اوروبا وامريكاتركياقلم وميدان

أنقرة وواشنطن: حل الأزمات أم إدارتها؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا

 

“رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم يقوم بزيارة للولايات المتحدة الأمريكية تستغرق عدة أيام”.

كان يمكن أن يكون ذلك خبراً عادياً لزيارة بروتوكولية بين دولتين “حليفتين” لولا أن العلاقات بين الطرفين تمر بأزمات متعاقبة ومتزامنة في الآونة الأخيرة.

لقد مرت العلاقات التركية – الأمريكية بعدة أزمات على مدى العقود الفائتة، من أزمة الصواريخ الكوبية (1962) إلى وقف تصدير الأسلحة الأمريكية لتركيا بسبب الأزمة القبرصية (1964) إلى رفض البرلمان التركي السماح للقوات الأمريكية باستخدام أراضيها لغزو العراق (2003)، لكنها ربما المرة الأولى التي تتخذ فيها واشنطن “إجراءً” مباشراً وحاداً للتعبير عن غضبها ضد تركيا، كتجميد إعطاء الممثليات الأمريكية في تركيا للتأشيرات.

بنظرة تقييمية سريعة لملفات الخلاف بين الطرفين، نلمح اثنين رئيسين وعدداً آخر من الملفات الفرعية.

فهناك أولاً الدعم الأمريكي العسكري والسياسي لوحدات حماية الشعب (الكردية) وقوات سوريا الديمقراطية رغم التحفظات التركية. وهناك ثانياً مماطلة واشنطن في ملف تسليم – أو حتى توقيف أو التحقيق مع – فتح الله كولن المتهم الأول في المحاولة الانقلابية الفاشلة صيف 2016.

 

وهناك إضافة لهما، ملفات خلافية أخرى، أهمها:

الأول: توقيف السلطات التركية القس أندرو برونسون على ذمة قضايا تتعلق بالعلاقة مع التنظيم الموازي.

الثاني: القضية المرفوعة ضد حرس اردوغان الشخصي بسبب “العراك” مع متظاهرين مؤيدين لحزب العمال الكردستاني خلال زيارة اردوغان الأخيرة لواشنطن.

الثالث: قضية اعتقال رجل الأعمال التركي من أصل إيراني رضا زراب ونائب رئيس بنك “خلق” التركي محمد أتيلا في الولايات المتحدة الأمريكية ومقاضاتهما بتهمة “خرق العقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران”، وهي قضية طلبت فيها شهادة وزير الاقتصاد الأسبق ظافر تشاغلايان وترى بعض التحليلات أنها يمكن أن تصل لمسؤولين  آخرين بما فيهم اردوغان، بل يرى كثيرون أنها عبارة عن صفقة بين زراب ومكتب التحقيقات الفيدرالية لتوريط اردوغان ومسؤولين أتراك آخرين.

الرابع: توقيف السلطات التركية للموظف (التركي) في القنصلية الأمريكية في إسطنبول متين طوبوز، وهو ما أثار حفيظة واشنطن ودفعها لخطوة تجميد التأشيرات.

في ظل كل هذه الأزمات، سيما الأخيرة المتعلقة بالتأشيرات، توجه يلدرم على رأس وفد ضم نائب رئيس الوزراء محمد شيمشك ووزيري الخارجية والطاقة. يشير سياق الزيارة وتركيبة الوفد بشكل واضح إلى أن الأجندة الرئيسة هي الأزمات الأخيرة وكيفية تصويب مسار العلاقات بين الطرفين أكثر من أي شيء آخر.

اللقاء الذي جمع الوفد التركي برئاسة يلدرم بنظيره الأمريكي برئاسة نائب الرئيس مايك بنس، والذي استمر لساعة و20 دقيقة، كان “مثمراً جداً” وفق تعبير الأول والذي قال إن الطرفين ناقشا مشاكلهما “بصدق وصراحة”.

كما نقلت وكالة الأناضول عن البيت الأبيض قوله إن الاجتماع سيساعد على “فتح صفحة جديدة في العلاقات الأمريكية – التركية”، وهو ما أمله يلدرم – مجدداً – حين أكد أنه رأى “إرادة لتحسين العلاقات بثقة وصراحة متبادلين”. فإلى أي مدى يمكن أن تكون الزيارة قد أذابت الجليد فعلاً بين الطرفين وحلت الأزمات بينهما؟

لعل الإجابة الأسرع والأمثل على هذا السؤال هي تعليق رئيس الوزراء التركي نفسه في المطار قبل السفر إلى واشنطن حين قال إن المشاكل بين الطرفين “لا تحلها زيارة”. لكن الأمر يحتاج إلى بعض التفصيل.

لعل التغيير الأبرز قد طرأ على الملف الأخير، فقد أعادت الولايات المتحدة إعطاء التأشيرات عبر ممثلياتها في تركيا “على نطاق محدود” قبيل زيارة يلدرم، وردت أنقرة بالمثل، وهو ما يمكن اعتباره أكثر من تطور إيجابي وبمثابة إشارة على رغبة أمريكية بتجاوز هذا الأمر. وقد ذكرتُ في مقال سابق عن هذه الأزمة أنها مرشحة للحل قريباً، وربما تُعين واشنطن سفيراً جديداً لها في أنقرة قريباً. الأوساط الأمريكية بررت التراجع بأنه بُني على تعهد تركي بإخبار واشنطن مسبقاً بأي مسار قضائي قد يمس أياً من العاملين لديها، وهو ما نفاه مسؤولون أتراك.

أما الملفات القضائية – السياسية الأخرى، ففي مقدور الطرفين التوصل لحلول وسطى إزاءها إذا ما توفرت الإرادة لديهما، ولعل هذه الملفات من النوع الذي يمكن تأجيله أو المماطلة به.

وأما ملف فتح الله كولن، فلا تكتفي واشنطن بالمماطلة في تسليمه، ولكنها أيضاً ترفض توقيفه أو التحقيق معه أو حتى – بالحد الأدنى – التعامل إجرائياً مع الأدلة المقدمة لوزارة العدل الأمريكية من نظيرتها التركية وفق ما تنص اتفاقية “إعادة المجرمين” الموقعة بينهما عام 1979 وما تقتضيه إجراءات التقاضي في الولايات المتحدة، أي أن الأدلة التركية ما زالت حبيسة أدراج الوزارة ولم تحول لأي قاض أو محكمة أو مدع عام للتحقق منها.

ولعل الأمر يتعدى فكرة المماطلة للضغط على تركيا، إذ يبدو أن الرهان الأمريكي والغربي على كولن وجماعته ما زال قائماً، بدليل هذه المماطلة وإعطاء عدد من الدول الأوروبية حق اللجوء السياسي لضباط محسوبين على كولن ومن ممثلي تركيا سابقاً في الناتو ممن طلبوا للتحقيق بعد الانقلاب الفاشل ورفضوا العودة لبلادهم.

وقد أشار يلدرم للملف، بعد أن أعاد مطالب بلاده، ملمحاً إلى استطاعة واشنطن “تقييد أنشطته على الأقل كخطوة مبدئية” وإلا فإن هذا سيدفع للتساؤل عن “سبب آخر” لعدم القيام بهذه الخطوة.

ويبقى الملف الأخير والأخطر والأكثر أهمية وحساسية، وهو الدعم الأمريكي الواسع للفصائل الكردية المسلحة في سوريا والذي يتقاطع مع ما تعتبره أنقرة أمنها القومي. ففي حين تصنف أنقرة حزب الاتحاد الديمقراطي ومختلف أذرعه العسكرية على قوائم الإرهاب رأت فيه واشنطن حليفاً محلياً اعتمدت عليه في مواجهة داعش، بل وتنصلت من تعهداتها السابقة لأنقرة بانسحاب قوات سوريا الديمقراطية من منبج بعد “تحريرها” من داعش.

لطالما قالت الولايات المتحدة إن تعاونها مع الفصائل الكردية مؤقت ومحصور في مواجهة داعش، بينما يقول الميدان إن الأسلحة المقدمة منها لها أكبر من تلك المواجهة، الأمر الذي يُثير هواجس تركيا من الأسباب الحقيقية خلف هذا التسليح لعشرات الآلاف من المقاتلين الأكراد الذين باتوا يشكلون جيشاً نظامياً إلى حد كبير.

ولعل اقتراب المواجهة العسكرية مع داعش من نهاياتها المحسومة سلفاً ستكون المحك الحقيقي للنوايا الأمريكية، إما تخلياً عن حزب الاتحاد الديمقراطي بعد أن أنهى مهمته (وفي درس البارزاني عبرة) وإما الإصرار على الدعم والتعاون والتسليح بما يؤكد فكرة الأجندات المختلفة والسيناريوهات المرسومة للمنطقة عموماً ولتركيا خصوصاً كما قال اردوغان قبل أيام، ويبدو الاحتمال الثاني أرجح وأوفَرَ حظاً بالتأكيد.

في المحصلة، يبدو أن زيارة يلدرم ستحلحل بعض الإشكالات الفرعية بين تركيا والولايات المتحدة، وستساهم في خفض مستوى التوتر والتصعيد بينهما، لكن من الصعب جداً عليها المساهمة في حل الملفات الإشكالية الرئيسة، خصوصاً في ظل غياب الإرادة الأمريكية لذلك. وهو ما سيدفع تركيا للاستمرار في الاتجاه شرقاً والتقارب مع روسيا والصين وإيران وغيرها لإخراج سياستها الخارجية من حصرية المحور الغربي ومنحها شيئاً من التوازن والمرونة والاستقلالية ( 1 )

———————-

الهامش

( 1 ) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية “.

 

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق