تقارير

الإسلاميون بين الهوية الجامعة والخطاب التفتيتي

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا

 

تمهيد:

توجهت بعض دول المنطقة لمعاداة التيار الإسلامي على ذلك النحو الذي وشت به تفاعلات ما بعد ربيع العرب، والذي كشفته صراحة تصريحات سفير الإمارات العربية المتحدة في الولايات المتحدة يوسف العتيبة، هذا التوجه لا يعكس تعاملا فعالا مع أزمة تلك الشريحة من التنظيمات الإرهابية مدعية الانتماء للثقافة والدين الإسلاميين، بل ويعكس ردة في التعاطي مع مسببات هذه الحالة. إطلالة سريعة على الخطاب الرسمي في مصر خلال الفترة الماضية، سواء عبر تصريحات محافظ البنك المركزي أو وزير الأوقاف، أو توجيهات الخطبة الموحدة، يكشف عن تردي الفاعلية تلك، ويقر الجانب العقلاني من الخطاب الرسمي صراحة  إلى أن الفقر بجانب الوعي المضطرب سبب أساسي في إلحاق الساخطين من الشرائح الاجتماعية البسيطة بالخطابات المتطرفة1.

هذا الخطاب المباشر لإدارة 3 يوليو في مصر يكشف عمق اضطراب التوجه الإقليمي، ويسانده في هذا الصدد أي تبصر واع لتداعيات انسداد الأفق السياسي في مصر، وهو ما يعيد مصر إلى حقبة أوائل التسعينيات وما ارتبط بها من تنامي الخطاب المتطرف قبل أن تتمكن الدولة من مواجهته بمسار مزدوج من القمع الأمني الشرس جنبا إلى جنب مع إفساح المجال لإنتاج التيار الإسلامي خطاب أكثر عقلانية في بلورة الاحتجاج.

 

أولاً: البيئة الدولية والإقليمية:

الظرف التاريخي – للأسف – يساند تلك الرؤية الإقليمية غير السوية. ويبدو أن التداعيات الاقتصادية لأزمات صعود اليمين في أوروبا أنتجت حالة هيستيرية من الرغبة في جمع الأموال وتسويق البضائع والخدمات كما في نماذج فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، وهو ما يفسر الاتجاه للاستثمار مؤقتا في الاستبداد الراغب في الحصول على مساندات دولية والتراجع عن الاستثمار في قيم أوروبا ومن ضمنها دعم حقوق الإنسان، مكتفين في هذا الصدد بإطار بديل لحقوق الإنسان، تعكسه حزمة تمويلات الاتحاد الأوروبي لمشروعات مواجهة مظاهر الإفقار في مجتمعات الجنوب، ومن ضمنها مصر، وهي قيم تعود بالنفع على أوروبا بقدر ما تؤدي لمعالجة أوجه القصور في السياسات الاجتماعية لقطاع من أنظمة الاستبداد.

غير أن الاستثمار في الاستبداد لم تتواز معه محاولة تجريم التيار الإسلامي في صورته “المعتدلة”، باعتبار إدراك قيمته في احتواء خطابات السخط الراديكالية، إن سياسية أو اقتصادية – اجتماعية، والتي اجتاحت تداعياتها أوروبا في العقد الأخير بصورة مأساوية، ولعل تردد فرنسا عن صفقة الرافال الاخيرة إشارة لمراجعة في هذه الرؤية2.

ربما كان ذلك التحليل المتفق عليه إستراتيجيا يصدق أكثر ما يصدق على فترة ما قبل يناير 2011، إذ يمثل هذا التاريخ علامة فارقة في الوعي بعدم جدوى جهود عقلنة الخطاب الراديكالي وصولا إلى سقف أنظمة الحكم الراهنة بنزوعها الاستبدادي الذي يقود إلى الدوران في حلقة مفرغة من انسداد الأفق السياسي. هذه الصيغة النقدية الأخيرة تكرس الحاجة إلى مشروع أكبر من مجرد حضور صيغة عقلانية من الخطاب الإسلامي، حيث تدرك الإدارات العربية الحاكمة أن الربيع العربي كشف عن محدودية جدوى هذه الصيغة في معالجة أوجه الاختلال من وجهة نظر شعوب المنطقة. إدراك الإدارات العربية الحاكمة لهذه الصيغة يفسر جانبا كبيرا من الهيستيريا القمعية الإماراتية بعد “حركة المطالب الدستورية” التي وجدت غطاء لها في الرؤية الإصلاحية للأمير حمدان بن زايد3.

كما نرى تداعياتها في المملكة السعودية باعتقال العلماء الإصلاحيين4 الذين حمل خطابهم طرحا نقديا ضمنيا لا صريحا لأطروحات الوهابية الجديدة، وهو ما يجعل إقدام ولي العهد السعودي على تصعيد حملة الاعتقالات محاولة لوأد ربيع سعودي يعكس خصوصية المملكة أكثر منه محاصرة للحالة الوهابية التي يغازلها بين الفينة والأخرى، وكان آخرها تأكيده أن “نيوم” لن ترى المشروبات الكحولية5. كما تقف الكويت اليوم على أعتاب مرحلة انتقالية ربما يقود تعنت الطرفين فيها إلى دفع الأسرة الحاكمة فيها نحو الحضن الإماراتي – السعودي.

المسالك الهيستيرية لدول الثورة المضادة الثرية ربما يوازيها إدراك شمالي/ غربي بنفس الدلالة، يجعل من تصور إمكانية إعادة المشهد السياسي في مصر تحديدا لمربع “إدارة مبارك” تصورا ساذجا وغير مطروح؛ وبخاصة من الناحية العملية في مواجهة الإرهاب. ربما هذا الإدراك ما دفعها للاستثمار في الاستبداد6. فالعودة العبثية لمنظومة ذات سقف دون معالجة المشكلات الجذرية لن يؤدي لكبح مثيلات داعش والقاعدة، أو تعبئة الشارع العربي بعيدا عن إرهابهما “المؤلم” عربيا وعالميا، حكوميا وشعبيا. والبديل للاستبداد من وجهة النظر الشمالية أن تكون هناك عملية ديمقراطية ستؤدي لأمرين معا، أولهما تهديد ترتيبات الأمن الإقليمي بدء بتأزيم العلاقات العربية – الإسرائيلية، وانتهاء بصراعات سياسية داخلية في دول الربيع ربما تعصف بقيمة الاستقرار وتفاقم احتمالات النزوح المصري “الكثيف” باتجاه أوروبا.

ولهذا، يبدو أن أوروبا باتت ترى أن الاستثمار في الاستبداد يبدو الأكثر نجاعة ظرفيا، بانتظار حدوث تطور سياسي نوعي يضمن ألا تصير دولة مثل مصر بحالة سيولة ليبيا، أو دون السقف السوري، وذلك بالنظر لأن مراكز القوى في هذه الدول تبدي مؤشرات مستمرة لاستعدادها لخوض مواجهة أهلية متى تهددت المنظومة الشبكية الحاكمة الراهنة. ومع غياب سياسة بناء الوفاق والأمة، تبدو مصر في هذا الإطار أمام بديلين؛ أولهما الاحتراب الأهلي؛ وهو احتمال بعيد بتوافق جميع الأطراف القوية؛ بما فيها جماعة الإخوان، وثانيهما استمرار الوضع الاستبدادي الراهن. وهو ما يطرح مجددا البديل الثالث المتمثل في بناء الأمة، وإنتاج وعي مصري نخبوي/ شعبي بضرورة توافر رؤية جامعة بديلا لغياب الرؤية الذي كانت إحدى أكثر مؤشراته إثارة للسخرية ترشح رأس إدارة 3 يوليو للانتخابات الرئاسية في 2014 بدون برنامج، ما يعكس حالة السيولة التي تعيشها مصر.

 

ثانياً: الرؤية الهوياتية بين اتجاهين

في مطلع هذا التقرير، ذكرنا أن عقلنة واحتواء الخطاب الإسلامي الراديكالي ما زالت أحد أهم الأدوار المستقبلية للتيار الإسلامي بمعناه الواسع، وهي في تقديري أهم من الأدوار الاجتماعية التي كان نفس التيار يمارسها خلال فترة “إدارة مبارك” باعتبار توفر مصادر لتيار إنفاق بديل، إن توفرت الإرادة السياسية لتحصيل هكذا تيار إنفاق، والذي تتبدى أهم دلائل عدم توفرها في المستويات غير المسبوقة لرفع معدلات الفائدة في المصارف المصرية. كما أن هذا الدور يعلو على دور مشروع الانخراط في السياسة، بعوائده المباشرة وغير المباشرة على التيار الإسلامي، في إطار الاتجاه الإقليمي الذي تخضع له مصر لقمع حضور هذا التيار؛ وذلك بالنظر لما سبق وأشرت إليه من اعتبار عبثية معاودة “سقف إدارة مبارك”.

وفي هذا الإطار، يبدو أن صيغة بناء حاضنة قومية مصرية جديدة تسع الجميع هي المفتاح الإستراتيجي لمعاودة التيار الإسلامي المصري مباشرة أدواره مجددا في الشارع المصري، وهي العودة التي لا مناص منها، ولا مجال لتجنبها إلا بالقضاء على المسارات غير الرسمية للدين الإسلامي تماما.

 

ثالثاً: سلبيات الخطاب الهوياتي للتيار الإسلامي:

في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن هذا الوعد المستقبلي يحتاج عدة ترتيبات، أهمها تطور الخطاب الهوياتي للتيار الإسلامي في اتجاه يتجاوز سلبياته. وهو ما يثير السؤال عن هذه السلبيات، والتي نوضحها فيما يلي:

1. الاستقطاب:

الإطار الهوياتي يقوم بصورة أساسية على وجود تصنيف فوقي أحادي، يتأسس على رغبة الناس في امتلاك “فهم ما” للبيئة الاجتماعية المحيطة بهم. فلكي يفهم البعض عموم الناس ويتعرفوا عليهم؛ يميلون لتصنيفهم: إسلاميين وأعداء للإسلام – شركاء في الوطن أم عملاء – مواطنون أو ذميون.. إلخ. وبمعرفة تصنيف أولئك الآخرون وانتماءاتهم، يمكن للفرد أن يبني تصورا عن نفسه، وجماعته الذاتية، كما يبني تصورا عن الجماعة الأخرى. ومع غياب أفق توافقي أو إيجابي لبناء هذا الوعي الذاتي، يتجه أصحاب الاتجاه الهوياتي لدفع الوعي بالهوية في إطار “صراعي” أو على الأقل “تنافسي”. ويبدأ كل طرف في تعبئة موارده للفوز في “المنافسة/ الصراع”، وتتعمق رؤية الأنا والآخر في هذا الإطار.

يزداد الأمر سوء مع تدخل ذوي النوايا السيئة لدفع الاستقطاب لمنتهاه عبر تهديد جوهر الهويات، على نحو ما كانت تفعل إدارة مبارك وما خلفها، حيث تثير التهديد عبر استدراج طرف لسب الذات الإلهية، وتحقير رموز الدين الإسلامي ومن بينها الحجاب أو النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وإيكال مهمة مهاجمة القرآن لمنابر إعلامية، وفي المقابل تثير الأقباط عبر قضية التحول باتجاه الإسلام، وتثير العلمانيين بفكرة الاستجابة لمطالب بالأسلمة أو إتاحة مزيد نوافذ للإسلاميين، فتشتعل المواجهة، ويتم استدعاء هذه الأزمات كلما تنامى للعقل صوت، وتراكمت رؤاه. وتصير الحالة الوطنية إلى انقسام رأسي خطير، تعادي فيه القوى الثقافية والسياسية المحلية بعضها البعض. والمحصلة السياسية معروفة.

 

2. محق الهويات الأخرى:

الأفراد في أي مجتمع تتجاذبهم مستويات متعددة للتصنيف، بعضها مرجعي (إسلامي – علماني.. إلخ)، وبعضها سياسي (يميني – يساري – وسط.. إلخ)، وبعضها مهني (مهندسون – أطباء – صحافيون.. إلخ)، وبعضها رياضي (أهلي – زمالك.. إلخ)، وبعضها جهوي (صعيدي – بحراوي – سيناوي.. إلخ) (ريفي – حضري). هذه الهويات قائمة وجوديا، وتنتج وعيا جمعيا يتفاوت بحسب دوائر الهوية. هذه الهويات الفرعية عن الهوية المصرية لها وظيفة اجتماعية قوية، وبخاصة مع وجود حالة تأزم سياسي نتيجة لتفاقم الاستقطاب، حيث تلعب هذه الانتماءات الفرعية دورا في إنتاج تماسك ثقافي واجتماعي. ولعل المتابع للمشهد المصري يرى أنه بعد انقلاب يوليو أدى تدهور هذه الروابط لحدوث جرائم اعتداء وإقدام أقارب بالإبلاغ عن أقربائهم لدرجة أمهات وإخوة أبلغوا عن أبنائهن واخواتهم في مشهد يدمي الوجدان المستقيم.

مشكلة التوجه الخاطئ للهوية أنه يصادر هذه المساحات على نحو مخيف. وفي تقديري، أن الحركة الإسلامية في مصر قد دُفعت قسرا لجر الاستقطاب للفضاء النقابي والجهوي على خلفية انسداد الأفق السياسي، وهو – أي انسداد الأفق – جريمة يسال عنها “المستبد”، لكن تبقى المحصلة أن الانجرار لأرضية الاستقطاب الهوياتي عمق ظاهرة الاستقطاب، ودفع كثيرين للنظر لدوائر الهوية البينية، التي تمثل صمام أمان للمجتمع في الأوقات العصيبة، وهي الدوائر الهوياتية التي طالما حفظت المجتمع نسبيا في أوقات السيولة، ومن بينها أوقات ما بين4 فبراير وحتى 15 مارس 2011، جنبا إلى جنب مع اللجان الشعبية ذات الطبيعة الجهوية. وبالنظر للنقابات اليوم، أقصد انتخابات نقابات الاطباء، نجد أن محاولات إنقاذ النقابة مرت بتصويت 6% من الأطباء لصالح قائمة الاستقلال، في حين تآكلت القوة الحية لنقابات مثل المهندسين والمحامين والصحافيين. ومع قانون النقابات العمالية ينتظر تهاوي ما بقي من قلاع عافية المجتمع.

 

3. العنف الكامن والبادي:

يرتبط ببناء الحركات الهوياتية عدة عمليات إدراكية، حيث تميل الجماعات المتمايزة لتضخيم الفوارق بين الجماعة الذاتية والجماعات الخارجية، وهو أمر هام في دعم تمايز الجماعات، واختلافها ومنح مبرر للأفراد في انتمائهم لجماعاتهم الذاتية. كما تعمل تلك الجماعات على تقليل واختزال الفوارق بين أعضاء الجماعة الذاتية، وهو أمر يصب في دعم تماسك هذه الجماعة. وتتجه الجماعات المختلفة لتذكر واستحضار أكبر قدر ممكن من المعلومات والمعرفة الإيجابية عن الجماعة الذاتية؛ ما يعزز صورة الجماعة الذاتية في عين من ينتمي لها، وأكبر قدر ممكن من المعلومات والمعرفة السلبية عن الجماعات الخارجية. وتعد هذه الفرضية أساسية في نظرية الهوية الاجتماعية، ولها قيمة تفسيرية عالية. يؤدي هذا في الأوقات الحاسمة لظهور اتجاه من المحاباة بين الجماعة الذاتية على حساب الجماعات الخارجية.

لا يخفى في هذا الإطار أن ما عانته إدارة الرئيس الأسبق د. محمد مرسي قد شهدت هذا التبلور في التمايز والاستقطاب في الوعي، ما قاد لمستويين متتابعين من الإجراءات العدائية، أولها السعي لإسقاط إدارة الرئيس مرسي عبر المطالبة بانتخابات مبكرة في 30 يونيو، وثانيهما الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013. ولا يخفى على عين محللي الخطابات المنتشرة على شبكات التواصل الاجتماعي تلك اللغة بالغة الحدة، وأحيانا البذيئة لدرجة مقززة، التي يتبادلها المنتمون للاتجاهات المختلفة. غير أن هناك آفاق مفزعة للتمايز الهوياتي تنتهي بالاتجاهات الهوياتية لعنف أشد خطورة، وهو مثيل ذلك العنف الذي تمارسه منظمات إرهابية تنتشر في ربوع الإقليم راهنا.

 

4. التشظي المجتمعي:

في دراسة أجراها متخصصون7 في دراسات الهوية على مجتمعات تشهد تعددية نسبية ومجتمعات مفتوحة، وأفادت الدراسة التي قام بها العالم الأمريكي روبرت بوتنام أن حالة التعددية والانقسام الرأسي تؤدي لبزوغ حالة تشطي مجتمعي لا يثق فيها مكونات المجتمع ببعضهم البعض، بما في ذلك أولئك المنتمين لنفس الإثنية، حيث يصبح نمط الحياة والوعي فرديا، ويحيا كل فرد في إطاره الخاص، ويخوض غمار الحياة في إطار نووي ضيق، ولا ينشغل بنمط حماية يوفره له المجتمع، إلا في مناطق محدودة يغلب فيها نمط حياة مختلف، ذو طبيعة قبلية أو عشائرية، تتولى توفير نمط حياة تكافلي إلى حد ما، أو تلك المناطق التي تشمل انشطة منظمات أهلية تقليدية، كنسية أو إسلامية، تتولى تنظيم انشطة توفر مجالا لبناء رأس مال اجتماعي.

التشظي هنا يكون على مستوى القاعدة المجتمعية وليس على مستوى التكتلات المصلحية، سياسية أو اقتصادية أو مهنية. ويعود هذا التشظي لفقدان الفرد الثقة في فاعلية محيطه الاجتماعي. هذا الفقدان الذي يؤدي لضعف الميل للتصويت الانتخابي، وضعف المبادرة الفردية، ويمثل أرضية خصبة للدعاية بكل مساراتها التسويقية السياسية والاقتصادية.

والخلاصة أن الانقسامات المجتمعية تحفز لدى القاعدة المجتمعية حالة من الاستلاب، وحدها القوى الفائقة ما يمكنها السيطرة عليها وتوجيهها، وهو ما يحفز لدى الكثيرين الرغبة في السيطرة على المعلومات التي تنتجها تطبيقات ومواقع الشبكة العنكبوتية، وبخاصة شبكات التواصل ومحركات البحث أو ما يسمى Big Data ، التي يمكن جراءها الخلوص لاتجاهات عامة للتحكم في الكتل البشرية المتشظية، سواء في المجتمعات النامية أو الشمالية.

 

5. قابلية الانقسام للتوظيف:

المشكلة الأكبر في نمط الانقسام غير الصحي هذا أنه قابل للتوظيف، وهو ما لمسنا أكثر نماذجه تأثيرا في 30 يونيو8. هذا الانقسام ثلاثي الأبعاد القائم على حدوث انقسام رأس معمق، مرتبط بوهن دوائر الهوية الفرعية الأفقية، ومجتمع متشظي بسبب ضعف الروابط الرأسية والأفقية في المجتمع، هذا الانقسام من أهم تداعياته أنه يخضع ليس لمن يمتلك القوة فقط، بل لمن يمتلك المعلومة. وبالنظر لضعف الشفافية في المجتمعات العربية، واحتكار أجهزة السلطة للمعلومات المستقاة مجتمعيا، واحتكار الأجهزة الاقتصادية والسياسية الإقليمية والعالمية للمعلومة، فهي الأكثر قدرة على تعبئة هذه المجتمعات المتشظية، وفهم ميولها واتجاهاتها، ومن ثم فإن هذه الأجهزة تتمتع بمزية التحكم بمسار هذه المجتمعات، وترشد توجيه موارد القوة القسرية الأمنية. هذا الانقسام هو ما نراه تدهورا لمفهوم جامع للشعب المصري، بحيث استحال من كونه أمة إلى كونها مجرد مجموعة حشود.

وعلاوة على ما سبق، فإن هناك اتجاهان متضادان يعملان على هذا الانقسام، أولهما تلك الإرادة التي ترى أن من مصلحتها استمرار هذا الانقسام، وما يرتبط به من تشظي، بما يشكل إمكانية لاستمرار تحكمها به. والإرادة الثانية تتمثل في إرادة التغيير التي يمكنها عبر تفهم هذه الشبكة من العلاقات المجتمعية أن تعمل على دعم وتمكين الأمة.

 

رابعاً: تجديد الخطاب الهوياتي الإسلامي

عندما كتب المفكرون عن العولمة التي بدأت اجتياح العالم في أوائل التسعينات بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، بدأوا كذلك يتحدثون عن القوميات التي بدأت تنشط في مواجهة محاولة فرض النمط الأمريكي للحياة على العالم، وعدوها بنحو 5000 قومية عبر العالم، وبدأت تلك القوميات متتالية الاضطراب في شرق أوروبا، على أنقاض يوغوسلافيا وألبانيا، ثم عبر العالم. وكان المفكرون المسلمون يرون أن الإسلام يمكن أن يوفر إطارا لمنع انسحاق ثقافة الأمة أمام الضغوط العولمية. ومع توفر حركة دولية إسلامية نشطة في المواجهة، بدأت حركة تدعو لعولمة تقوم على المشترك الإنساني9، تسهم مختلف الحضارات رفدها بالقيم التي مثلت إضافة من هذه الحضارات لدعم تطور المسيرة الإنسانية.

غير أن هذه الروح لم تلبث أن تراجعت تحت وطاة ألعاب إدارة مبارك، حيث انشغل التيار الإسلامي في مصر بالمستويين عبر القومي ودون القومي (التنظيم) عن الاهتمام المستوى الوطني المصري، ولم يتجه التيار الإسلامي لتعزيز اهتمامه بالمستوى الوطني كإطار جامع، بل تعاملوا ضمنه وفق رؤية تنافسية، وهي الرؤية التي أدت لتعمق حالة الاستقطاب في مصر، وبلوغها حدا خطيرا، بالرغم من السعي الدؤوب لبناء إطار وطني للتحرك، سواء في ذلك حركة كفاية أو استقلال القضاء وغيرها من الحركات الاجتماعية التي شهدها العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

 

خاتمة:

في هذا الإطار من أولويات بناء مصر القادمة إنتاج صيغة جديدة للخطاب الهوياتي الإسلامي، صيغة لا يفترض بها أن تقدم تنازلا بقدر ما من شأنها أن تبني مشتركات وطنية، وأن تقدم رؤية إستراتيجية لصون هذه المشتركات، ربما يمكننا في هذا الصدد أن ندرس قدرة الحركة الصهيونية على بناء ديباجات يمينية واشتراكية مثلت تواصلا علمانيا مع التراث اليهودي، أو تنامي أوروبا في وجهة علمانية لم تقطع صلتها بتراثها المسيحي الذي تستميت في الدفاع عنه كلما اتجه مسلمو أوروبا لبناء مأذنة أو مسجد10، أو حتى مع الرؤى الإنجيلية والبروتستنتية الكمالية التي تبرز في الأفق السياسي الأمريكي مع مقدم كل رئيس محسوب على الحزب الجمهوري(11)

——————————-

الهامش

1 محافظ البنك المركزى: الفقر أحد أسباب تفشى الإرهاب فى العالم، بوابة الشروق، 18 أكتوبر 2017.

2 وكالات، مصر: صمت رسمي تجاه تقارير تجميد فرنسا بيع مقاتلات “رافال”، العربي الجديد، 25 اكتوبر 2017.

3 R, In the United Arab Emirates, a palace coup foiled, Middle East Eye, 13 July 2015.

4 السلطات السعودية تمنع عدداً من الأكاديميين والسياسيين من السفر، العربي الجديد، 31 أكتوبر 2017.

5 محمد بن سلمان: “نيوم” سيلبي كافة احتياجات الأجانب بدون مشروبات كحولية، سبوتنيك، 27 أكتوبر 2017.

6 وكالات، ماكرون يرفض “إعطاء السيسي دروسا” في حقوق الإنسان، موقع دويتشه فيله، 24 أكتوبر 2017.

7 Robert D. Putnam, E Pluribus Unum: Diversity and Community in the Twenty-first Century, The 2006 Johan Skytte Prize Lecture.

8  Rachel Aspden, Generation revolution: how Egypt’s military state betrayed its youth, The Guardian, 2 June 2016. الرابط

9 محمد محفوظ، العولمة.. المسيرة البشرية لإداك المشتركات الإنسانية، القاهرة، شمس للنشر والتوزيع، ص: 221.

10 إصلاح بخات، حظر المآذن: سويسرا تستقطب أنظار العالم، موقع سويس إنفو العربي، 30 نوفمبر 2009. الرابط

(11) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية “.

 

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق