخرات، ويخضع لفائدة قيمتها 120% من معدل الفائدة الأساسي، وأعطت الاتفاقية، في حالة عدم دفع المتأخرات، أو فوائدها، خلال 90 يومًا ميلاديًا، الحق للجانب الروسي بشكل منفرد في تعليق أي استخدام آخر للقرض.

ومن خلال ما سبق يمكن القول أن القروض التي تم الاتفاق والتوقيع عليها فعلا بلغت 63.1 مليار دولار منها القرض الروسي الذي يصرف على دفعات لمدة 13 عامًا، والقرض السعودي لتزويد مصر باحتياجاتها البترولية لمدة خمس سنوات، بينما بلغت اتفاقيات القروض التي في طور التنفيذ 84.8 مليار دولار.

وهذا يعني أن ديون مصر قد تصل خلال العامين القادمين (في نهاية يونيه 2018) نحو 130.7 مليار دولار (بدون الفوائد) بنحو 36% من الناتج المحلي الإجمالي، آخذا في الاعتبار فقط القروض المنفذة فعلا بعد مارس 2015 حتى نهاية العامين وفقا للبيانات الحالية (18.1 مليار)، والقروض التي تسعى الحكومة لها خلال العامين القادمين وفقا لتفاهماتها (42.3 مليار دولار) وقيمة الدين العام الخارجي في مارس 2016 (53.4 مليار دولار) مضافا إليه معدل نموه في العامين4 حيث يمكن تقدير الدين العام الخارجي حينئذ بنحو (70.3 مليار دولار).

6- الاتجاه للقروض الخارجية في عهد السيسي أصبح غاية، ويرتبط معظم هذه القروض بالبنية التحتية، وتتسم بكونها باهظة التكاليف قليلة العائد، فضلا عن الاعتماد عليها أيضا لترقيع الديون، وسد عجز الموازنة، وسداد ما على الحكومة وهيئاتها من التزامات خارجية، والوفاء بالحاجات الضرورية الاستيرادية في ظل أزمة الدولار المتنامية، ولم تكتف الحكومة بذلك بل فتحت المجال لبنوك القطاع العام الثلاثة للاقتراض الخارجي جنبا إلى جنب مع الاقتراض الحكومي، وهو ما يعني توريط تلك البنوك في ديون هى في غني عنها، وهو ما يضر بمصلحة المودعين في تلك البنوك في الأساس.

ولعل أخطر ما في هذه القروض غلبة البعد السياسي على الاقتصادي بحثا عن حلا لعقدة الشرعية، واستخدام السيسي في ذلك أداة الرشوة المقنعة لكسب ولاء دول ذات قوة دولية لاسيما روسيا وألمانيا وفرنسا.

7- يعكس تخفيض التصنيف الائتماني لمصر وبنوك القطاع العام الثلاثة المخاطر التي تحيط بقدرة مصر وتلك البنوك على سداد التزاماتها، وأيضا انخفاض جدارتها الائتمانية في الحصول على القروض أو الحصول على القروض ولكن بفائدة مرتفعة . فقد أعلنت وكالة “ستاندرد آند بورز” العالمية للتصنيف الائتماني، أنها قامت بتعديل نظرتها المستقبلية لثلاثة بنوك مصرية من “مستقرة” إلى “سلبية”. وأشارت الوكالة في بيان لها (17 مايو 2016) أن البنوك المصرية الثلاثة هي: البنك الأهلي المصري (أكبر بنك حكومي)، وبنك مصر (ثاني أكبر بنك حكومي) والبنك التجاري الدولي (أكبر بنك خاص في مصر). وأضافت الوكالة أنها أبقت على التصنيف الائتماني على المديين الطويل والقصير عند ( B-/C).

وقد جاء هذا التخفيض الائتماني بعد أربعة أيام فقط من تخفيض وكالة “ستاندرد آند بورز” العالمية التصنيف الائتماني السيادي طويل الأجل لمصر إلى سلبي، بعدما كان مستقرا، بسبب الصعوبات المالية التي تواجهها البلاد. حيث جاء في بيان الوكالة (13 مايو 2016) أن: “النظرة السلبية تعكس تقديرنا بأن هشاشة الوضع المالي في مصر قد تتفاقم خلال 12 شهرا المقبلة. ونعتقد أن هذا يعطل تعافي اقتصاد البلاد، ويصعد التوتر السياسي والاجتماعي في البلاد”. وأبقت الوكالة على تصنيف الائتمان السيادي قصير الأجل بالعملة الأجنبية والمحلية لمصر في فئة (B-/ B).

ثانياً: مؤشرات الدين العام المحلي:

يظهر الجدول رقم (9) عددا من المؤشرات الخاصة بالدين العام المصري المحلي، للوقوف على موقف الدين العام المصري المحلي خلال الفترة من مارس 2011 حتى مارس 2016.

جدول (9) مؤشرات الدين العام المصري المحلي (مارس 2011 – مارس 2016):

السنة الدين العام المحلي

(بالمليون جنيه)

معدل النمو في الدين العام المحلي

(%)

معدل نمو الناتج المحلي الحقيقي (بأسعار السوق) (%) الدين العام المحلي/ الناتج المحلي الإجمالي

(%)

متوسط نصيب الفرد من الدين المحلي (بالجنيه)**
مارس 2011 1.001.927 72.7 12461.8
يونيه 2012 1,238,137 23.6 2.2 74.7 15025.9
يونيه 2013 1,527,378 23.4 2.1 82.8 18032.8
يونيه 2014 1,816,582 18.9 2.2 86.4 20952.5
يونيه 2015 2,116,345 16.5 4.2 87.1 23779.2
مارس 2016 2,496,514* 17.9 4.5* 88.1 27697.2

المصدر: تم إعداد البيانات من الباحث اعتمادا على بيانات البنك المركزي ووزارة المالية (النشرات والتقارير الشهرية، أعداد متنوعة).

*تمثل تلك البيانات نهاية ديسمبر 2015 حيث إنها آخر بيانات متاحة.

*** قام الباحث بحساب متوسط نصيب الفرد من الدين المحلي اعتمادا على عدد السكان المنشور في نشرة وزارة المالية، مايو 2016، ص2.

من خلال بيانات الجدول السابق يتبين ما يلي:

1- شهدت فترة حكم المجلس العسكري ارتفاعاً في الدين العام المحلي بمبلغ 236.210 مليون جنيه بنسبة ارتفاع 23.6% عما كان عليه الحال في عهد مبارك.

2-شهدت فترة حكم الرئيس محمد مرسي زيادة في الدين العام المحلي بمبلغ 289.241 مليون جنيه بنسبة زيادة 23.4% عما كان عليه الحال في عهد المجلس العسكري.

2- شهدت فترة عدلي منصور زيادة في الدين العام المحلي بمبلغ 289.204 مليون جنيه بنسبة زيادة 18.9% عما كان عليه الحال في عهد الرئيس مرسي.

3- شهدت فترة السيسي (حتى نهاية مارس 2017) زيادة في الدين العام المحلي بمبلغ 679.932 مليون جنيه بنسبة زيادة 18.9% عما كان عليه الحال في عهد عدلي منصور، وهذه النسبة مزيد من التنامي في الديون في عهد السيسي، وإذا تم حساب الزيادة في الدين المحلي منذ الانقلاب حتى نهاية مارس 2016 يظهر هذا التنامي بصورة أكبر حيث زاد الدين العام المحلي بمبلغ 840.922 مليون جنيه بنسبة زيادة 63.5%. وهذا رغم ورود -كما ذكرنا من قبل– منح عن تلك الفترة بنحو 125.5 مليار جنيه، أي بنحو 24 ضعف ما كانت عليه المنح في عهد الدكتور مرسي. (البيان المالي لمشروع الموازنة العامة للعام المالي 2016/2017، ص43)

وترجع تلك الزيادة في الدين العام المحلي إلى التمادي في سياسة إصدار أذون وسندات الخزانة، فعلي سبيل المثال ارتفعت الأرصدة من أذون وسندات الخزانة في مارس 2016 إلى 2,222,517 مليون جنيه مقارنة بـ 1,478,846 مليون جنيه في يونيه 2014، و1,269,289 مليون جنيه في يونيه 2013، وبنسبة زيادة 50.3%، 75.1% على التوالي، في حين وصلت تلك النسبة في يونيه 2013 إلى 17.7% فقط في عهد الدكنور مرسي حيث ارتفعت تلك الأرصدة من 1,078,162 مليون جنيه في يونيه 2012، إلى 1,269,289 مليون جنيه في يونيه 2013 .

ويعكس إفراط الانقلاب في إصدار سندات وأذون الخزانة السير على النهج الخطير الذي ارتضته الحكومات المصرية منذ ما سمي بعملية الإصلاح الاقتصادي في التسعينيات من القرن العشرين والاعتماد على التمويل بالعجز، وإن كان الأمر بلغ أشده في فترة الإنقلاب. وهو ما يؤثر حتما على السيولة المتاحة أمام القطاع الخاص لتفضيل البنوك عند توجيه استثمارات العائد المميز لأذون وسندات الخزانة، وهو ما يقلص من نشاط القطاع الخاص نتيجة مزاحمة الحكومة له في الفرص المتاحة للتمويل، كما أن هذا التمويل لعجز الموازنة تحول إلى سياسة ترقيعية للديون لا ينبني عليها قيمة مضافة حقيقية. كما أن اتجاه البنك المركزي لرفع سعر الفائدة يزيد من أعباء خدمة الدين المحلي.

4-شهدت نسبة الدين العام المحلي للناتج المحلي الإجمالي تزايدا منذ عهد المجلس العسكري حتى بلغت في نهاية مارس 2016 نسبة 88.1%، وهو ما يعني تخطى تلك النسبة حد الأمان الذي يقدر بنسبة 60% للدين العام المحلي والخارجي معا، والدخول في مخاطر عالية. بل إن الدين الحكومى وحده يتجاوز أكثر من 60% للدين المحلي، فوصل إلى أعلى قيمة له في مارس 2016 بنسبة 79.3% مقارنة بنسب 77% في يونيه 2015، و73.2 في يونيه 2014، و68.4% في يونيه 2013، و56.6% في يونيه 2012م.

5- من خلال مقارنة معدل نمو الدين العام المحلي بمعدل نمو الناتج المحلى الإجمالي، نجد أن معدل نمو الدين العام المحلي تفوق بصورة كبيرة على معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال فترة الدراسة، وهو ما يعني تأكل الناتج المحلي الإجمالي تدريجيا بفعل التنامي في الدين العام المحلي. ولو افترضنا نمو الدين العام المحلي بنفس معدلات مارس 2016 فإنه يتوقع ان يصل الدين العام المحلي في نهاية يونيه 2018 مبلغ 4.1 تريليون جنيه بنسبة نحو 103% من الناتج المحلي الإجمالي في ذات العام.

6-بلغت حصة الفرد الواحد من إجمالي الدين العام المحلي نحو 27697.2 جنيه في مارس 2016، وهو أعلى مبلغ منذ قيام ثورة يناير.

ثالثاً: مؤشرات الدين العام (المحلي والخارجي)

يظهر الجدول التالي رقم (10) عددا من المؤشرات الخاصة بالدين العام المصري (المحلي والخارجي)، للوقوف على موقف الدين العام خلال الفترة من مارس 2011 حتى مارس 2016.

جدول رقم (10) مؤشرات الدين العام (محلي وخارجي) من مارس 2011 حتى مارس 2016

السنة الدين العام (بالمليون جنيه) معدل النمو في الدين العام

(%)

معدل نمو الناتج المحلي الحقيقي (بأسعار السوق) (%) الدين العام / الناتج المحلي الإجمالي

(%)

متوسط نصيب الفرد من الدين العام (بالجنيه)
مارس 2011 1.208.639 87.7 15032.8
يونيه 2012 1.446.510 19.7 2.2 87.3 17554.7
يونيه 2013 1.762.559 21.8 2.1 95.6 20809.4
يونيه 2014 2.142.736 21.6 2.2 101.9 24714.4
يونيه 2015 2.482.104 15.8 4.2 102.2 27888.9
مارس 2016 2.964.761* 19.4 4.5** 102.8 32905

المصدر: تم إعداد البيانات من الباحث اعتمادا على بيانات البنك المركزي (النشرة الشهرية، أعداد متنوعة).

*قام الباحث بحساب الدين العام الخارجي قبل إضافته للدين الداخلي اعتماد على الأسعار المنشورة في نشرة وزارة المالية، مايو 2016، ص21، ومراعاة ما تم من ارتفاع لسعر الدولار في مارس 2015 حيث بلغ بعطاءات البنك المركزي 8.78 جنيه.

** في نهاية ديسمبر 2015 حيث إنها آخر بيانات متاحة.

من خلال بيانات الجدول السابق يتبين ما يلي:

1- بلغت أعلى نسبة للدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي 102.8% في مارس 2013 وأدنى نسبة 87.3% في يونيه 2012 . وبذلك تعدى الدين العام حاجز الأمان الذي يقدر بنسبة 60%5، هذا رغم ما حصل عليه الإنقلاب ما يزيد عن منح تعدت 40 مليار دولار من دول الخليج.

2- من خلال مقارنة معدل نمو الدين العام بمعدل نمو الناتج المحلى الإجمالي، نجد أن معدل نمو الدين العام تفوق بصورة كبيرة على معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال فترة الدراسة، وهو ما يعني تأكل الناتج المحلي الإجمالي تدريجيا بفعل التنامي في الدين العام. وبلغ أعلى ارتفاع لمعدل نمو الدين العام في مارس 2016 (في 9 شهور) بنسبة 19.4% مقارنة بنسبة 4.5% لمعدل نمو الناتج المحلي الإجمالي (في النصف الأول من العام المالي 2015/2016) 6 . وبذلك تعدى الوضع مستوى الأمان بكثير الذي يكون بتساوى أو زيادة معدل نمو الناتج المحلى عن معدل نمو الدين العام. حيث يأكل النمو في الدين النمو في الناتج المحلي، بل وجزء من الناتج المحلي نفسه لايستهان به.

3-بلغ متوسط نصيب الفرد من الدين العام في مارس 2012 مبلغ 32959 جنيه،  وينبغي أن يتناسب نصيب الفرد من الدين العام مع إمكانياته متمثلة فى متوسط نصيبه من الدخل، فيكون هذا المؤشر في حدود الأمان إذا وصل نصيب الفرد من الدين العام 50% من متوسط دخله فى السنة. ولما كان متوسط نصيب الفرد من الدخل 27625 جنيه7، فإن نسبة نصيب الفرد من الدين العام إلى متوسط الدخل للفرد تبلغ 119%، وهذه النسبة تزيد بكثير عن حد الأمان. وهذا يعكس الأعباء التي يتحملها الفرد والتي يؤثر بالطبع على مستوى معيشته والخدمات المقدمة له.

4- يعد السبب الرئيس للجوء الدولة إلى الاستدانة بدين عام هو عجز الموازنة الذى يعنى نقص الإيرادات العامة عن مواجهة النفقات العامة المتزايدة، وكلما زاد العجز واستمر كلما زاد الدين العام، والواقع فى مصر يظهر أن الموازنة العامة للدولة تعانى من عجز مستمر ومزمن وتزايد فى السنوات الأخيرة، وحتى الهيئات العامة الاقتصادية التي يفترض أنها تحقق فائضاً بمعنى أن تغطى إيراداتها نفقاتها وتزيد فإن واقعها يظهر أنها تحقق عجزاً.

وتظهر خصوصية العلاقة بين الدين وعجز الموازنة فى أنه بجانب أن العجز هو سبب الاستدانة، أصبحت أيضا أعباء خدمة الدين من قيمة العجز، بما يعنى أنه يتم الاستدانة لسداد ديون سابقة مما يعكس أن ترقيع الديون هي السياسة المثلى للحكومة وأن الأمر سيستمر هكذا فى المستقبل وسوف تتضخم الديون.

فقد كشف البيان المالي لمشروع الموازنة العامة للدولة 2016/2017 (وزارة المالية، ص116) أن الفوائد على الدين العام تقدر بمبلغ 292.520 مليون جنيه وتمثل نسبة 31.2% من إجمالي المصروفات، كما تلتهم الفوائد نسبة 46.3% من إجمالي الإيرادات بدلاً من إنفاق هذه الإيرادات لتقديم الخدمات للمواطنين. وتقدر الفوائد على الدين المحلي بمبلغ 284.861 مليون جنيه بنسبة 97.4% من إجمالي الفوائد، والفوائد على الدين الخارجي 7.659 مليون جنيه بنسبة 2.% من إجمالي الفوائد.

كما قدر سداد أقساط القروض في الموازنة بمبلغ 256.288 مليون جنيه، وعجز الموازنة بمبلغ 319.460 مليون جنيه، ومن ثم تقدر الفجوة التمويلية (بعد مراعاة حصيلة الخصخصة التي تقدر بـ 250 مليون جنيه بالسالب) بمبلغ 575.998 مليون جنيه، ويتم سداد هذه الفجوة التمويلية من خلال اقتراض خارجي بمبلغ 100 مليون جنيه لتمويل الاستثمارات العامة، ونحو 1.000 مليون جنيه قروض خارجية معاد إقراضها عن طريق الخزانة، والباقي البالغ 574.898 مليون جنيه (ويمثل نسبة 99.8% من الفجوة التمويلية) يتم تغطيته من خلال إصدار أذون وسندات خزانة بمبلغ 574.898 مليون جنيه.

والملاحظ أن البنك المركزي اتخذ سياسة رفع سعر الفائدة منحا له منذ تولي طارق عامر محافظا له في نوفمبر 2015، فرفعها أكثر من مرة وكان آخرها في يونيه 2016 حيث رفعها بنسبة 1% وهو ما يعني تحمل موازنة الدولة فوائد إضافية على مبلغ أذون وسندات الخزانة المذكور تقدر بمبلغ 5749 مليون جنيه، وهو ما يزيد من أعباء الدين العام المحلي، كما أن ارتفاع سعر الدولار يزيد من تكلفة أعباء الدين العام الخارجي، وهذا الارتفاع متوقع بصوة كبيرة في ظل ضعف موارد النقد الأجنبي. وهو ما يزيد من فاتورة الدين العام في نهاية المطاف.

5-من خلال استشراف المستقبل في ظل واقع الدين العام في مصر، وما ذكرناه من توقعات وصول الدين العام الخارجي في يونيه 2018 إلى نحو 131 مليار دولار، والدين العام المحلي إلى نحو 4.1 تريليون جنيه. فهذا يعني وصول الدين العام (وفق أقل تقدير لسعر الدولار 11جنيه) إلى 5.5 تريليون جنيه بنسبة 139% من الناتج المحلي الإجمالي. مما ينذر بخطورة الأمر وحدوث كوارث اقتصادية خلال الأعوام القادمة.

رابعاً: مؤشرات قياس الاقتدار المالى العام:

استخدم عمر (2003، ص14-15) مؤشرين للاقتدار المالي العام هما: تناسب معدل النمو فى كل من الإيرادات العامة والنفقات العامة، وتناسب سعر الفائدة على الدين العام مع معدل نمو الدين العام. ومن خلال هذه المؤشرين يمكن التعرف على مدى مقدرة المال العام لمواجهة مشكلة ومخاطر تزايد الديون، ومن ثم يمكن الوقوف على مدى قدرة المالية العامة على مواجهة مشكلة الديون فى المستقبل، بمعنى تحمل أعباء الموجود منها وتقليل الاعتماد على الديون فى المستقبل.

1– تناسب معدل النمو فى كل من الإيرادات العامة والنفقات العامة: من خلال هذا المؤشر يمكن الوقوف على معدل النمو لكل من الإيرادات العامة والنفقات العامة فإذا تساوى معدلهما أو زاد معدل نمو الإيرادات عن معدل نمو النفقات يكون الوضع سليماً والعكس صحيح .ويظهر الجدول 11 الإيرادات والنفقات العامة في الموازنة العامة للدولة خلال الفترة من العام المالي 2010/2011 حتى 2016/2017

جدول رقم (11) الإيرادات والنفقات العامة في الموازنة العامة للدولة خلال الفترة من العام المالي 2010/2011 حتى 2016/2017 (مليار جنيه)

السنة المالية الإيرادات المصروفات
قيمة معدل النمو قيمة معدل النمو
2010/2011 265.3 401.9
2011/2012 303.6 14.4 471 17.2
2012/2013 350.3 15.4 588.2 24.9
2013/2014 456.8 30.4 701.5 19.3
2014/2015 465.2 1.8 733.4 4.5
2015/2016 525.2* 12.9 828.8* 13
2016/2017 631.1** 20.2 936.1** 12.9

المصدر: تم إعداد البيانات من الباحث اعتمادا على بيانات البيان المالي عن مشروع الموازنة العامة للدولة 2016/2017، ص38.  *متوقع. ** مشروع الموازنة.

وبالنظر إلى بيانات الجدول السابق نجد أن معدل نمو النفقات يزيد عن معدل نمو الإيرادات، عدا في العام 2013/2014 حيث تفوق معدل نمو الإيرادات (30.4%) على معدل نمو المصروفات (19.3%)، ويرجع ذلك بصفة رئيسة لزيادة المنح إلى 95.9 مليار جنيه مقارنة بـ 5.2 مليار جنيه للعام المالي السابق.

وكذلك عدا مشروع الموازنة للعام المالي 2016/2017 حيث تم تقدير معدل معدل نمو الإيرادات (20.2%) ومعدل نمو المصروفات (12.9%) وذلك نتيجة للمغالاة في تقدير الإيرادات، والسير على نفس سياسة تقديرات الإيرادات المفرطة التي تمت بموازنة العام 2015/2016، والتي انخفضت الحصيلة الضريبية الخاصة بها بنسبة 15%، والحصيلة غير الضريبية بنسبة 20% عما كان مقدرا.

وهذا يعكس لعبة الأرقام التي تجيدها الحكومة سواء بالإفراط في قيمة الإيرادات أو الناتج المحلي الإجمالي لتجميل الموازنة وجعل عجزها مقبولا. وتلك السياسة التجميلية تعظم من المخاطر المستقبلية للدين العام.

2- تناسب سعر الفائدة على الدين العام مع معدل نمو الدين العام: من خلال هذا المؤشر فإن زيادة سعر الفائدة أو تساويها لمعدل نمو الدين العام يدل على الرشد فى إدارة الدين العام وإمكان كبح جماحه، أما لو قل سعر الفائدة عن معدل النمو فى الدين العام، فإن الأمر ينذر بالخطر. ويظهر الجدول رقم (12) معدل نمو الدين العام ومتوسط الفائدة علي أذون الخزانة 91 يوم (باعتبار أن أذون الخزانة هي السمة الغالبة للدين العام) خلال الفترة من العام المالي 2010/2011 حتى 2014/2015.

جدول (12) معدل نمو الدين العام ومتوسط الفائدة علي أذون الخزانة خلال الفترة من العام المالي 2010/2011 حتى 2014/2015.

السنة معدل نمو الدين العام % متوسط الفائدة علي أذون الخزانة 91 يوم %
2011/2012 19.7 13.38
2012/2013 21.8 13.35
2013/2014 21.6 10.88
2014/2015 15.8 11.44

المصدر: تم إعداد البيانات من الباحث اعتمادا على بيانات البنك المركزي وبيانات وزارة المالية (النشرات والتقارير الشهرية، أعداد متنوعة) .

وبالنظر في الجدول السابق نجد أن متوسط سعر الفائدة علي أذون الخزانة 91 يوم يقل عن معدل نمو الدين العام، وهو ما يؤكد تعدى وضع الدين العام مرحلة الأمان بكثير وانتقاله من مرحلة الظاهرة وحتى من مرحلة المشكلة التى يمكن حلها إلى مرحلة الأزمة المستحكمة التى يصعب علاجها فى الأمد القصير، وهذا يؤدى إلى آثار كارثية على مجمل الاقتصاد القومى نتيجة لسوء إدارة الدين العام.

المبحث الرابع: الدين العام المصري بين الآثار والعلاج

ينذر وضع الدين العام المصري في الوقت الحالي، وتوجهاته المستقبلية بالخطورة، ولا يمكن حصر المخاطر في الدين الخارجي فقط، وترديد بأنه يمثل نسبة معقولة إذا قيس بإجمالي الدين العام، وهذا مؤشر لا ميزان حقيقي له في تقييم وضع الدين العام، والمؤشرات التي طرحناها في المبحث السابق تعكس مدى المخاطر الحالية والمستقبلية لسياسة الدين العام في مصر.

فمن أولي بديهيات الاقتراض العام، أن يكون استخدام القرض ذات جدوي اقتصادية واجتماعية فيكون القرض له القدرة على تحقيق تدفقات من استخدامه تمكن من المقدرة على سداده، والاستخدام الأمثل له في مشروعات تنموية ذات أولوية ولها قدرة على تغيير هيكل الإنتاج وهيكل العمالة بما يصب في صالح الاقتصاد القومي، وهذا ما نراه غائبا في القروض المصرية، التي تتسم سياسة الحكومة فيها بالاقتراض من أجل ترقيع القروض، في ظل إصابتها بالحول التنموي وغياب الأولويات.

أولاً: آثار الدين العام المصري:

يمكن إيجاز أهم الآثار لسياسة الإفراط في القروض، وتضخم الدين العام المصري فيما يلي:

1-إذا كان للدين العام المحلي القدرة على زيادة الطلب الكلي في الأجل القصير وفقا لرؤية العديد من الاقتصاديين حيث يمكن للحكومة زيادة الإنفاق العام بما تستدينه، فإن الواقع المصري على خلاف ذلك حيث تحول الاقتراض الحكومي الداخلي إلى آفة مستمرة، تستخدمه الحكومة بصورة ترقيعية لسداد ديونها السابقة، ومن ثم لا يمكن للحكومة زيادة الطلب الكلي في الأجل الطويل.

2- يعاني الاقتصاد المصري من وجود فجوة بين الادخار والاستثمار في مصر تبلغ نحو 8.5% من الناتج المحلي الإجمالي، مع تدني كل منهما، حيث يشير التقرير المالي الشهري لوزارة المالية (مايو 2016، ص1) إلى أن نسبة الادخار للناتج المحلي الإجمالي بلغت 5.9% في العام المالي 2014/2015، بينما بلغت نسبة الاستثمار للناتج المحلي الإجمالي عن نفس العام 14.4% .ونظرا لأنه من الواجب أن يحظى القطاع الخاص بالجزء الأكبر من الإسهام في الخطة الاستثمارية، فإن مزاحمة الحكومة للقطاع الخاص في فرص التمويل فضلا عن سيطرة العسكر على الاقتصاد يؤثر سلبا على تنفيذ الخطة الاستثمارية والناتج المحلي الإجمالي طبقا لمبدأ المزاحمة.

3- استخدام الدين العام لتمويل عجز الموازنة، يؤدي إلى زيادة أعباء خدمة الدين، وهو ما يمثل نفقات إضافية فى الموازنة العامة للدولة، كما أنه مع سوء إدارة الدين العام يزداد عجز الموازنة نتيجة لزيادة الإنفاق العام بمعدل نموّ أكبر من معدل نمو الإيرادات العامة، فيستمر بذلك الدين العام في الزيادة من خلال حلقة خبيثة مفرغة لا تبقي ولا تذر لأي تنمية مستهدفة، كما أن تخصيص نحو ثلث المصروفات ونحو نصف الإيرادات لخدمة الدين يعني حرمان المواطنين من الاستفادة من هذه المبالغ المخصصة لخدمة أعباء الدين.

4- الدين العام الخارجي يمثل تدفقات نقدية داخلة في ميزان المدفوعات مما يساهم في تخفيض العجز الكلى في هذا الميزان، وفي المقابل فإن أعباء خدمة هذا الدين من فوائد وأقساط تمثل تدفقات خارجة تزيد في العجز في الميزان، وهو ما يزيد من أزمة سعر صرف الدولار، ويحمل الموازنة بمخاطر ارتفاعه.

5- يمثل الاقتراض صورة لفقدان العدالة بين الأجيال من المواطنين، بظلمه للأجيال اللاحقة خاصة في ظل اقتراض الحكومة الذي يغلب عليه سد عجز الموازنة وليس إقامة مشروعات استثمارية يمتد نفعها للأجيال القادمة من المواطنين، كما أن الاقتراض بسعر فائدة مرتفع نتيجة لتصنيف مصر الائتماني المنخفض، وكذلك ارتفاع سعر الدولار وما ينتج عنه من مخاطر سعر الصرف، يمتد أثره السلبي ليس للأجيال الحالية فقط بل للاحقة أيضاً.

6- الاقتراض لاسيما الخارجي بتحوله إلى غاية للحكومة يمثل صورة من صورة استعباد المواطن المصري في الداخل واستعباد الوطن كله بما فيه من إنسان وثروات وسيادة لحساب التبعية للخارج. كما يفتح الباب على مصراعيه لجدولة الديون بفائدة مغالي فيها، والوقوع في دوامة الإفلاس.

ففي ظل هذا الإفراط في الاقتراض، ومع افتراض بقاء الوضع الاقتصادي المتردي عما هو عليه من انخفاض الموارد الدولارية، وتمدد العسكر الاقتصادي، ومزاحمتهم للقطاع الخاص الذي أصابه الانكماش وما تأثير ذلك سلبا على الإنتاج والبطالة، فإن النتيجة الطبيعية، هو مزيد من الاقتراض بفائدة مبالغ فيها لانخفاض التصنيف الائتماني تباعا، والمقرضين جاهزين لتوريط مصر كما حدث في عهد اسماعيل، ووقتها لن يكون أمام السيسي سوى التوقف عن الدفع، وإعلان إفلاس مصر، الذي له ما بعده من تبعات اقتصادية وسياسية بفقدان الوطن تبعيته والمواطن كرامته. فيكون السيسي بذلك لم يكتف بتجريف موارد مصر بل ترك ما تبقي منها مستباحا في يد الدائنين خاصة من الدول ذات الثقل الدولي مثل روسيا وألمانيا وفرنسا.

ثانياً: علاج أزمة الدين العام المصري:

إن أزمة الدين العام المصري يعكسها تزايد الدين العام من سنة إلى لأخرى، والخلل التنموي في استخدام القروض في مشروعات باهظة التكاليف قليلة العائد، واستمرار وتزايد عجز الموارنة العامة، وتزايد أعباء خدمة الدين العام، والإقتراض بسعر فائدة مرتفع، واستمرار الحكومة في الاقتراض لسداد القروض السابقة وأعبائها دون أن يكون لديها تصور واضح عن كيفية الخروج من هذه الحلقة الخبيثة. بل أصبح تسابقها في الحصول على الديون غاية ومنهاجا.

ولاشك أن علاج أزمة الدين العام المصري مرتبط بوجود إرادة سياسية وطنية وإدارة رشيدة تغلق أبواب الفساد، وهو ما تفتقده مصر في ظل سياسة التجريف لموارد مصر والتوريط في الديون للجيل الحالي والأجيال القادمة التي يسابق بها السيسي الزمان، وحال توافر تلك الإرادة والإدارة فإنها يمكنها معالجة أزمة الدين العام المصري من خلال ما يلي:

1- الاعتراف بأزمة الدين العام، وصدماتها المالية المتوقعة، ووضع أهداف واضحة لإدارة الدين العام، وتقدير حجم المخاطر في ضوء اعتبارات التكلفة، والفصل بين إدارة الدين والإدارة النقدية من حيث الأهداف، ومناط المساءلة مع التنسيق بينهما، ووضع حدود للتوسع في الاقتراض، وتوخي الحرص في إدارة مخاطر إعادة التمويل ومخاطر السوق وتكلفة فوائد أعباء الديون، وضرورة إقامة هيكل مؤسسي سليم وسياسات قوية للحد من المخاطر النشغيلية، بما في ذلك تفويض المسؤوليات بشكل واضح للجهات الحكومية القائمة على إدارة الدين وتديد مناط المساءلة عنها. (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، 2001، ص6)

2- العلاج الهيكلي للاقتصاد المصري بتعديل بنيته الاقتصادية نحو الاهتمام بالصناعات التحويلية، وتفعيل عمل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والإحلال محل الواردات وزيادة الصادرات، بما يخفف من العجز المزمن في الموازنة العامة للدولة، والميزان التجاري وميزان المدفوعات.

3- البعد عن الخلل التنموي والذي بدا واضحا من خلال إقامة مشروعات باهظة التكاليف قليلة العائد، أو مشروعات تعتمد على العملة الصعبة في تنفيذها مع الحصول على مصادر تمويلها بالعملة المحلية.

4- وضع سياسة فعالة ورشيدة للتمويل الخارجي تستهدف وضع حد لنمو الديون يكون المعيار فيها هو تحقيق تنمية فعلية من خلال استخدامها في مشروعات تجمع بين العوائد الاقتصادية والاجتماعية الملائمة مع اختيار أفضل الشروط المقدمة للاقتراض وتنويع مصادره.

5- تشجيع التعاون الاقتصادي مع الدول الأخرى لاسيما الدول الإفريقية بما ينمي من الصادرات ويصب في صالح ميزان المدفوعات والاستفادة قدر الإمكان من خلال التكتلات الاقتصادية التي تنتمي لها مصر، وتطبيق نظام ترتيبات الدفع الثنائي مع الدول العربية والإسلامية والإفريقية من أجل خفض الاعتماد على العملات الأجنبية لتمويل التجارة.

6-الحد من تهريب رؤوس الأموال للخارج للتخفيف من تأثير تهريب هذه الأموال السلبي على ميزان المدفوعات .

7-تطبيق موازنة البرامج والآداء، والسعي لتحقيق التوازن بين نفقات الموازنة وإيراداتها، وإصلاح النظام الضريبي، بصورة تجمع بين تخفيض الشريحة الضريبية وزيادة الحصيلة وتضمن عدالة التوزيع، للمساهمة في سد عجز الموازنة بصورة رشيدة خاصة فيما يتعلق بتنشيط تحصيل الضرائب المستحقة على أصحاب الدخول العالية والأثرياء، وتقديم حوافز للسداد المبكر.

8-ترشيد النفقات، لاسيما الإنفاق العسكري، وكذلك ترشيد الواردات، والبعد عن الإنفاق الترفي كالإنفاق على السيارات الفاخرة، وتغيير الأثاث، وأهمية تقليل إقامة الاحتفالات والإنفاق على السفريات والمؤتمرات، وتقليص السفارات والقنصليات بالخارج، وإدارة المخزون الحكومي إدارة رشيدة.

9- غلق أبواب الفساد، سواء أكان فساد إداري أو اقتصادي أو تشريعي بتعديل القوانين التي تفتح له الباب على مصراعيه وتحمل الموازنة ما لاقبل لها بها من الزيادة في تكاليف إنشاء المشروعات، كما في حالة إسناد المشروعات بالأمر المباشر وقصر الطعن عليها على أطراف التعاقد فيها.

10- الإصلاح الإداري للهيئات العامة الاقتصادية التي تحقق خسائر، ويمكن في هذا الإطار خصخصة الإدارة. وكذلك الإصلاح العسكري بعودة العسكر لثكناتهم وعدم تدخلهم في النشاط الاقتصادي، وإتاحة الفرصة للقطاع الخاص أن يتولي قاطرة الاقتصاد في ضوء المسؤولية الاجتماعية التي تضع إطارها الحكومة.

11-استخدام الصكوك الإسلامية كمصدر من مصادر التمويل لما يتميز به من توجيه الأموال نحو استثمارات حقيقية وفقا لأولويات المجتمع.

12- أهمية إنشاء صندوقين للزكاة الوقف تتسم بالفعالية، فيمكنهما تخفيض عجز الموازنة بطريقة غير مباشرة من خلال توفير الآلات والمعدات والأجهزة التي تحتاجها الدولة لاسيما في المؤسسات الخدمية كالمدارس والمستشفيات.

خاتمة:

من خلال ما تناولته هذه الدراسة يمكن الوقوف على عدد من الخلاصات الأساسية:

1ـ تعاني مصر من حلقة مفرغة لتنامي الدين العام بشقيه المحلي والخارجي، وقد برز ذلك بصورة واضحة بعد الإنقلاب العسكري في مصر في 3 يوليو 2013 حتى أن الفوائد وحدها بلغت نحو ثلث المصروفات ونحو نصف الإيرادات في الموازنة العامة للدولة، وهذا يكشف عن مدى الخطورة التي تحيط بالاقتصاد المصري.

2ـ لقد أصبحت ثقافة التداين بعد الإنقلاب غاية غلب فيها البعد السياسي على البعد الاقتصادى. وهذا يعكس مدى المخاطر التي تحيق بالجيل الحالي والأجيال المستقبلية للمصريين، خاصة وأن تلك القروض في جلها تمثل استثمارا في البنية التحتية، فضلا عن القروض العسكرية، والقروض الترقيعية لسد عجز الموازنة، وهى ليست قروضا مباشرة لمشروعات تنموية كثيفة العمالة مناسبة العائد، كما أنها في جلها تصب في حساب العسكر الذي يقوم بتنفيذ ما يخصها من مشروعات بالأمر المباشر، وهو ما يصل في نهاية المطاف إلى التضحية بالتنمية من أجل سداد فوائد هذه القروض وتضخم ثروات العسكر على حساب الشعب المصري، وهذا يعود بنا بالذاكرة إلى توريط مصر في الديون وفرض الوصاية عليها في عهد الخديوى اسماعيل.

3ـ إن خطورة تفاقم الدين العام المصري لا تقتصر على البعد الاقتصادي فحسب بل تمتد للبعدين السياسي والاجتماعي كذلك. وتبدو مخاطر البعد الاقتصادى من أن الوضع الاقتصادي يكون قابلا للانفجار فى أى وقت، خاصة وأنه من المتوقع أن يصل الدين العام المحلي والخارجي في يونيه 2018 إلى نحو 5.5 تريليون جنيه بنسبة 139% من الناتج المحلي الإجمالي، منها ديون خارجية بنحو 130.7 مليار دولار بنسبة 36% من الناتج المحلي الإجمالي، وديون محلية بمبلغ 4.1 تريليون جنيه بنسبة 103% من الناتج المحلي الإجمالي.

4ـ إن تجاوز قيمة الدين العام إجمالى الناتج المحلي يجعل موارد الدولة العامة مُسخَّرة لخدمة هذا الدين العام لعدة عقود حيث تكون الموازنة العامة غير قادرة على الوفاء باقساط الديون السنوية المستحقة الدفع فتلجأ الدولة الى انتهاج سياسة تدوير القروض وذلك باقتراض ديون جديدة بأسعار فوائد مرتفعة لسداد الديون الحالة الأداء أو الديون القديمة، وهكذا تغرق الدولة فى دوامة الديون.

5ـ تبدو مخاطر البعد السياسى من خلال فرض الدول الخارجية الدائنة مواقف سياسية علي مصر بحيث تُصبح دولة منزوعة الارادة السياسية لكونها تتبع فقط ما يملى عليها من الدائنين، وإن كانت في الوقت الحالي منزوعة الإرادة من أجل حل عقدة الشرعية. مع التأكيد على أن تضخم الدين العام الخارجي يؤدي إلى المزيد من التبعية ونزع السيادة.

6ـ تبدو مخاطر البعد الاجتماعى من خلال تراجع مستويات المعيشة بسبب عدم قدرة الموازنة العامة المثقلة باعباء خدمة الديون على الانفاق على الخدمات العامة بشكل جيد أو مقبول، وعادة ما يؤدي تضخم الدين العام إلى اللجوء لاجراءات اقتصادية تقشفية تسفر عن تراجع مستوى كل من الاستثمار والانفاق العام والخاص، مما يؤدى الى ارتفاع معدلات البطالة والتضخم معا، وهو ما يفرز توترات واحتقانات اجتماعية تؤدى الى تعقد الوضع الاقتصادى المتشبع بالديون.

7ـ إن مستقبل أزمة الديون بمصر بلغ من الخطورة ذروته ويحتاج إلى إرادة وطنية مخلصة وإدارة واعية رشيدة للخروج من أزمته، بعيدا عن سيطرة العسكر الاقتصادية والسياسية لحكم البلاد، والوقوع في شبح الإفلاس والتبعية .

8ـ إن قضية القروض لو نُظر لها وفق المنظور الإسلامي لكان لها شأنُ آخر، لذا نوصي بالاحتكام للمنهج الاقتصادي الإسلامي مع التدرج في التطبيق وفقا لفقه السنن بما يجمع بين فقه النص بواقع العصر، فالمنهج الاقتصادي الإسلامي لا ينظر للقروض على أنها شرا كلها، بل ينظر إليها في ضوء الحصول عليها واستخدامها وفقا للضوابط الشرعية.

فاقتراض الحكومة لتمويل النفقات العامة عندما تعجز مواردها الذاتية عن ذلك أمر جائز شرعاً، ويستند ذلك إلى فعل الرسول –صلى الله عليه وسلم- فى إدارته للدولة، فقد ذكر الخطابى (1932، 5/19) فى شرح حديث “إن خيار الناس أحسنهم قضاًءٍ” أن الرسول –صلى الله عليه وسلم- إنما استسلف لأهل الصدقة من أرباب الأموال. وروى البيهقى (5/287)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبى –صلى الله عليه وسلم- أمره أن يجهز جيشاً فنفذت الإبل فأمره أن يأخذ – يقترض – على قلائص الصدقة8.

وروى ابن ماجه (2/59) أن النبى –صلى الله عليه وسلم-  استسلف منه حين غزا حنيناً ثلاثين أو أربعين ألفًا فلما قدم قضاه إياها» . كما استخدم النبي – صلى الله عليه وسلم – أسلوباً ابتكاريا فى تمويل العجز وهو تعجيل بعض الإيرادات العامة أى تحصيلها قبل موعدها كما حدث حينما ذهب عامل الزكاة إلى العباس لتحصيل الزكاة منه فأخبره أنه سبق أن دفعها لرسول الله –صلى الله عليه وسلم- فعاد العامل للرسول –صلى الله عليه وسلم- فقال له: «إنا كنا قد احتجنا فتعجلنا من العباس صدقة ماله سنتين” (ابن سلام، 532).

ويلخص عمر (2003، ص20-21) الضوابط الشرعية لاقتراض الحكومة من الغير في أربع شروط:

أ- أن لا يكون الاقتراض بفائدة لأن فوائد القروض من الربا المحرم شرعاً بالإجماع.

ب- أن تكون هناك حاجة ضرورية للاقتراض، وهذه الضرورة تفهم مما فعله الرسول- صلى الله عليه وسلم- حيث كان يقترض وقت الأزمات وهى المتعلقة بالحروب والغزوات.

ج- أن يكون الاقتراض لتمويل النفقات الضرورية التى لابد من دفعها وهو ما يسمى الآن فى الفكر المالى «بالحتميات» ولا يقترض لتمويل مشروعات الارتفاق وهى ما يعبر عنها الآن «بالمقترحات الجديدة» وهذا ما يصوره الإمام الماوردى (1973، ص315) بقوله: “فلو اجتمع على بيت المال حقان ضاق عنهما واتسع لأحدهما صرف فيما يصير منهما ديناً (الحتميات) دون الإرتفاق (المقترحات الجديدة) فلو ضاق عن كل واحد منهما جاز لولى الأمر إذا خاف الفساد أن يقترض على بيت المال ما يصرفه فى الديون دون الارتفاق”.

د – العمل في البداية على محاولة التوازن بين النفقات والإيرادات العامة حتى لا يحدث عجز يتزايد ويتراكم ويؤدى إلى مخاطر عديدة وإلى هذا أشار أبو جعفر الدمشقى، (ص15) بقوله: «واعلم أن حاصل المملكة (الإيرادات العامة) إن كان بإزاء مؤنها (موازى للنفقات) كانت كالسفينة وسط البحر الذى قد أحكم أمرها على هدوئه ولم يؤمن عليها من الغرق فى وقت اهتياجه، وإن كان حاصلها دون ما يلزم لها (حالة وجود عجز) حملت قومها على فتح باب المماطلة (أى الاستدانة وسداد الديون بديون متجددة إلى أن تصل إلى التوقف عن سداد الديون) وعدت بهم عن تدبير أمرها فى المطالبة بالعاجل منها، وأخطرت بدمائهم وأموالهم وكان ما يجرى من سعيهم مفسداً لأمرهم فى مستقبل الزمان، وهذا أقبح ما يستعرض، وأما إن كان حاصلها أكثر مما يلزم فأوضح صلاحاً من أن يحتاج إلى تمثيل أو تعديد”.

هـ – يجب على الدولة عدم الاقتراض ما لم تكن لديها القدرة على السداد، فلا يجوز لولى الأمر الاقتراض ما لم يكن هناك دخل يرتجى لبيت المال يتم سداد القرض منه.

المراجع

أولا: المراجع العربية:

  1. ابن سلام، القاسم (1981)، الأموال، تحقيق، محمد خليل هراس، مكتبة الكليات الأزهرية.
  2. ابن ماجه، محمد، سنن ابن ماجه، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت.
  3. أمين، جلال، قصة الاقتصاد المصري من عهد محمد على إلى عهد مبارك، (2012)، دار الشروق، القاهرة.
  4. البنك المركزي المصري، (2016)، النشرة الإحصائية الشهرية، العدد 230، مايو، القاهرة
  5. البنك المركزي المصري، (2005)، النشرة الإحصائية الشهرية، العدد 94، يناير، القاهرة.
  6. البنك المركزي المصري، (2011)، النشرة الإحصائية الشهرية، العدد 171، يونيه، القاهرة.
  7. البنك المركزي المصري، (2006)، النشرة الإحصائية الشهرية، العدد 108، مارس، القاهرة.
  8. الجريتلي، علي، (1974)، التاريخ الاقتصادي للثورة 1952-1966، دار المعارف، القاهرة.
  9. الخطابي، أبو سليمان، (1932)، معالم السنن، تحقيق، محمد راغب الطباخ، المطبعة العلمية، حلب، سوريا.
  10. العضايلة، راضي . العمرو، حسن . القرالة، حذيفة، (2015)، هيكل الدين العام في الأردن، وتاثيره على النمو الاقتصادي، 1980-2012، مجلة العلوم الإدارية، المجلد 42، العدد 2.
  11. الماروردي، محمد، (2000)، الأحكام السلطانية، دار الكتب العلمية، بيروت.
  12. صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، (2001) المباديء التوجيهية لإدارة الدين العام، 21 مارس.
  13. عمر، محمد عبد الحليم، (2003)، الدين العام، المفاهيم – المؤشرات – الآثار، بالتطبيق على حالة مصر، ندوة: إدارة الدين العام، مركز صالح كامل، جامعة الأزهر، 21 ديسمبر .
  14. لهيطة، محمد، (1944)، تاريخ مصر الاقتصادي في العصور الحديثة، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة.
  15. وزارة المالية، (2011) التقرير المالي الشهري، مارس، مجلد 6، عدد 5، القاهرة.
  16. وزارة المالية، (2011) التقرير المالي الشهري، أبريل، مجلد 6، عدد 6، القاهرة.
  17. وزارة المالية،( 2016) التقرير المالي الشهري، أبريل، مجلد11، عدد 6 القاهرة.
  18. وزارة المالية،( 2016) التقرير المالي الشهري، مايو، مجلد11، عدد 7 القاهرة.
  19. وزارة المالية، (مايو 2016)، البيان المالي لمشروع الموازنة العامة، 2016/2017.

ثانيا: المراجع الأجنبية:

  1. Crouchley, A E, (1938) The Economic Development of Modern Egypt, London, Longman, Green and CO.
  2. Hansen, B, and Marzouk, F, (1965)،Development and Economic Policy in the U.A.R (Egypt(, North-Holland, Amsterdam.
  3. Ikram, K, (1980), Egypt: Economic Management in a Period of Transition, Johns Hopkins University. Oress, Baltimore.
  4. Mabro, R, (1974), The Egyptian Economy, 1952-1972 Clarendon Press, Oxford.
  5. Marlowe, J, (1974), Spoiling the Egyptians, Andre Deutsch،London.
  6. Owen, R, (1914) The Middle East in the World Economy, 1800-1914 london, Methuen,

ثالثا: مواقع الكترونية:

1- موقع أصوت مصرية

2-موقع البنك الدولي

3-موقع البنك المركزي المصري

4- موقع الجريدة الرسمية

5-موقع الجزيرة مباشر مصر

6- موقع الشروق

7-موقع الصباح

8-موقع المصريون

9-موقع صحيفة الوطن المصرية

10-موقع العربية نت

11-موقع اليوم السابع

12-موقع بي بي سي عربي

13-موقع مباشر مصر

14-موقع وزارة المالية المصرية

—————————–

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

(2) قاد هذا الاتجاه آدم سميث وريكاردو ومالتوس وباستيبل.

(3)باعتبار آن آخر بيانات رسمية متاحة عن الدين العام هي في مارس 2016.

(4) تم حساب معدل نمو النانج المحلي الإجمالي والدين العام المحلي المتوقعان في نهاية يونيه 2018، اعتمادا على معدل النمو المتاح في نهاية مارس 2016.

(5) قد يري البعض أن العديد من الدول تجاوز فيها الدين العام 100% بخلاف المعايير التي تأسست عليها اتفاقية ماستريخت التي تحدد نسبة الأمان بـ 60%، ومن أمثلة هذا الدول اليابان بنسبة 250%، وإيطاليا 130%، واليونان 170%، والبرتغال 129%، والولايات المتحدة 105%، وهذا لا يعني أن الدين العام غير قابل للانفجار في أي وقت، فهذا يتوقف على طبيعة اقتصاد الدولة، خاصة وأن هذه الدول في مصاف الدول المتقدمة،  فهناك دول تحيط بها أزمة الدين وبدت ملامحها كاليونان والبرتغال، ودول مازال ينغمس الدين في مقدرتها الانتاجية وتنوع هيكلها الإنتاجي واقتصادها الحقيقي كاليابان والولايات المتحدة، بعكس الحال في مصر التي اقتصادها ريعي وهو ما يزيد من الأزمة.

(6) آخر بيانات متاحة بالتقرير الشهري لوزارة المالية، مايو 16، ص1.

(7)وفقا لبيانات التقرير الشهري لوزارة المالية، مايو 16، ص1، بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 27625 جنيه.

(8)القلائص جمع قلوص وهى الناقة الشابة.

 

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق