تقديرات

التحالف الإسلامي وحدود الدور المصري

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقدمة:

أعلنت السعودية، رسمياً أن الجنرال الباكستاني رحيل شريف، هو القائد العسكري للتحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب، وجاء هذا الإعلان بعد 4 أيام من كشف الدولة السعودية عن الانتهاء من تأسيس مركز للتحالف في العاصمة السعودية الرياض، كما جاء الإعلان عن القائد ، قبل أيام من أول اجتماع لوزراء دفاع التحالف الذي تقوده السعودية، والذي استضافته الرياض في 26 نوفمبر الماضي (1 ) .

على خلفية هذا الاعلان تأتي أهمية الوقوف على طبيعة “التحالف الإسلامي” ومهامه، وحدود الدور المصري فيه، وآفاقه المستقبلية.

أولاً: التحالف الإسلامي ـ النشأة والأهداف

أعلن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان فى 15 ديسمبر 2015 تأسيس التحالف الإسلامي، لمكافحة الإرهاب، ويتكون من 41 دولة، هي: السعودية، وأفغانستان، والإمارات العربية، والأردن، وأوغندا، وباكستان، والبحرين، وبروناي، وبنغلاديش، وبنين، وبوركينا فاسو، وتركيا، وتشاد، وتوغو، وتونس، وجيبوتي، وساحل العاج، والسنغال، والسودان، وسيراليون، والصومال، وسلطنة عمان، والغابون، وغامبيا، وغينيا، وغينيا بيساو، وفلسطين، وجزر القمر، والكويت، وقطر، ولبنان، وليبيا، والمالديف، ومالي، وماليزيا، ومصر، والمغرب، وموريتانيا، والنيجر، ونيجيريا، واليمن، فيما انتقدت كل من إيران والعراق وسوريا هذه الخطوة. وأعلن وقتها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أن هدف التحالف هو تنسيق الجهود ضد المتطرفين في العراق، وسوريا، وليبيا، ومصر، وأفغانستان. ( 2)

وتضمن بيان الاعلان أن أعضاء التحالف يتحالفون فى أربعة مجالات لتنسيق جهودها فى محاربة الإرهاب، وهي :

1ـ المجال الفكري: ويهدف إلى المحافظة على عالمية رسالة الإسلام، مع التأكيد على المبادئ والقيم الإسلامي، والتصدي لأطروحات الفكر الإرهابي، وإحداث الأثر الفكري والنفسي والاجتماعي لتصحيح المفاهيم الإرهابية المتطرفة .

2ـ المجال الإعلامي: يهدف إلى المساهمة فى تطوير وإنتاج ونشر محتوى تحريري واقعي، وعلمي، لاستخدامه فى منصات التواصل والقنوات الإعلامية من أجل فضح وهزيمة الدعاية الإعلامية للجماعات المتطرفة .

3- مجال محاربة تمويل الإرهاب: سيتم العمل على قطع تمويل الإرهاب وتجفيف منابعه، وتوفير الموارد الكافية لمحاربة الإرهاب، بجانب التواصل والتنسيق مع الجهات الدولية لملاحقة ممولي الإرهاب، وتمويل المبادرات، التي تحارب الارهاب.

4ـ المجال العسكري: وفيه سيتم العمل على دعم التنسيق العسكري العملياتي بين الأعضاء لمواجهة الارهاب، بجانب تدريب وتأهيل الوحدات الخاصة للدول الأعضاء المنخرطة فى محاربة الإرهاب، وردع التنظيمات الإرهابية من خلال التنسيق العسكري لدول التحالف.

وكان اول إجتماع لدول التحالف في 26 و27 مارس 2016م، وخلاله أكد رؤساء الأركان في دول التحالف عزمهم تكثيف الجهود لمحاربة الإرهاب من خلال تعزيز عملهم المشترك تبعاً لإمكانية الدول الأعضاء، وحسب رغبة كل دولة عضو في المشاركة في أي عملية أو برنامج، ولكن منذ ذلك التاريخ حتى 26 نوفمبر 2017م، لم تتم أي إجتماعات تجمع تلك الدول المشاركة في ذلك التحالف، ولم يتم تشكيل قوات خاصة بتلك التحالف، ولم يتم اختيار قائد لتلك التحالف، فقط في 7 يناير 2017، أكد وزير الدفاع الباكستانى خواجة محمد آصف عن القائد السابق للجيش الباكستانى الجنرال رحيل شريف تولى قيادة التحالف العسكرى الإسلامى لمكافحة الإرهاب ( 3) ، وبعد ذلك الإعلان تم عقد إجتماع في الرياض وتحديداً في 15 يناير 2017، وحضر ذلك الأجتماع 13 دولة فقط ليست من ضمنهم مصر، ولم تؤكد المملكة العربية السعودية وقتها خبر تولي رحيل قيادة التحالف، بل أعلنت في 22 نوفمبر 2017م، عن أن رحيل شريف هو من تولي قيادة التحالف الإسلامي، واعلنت أيضا في ذلك التاريخ عن تأسيس مركز للتحالف ومقرة العاصمة الرياض.

ورحيل شريف ( 4) سبق له أن تولى قيادة الجيش الباكستاني فى نوفمبر 2013، وأحيل إلى التقاعد فى نوفمبر 2016 . وقبل توليه منصب قيادة الجيش الباكستاني شغل شريف منصب المفتش العام للتدريب فى مقر القوات المسلحة، كما رأس الأكاديمية العسكرية الباكستانية، ويعتبر الكثيرون أن “شريف” لعب دورا أساسيا في توجيه التغيير في التفكير العسكري في باكستان منذ عام 2007، والذي بموجبه يوجه اهتمام الجيش نحو قتال طالبان بدلا من التركيز على العدو التقليدي، الهند .

ثانياً: مصر والتحالف الإسلامي:

مع إعلان تشكيل التحالف أعلنت مصر مشاركتها وشاركت في أول إجتماع للدول المشاركة في التحالف، في الرياض في مارس 2016م، ورأس الوفد المصري آنذاك رئيس الأركان السابق الفريق محمود حجازي، ولكن في اجتماع نوفمبر 2017، اكتفت مصر بحضور وفد ترأسه رئيس هيئة العمليات السابق ومساعد وزير الدفاع الحالي توحيد توفيق (5 ) وشاركه كلاً من اللواء أ.ح محمد صلاح مدير إدارة الأزمات، واللواء أ.ح طارق المالح، مساعد مدير المخابرات الحربية، وعميد أ.ح إيهاب الشيخ ملحق الدفاع المصري بالسعودية، ووزير مفوض خالد عزمي مدير إدارة مكافحة الاٍرهاب بوزارة الخارجية.

ونقلت بعض المصادر أن التمثيل الضعيف للوفد المصري، جاء بسبب خلاف مصري سعودي، بخصوص قيادة التحالف في تلك المرحلة، وأنه كان هناك اتفاق بين النظام المصري والنظام السعودي، بأن قائد قوات التحالف في تلك الفترة يكون مصرياً، كي تكون مصر حاضرة بشكل قوي في تلك المرحلة في كافة قضايا المنطقة، ليدلل نظام السيسي علي أن مصر قد عادت إلى ما كانت عليه سابقاً، ويروج النظام علي أنه أحد إنجازات النظام الخارجية وتوظيفها في دعاية السيسي في الإنتخابات الرئاسية المصرية المزمع عقدها في منتصف عام 2018.

ثالثاً: البحث فى الأسباب:

يمكن القول أن عدم اختيار قائد مصري لقوات التحالف الإسلامي له عدة إحتمالات من أهمها:

1- سلبية الدور المصري في عاصفة الحزم:

حيث ذهب البعض إلى أن السعودية لم تعط القيادة لمصر بسبب ضعف الدور المصري فى عملية “عاصفة الحزم” بمشاركة تحالف مكون من 10 دول بقيادة السعودية من ضمنها مصر، هدفها صد الحوثيين الذين بسطوا سيطرتهم على أغلب المناطق في اليمن، وكانت السعودية تعول على الدور المصري في تلك العملية، بالتدخل البري ولكن لم يفعل النظام المصري، وأصبح الدور المصري فقط قائم علي ضربات جوية من حين إلى آخر. ولجأت السعودية إلى دولة السودان كي تتول هي التدخل البري في الداخل اليمني، وقد كان بالفعل وقامت القوات السودانية بإرسال قوات برية إلى اليمن.

لم يكتف السيسي فقط بالتراجع عن وعوده بالتدخل العسكري في اليمن، بل قام بفتح علاقات مع جماعة الحوثي التي تعتبر نفسها في حالة حرب مع الدول السعودية، ففي 4 مارس 2015 قام وفد من جماعة الحوثي بزيارة إلى القاهرة برئاسة القيادي حسين العزي رئيس دائرة العلاقات الخارجية في المكتب السياسي للجماعة، شملت الزيارة لقاءات مع مندوب اليمن لدى الجامعة العربية ومسؤولين مصريين، لبحث التطورات السياسية اليمنية ( 6) .

القاهرة بررت استقبال الوفد الحوثي بأن “مصر وجهت دعوة لعدد من الأطراف الحوثية لزيارة القاهرة في إطار اتصالها مع جميع أطراف الأزمة اليمنية، والجهود المبذولة للحفاظ على استقرار، ووحدة الأراضي اليمنية“، وفي 15 أكتوبر 2016 كشف مصدر عسكري يمني يعمل بشكل مباشر مع الحوثيين في المنطقة الساحلية عن امتلاك الحوثيين زوارق حربية متطورة وصلت إليهم من مصر قبل أشهر. وقال المصدر “إن قائد معسكر الضحى في مديرية اللحية الساحلية، يحيى حسين أبو حلفة، وتاجر السلاح المقرب من صالح، زيد عمر الخُرج، تسلما 12 زورقاً من ضباط في البحرية المصرية خلال الشهرين الماضيين”. المصدر أشار إلى أن عملية استلام الزوارق تمت في جزيرة قبالة منطقة اللحية التابعة لمحافظة الحديدة. وأن البحرية المصرية سهّلت دخول السلاح للحوثيين وحلفائهم. المصدر كشف أيضاً عن وجود قنوات اتصال بين الحوثيين والاستخبارات المصرية وأن هناك علاقة طيبة بين الحوثيين ومصر بدأت عقب 3 أشهر من انطلاق عاصفة الحزم (7) .

2-الدور المصري في الأزمة اللبنانية:

من يتابع الدور المصري في الأزمة اللبنانية السعودية التي قد وقعت في النصف الأول من شهر نوفمبر 2017م، يري ان النظام المصري لم يتماش بشكل كبير مع الموقف السعودي، فالتصريحات الرسمية للنظام المصري لم تدين سياسات دولة إيران بشكل كبير كما تقول السعودية، وقام وزير الخارجية المصري سامح شكري بجولات في بعض العواصم العربية، حتي يقوم بالتهدئة ولا تتسرع الدولة السعودية وحلفائها بالمنطقة بعمل ضربة عسكرية علي حزب الله في لبنان، وقام وزير الدفاع المصري أيضاً “صدقي صبحي” بزيارة إلى دولة سلطنة عمان يوم 13 نوفمبر 2017، لمناقشة تطورات الأوضاع بين السعودية وإيران في المنطقة كمحاولة لتهدئة الموقف، وبعد زيارة سعد الحريري إلى فرنسا بعد عملية الوساطة التي قامت بها فرنسا ومعها النظام المصري، زار سعد الحريري رئيس الوزراء اللبناني القاهرة والتقي بالسيسي، لتهيئة الوضع النهائي قبل رجوع الحريري إلى لبنان، وهنا رأى البعض أن السعودية تري أن النظام المصري غير متماشي بالطريقة المرغوب فيها مع توجهاتها، وأن التحالف الإسلامي يجب أن تكون في قيادته شخصية تمثل دولة متماهية مع النظام السعودي في توجهاته بشكل تام.

3-التقارب المصري من المحور الروسي الإيراني:

منذ انقلاب 03 يوليو 2013م، رأي البعض أن السيسي قام بالتقارب بشكل كبير مع المحور الإيراني الروسي في المنطقة، وما يؤشر إلى ذلك التقارب تواجد عدد من الطيارين الحربيين المصريين في قاعدة حماة الجوية، لتقديم الدعم لقوات النظام السوري، وانضمام الكثير من الخبراء العسكريين المصريين لجبهات القتال في سورية، والدعم المصري خلال الفترة الماضية اتخذ أشكال نقل الخبرات العسكرية، وتوريد كميات من الذخائر، التي تتناسب مع طبيعة تسليح القوات التابعة لنظام الأسد، ووجود لواء مسلح تابع للجيش المصري داخل الأراضي السورية تحت اسم “لواء المرابطين” يضم ضباط وجنود مصريين يعملون لصالح نظام بشار الأسد.

وعلي الصعيد العراقي في 13 سبتمبر 2016 أبدى السيسي “استعداد مصر للتعاون مع العراق من أجل القضاء على ما أسماه التنظيمات الإرهابية الظلامية”، مشيرًا إلى أن “مصر مستعدة للتعاون في جميع المجالات العسكرية، جاء ذلك خلال اتصال هاتفي بين السيسي ونظيره العراقي فؤاد معصوم، وذلك فسره البعض وقتها بأنه فصل من فصول ابتزاز السيسي للسعودية في ظل التوتر الذي كان قائم وقتها في العلاقات بين الجانبين، وكانت محاولة من السيسي لإيجاد بديل تمويلي للنفط عن السعودية. (8 )

4- الجيش ومشاكلة الدخلية:

رأى البعض أن النظام السعودي لم يوكل قيادة التحالف الإسلامي للدولة المصرية، بسبب مشاكل الجيش المصري الداخلية، وما يعانيه الجيش المصري في مواجهاته مع المسلحين داخل الدولة المصرية، وفي مواجهة الإرهاب، وأنها ستكون رسالة سلبية للدول المشاركة كون أن دولة تعاني من الإرهاب هي من تتولي قيادة التحالف، ورسالة بعدم جدية التحالف لمحاربة الإرهاب.

خاتمة:

النظام السعودي يعمل على حشد حلفائه لتحرك عسكري في الفترة المقبلة، ويبدو أن النظام المصري يحاول أن يبتعد عن أي تحرك عسكري خارجي حتي لو مرحلياً، بسبب مشاكله الداخلية، ولعدم ثقتة من قيادة محمد بن سلمان للمنطقة في المرحلة الحالية، والتي ربما يراها النظام المصري غير قادرة علي مواجهة خصم كالخصم الإيراني، المتقارب بشكل كبير مع النظام الروسي الذي يدعم النظام المصري بكافة أنواع الدعم العسكري بعد الإنقلاب العسكري في مصر،  ولكن تبقي إشكالية كبري للنظام المصري وهي أن النظام السعودي من أقوي داعميه، والنظام المصري أمامه شهور قبل الدخول في إنتخابات رئاسية في 2018، ولا يتحمل خسارة حليف كالسعودي.

إلا أنه المؤشرات تقول إننا على أعتاب مرحلة جديدة في العلاقات المصرية السعودية، والتي قد يشوبها الكثير من التوتر، وقد تدفع بالنظام السعودي لعقاب النظام المصري حتي يتراجع السيسي ويتماشى مع منظومته الإقليمية، وهذا العقاب قد يكون بإثارة بعض المشاكل داخل الدولة المصرية، أو إعطاء الضوء الأخضر لأحد المنافسين للترشح أمام السيسي في الفترة المقبلة ( ( 9) ).

—————

الهامش

( 1) من هو قائد جيش العالم الإسلامي الجديد؟، مصر العربية، النشر 23 نوفمبر 2017، الدخول 28 نوفمبر 2017، الرابط

(2 ) ما هو التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب؟، bbc ، النشر، 26 نوفمبر 2017، الدخول 28 نوفمبر 2017، الرابط

( 3) تعيين الباكستانى رحيل شريف قائدا للتحالف الإسلامى لمكافحة الإرهاب، اليوم السابع، تاريخ النشر 07 يناير 2017، تاريخ الدخول 28 نوفمبر 2017، الرابط

(4 ) نبذة عن رئيس أركان الجيش الباكستاني، رحيل شريف، bbc تاريخ النشر 27 نوفمبر 2013، تاريخ الدخول 28 نوفمبر 2017، الرابط

(5 ) رئيس وفد مصر بمؤتمر الرياض: الجماعات الإرهابية تسعى لإسقاط وتقسيم الدول.. وندعو لإستراتيجية شاملة لمواجهتها، بوابة الاهرام، تاريخ النشر  26 نوفمبر 2017، تاريخ الدخول 28 نوفمبر 2017، الرابط

(6 ) وفد من جماعة الحوثي بالقاهرة بحثا عن التأييد، الجزيرة نت، تاريخ النشر 04 مارس 2015، تاريخ الدخول 28 نوفمبر 2017، الرابط

(7 ) مصر دعمت الحوثيين بزوارق بحرية متطوِّرة.. واتصالات قوية مع الاستخبارات، هافينجيتن بوست، تاريخ النشر 15 أكتوبر 2016، تاريخ الدخول 28 نوفمبر 2017، الرابط

( 8) مناطق التوتر: التدخلات العسكرية الخارجية المصرية، تقدير موقف، المعهد المصري للدراسات السياسية والإستراتيجة، الرابط

(9 ) الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “التحالف الإسلامي وحدود الدور المصري”

  1. لا أتوقع دورا محوريا للتحالف الإسلامى أعجبنى تحليل لماذا لم يتم إختيار قائد مصر للتحالف الإسلامى وهناك سؤال آخر لماذا لم يتم إختيار قائد عسكرى تركى والجواب فى رأيى أنه من الصعب تطويع تركيا ذات الوزن الإقليمى الرائد والتى تعتبر خامس دول العالم فى تصدير السلاح علاوة على كونها دول عضو فى حلف الأطلنطى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *