المشهد العسكريتقديرات

التدريبات العسكرية المصرية ـ الصهيونية: ماذا بعد؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا

مقدمة:

في الذكرى 44 لحرب أكتوبر 1973م، بين مصر والكيان الصهيوني، أعلن وزير الدفاع اليوناني أن القوات الجوية اليونانية تعتزم إجراء تدريبات مشتركة مع قبرص وإسرائيل ومصر والأردن ودول أوروبية أخرى(1 ) . ويعد هذا التصريح هو الأول من نوعة المعلن الذي يكشف عن تدريبات عسكرية يشارك فيها الجيش المصري بجانب الجيش الصهيوني، فما دلالة الإعلان عن تلك التدريبات في الوقت الحالي، وما طبيعة العلاقة بين مصر والكيان الصهيوني من بعد الإنقلاب العسكري في مصر عام 2013؟.

أولاً: العلاقات المصرية الصهيونية بعد انقلاب 2013

تأتي التدريبات العسكرية المزمع عقدها في ظل تحسن العلاقات بين مصر والكيان الصهيوني، بعد مجئ السيسي علي رأس إدارة الدولة المصرية وخاصة فى الجانب العسكري والأمني، والذي ظل يتنامي من بعد يوينو 2013م، الي أن وصل لدرجة الإعلان عن تدريبات عسكرية مشتركة بين مصر ودولة الكيان، التي تعتبر في رسوخ العقيدة القتالية للجيش المصري “عدوا” علي مدار تاريخه، ونقف هنا علي طبيعة تطور العلاقات بين مصر ودولة الكيان من بعد الإنقلاب العسكري في 03 يوليو 2013:

  • في 24 أغسطس 2013: كشفت صحيفة معاريف عن أن وفدا أمنيا إسرائيليا زار القاهرة عقب عزل الجيش للرئيس المنتخب مرسي، والتقى قيادة الجيش للتأكد من تواصل التعاون الأمني بين الجانبين. واعتبرت الصحيفة أن التعاون الأمني بين إسرائيل والجيش المصري “أصبح من العمق والاتساع” بشكل لم يسبق له مثيل، لكنهما يحاولان خفض مستوى الاهتمام الإعلامي بهذا التعاون الأمني.( 2)
  • في 1 يوليو 2015 قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: إن إسرائيل شريكة لمصر ودول كثيرة بمنطقة الشرق الأوسط في مكافحة “الاٍرهاب الإسلامي المتطرف”. وقال نتنياهو في بيان له إن تنظيم الدولة الإسلامية أصبح قريبا من حدود إسرائيل الجنوبية وليس فقط في هضبة الجولان.(3 )
  • في 5 يوليو 2015، طالب وزير الخارجية الإسرائيلي السابق أفيغدور ليبرمان بتعزيز التعاون بين إسرائيل ومصر ودعم السيسي في ما وصفه بحربه على الإرهاب في سيناء ومنحه كافة الإمكانيات، وأكد أن التعاون الاستخباري بين إسرائيل ومصر بشأن كل ما يحدث في سيناء هو مصلحة إسرائيلية.
  • في 12 يناير 2016، قال الخبير الأمني الإسرائيلي يوسي ميلمان: إن نظام السيسي وفر على إسرائيل جهود منع تهريب السلاح عبر الأراضي السودانية إلى المنظمات الفلسطينية في قطاع غزة، وهو ما عمل على تخفيف حدة الضربات الجوية الإسرائيلية لموجهة للأراضي السودانية والمناطق المحيطة بها.
  • في 31 يناير 2016 كشفت صحفية معاريف الإسرائيلية النقاب عن معلومات تفيد بأن إسرائيل تقدم دعما للجيش المصري في سيناء يتمثل في الصواريخ الاعتراضية والمعلومات الأمنية عن المسلحين هناك. وأن رئيس جهاز الشاباك الإسرائيلي يورام كوهين زار القاهرة خلال الحرب على غزة صيف 2014 وبعدها، وتباحث مع المصريين في قضايا تتعلق بغزة وحركة حماس
  • في 6 فبراير 2016، قال وزير البنى التحتية والطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتس إن السيسي غمر الأنفاق على حدود بلاده مع قطاع غزة بالمياه “بناءً على طلب من إسرائيل”، وأن “التنسيق الأمني بين إسرائيل ومصر أفضل من أي وقت مضى”( 4) .
  • صرّح السفير الإسرائيلي لدى مصر حاييم كوهين لأسوشيتد بريس، أن مصر وإسرائيل “تتمتعان حاليا بعلاقات قوية “. وقد جاء تصريحه على خلفية عشاء إفطار أقامته السفارة الإسرائيلية للموظفين المصريين العاملين بالسفارة . وأضاف كوهين أن هناك “تفاهما قويا” بين الجيشين بشأن “تطور الأوضاع بالمنطقة وشبه جزيرة سيناء”.
  • في 09 أغسطس 2016، وبحسب تقرير لل  bbcقال مسؤول عسكري إسرائيلي إن ما يعرف بـ “تنظيم الدولة الاسلاميّة” في سيناء هو العدو المشترك لمصر وإسرائيل . وأعرب مسؤولون إسرائيليون عن رضاهم عن التنسيق الأمني المتبادل عند الحدود المصرية الاسرائيليّة القريبة من سيناء .(5 ) وذكر التقرير، أن منطقة الشريط الحدودي الفاصل بين إسرائيل ومصر، أصبحت مختلفة عما كانت عليه قبل سنوات، مع وجود نقاط حدودية جديدة وسياجُ أمني .
  • في 14 فبراير 2017م، ذكرت صحيفة “هآرتس” يسود انطباع لدى أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بأن قوات الأمن المصرية حققت في الأشهر الأخيرة نجاحات في حربها ضد تنظيم ‘ولاية سيناء’، وذلك بفضل تعاون أمني بين مصر وإسرائيل، وأشار المحلل العسكري في الصحيفة الإسرائيلية، عاموس هرئيل، إلى أن القوات المصرية تمكنت من قتل عدد كبير نسبيا من عناصر ‘داعش’ في سيناء، وبينهم قياديون في التنظيم، وأنه نتيجة لذلك، يواجه التنظيم صعوبة في شن هجمات واسعة، كما أن كم هجماته تراجع. ولفت هرئيل إلى أنه في سياق التعاون والتنسيق الأمني، سمحت إسرائيل لمصر بإدخال عتاد عسكري إلى شمال سيناء، بينها مروحيات قتالية، خلافا لما تنص عليه اتفاقية السلام بين الجانبين. ووفقا لهرئيل، المقرب من الجيش والاستخبارات في إسرائيل، فإنه منذ فشل ‘ولاية سيناء’ في السيطرة على منطقة بلدة الشيخ زويد في شمال سيناء، يواجه هذا التنظيم صعوبة في الحفاظ على سيطرة على أية منطقة.(6 )
  • في 22 فبراير 2017م، كشف وزير الدفاع الجيش الصهيوني أفيغدور ليبرمان، عن قصف جيش الاحتلال ﻷهداف تعود لتنظيم “ولاية سيناء” على اﻷراضي المصرية في سيناء، اعتراف ليبرمان جاء عبر قوله ساخراً، “إن القوات الخاصة التابعة للختنشتاين (دولة لا تمتلك جيشاً) هي التي نفذت الهجوم على داعش”، قبل أن يضيف “نحن لا نترك أمراً من دون رد”، وذلك بحسب ما نقلت عنه مواقع إخبارية عدة. وأكد ليبرمان أن تنظيم “داعش” في سيناء لا يعتبر “تهديداً للأمن الإسرائيلي ولكنه يضايق ويشوّش فقط، فلا يمكن مقارنته بحركة حماس أو حزب الله ” .( 7)
  • في 16 يونيو2017، قالت دراسة بحثية أصدرها معهد أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب:  إن مصر تواصل حربها ضد الجماعات المسلحة في سيناء من خلال شراكتها مع إسرائيل، في المجالين الأمني والعسكري. وأضافت الدراسة رغم عدم تحقيق نجاحات مصرية في هذه المواجهة العسكرية، فإن نجاح المجموعات السلفية الجهادية في نقل عملياتها الدامية إلى داخل القاهرة يدفع الأخيرة لتوثيق تعاونها مع تل أبيب، رغم أن الكشف العلني عن هذا التنسيق مع إسرائيل لا يروق للنظام المصري، خشية غضب الرأي العام.

وقال يورام شفايتسر -معد الدراسة، وهو مدير مشروع محاربة الإرهاب والحروب منخفضة القوة في المعهد، وعمل في مواقع قيادية في مجال مكافحة الإرهاب- إن الأحداث التي تشهدها شبه جزيرة سيناء تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن التعاون الأمني الحاصل بين مصر وإسرائيل يجري على نار هادئة.

وأضاف شفايتسر: إنه رغم أن الأجهزة الأمنية المصرية تحاول إخفاء علاقاتها الاستخبارية مع نظيرتها الإسرائيلية، فإن هذه العلاقة تشهد ازدهارا أمنيا بينهما. وأكد أن مصلحة إسرائيل تكمن في تثبيت الأمن داخل سيناء، ودعم معركة النظام المصري ضد الجماعات المسلحة1.

ويقول الخبير الإسرائيلي في تاريخ الشرق الأوسط أوفير فينتر -المشارك في الدراسة ذاتها- إنه بسبب هذه المصلحة المشتركة الأمنية المصرية الإسرائيلية، فقد وافقت الأخيرة للجيش المصري على الدخول في سيناء بقوات تتجاوز المتفق عليه في اتفاقية كامب ديفيد الموقعة بينهما قبل ثلاثة عقود.( 8)

ووفقا لفينتر فإن مستوى الثقة الأمنية لدى الأجهزة الأمنية في الدولتين وصل إلى مستوى نقل تل أبيب إلى القاهرة تكنولوجيا عسكرية واستخبارية عملياتية، فضلا عن قيام الطائرات الإسرائيلية بتنفيذ غارات عسكرية في سيناء بموافقة القاهرة.

في أول لقاء معلن يجمع بينهما، اجتمع السيسي برئيس وزراء الكيان الصهيونيى بنيامين نتيياهو( 9) في الولايات المتحدة علي على هامش فعاليات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها رقم 72 بنيويورك، كان أبرز الحضور من الجانب الإسرائيلي “مئير بن شابات” مستشار الأمن القومي لنتنياهو، والذي تم تعيينه في منصبه قبل شهرين، بعد أن كان يشغل منصب قائد “لواء الجنوب” في جهاز المخابرات الداخلية “الشاباك”.

وعرضت وسائل الإعلام الإسرائيلية صورا للسيسي وهو يتبادل الحديث مع مئير بن شابات مستشار الأمن القومي لنتنياهو، وكان أبرز حضور اللقاء من الجانب المصري اللواء خالد فوزي مدير المخابرات العامة المصرية، وبعد اللقاء مباشرة أصدر مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بيانا وصف فيه المناقشات بين السيسي ونتنياهو بالشاملة والتي تطرقت إلى مشكلات المنطقة.

ولم يكن هذا اللقاء هو الأول من نوعه الذي جمع بين السيسي ونتياهو بل سبقة لقائين لم يعلن عنهم بشكل صريح، وهما لقاء العقبة الذي عقد في يناير 2016، وجمع السيسي ونتنياهو وكلا من ملك الأردن عبد الله الثاني ووزير الخارجية الأمريكي جون كيري، ولقاء القاهرة الذي جمع السيسي وكلا من نتنياهو وزعيم المعارضة الإسرائيلية إسحاق هيرتزوغ في اغسطس 2016.

ثانياً: الأسباب والتفسيرات

الإعلان عن قيام تدريبات عسكرية مشتركة بين الجيش المصري وجيش الإحتلال الصهيوني في ذلك التوقيت له عدة أسباب وتفسيرات ومن أهمها:

1 -عقيدة الجيش وذكري أكتوبر

“من المؤكد أنها ستكون هناك حروب قادمة مع إسرائيل، والرؤية الإستراتيجة تقول إن عاجلاً او أجلاً سينتصر العرب علي إسرائيل” جاء هذا علي لسان الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس أركان الجيش المصري أثناء حرب أكتوبر 1973م، والتي وصفها البعض بأن تلك الرؤية هي التي كان يراها معظم قيادات الجيش المصري ، التي تري ان الكيان الصهيوني كيان “معادي” للدولة المصرية، ومعادي للعرب جميعاً، وان جملة السادات بأن حرب أكتوبر 1973 هي آخر الحروب بين مصر والكيان الصهيوني لم تكن تعبر عن رؤية قطاع عريض من قيادات الجيش المصري.

ولكن هناك قيادات أخري متامشية مع مقولة السادات وتعمل علي تطبيقها، وتعمل علي التطبيع السياسي والعسكري بين مصر والكيان الصهيوني بشكل كامل، ووصف البعض ان ما يقوم به السيسي يستهدف بالأساس الي محو العقيدة القتالية للجيش المصري وتغيير نظرة الجيش المصري للكيان الصهيوني، وتم الربط بين هذا وبين أستبعاد السيسي لكل القيادات العسكرية داخل الجيش المصري التي شهدت حرب أكتوبر، وكان القائد الأخير داخل المجلس العسكري المصري الذي شهد حرب أكتوبر قد أطاح به السيسي في 18 ديسمبر 2016م، وهو الفريق عبدالمنعم التراس قائد قوات الدفاع الجوي السابق، ورأي البعض ان الإعلان عن التدريبات في نفس توقيت ذكري حرب أكتوبر ال44، ليس من محض الصدفة، ولكن جاءت لإعلان إنطلاق مرحلة جديدة من التقارب بين الجيش المصري والكيان الصهيونيى، ومحو ذكريات الماضي التي كانت تبني علي الحروب والصراعات.

2 -الأوضاع في سيناء

بعد تولى السيسي الحكم في مصر في مايو 2014م، كانت سيناء وما يحدث فيها من تمرد مسلح، بمثابة الاختبار الأول للسيسي، لذلك استند السيسي في عملياته العسكرية المستمرة ضد التمرد في سيناء إلى شراكته الاستراتيجية والأمنية مع إسرائيل، والتي أعطت الضوء الأخضر للقوات المصرية لتنتشر في مناطق واسعة داخل شمال سيناء “المنطقة (ب)، والمنطقة (ج)”، لكي تتمكن من مواجهة الجماعات المسلحة بالسلاح الثقيل والمدرعات والطلعات الجوية . وقد جاءت تلك العمليات العسكرية على عكس ما ينص عليه الملحق الأمني من “اتفاقية كامب ديفيد”. ومن ثم، أصبحت مواجهة الجماعات المسلحة في سيناء من أهم الملفات الأمنية بين البلدين.

فقد أصبحت إسرائيل تتعاون مع مصر، من خلال قيامها بعدة طلعات جوية استخباراتية للكشف عن بؤر المسلحين وطلعات استهداف للمسلحين في حين اخر، لذلك رأي البعض ان السيسي يتقارب الأن بشكل أكبر مع الكيان الصهيوني للتنسيق بشكل أستراتيجي بينهما للسيطرة علي الأوضاع بشكل كامل في شبة جزيرة سيناء في الفترة المقبلة، من خلال التدريبات العسكرية المشتركة، ومن خلال توحيد المفاهيم بين أفراد الجيشين، ومن جهة أخري رأي البعض ان الإعلان عن تدريبات عسكرية بين مصر والكيان الصهيوني في الفترة الحالية، توقيت من ناحية الطرفين جيد في الفترة التي تشهد فيها سيناء مواجهات مسلحة، فسيعمل الطرفين تسويق الأمر للرأي العام بأن الأوضاع في سيناء فرضت عليهم أمور جديدة للسيطرة علي الأوضاع قبل أن تخرج عن السيطرة.

3 -منطقة شرق المتوسط:

إن التنسيق والتطبيع العسكري في مصر والكيان الصهيوني يراه البعض أنه إعداد لمرحلة قادمة يختفي عنها طابع السرية، ولكن ربط البعض ان الترتيب العسكري بين مصر والكيان الصهيوني وقبرص واليونان والأردن وبين الصفقات وتأمين آبار الغاز المتواجدة في منطقة شرق المتوسط والمتنافس عليها بين كل من اليونان وقبرص وإسرائيل وفلسطين وتركيا وسوريا ومصر، فاكتشافات الغاز المتتالية للدول المطلة على السواحل الشرقية للبحر المتوسط، ترسم صورة قاتمة لنذر تفجر حروب بين هذه الدول للسيطرة على مناطق الغاز، الذى يعتبره الكثيرون وقود المستقبل بعد تزايد أهميته في مجالات الحياة المختلفة. ومؤشرات الحرب بدأت بالفعل، حيث تتنازع إسرائيل مع سوريا وتركيا ولبنان وقبرص ومصر وفلسطين المحتلة على الأحقية المشتركة في حقول الغاز المكتشفة حديثا بشرق البحر المتوسط، ويتمسك كل طرف بموقفه الذي يعززه بأن حدوده البحرية خط أحمر تندرج تحت طائلة السيادة الوطنية.

4 -ترتيبات لأجندة سرية

وصف البعض أن التقارب العسكري المعلن بين مصر والكيان الصهيوني في الفترة الحالية، بأنه ترتيب لأجندة سرية في المرحلة المقبلة بين الطرفين ، ووصفة البعض انه جاء لمواجهة الدور التركي في منطقة القرن الأفريقي، والتي قامت تركيا مؤخراً بافتتاح أكبر قاعدة لها خارج حدودها في دولة الصومال، وللكيان الصهيوني قاعدة عسكرية متواجدة أيضا فى منطقة القرن الأفريقي في “أرخبيل دهلك” وهو مجموعة من الجزر الواقعة في البحر الأحمر بإريتريا وتحديدا في مدينة “مصوع”، وتبلغ مساحة جزر دهلك 700 كم2 وتبعد عن الساحل مسافة 43 كم، وكشف مؤخراً أيضاً التنظيم الديمقراطي لعفر البحر الأحمر “المعارضة الإريترية”، عن أن الحكومة الإريترية منحت مصر الضوء الأخضر لبناء قاعدة عسكرية داخل أراضيها، في منطقة (نورا) في جزيرة (دهلك)، وأن الاتفاق جاء في أعقاب زيارة قام بها وفد أمني وعسكري مصري إلى إريتريا مطلع أبريل 2017م، وأنه سيتم نشر ما يتراوح بين 20 إلى 30 ألف جندي مصري في القاعدة المقررة. (10 )

5 – ورقة تأمين الكيان الصهيوني

في أعقاب تولي السيسي الحكم في مصر، قامت إسرائيل بعمليتها العسكرية “الجرف الصامد” على قطاع غزة، حيث كانت هذه الحرب فرصة مواتية للسيسي لتقديم نفسه للمجتمع الدولي بعيداً عن الأزمة السياسية الدائرة في مصر، فاستفاد من رفض إسرائيل لأي جهود وساطة دولية لوقف إطلاق النار في قطاع غزة أثناء تلك العملية العسكرية. ولم يثمر اجتماع باريس شيئاً، ولم تتمكن الولايات المتحدة، وبريطانيا، وألمانيا، وإيطاليا، وقطر، وتركيا، والاتحاد الأوروبي من إنهاء الأزمة المشتعلة في قطاع غزة.

ونتيجة لذلك، لجأت إسرائيل إلى القاهرة، لتستضيف جولة المفاوضات مع الفصائل الفلسطينية، وتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وفي 1 أغسطس 2014 وصف السفير الإسرائيلي السابق لدى الأمم المتحدة دان جيلرمان السيسي بأنه “الخباز الأفضل لأي اتفاقية تضع حركة حماس في مكانها المناسب” بعد انتهاء العدوان العسكري الإسرائيلي على غزة، وهو أمر تحتاج إليه مصر التي تريد الآن العودة إلى موقع القيادة في المنطقة، فلذلك رأي البعض إن توجه السيسي للتقارب العلني مع الكيان الصهيوني ليس نابعاً فقط من إيمانه ببرجماتية العلاقة مع الإسرائيليين، وإنما لمروره بأزمات ضخمة داخل مصر، منها: الخصومة مع المعارضة الإسلامية والعلمانية، وتصاعد وتيرة العنف والإرهاب في سيناء والصحراء الغربية، وتباطؤ الاقتصاد المحلي، وتناقص حصة مصر من مياه النيل. كل هذه الأمور دفعت السيسي إلى تجديد زعامته المحلية، من خلال احتلال مساحة دولية كمفاوض في أحد أكثر الملفات الدولية حساسية (مفاوضات السلام الإسرائيلية ­ الفلسطينية)، حتى يساعده ذلك في موقفه المحلي، فيجنبه أي محاولات للإطاحة به، وتكون هذة الورقة أحد الورقات الهامة التي ستؤهلة الي الفوز في الانتخابات الراسية القادمة في منتصف عام 2018م.

ثالثاً: مستقبل العلاقات بين مصر والكيان الصهيوني

السيناريو الأول: تطور العلاقة

في ظل استمرار حكم السيسي ستظل العلاقات بين مصر والكيان الصهيوني في تنامي مستمر لان المنفعة متبادلة بين الطرفين وبقاء السيسي يحقق مصالح إسرائيل وخصوصا في تضييق دخول السلاح لمقاتلي القسام في قطاع غزة، وأزعانه بأنه يقوم بحماة الكيان من مسلحين ولاية سيناء المتواجدين بشمال سيناء، والسيسي يري ان مستقبله مرهون على أن تكون العلاقة بينه وبين الكيان الصهيوني علاقة قوية إستراتيجية، لأنها أهم أوراقة التي يغازل بها المنظومة العالمية لكي تعمل تلك الدوائر علي إستمرارة في الحكم.

السيناريو الثاني: ثبات العلاقة

إن العلاقة بين الكيان الصهيوني ومصر وصلت الي مرحلة لم تصل إليها علي مدار تاريخها، ولكن من المحتمل أن نظام السيسي في حال إصرار الولايات المتحدة علي قرارها بتأجيل منح عسكرية بمقدار 195 مليون دولار، وتمرير ما صوتت به لجنة نفقات المساعدات الخارجية بمجلس الشيوخ يوم الأربعاء الموافق 06 سبتمبر 2017م، لصالح تخفيض المعونة العسكرية إلى مصر بمقدار 300 مليون دولار، أن تبقي العلاقة بينه وبين الكيان الصهيوني علي هذا الشكل، بل والتلويح بتقهقر هذة العلاقة، كورقة ضغط لإسراع الولايات المتحدة في الإرتجاع عن قراراتها حتي لا تتأثر العلاقة بين مصر والكيان الصهيوني بسبب توتر العلاقة بين مصر والولايات المتحدة، والتي يري نظام السيسي ان سبب توتر العلاقة قد زال، وبحسب ما أعلنته وزارة الدفاع الكورية أن صدقى صبحى، وزير الدفاع المصرى أكد خلال محادثاته مع نظيره الكورى الجنوبى، سونج يونج مو، أن مصر قطعت بالفعل كل العلاقات العسكرية مع كوريا الشمالية.

السيناريو الثالث: تراجع العلاقة

رأي البعض انه مع تغيير النظام في مصر فإنه من المحتمل أن العلاقات بين مصر والكيان الصهيوني، قد تتراجع بشكل من الأشكال، بمعني إن خلفَ السيسي نظاماً “مدنياً” فقد تتأثر العلاقة بشكل كبير.

خاتمة

لقد عمل السيسي علي تغيير عقيدة الجيش المصري القتالية التي كانت تري في الكيان الصهيوني كيان “عدو”، وتغيير تلك العقيدة سيرتب عليه تقارب وتداخل في العلاقات بين الجانبين بصورة أكبر في القضايا الداخلية والخارجية، فليس معنى وجود الكيان الصهيوني في المنطقة وبناء اتفاقيات سلام معه ،التطبيع معه سياسياً وعسكرياً وأمنياً، فالزيارت المتبادلة بين مسئوليين من الجانبين ومشاركة الجيشين في تدريبات عسكرية مشتركة، والتنسيق الأمني والعسكري الذي يتم بين الجانبين في مواجهة التمرد المسلح في سيناء، يشير الي أننا بصدد تنسيق وتعاون كامل بين حليفين استراتيجيين، كانا بالأمس عدوين استراتيجيين أيضاً( 11)

————————-

الهامش

(1 )  مناورات أوروبية تشارك فيها مصر وإسرائيل شرقي المتوسط، روسيا اليوم، تاريخ النشر 03 أكتوبر 2017، تاريخ الدخول 05 أكتوبر 2017، الرابط

( 2)  وفد أمني إسرائيلي زار القاهرة، الجزيرة نت، تاريخ النشر 24 أغسطس 2013، تاريخ الدخول 05 أكتوبر 2017، الرابط

(3 ) نتنياهو: إسرائيل شريكة لمصر بمحاربة الإرهاب، الجزيرن نت، تاريخ النشر 01 يوليو 2015، تاريخ الدخول 16 أكتوبر 2017،  الرابط

( 4)  كان الجيش المصري بدأ في 11 سبتمبر 2015 ضخ كميات كبيرة من مياه البحر في أنابيب مدّها على طول الحدود مع قطاع غزة لتدمير الأنفاق الموجودة أسفل الحدود عبر إغراقها، ولاستكمال مخطط إنشاء منطقة خالية من الأنفاق (مساحتها كيلومتران) في الشريط الحدودي مع غزة الذي بدأت السلطات المصرية العمل فيه منذ أكتوبر 2014.

(5 ) تنسيق أمني بين مصر وإسرائيل في سيناء، بي بي سي، تاري النشر 09 أغسطس 2016، تاريخ الدخول 16 اكتوبر 2017، الرابط

( 6) تعاون مصري – إسرائيلي ضد “ولاية سيناء” يدفع ثمنه الفلسطينيون، عرب 48، تاريخ النشر 14 فبراير 2017، تاريخ الدخول 16 أكتوبر 2017، الرابط

( 7) الصمت المصري يعزز احتمال قصف طائرات إسرائيلية لأهداف بسيناء، العربي الجديد، تاريخ النشر 22 فبراير 2017، تاريخ الدخول 16 أكتوبر 2017، الرابط

(8 ) دراسة إسرائيلية: تزايد التنسيق الأمني بين إسرائيل ومصر بسيناء، الجزير نت، تاريخ النشر 16 يونيو 2017، تاريخ الدخول 16 أكتوبر 2017، الرابط

( 9) أول محادثات علنية بين السيسي ونتنياهو، روسيا اليوم، تاريخ النشر 19 سبتمبر 20107، تاريخ الدخول 16 أكتوبر 2017، الرابط

(10 ) القرن الأفريقي والملعب المفتوح .. من يحكم؟ / تقدير موقف/ المعهد المصري للدراسات السياسية والإستراتيجية، الرابط

( 11 ) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية “.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق