تقديراتسيناء

التنظيمات المسلحة في سيناء وإمكانيات التمدد داخلياً

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

ملخص

منذ أحداث الثالث من يوليو 2013م وتعيش مصر بشكل غير مسبوق على وقع صعود متنامٍ للحالة الإسلامية (الراديكالية والجهادية)، والتي تختلف جملة وتفصيلًا عما عايشته في نهاية الثمانينيات وأوائل التسعينيات، وذلك مع الجماعات الجهادية آنذاك “الجهاد والجماعة الإسلامية” من سجال دموي وأعمال عنف كبيرة طالت رموزًا من السلطة السياسية وأخرى ثقافية، فضلًا عن الأمنية بشقيها العسكري والشرطي، انطلقت غالبيتها من تمركز جغرافي في الجنوب المصري – صعيد مصر – وتدريجيًا انتقل بعد ذلك إلى الأطراف، ثم إلى العمق في قلب “العاصمة”، ولعبت قوى الإسلام السياسي آنذاك دورًا مهمًا في تضييق الخناق على هذه الأفكار الراديكالية وترشيد الحالة الدينية في المشهد المجتمعي آنذاك، بالتوازي مع ضربات أمنية متلاحقة قضت على الكثير منهم ما دفعهم نحو الانكماش، وارتدادهم بعد ذلك عن الجنوح غير المألوف في المشهد المصري نحو العنف، وانتهت بتقديم هذه الجماعات مراجعات فكرية ومنهجية عميقة أغلقت هذا الملف إلى وقت قريب.

بيد أن المفارقة في الصعود الجهادي والراديكالي الجديد والذي انطلق من تضاريس مجتمعية وجغرافية مختلفة وتحديدًا من الأطراف هذه المرة في “شبه جزيرة سيناء”، جاء منتفيًا عنه الصبغة المحلية متشحًا بثياب مغايرة إقليمية التوجه والمسارات، وذلك عقب تحولات هامة أفرزتها عرقلة “الربيع العربي” وتعثره، بعد أن شهد ثورات شعبية ضد أنظمة سياسية نحّت مشروع الإصلاح جانبًا، ومارست نوعًا من الاستبداد والجور على شعوبهم خلال فترة مكوثهم في السلطة التي دامت لعقود طويلة، وتجلى ذلك في إعلان جماعة “أنصار بيت المقدس” أبرز الجماعات الجهادية هناك، تبعيتها لـ”تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وتغيير اسمها إلى “ولاية سيناء” لتفتح صفحة جديدة ضمن إطار “عولمة الحالة الجهادية ” يكون لمصر نصيب منها.

جاء ذلك كنتيجة طبيعية لتحولات مجتمعية شائكة صاحبت متغيرات سياسية شديدة الأهمية في مصر، كان على رأسها تراجع مكون الإسلام السياسي (الحزبي والدعوي) بعد عزل محمد مرسي من السلطة، القادم من العباءة الإسلامية الحركاتية، وتحديدًا من جماعة الإخوان المسلمين، مما ساهم في لعب دور قوي في تغذية هذا الصعود الجهادي المغاير عن سابقه، مع إفساح الساحتين السياسية والمجتمعية له انطلاقًا من شبه جزيرة سيناء التي تماهت مع المناطق الأكثر لهيبًا في الشرق الأوسط، بعد أن وضعت كل الأنماط الإسلامية السياسية خاصة الحركاتية والجمعاتية منها مع الأخرى الراديكالية والجهادية – في سلة واحدة ما دفع إلى خلق ما يمكن وصفه بـ”المظلومية الجامعة” التي خلقت نوعًا من “الحاضنة المجتمعية” التي ساهمت بدورها في تغذية هذا التمظهر الراديكالي بصورته القائمة.

وتسعى هذه القراءة إلى سبر أغوار المشهد لدى “شبه جزيرة سيناء” عقب تماهيها مع أكثر المناطق سخونة في المنطقة العربية والإسلامية، مع رصد أهم التيارات والحركات الجهادية هناك، وتناول فرضية إمكانية تمددها في مناطق أخرى من محافظات مصر المختلفة، مع ما يمكن أن تمثله من تهديد متواصل وصاعد تجاه العاصمة “القاهرة “، وتناول تداعيات إقليمية الحالة الجهادية المصرية وعولمتها، مع تقديم ورقة عمل للتصدي لهذا الصعود الراديكالي والجهادي “الجديد” في مصر.

مدخـل

ظلت “شبه جزيرة سيناء” المصرية على مدار سنوات عدة لا تحظى بنصيب وافر من الاهتمام الرسمي في شكله الدولاتي، حتى أضحت بفعل التهميش السياسي والمجتمعي الواقع داخلها مثل فوهة البركان التي تنتظر أن تلقي بحممها في أية وقت، عزاه بعض المراقبين إلى ما أفرزته اتفاقية “كامب ديفيد” التي تم التوقيع عليها في 17 سبتمبر 1978 بين الرئيس المصري الراحل “محمد أنور السادات” ورئيس وزراء إسرائيل في ذلك الوقت “مناحيم بيغن” (1) بعدما أفضت إلى منح إسرائيل إمكانية أن تعيد احتلالها في أي وقت، إما منطلقًا من بنود الاتفاقية التي تخول لها ذلك، أومن خلال القوات الأجنبية المتواجدة على أرضيها، فيما أصبحت الاتفاقية وبنودها الخاصة بسيناء بمثابة القيود التي تكبل حجم وتوزيع الوجود الدولاتي في شبه الجزيرة ممثلا في التواجد العسكري والمدني.(2)

أولاً: المعضلة السيناوية:

تبلغ مساحة شبه جزيرة سيناء 61000 كم مربع – أي ما يقارب من ثلاثة أضعاف مساحة إسرائيل تقريبًا – وبطول 240 كم مع الحدود مع إسرائيل – فيما تمثل الحالة القبائلية “العشائرية” داخلها صلب المكون المجتمعي السيناوي، إذ يشكل البدو المحليون هناك قرابة 300000 شخص أي ما يمثل نحو 70 بالمائة من مجموع السكان الذين يضمون خليطًا من المهاجرين الذين أتوا من الداخل من (محافظات الدلتا وجنوب مصر) أو القادمين من خارج مصر والذين استوطنوا بشبه الجزيرة سيناء منذ عقود.(3)

ويمكن التأريخ لتعاظم المشكلة السيناوية ووصولها إلى بدايات ذروتها، منذ الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة في عام 2005 وظهور حركة المقاومة الإسلامية “حماس” كفصيل سياسي حاكم للقطاع، الأمر الذي أزعج نظام الرئيس المصري الأسبق مبارك في ذلك الوقت، نظرًا لما كانت تنظر إليه السلطة المصرية لها باعتبارها امتدادًا لجماعة الإخوان المصرية التي كانت تناصبها العداء، وفقًا للتقاطع الفكري المتعارف عليه بينهما، إلى أن حانت الثورة المصرية – ثورة الـ25 من يناير 2011 – لتكشف النقاب عن حجم التحولات السياسية والمجتمعية التي عايشتها شبه الجزيرة والتي أفضت ببروز مكون عشائري وقبلي متشحًا برداء سلفي يتأرجح بين العلمي من جهة والراديكالي والتكفيري من جهة أخرى، وهو ما لم يكن مكشوفًا للجميع بعد أن كان راقدًا تحت رمال صحرائها، إلى أن ظهر بقوة عقب الثورة المصرية (4)، عززه تحول قطاع غزة إلى نقطة أخرى ملتهبة بين الحين والآخر إثر العدوان الإسرائيلي المتكرر لها، ما ألهب حماس كثير من أهل سيناء تعاطفًا لتلك الاعتداءات المتكررة على القطاع من الجانب الإسرائيلي، ما دفع ذلك كله إلى أن يلقي بظلاله على المكون العشائري القبلي وتتباين ردود فعل الداخل السيناوي إزاء ذلك وفقًا للتنويعات الإسلامية السلفية هناك ما بين علمية تارة وجهادية وراديكالية تارة أخرى(5).

ثانياً: التنظيمات الجهادية في سيناء

شهدت “شبه جزيرة سيناء” سلسلة من أعمال العنف التي تبنتها تنظيمات جهادية كانت لازالت في طورها التكويني الأول، فكانت بمثابة إرهاصات أولية للتواجد الراديكالي والجهادي الذي سيظهر بقوة بعد سنوات قليلة، ونجحت القوى الأمنية آنذاك في تقويضها والقضاء عليها والزج بها إلى السجون والمعتقلات، مثل عمليات تنظيم التوحيد والجهاد التي كانت بين أعوام 2003- 2006 ثم أعوام 2007- 2010 (6) وخلال هذه الفترة برزت تنظيمات إسلامية سلفية جهادية ودعوية علمية.

ولقد رافقت ثورة الـ25 من يناير 2011 سيولة في حركة جهاديي سيناء بسبب تراجع القوى الأمنية الشرطية خلال هذه الفترة في جميع أنحاء شبه الجزيرة.(7) وتحدثت بعض التقارير عن استيلاء جهاديي سيناء على مستودعات للأسلحة والذخائر عقب إحراق العديد من مراكز الشرطة. وقُتل الكثير من رجال الشرطة، في محاولات الهجوم على المقار الأمنية الشرطية إبان فبراير 2011، حتى أضحت شمال سيناء تعج بالسلفيين الجهاديين .(8). وتلى ذلك سلسلة تفجير خطوط أنابيب الغاز التي تزود إسرائيل والأردن بالغاز في عشر مناسبات مختلفة والتي كانت دائمًا ما تأتي بإمضاء السلفية الجهادية، مما تسببت في انقطاعات طويلة في تدفق الغاز وخسارات قدرت آنذاك بما يقارب 80 مليون دولار (9).

(أ) التنظيمات الجهادية:

1ـ تنظيم التوحيد والجهاد

برز اسم هذا التنظيم مع تفجيرات طابا وشرم الشيخ في 2004 و2006 وينتمي أفرادها لسلفيي سيناء الجهاديين، ويذكر أن مؤسسها كان يدعى “خالد مساعد” (10) وكانت قريبة إلى حد كبير من فكر تنظيم القاعدة الذي كان يمثل رأس المثلث الجهادي والراديكالي في المنطقة العربية والإسلامية بأسرها (11).

2ـ تنظيم مجلس شورى المجاهدين ( أكناف بيت المقدس)

ينتمي هذا التنظيم إلى “السلفية الجهادية” وكان خليطًا من السلفيين الغزاويين القادمين من قطاع غزة – بعد طرد حركة حماس لهم من القطاع لهم نظرًا لغلوهم وتطرفهم – وعدد من السيناويين المنضوين تحت عباءة السلفية الجهادية أيضا، وكانت إسرائيل أحد أهدافه وما يفهم من اسم التنظيم “أكناف بيت المقدس” لذا كانت إحدى وسائله في مواجهة إسرائيل هي تفجير خطوط الغاز المتجهة من مصر إلى إسرائيل، وتحدث البعض عن سلفيين فلسطينيين جهاديين كانوا يدعمونهم بالمال والسلاح (12).

3. تنظيم أنصار الجهاد

ظهر هذا التنظيم على السطح عقب ثورة 25 يناير 2011، وما تبعها من تدهور أمني أصبح معه، يطلق على سيناء أنها خارج نطاق السيطرة الأمنية المصرية.(13). ويتكون التنظيمُ في معظمه من المصريين من أبناء سيناء وغيرهم من المحافظات المصرية، إضافة إلى وجود بعض العناصر السابقة من تنظيم الجهاد الذين خرجوا من السجون خلال أحداث ثورة يناير مع التنظيم، كما تُشير بعض التقارير.(14)

4.جماعة جيش الإسلام

جماعة جهادية تمتد ما بين قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء ويعود تأسيسها إلى “ممتاز دغمش” الذي ينتسب إلى عشيرة دغمش في قطاع غزة، ويقال إن لها امتدادات في سيناء، وإليها تعود عملية اختطاف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، ويذكر أنها حاولت أكثر من مرة اختطاف سياح إسرائيليين في سيناء (15).

(2) التنظيمات الدعوية

في الواقع كانت القاعدة العريضة والغالبية في الداخل السيناوي من الجماعات السلفية العلمية الدعوية والتي كانت تهيمن إلى حد كبير على الحالة السيناوية والتدين العام هناك وكانت تندر السلفية الجهادية والأخرى التكفيرية أيضا، وكانت تتسم تلك السلفية العلمية الدعوية بالتأثر والتبعية لفكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومشايخ السلفية في شبه الجزية العربية من المحدثين أمثال ابن عثيمين وبن باز.

وقد وجدت في الحياة البدوية السيناوية طقسًا خصبًا لتمددها نظرًا لتقاطعهما بشكل كبير في الفهم والذوق من حيث المنطلق الجغرافي والتماثل(16) وعندما نشطت الحزبية الإسلامية عقب ثورة الـ25 من يناير 2011م خاصة السلفية منها توطدت علاقة السلفية السيناوية بالأحزاب والجماعات السلفية خارج سيناء، وتحديدًا في القاهرة مثل حزب النور والأصالة والسلامة والتنمية والجماعة الإسلامية آنذاك (17).

وعرف عن تلك السلفية تعاطفها إلى حد كبير مع القضية الفلسطينية فكانوا يدعمون الفلسطينيين في قطاع غزة خلال نكباتهم المتقطعة جراء القصف الإسرائيلي الموسمي، وذلك بصور شتى مثل جمع التبرعات، ونقل البضائع والمواد الغذائية عبر الأنفاق، وكانت مدينة العريش التجارية والسياحية في آن معًا نقطة تمركزهم، إضافة إلى مدن الشريط الحدودي، رفح والشيخ زويد، فضلًا عن مراكز وسط سيناء، ويطلقون على أنفسهم عدة مسميات، أبرزها الدعوة «السلفية»،(18)، ولقد نجح هذا التيار في تحقيق ما يشبه الحكم الذاتي فتحقق الاستقراران السياسي والمجتمعي هناك، وذلك بعقلية حاسمة وحازمة.

وضع على عاتقهم إنشاء الجمعيات الشرعية وإدارتها التي تسير أحوال الفقراء في القرى الصغيرة في شبه جزيرة سيناء، فضلا عن الدور الذي كانوا يقومون به في حل الخلافات العائلية والقبلية حتى حظي قادة التيار السلفي باحترام أبناء سيناء وتقديرهم(19).

ثالثاً: تطورات الأوضاع بعد 3 يوليو 2013

بات الواقع السيناوي عقب عزل الرئيس محمد مرسى في الثالث من يوليو 2013 أكثر اضطرابًا من سابقه نتيجة الاضطراب السياسي الذي لحق بالبلاد، جراء تراجع الإسلاميين وتحولهم من السلطة إلى المعارضة والزج بالكثير منهم إلى السجون والمعتقلات لعدم قبولهم الواقع الجديد وإملاءات السلطة التي تشكلت عقب هذا التاريخ.

والمتتبع لحركة وأنشطة التيارات الجهادية في سيناء خلال الأربعة أعوام الأخيرة بمسمياتها وتنويعاتها المختلفة ابتداء من “أنصار الشريعة” إلى “جند الإسلام” التي انصهرت بعد ذلك في “أنصار بيت المقدس” التي كان يقودها هاني أبو شيتة (20) فضلا عن جماعات أخرى مثل “التوحيد والجهاد”، “التكفير والهجرة” و”الأنصار والمهاجرين” التي أسسها عادل حبارة المحبوس حاليًا بتهمة تنفيذ مذبحة رفح الثانية التي قتل خلالها 25 من جنود الأمن المركزي (21) يمكن القول إنه لم يعد في سيناء نتيجة إعلان الحرب من قبل الجيش المصري بمعاونة الأجهزة الشرطية هناك ضد هذه الجماعات، سوى “أنصار بيت القدس” التي تحولت فيما بعد إلى “ولاية سيناء”.

ولاية سيناء

كان من بين أبرز هذه التحولات التي شهدتها انعكاسات أحداث الثالث من يوليو/تموز 2013، هو صعود التيار الجهادي بقوة أو ما تعارف عليه بتيار الإسلام الراديكالي (22)، جسد هذا الظهور بشكل قوي في بروز جماعة أنصار بيت المقدس وسط فضاءات المشهدين السياسي والمجتمعي خاصة الديني منه (23) وقد ارتبط اسمه بتفجيرات أنابيب الغاز الموصلة من مصر لإسرائيل، ولكن بدأت تحولاته مع قتل الجنود المصريين في 15/8/2012 وإعلان القتال ضد الجيش المصري (24)، فيما كمنت خطورة هذا التنظيم في اختلافه عن تنظيمات جهادية سابقة عليه ظهرت في مصر، لذا لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتباره امتدادًا أو استنساخًا لتجربة قديمة، وإنما تبقي حالة استثنائية، خاصة بعد أن فقدت خصوصيتها المحلية وانتقلت إلى الإطار الإقليمي (25) خاصة بعد مبايعتها الرسمية لـ”داعش” وأبي بكر البغدادي، عبر بيان صوتي منسوب إلى القيادي بالتنظيم أبي أسامة المصري.(26).

وعلى الرغم من ذلك إلا أن هناك بعض التقارير التي تتحدث عن علاقة تنظيم أنصار بيت المقدس (ولاية سيناء حاليا) بتنظيم الدولة الإسلامية منذ يناير/ كانون الثاني عام 2014، والتي أكدت عليها بعض الشهادات عن عدد من المقاتلين الذين سافروا للانضمام لصفوف تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، وقد كانوا قبل السفر يقاتلون في صفوف أنصار بيت المقدس، وأن منهم مَن كان يراسل أقرباءه مؤكدًا لهم أن سيناء ستكون تابعة للخلافة الإسلامية في وقت ليس بالبعيد(27). ويعد كمال علام، القيادي الجهادي المصري المعروف، وأبو أسامة المصري، المتحدث الرسمي باسم التنظيم من أبرز قيادات التنظيم (28)

ويتمتع التنظيم بقدرة قتالية فالتكتيكات والعمليات الميدانية، ويقول الباحث عمر عاشور: إن التنظيم جمع بين ثلاثة أنواع في الدراسات الأمنية “إرهاب المدن”، ويشمل بالأساس ضرب أهداف مدنيَّة سهلة داخل المدن عبر العبوات والمفخخات والانتحاريين وعمليات الاغتيال. (29)

وتكتيكات العمليات الميدانية لحروب المغاوير (أي حروب الأنصار أو العصابات)، ويشمل ذلك عمليات الكرّ والفرّ على أهداف عسكرية، مع محاولة السيطرة على الأرض لفترة محدودة بتشكيلات قليلة العدد وخفيفة التسليح، مع تجنُّب مواجهة مباشرة طويلة أو متوسطة المدى مع قوات الجيش النظامي. والأخير أشبه بتكتيكات وعمليات ميدانية للقوات النظامية الخاصة؛ حيث يتم استخدام خليط من المدفعية الثقيلة والخفيفة والصواريخ الموجَّهة وغير الموجهة والقنّاصة؛ لدعم تقدُّم أو انسحاب تشكيلات مشاة من عشرات أو مئات المسلحين النوع الثالث -وهو جديد في الحالة المصرية (30).

وفي خضم هذه التطورات على الساحة السيناوية برزت مجموعة جديدة تطلق على نفسها “المرابطون”، وتزعم أن أميرها ضابط سابق في الصاعقة المصرية، ويدعى هشام عشماوي، وجاء أول إصدار تسجيلي مصور له بكلمات سابقة لزعيم “القاعدة”، أيمن الظواهري لتدفع بعلاقة هذا الجماعة بتنظيم القاعدة (31)، وانطلاقا من ذلك يمكن القول بأن وبعد تحديث خارطة الحركات المسلحة في سيناء، يمكن الإشارة إلى وجود بعض من الجهاديين الذين يقفون من ولاية سيناء موقف المعارض وقريبين من فكر القاعدة داخل شبه الجزيرة (32), وبالتزامن مع ظهور ولاية سيناء ظهرت مجموعة أخرى منتدبة عن التنظيم الأم تحمل إمضاء “تنظيم الدولة –مصر” نفذت تلك المجموعة تفجيرًا استهدف القنصلية الإيطالية في قلب العاصمة القاهرة(33),وكان من أبرز الأهداف التي استهدفتها ولاية سيناء في شبه جزيرة سيناء(34):

(1)طريق رفح – الشيخ زويد: استهداف تنظيم «ولاية سيناء» لعدد من أكمنة الجيش المصري على طريق رفح الشيخ زويد (15 كمينا) إضافة إلى قطع خطوط الإمداد من مقرات الجيش عنها، في حين تشير رواية الجيش المصري الرسمية المنشورة على الصفحة الرسمية للمتحدث باسم القوات المسلحة على فيس بوك إلى سقوط 17 ضحية بين صفوف قوات الجيش بينهم ضابط وأحد، إضافة إلى 13 مصابًا بينهم ضابط آخر، في حين قتل من المسلحين المهاجمين حوالي مائة شخص.

(2) أحداث رفح الثانية في 19 أغسطس/آب 2013، والتي راح ضحيتها 25 من جنود الجيش.

(3) أحداث رفح الثالثة بمنطقة «سيدوت» قرب الحدود مع إسرائيل في 28 يونيو/ حزيران 2014، والتي راح ضحيتها 4 مجندين.

(4) عملية هجوم كرم القواديس النوعية في 24 أكتوبر/تشرين الأول 2014 والتي سقط على إثرها 31 من جنود وضباط الجيش.

(5) الهجوم على مقر الكتيبة 101 ومواقع أمنية وعسكرية أخرى في ضاحية السلام بمدينة العريش في 29 يناير / كانون الثاني 2015، وسقوط 30 قتيلا و60 مصابًا على الأقل في صفوف الجيش.

(6)الإعلان عن إسقاط الطائرة الروسية في 31 أكتوبر 2015م(35).

ومنذ سقوط الطائرة الروسية في الـ31 من أكتوبر الماضي ومقتل من عليها من ركاب، وبدت عليها بصمات الفعل الإرهابي بعد أن أخرجت من كونها حادثة تقليدية إلى أخرى تحيط بها شبهات العمل الجنائي، ما أثبتت أن عملا إرهابيا هو السبب الرئيس في سقوط الطائرة، وليس إلى أمور فنية أو عطل قد حدث أدى إلى هذا المشهد المأساوي، كما كان يتبادر لدى البعض في تناوله لأسباب تحطم الطائرة (36)، وما دلل على ذلك في بداية الأمر إعلان “ولاية سيناء” التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، مسؤوليته المبدئية عن إسقاط الطائرة، دون إيضاح التفاصيل، وكيفية إسقاطها .(37).

ثم جاء تبني الفعل بعد أسابيع من الحادثة من قبل ولاية سيناء ليقطع الشك باليقين (38) وذلك بعد إبلاغ بوتين من قِبل الكرملين بوجود قنبلة وراء سقوط الطائرة الروسية (39)على الرغم من ضبابية الموقف المصري حيال هذه التصريحات والإعلانات المتوازية والمتبادلة من قبل ولاية سيناء من جهة، والجانب الغربي منة جهة أخرى.

وجاء استهداف ولاية سيناء لمقر إقامة عدد من القضاة في العريش بشمال سيناء أثناء مشاركتهم في الإشراف على المرحلة الثانية من انتخابات مجلس النواب المصرية مؤخرا، في عمل انتحاري أسفر عن مقتل قاضٍ وشرطيين اثنين ومواطن، وإصابة 12 شخصًا آخرين بينهم 8 من الشرطة واثنان من القضاة ليرسل رسالة شديدة الخطورة بأن ولاية سيناء أصبحت تمثل ناقوس خطر تجاوز كونه جماعة عنف منظمة إلى ما أكبر من ذلك (40).

رابعاً: “دعشنة” المشهد المصري ومحاولات تمدد الحالة الجهادية:

لا يمكن بأي حال من الأحوال استنساخ التجربة الداعشية في المشهدين السوري والعراقي وتطبيقها على الداخل المصري، ولا يعني ذلك في الوقت ذاته التقليل من تأثير هذا الوجود للكيان الداعشي الجديد في سيناء ومحاولة افتراش مناطق أخرى في الداخل المصري، إنما يمكن القول: إن الخطر الحقيقي يكمن في استثمار هذا التنظيم حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني في البلاد نتيجة التصعيد القائم بين السلطة من جهة والمعارضة الإسلامية – من جماعة “الإخوان المسلمين” ومناصريها من القوى الحزبية والتنظيمية الأخرى – من جهة أخرى .(41).

خاصة بعد وضع السلطة التي تشكلت بعد 3 يوليو / تموز 2013 وحتى اللحظة، جميع القوى الإسلامية بتنويعاتها المختلفة – خاصة السياسية منها – مع الأخرى الراديكالية في سلة واحدة، وزادت عليه برفع شعار مكافحة الإرهاب(42) بل كان من المفترض أن تعيد النظر في تعاملها مع تلك الحركات الإسلامية بتنويعاتها إضافة إلى السياسية منها، نظرا لتجذرها في البنية المجتمعية المصرية، عبر فتح المجال لها، لأن يكون لها دور رئيسي في تقويض الحالة الجهادية والراديكالية، كما حدث في الماضي القريب مع جماعة الإخوان المسلمين، حينما كانت بمثابة رأس حربة مع الدولة في مواجهة تنظيمي الجهاد والجماعة الإسلامية في فترة الثمانينيات والتسعينيات .(43).

ولا شك أن المشهد الحالي والقائم منذ عامين ويزيد، عبر السجال القائم بين السلطة والقوى الإسلامية التقليدية، قد ساهم بقدر كبير في تهيئة الأجواء لاحتوائه داعشيا عبر توظيف اليائسين وأصحاب الثأر وبعض من اعتقل ذووهم واحتضانهم و”دعشنتهم” (44)

ويمكن رصد بعض من تلك المحاولات الدؤوبة للخروج من البقعة السيناوية والتمدد خارجها عبر المشاهد التالية (45):

(1) محاولة اغتيال وزير الداخلية السابق “محمد إبراهيم” والتي نجا منها بأعجوبة أثناء انفجار سيارة ملغومة لدى مرور موكبه، وإطلاق الرصاص على سيارته، وحينها نشرت الجماعة بيانًا بعنوان “بيان تبني محاولة اغتيال وزير الداخلية المصري.. غزوة الثأر لمسلمي مصر”، قالت فيه: إن انتحاريًا نفذ الهجوم على موكب وزير الداخلية.

(2) الإعلان عن مسئوليتها بالهجوم على مبنى المخابرات العسكرية بالإسماعيلية في أكتوبر 2013.

(3) في تاريخ 20 نوفمبر 2013 أعلنت الجماعة مسئوليتها عن اغتيال محمد مبروك ضابط أمن مشارك في محاكمة الرئيس محمد مرسي، الذي قتل بالرصاص خارج منزله بمدينة نصر 17 نوفمبر 2013.

(4) تفجير مديرية أمن الدقهلية في 24 ديسمبر سبتمبر 2013 والتفجير خلف 16 قتيلا كان من بينهم 14 قتيلا من ضباط الأمن.

(5) الهجوم على كمين شرطة ببني سويف في 23 يناير 2014، قتل على إثره 6 أشخاص.

(6) تفجير مديرية أمن القاهرة في يناير 2014.

(7) الهجوم على كمين شرطة السنطة بالغربية.

 

مساعى التمدد الداعشي خارج سيناء

1ـ التركيز على الحل الأمني دون غيره مع غياب الرؤية الواضحة لمواجهة التطرف

أحد أكبر الأخطاء التي انتهجتها الدولة المصرية بعد 3 يوليو 2013، كان اقتصارها على استخدام الحل الأمني دون سواه مع إقحام الجيش في مثل هذه المواجهات في شبه جزيرة سيناء، مما ساهم في إطالة أمد مشهد العنف القائم هناك حتى اللحظة، وتمثلت أولى انعكاساته في ارتكاب أعمال عنف تجاوزت محيطها الجغرافي في سيناء منتقلة به إلى العاصمة “القاهرة”، في محاولة منهم لفك الطوق الضارب حول رقبتهم هناك.(46).

كما حدث من تفجير السيارة الملغمة أمام القنصلية الإيطالية في القاهرة، التي أعلن تنظيم الدولة الإسلامية في مصر مسئوليته عنها، في تطور هام في المشهد الراديكالي في مصر، مما يعني أن لاعبا آخر يقوم بدور الدعم اللوجيستي لـ”ولاية سيناء” لشد أزره وكسر الطوق حوله في سيناء، لتمكنه من الانتقال والتحرك فضلا عن تشتيت الجهد الأمني الشرطي والعسكري، مما يتيح لولاية سيناء إمكانية التحرك والانتقال بين المحافظات لتنفيذ عملياتها وأيضا رغبة في توسعة رقعة النشاط الداعشي في مصر، حيث لا تقتصر على لاعب واحد (47)، بالإضافة إلى استهدافها مبنى الأمن الوطني بشبرا الخيمة، والذي أسفر عن إصابة 29 شخصا بينهم 6 شرطيين، جرَّاء سيارة ملغمة .(48).

(2) محاولة نقل الصراع من سيناء إلى الجنوب المصري

ظل الجنوب المصري وتحديدًا محافظات الوجه القبلي مسرحًا للأحداث الجسام التي شهدتها الدولة المصرية في صراعها مع الحركات الجهادية فترة الثمانينيات والتسعينيات والتي كانت تمثلت في الجماعة الإسلامية والجهاد وشهدت هذا التمركز الجغرافي أحداث عنف دموية وصلت إلى الاعتداء على الكنائس وقتل السائحين، كما حدث في حادثة الأقصر الشهيرة عام 1997م(49).

لذا فإن الجهاديين الجدد والذين تقف داعش بنسختها المصرية على رأسهم، تنظر بعين الاهتمام إلى هذه البقعة التضاريسية الخطيرة، خاصة وأنها تتقاطع مع شبه جزيرة سيناء في ملامح الوجه القبلي والعشائري المميز داخلها، خاصة وأنها كانت معقل الجماعة الإسلامية التي أدارت سجالا عنيفًا كبيرًا، وبينها وبين السلطة إلى أن قامت بالمراجعات الفكرية بعد أن زج بالآلاف من منتسبيها إلى السجون في العقد الفائت.

وعامل آخر ربما يغذي هذه الرغبة لدى التنظيمات الجهادية وهو حجم المخزون الكبير من السلاح الذي يعج به الجنوب المصري، بالإضافة إلى الحدود المصرية السودانية التي أضحت تمثل بعدًا استراتيجيًا هامًا للتنظيمات الجهادية، كما كانت تفعل التيارات الجهادية التقليدية القديمة في العقدين الفائتين لتكون ممرًا ومتنفسًا للتضييق الأمني عليها من قبل السلطة المصرية، وزد على ذلك انتشار التيارات السلفية فيه بشكل أو بآخر، وغياب التنمية؛ كلها عوامل تتضافر من الناحية النظرية لتصنع بيئة قابلة لتواجد مثل هذه التنظيمات .(50). وما الحديث الذي تداوله بعض النشطاء على مواقع التواصل المجتمعي عن إصدار نسخة داعشية مصرية بصبغة صعيدية جنوبية ما هو إلا تكهنات لم يؤكدها تنظيم الدولة .(51).

(3) الحدود الغربية لمصر.. مناورة أخرى للتوغل الجهادي

سعت ولاية سيناء – مرغمة – إلى فتح جبهات جديدة، هدفت إلى كسر الطوق القائم حولها في شبه جزيرة سيناء، وذلك نتيجة الحصار العسكري والتضييق الأمني في الفترة الأخيرة، فضلا عن البحث عن دعم مالي من قبل تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا، ما يساهم بدوره في بقاء وصمود ولاية سيناء مدة أطول وأكبر خلال مواجهاتها مع الدولة المصرية .

وتمثل الهدف في منطقة الصحراء الغربية على الحدود المصرية الليبية، والتي تعد بمثابة المنطقة الرخوة في خاصرة الدولة المصرية، وكانت أولى تلك المحاولات هي حادثة “الفرافرة” التي راح ضحيتها 22 عسكريا من جنود القوات المسلحة، التي أعلنت “داعش” فيما بعد عبر موقع «منبر الإعلام الجهادي»، ومن خلال بيان منسوب إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام ومصر مسئوليتها عن الحادث . (52)

وفي أغسطس 2015 تم قتل رهينة كرواتي بعد خطفه، وتم بث مقطع تسجيلي مصور يتضمن تهديدًا بقتل الرهينة “توميسلاف سلوبك” خلال 48 ساعة إذا لم تفرج السلطات المصرية عن سجينات وصفن “بالأسيرات المسلمات” في السجون، وعندما لم تذعن السلطات المصرية لتهديدات ولاية سيناء آنذاك، قامت الأخيرة بقتل الرهينة (53). مما تسبب في أزمة سياسية بين مصر وكرواتيا لازالت تداعياتها حتى اللحظة .

وكان الهدف المعلن من قبل ولاية سيناء في قيامها بهذه الحادثة هو معاقبة كرواتيا على مشاركتها الحرب على الدولة الإسلامية، وكانت المرة الأولى التي تعلن فيها ولاية سيناء عن خطف رهينة غربي وتعرض شريطًا مصورًا له، يضاف إلى ما أقدموا عليه قبل ذلك من قتل مهندس بترول أمريكي عثر على جثته في سيارة بمنطقة في الصحراء الغربية بمصر أيضا، (54).

ثم جاءت حادثة الهجوم على كمين المنوات بالجيزة في نوفمبر 2015، والتي أسفرت عن مقتل 4 من أفراد الشرطة كانوا ضمن قوة كمين المنوات القريب من منطقة سقارة الأثرية بمحافظة الجيزة المصرية، ليؤكد على المحاولات الرامية من قبل ولاية سيناء وتنظيم الدولة الإسلامية بمصر في تموضع ما في هذه البقعة على غرار المشهد القائم في شبه جزيرة سيناء من جهة، ويدلل على رخاوة هذه المنطقة بالنسبة لمصر من جهة أخرى . (55)

تقودنا هذه المشاهد إلى أن لدى هذا التنظيم المتمثل في ولاية سيناء وتنظيم الدولة الإسلامية بمصر في نسخته الأخرى، سيناريوهات عمل متنوعة ومختلفة في المشهد المصري وخططا أولية وثانوية يعمل من خلالها لتطويق الدولة المصرية بشكل أو بآخر، ليمثل لها مصدر إزعاج، لأنه يعي جيدًا صعوبة تكرار النموذج الداعشي في العراق وسوريا وليبيا في الداخل المصري، إلا أنه باستطاعته في ظل المشهد القائم خلق حالة من التوتر الأمني والمجتمعي بشكل دائم وهو أقصى ما يمكن فعله .

فعلى سبيل المثال لا الحصر لا يحظى التنظيم بالتموضع الجغرافي كما هو في شبه جزيرة سيناء وإن يكن على القدر الضيق من خلال التمركز على الظهير الصحراوي لمدن “شمال شرق” رفح، الشيخ زويد والعريش، فهو يعتمد على حرب العصابات وسياسة الكر والفر في الصحراء الغربية، لذا فهو يعمل على تحقيق قدر ما من الإنهاك صوب الدولة المصرية، ليحقق مسعاه إلى خلق مساحة موازية تشد من أزر التنظيم وتساعده في ما يرنو إليه من مهمات لوجيستية وعسكرية في مواجهته مع الدولة المصرية على أمل أن يجد له موطئ قدم يستطع من خلالها تأمين تموضع آمن وحقيقي على مقربة من تنظيم الدولة في ليبيا وولاياته هناك .

(4) إمكانية احتواء الشباب المصري الذي يعاني الانزواء والعزلة.

يعزف تنظيم الدولة الإسلامية ونظراؤه من الجهاديين على وتر العاطفة والمظلومية التي يعاني منها جموع المنتمين إلى الحركة الإسلامية المصرية في الوقت الراهن، ولا شك أن المجال العام القائم في هذه اللحظة لن يوجد أخصب منه لتعبئة وتجييش الشباب الذي يعاني الانزواء والعزلة .(56)

وذلك بسبب عدم إفساح المجال السياسي لهم للمشاركة والتعاطي الإيجابي لهم، أو من خلال تصيد توظيف اليائسين وأصحاب الثأر وبعض من اعتقل ذووهم واحتضانهم جراء السجال القائم بين السلطة والقوى الإسلامية التقليدية (جماعة الإخوان المسلمين – التيارات السلفية) يساهم بقدر كبير في تهيئة الأجواء لاحتوائها من قِبَل تنظيم “ولاية سيناء” عبر “دعشنتهم” فكريًا وأيديولوجيًا وآليًا. فلا مجال للشك أن هذا الوضع يعتبر حاضنة أصيلة لتلك الأفكار المتطرفة والمتشددة.(57).

أكبر دليل على ذلك هو ما شهدناه في العمل الانتحاري الذي أقدمت عليه ولاية سيناء في مقر إقامة القضاة المشرفين على انتخابات المرحلة الثانية لمجلس النواب المصري (نوفمبر 2015)، وقام به انتحاريان ذكرت بعض التقارير الإخبارية أنهما كانا ينتميان سياسيًا لدائرة ليبرالية علمانية بعيدة عن الإسلام السياسي أو الآخر الراديكالي، وتحديدًا كانا يتبعان السياسي المصري الشهير الدكتور محمد البرادعي الذي كان قد شغل منصب نائب رئيس الجمهورية عقب 3 يوليو 2013 ومؤسس حزب الدستور المصري العلماني التوجه، وهما ” عمرو عبد الفتاح،” أو  “أبو وضاء المهاجر”، كما يطلق عليه من قبل دواعش سيناء، ان عمرو وصديقه الثانى “أبو حمزة المهاجر” .(58)

إلا أنه وبفعل تقلبات المشهد السياسي خلال العامين الفائتين، حدثت تحولات مجتمعية خطيرة صاحبت البعد الجيلي بشكل خاص، ما دفع بعضًا منه نحو البحث عن الفردوس المفقود هربًا من الواقع الذي لا يشبع طموحاتهم الدنيوية في تحقيق الذات وإرضاء النفس وبلوغ كل فرد لمراده .(59 ).

خلاصة:

لا يمكن الجزم بأن التيارات الجهادية وتحديدًا تنظيم الدولة الإسلامية “مصر” و”ولاية سيناء”، قد نجحا بشكل كبير في التمدد رأسيًا وأفقيًا عبر محاولاتهم الرامية لخلق حالة من الرعب والفزع في المحيطين المجتمعي والسياسي المصريين، من خلال التفجيرات التي تحدث على فترات متقطعة خارج المحيط السيناوي، وإنما ما نستطيع قوله هو إمكانية نجاح هذه التيارات الجهادية يتبدى من خلال ما يمكن وصفه بـ”تسويق العنف”، بمعنى أن يكون لهذه الرغبة في التمدد أثر على الحالة الإسلاموية، خاصة النسخة السياسية منها، عبر التحول صوب العنف أو الراديكالية، أو بمعنى أدق نحو “التمظهر الجهادي”، رغبة منها في تغيير المشهد القائم، الذي تنظر إليه على كونه يسعى لاجتثاث الفكرة الإسلامية من جذورها، وغرس الفساد والعلمانية “السالبة” التي تؤصل إلى انتزاع الدين من الحياة برمتها، ما ينتج عنه كانتونات إسلامية “جهادية” على غرار تنظيم الدولة “مصر” أو ولاية سيناء، ليس شرطًا أن  تكون تابعة لها وإنما قد تحذو حذوها، وتسير على نهجها الراديكالي لمواجهة السلطة الحالية.

وهو أخطر من تمدد التنظيم نفسه – أى ولاية سيناء وأخواتها – لكونه تمدد للفكرة ذاتها ونفس الآليات المتبعة والممنهجة، ما يحمل تقاطعهما نتيجة واحدة لكون المدخلات المتشابهة قد تفضي بمخرجات متماثلة لها إلى حد كبير.

مواجهة التمدد العنفى في مصر: برنامج عمل

(1) إعادة النظر في عودة حركات الإسلام السياسي والدعوى إلى الحاضنة المجتمعية وإفساح المجال السياسي لها: يتوجب على السلطة المصرية أن تعاود النظر في مزجها بين حركات الإسلام السياسي والآخر الراديكالي والجهادي،  من خلال عدم الربط بينهما والوعي بحجم التباينات والفروقات الجوهرية بين كل طرف منهما، وأن يتم الدفع بها مجددا إلى الشارع السياسي والآخر الدعوى شريطة الفصل بين  الدعوى و السياسي، بألا تكون الجماعة الإسلامية (أيا كان مسماها) تمارس الدعوة والسياسة في آن معا، ما تتسبب في تشتيت الوعي واضطراب السلوك وتلقى بتداعياتها السلبية على  المشهدين المجتمعي والسياسي في مصر، فضلا عن دفع “الإسلام” كدين سماوي ضريبة ممارسات أفراد ينتمون إلى الحركات الإسلامية والإسلام منهم براء.

(2) إعادة تموضع المؤسسة الأزهرية في المشهد الديني مع فك ارتباطها بالسلطة السياسية: لقد ساهم تراجع دور الأزهر الشريف الريادي التنويري منذ تلاحمه الشديد بالسلطة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي في تغييب الدور التوعوي له سياسيًا ومجتمعيًا، ما تسبب في ارتداده إلى الوراء وشغل حركات إسلامية قاصرة الفهم والرؤيا تتأرجح بين الحركية والراديكالية الفراغ الذي ظل شاغرًا لسنوات عدة نتيجة التراجع العلمي والمعارفي وضعف التأثير الدعوى مع غياب المنهجية المرنة التي تتواءم مع طبيعة التغيرات والتحولات التي شهدتها مصر على مدار نصف قرن من الزمان.

ولعل ارتكان عدد لا بأس به من علماء الأزهر إلى السلطة والسير في ركابها، أيا كان شكلها ورسمها وتنويعاتها منذ ثورة الـ23 يوليو وإلى الآن ساهم بقدر كبير في استقرار تصور في أذهان العامة والخاصة على حد سواء بأن علماء الأزهر الشريف “فقهاء سلطة” وحسب، اللهم إلا القليل والنادر والذي كانت مآلاته دوما صدام مع السلطة أو تموضعه واصطفافه في مشهد المعارضة.. ذلك كله ساهم بقدر كبير في تراجع تأثير الأزهر في المشهد الديني المصري المعروف بوسطيته، فجنح الكثيرون نحو التطرف والمغالاة.

(3) الإسراع في المصالحة السياسية والتأكيد على المسار الديمقراطي: حيث تتغذى جماعات العنف من الدماء المسالة جراء حالة الاحتقان القائمة بين السلطة من جهة والمعارضة بشتى تنويعاتها وتصنيفاتها الحزبية من جهة أخرى، لذا فإن استمرارية الوضع القائم من شد وجذب بين السلطة والمعارضة دون تقديم تنازلات تفسح للمسار السياسي أن يتنفس الصعداء ربما من شأنه أن يزيد من تدفق الحيارى وأصحاب المظلومية نحو العنف سالكًا درب التطرف والغلو، نظرا لكونه أصبح الحال الناجز للخروج من أتون المشهد القائم المستعر.

بيد أن هذه المصالحة تعتمد على إطارين لتحقيقها وتفعيلها:

أن يكون لدى السلطة السياسية رغبة حقيقية في إنهاء المشهد السجالي القائم بينها وبين الإسلام السياسي وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، عبر تقديم ضمانات للممارسة السياسية دون تعقب أو عرقلة لنشاطاتها السياسية والدعوية، وهو أمر لا تبدو ملامحه قائمة في اللحظة الحالية، ولا توجد قرائن أو مشاهد دالة على أن ثمة نظرة مغايرة من قبل السلطة إلى هذا المكون الإسلامي الذي شئنا أم أبينا متجذر في البنيتين السياسية والمجتمعية، مما يجعل الباب مفتوحًا على سيناريوهات مستقبلية عدة لا تدفع نحو هذا الحل، فتصبح المصالحة في الوقت الراهن بعيدة المنال أو ربما لم يحن وقتها بعد.

ساهم تشتت القوى الإسلامية في تموضعها الحالي، الحزبي منه والدعوي على حد سواء، حول مشروعية السلطة الحالية من جهة، وحول أدائها السياسي إزاء الواقع من حولها من جهة أخرى، إلى الدفع بأكبر قوة جمعاتية إسلامية وتحديدًا جماعة الإخوان المسلمين في الداخل المصري، التي تقود المعارضة السياسية في الوقت الحالي إلى الانشطار والانقسام الذي ساهم بدوره في تقوية شوكة النظام في مواجهتها، لتناحر تقسيماتها فيما بينها ما يعطى مشروعية في استمرار مواجهة السلطة السياسية للإخوان، فضلا عن غياب التوحد حول آلية للحوار أو النقاش أو تقديم برنامج واضح داخل جماعة الإخوان نفسها، حول إمكانية الدخول في مصالحة مع السلطة الحالية من عدمها، وهو ما يزيد المشهد تعقيدًا وارتباكًا.

وانطلاقا من ذلك يصعب التكهن باحتمالية أن تشهد المرحلة الحالية تصالحًا بين السلطة السياسية والقوى الإسلامية المعارضة، وفي الوقت نفسه لا يمكن القول باستحالتها لأن فرضيتها لازالت ممكنة للخروج من الأزمة الحالية بين السلطة والمعارضة.

(4) منذ اعلان حالة الحرب من قبل الجيش ضد التنظيمات الجهادية في شبة جزيرة سيناء وعلى راسهم ولاية سيناء دفع الأهالي الثمن نظرا للإجراءات الاستثنائية التي انتهجتها الدولة باعتبارها منطقة حرب، إذ فُرض حظر التجوال مع بدء العمليات في 2013 التي ما تزال مستمرة، الامر الذى ساهمك بقدر كبير في وضع أهالي سيناء في ظروفً معيشية صعبة للغاية، فالحظر المفروض على سيناء  أنهى جل مظاهر التجارة والبيع والشراء، وهو ما تسبّب في خسائر كبيرة للأهالي. لذا  يجب وضع خطة استراتيجية حقيقية وعاجلة لإزالة حالة الاحتقان التي يحياها المواطن السيناوى فوق أرضه.

حيث تعيش  القبائل البدوية والعشائر السيناوية أزمة كبيرة، خاصة بعد ما وضعوا في خانة أقرب إلي الأعداء نظرا لارتياب القوى الأمنية بحجم التعاون والعلاقة بينهم وبين الجهاديين وهو مايحتاج وقت طويل لتثبيت حسن النية بين الطرفين ,ومازاد الامر تعقيدا هو هدم المنازل وإخراج الأهالي منها من دون توفير مأوى لهم فيما اعتبر بمثابة “التهجير القسري “من وجهة نظرهم خاصة بعد تدشين المنطقة العازلة بين سيناء وقطاعه غزة.

وهو ما أثر سلبا ودفع نحو قطيعة بين قوى الجيبش من جهة وبعض من قبائل سيناء وشيوخها وليس كلها بالطبع، حيث اشارت  العديد من التقارير والدراسات الصادرة عن معاهد ومراكز أبحاث غربية وأمريكية أن الجيش المصري لم ينجح بشكل قاطع في استمالة القبائل وشيوخها إلي جانبه  خلال الحرب ضد تنظيم “ولاية سيناء”، بفعل بعض الإجراءات المتبعة والتي يتعرض لها أهالي سيناء. لذا فإن أول خطوة في الاتجاه الصحيح هو إعادة الاعتبار للمكون القبلى العشائرى في المجتمع السيناوى والافراج عن كافة المعتقلين السيناويين في السجون المصرية ووضع حكماء القبائل ضمن خطة مكافحة التطرف والغلو في شبة جزيرة سيناء.

(5) ضرورة مراعاة البعد الجيلى في سيناء والدفع بالوجوه الشابة داخلها في ان يكونوا جزء في مشهد الخروج من الازمة الحالية والانصات والاستماع الى اقوالهم وافكارهم من اجل الإسراع في ترميم البيت السيناوى.

(6) ضرورة الأخذ بعين الاعتبار التنمية المجتمعية لسيناء، التي رغم النداءات المتكررة والأحاديث الطويلة حولها، لازالت حتى اللحظة حبرًا على ورق لم ترق إلى التنفيذ الحقيقي والواقع الفعلي على الأرض، والتي اعتبرها بعض الخبراء المختصين بالشأن السيناوي لا تعدو كونها استهلاكًا محليًا نظرًا لغياب الرؤية والسياسات الواضحة، مؤكدين في الوقت نفسه على أن موازنة العام الحالي 2015 جاءت دون أي بند واضح للتخصيص في هذا الشأن، فتنمية سيناء وفق رؤى الخبراء لاتقف عند إقامة وحدات سكنية وحسب، وإنما تحتاج لخطة تنمية شاملة  تدعمها الدولة بشكل مباشر. (60)

—————————————–

الهوامش

* الآراء الواردة في هذه الدراسة تعبر عن وجهة نظر صاحبها، وليس عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية

(1) اتفاقية كامب ديفيد – ويكيبديا – الموسوعة الحرة

(2) “كامب ديفيد”.. احتلال ناعم لسيناء – تقرير- البدري جلال- إبريل/ نيسان2015

(3) سيناء: جبهة جديدة – تحليل – إهود يعاري – 10 كانون الثاني/يناير 2012 – معهد واشنطن

(4) المصدر السابق

(5)  المصدر السابق

(6) تنظيم “ولاية سيناء”: الصعود العسكري والآثار السياسية – د. عمر عاشور – 29 يوليه 2015

(7) سيناء: جبهة جديدة – تحليل – إهود يعاري – 10 كانون الثاني/يناير 2012 – معهد واشنطن

(8) المصدر السابق

(9) المصدر السابق

(10) خريطة “الحركات الجهادية” في سيناء ” – تقرير – الموقع الإلكتروني للبوابة نيوز المصرية – 17 مايو/آيار2015

(11) التنظيمات المسلحة فى سيناء – تقرير- صحفية الوطن المصرية – أكتوبر/ 2014

(12)خريطة “الحركات الجهادية” في سيناء ” – تقرير – الموقع الإلكتروني للبوابة نيوز المصرية – 17 مايو/آيار2015

(13) سيناء: جبهة جديدة – تحليل – إهود يعاري – 10 كانون الثاني/يناير 2012 – معهد واشنطن

(14) سيناء: جبهة جديدة – تحليل – إهود يعاري – 10 كانون الثاني/يناير 2012 – معهد واشنطن

خريطة “الحركات الجهادية” في سيناء ” – تقرير – الموقع الإلكتروني للبوابة نيوز المصرية – 17 مايو/آيار2015

(15) خريطة الجماعات والتنظيمات الإسلامية المتطرفة – رفعت سيد أحمد – مقال –

(16) المصدر السابق

(17) المصدر السابق

(18) خريطة الجماعات الإسلامية المسلحة والعناصر الامنية في سيناء –

(19) المصدر السابق

(20) التنظيمات المسلحة فى سيناء – تقرير- صحفية الوطن المصرية – أكتوبر/ 2014

(21) المصدر السابق

(22) ولاية سيناء ودعشنة المشهدالمصري – مصطفي زهران – تحليل- 26 نوفمبر/ 2014

(23) المصدر السابق

(24) خريطة الجماعات والتنظيمات الإسلامية المتطرفة – رفعت سيد أحمد – مقال –

(25) ولاية سيناء ودعشنة المشهدالمصري – مصطفي زهران – تحليل- 26 نوفمبر/ 2014

(26) المصدر السابق

(27) لماذا يبدو نشاط تنظيم «ولاية سيناء» مرشحا للتزايد في مصر – تحليل – ساسة بوست

(28) المصدر السابق

(29) خارطة الجماعات الإرهابية المسلحة في مصر.. ابريل 2015

(30) تنظيم “ولاية سيناء”: الصعود العسكري والآثار السياسية – د. عمر عاشور – 29 يوليه 2015

(31) المصدر السابق

(32) خارطة جهاديي سيناء… من مرحلة “الدعوة” إلى حمل السلاح – تحليل –العربي الجديد

(33) المصدر السابق

(34) تنظيم “ولاية سيناء”: الصعود العسكري والآثار السياسية – د. عمر عاشور – 29 يوليه 2015

(35) لماذا يبدو نشاط تنظيم «ولاية سيناء» مرشحا للتزايد في مصر – تحليل – ساسة بوست

(36) تداعيات سقوط الطائرة الروسية.. إلى أين؟ استطلاع رأي – بشير عبد الفتاح ، مصطفي زهران

(37) المصدر السابق

(38) خبراء عسكريون يكشفون حقيقة “الثغرة الأمنية” و”علبة الكانز” المفخخة فى إسقاط الطائرة الروسية – تقرير – الفجر المصرية

(39) الكرملين يعلن إبلاغ بوتين بوجود قنبلة وراء سقوط الطائرة الروسية – تقرير- اليوم السابع المصرية

(40) ”ولاية سيناء” تعلن مسؤوليتها عن حادث العريش – تقرير-

(41) ولاية سيناء ودعشنة المشهدالمصري – مصطفي زهران – تحليل- 26 نوفمبر/ 2014

(42) المصدر السابق

(43) المصدر السابق

(44) المصدر السابق

(45) أنصار بيت المقدس – ويكبديا- الموسوعة الحرة .

(46) خبراء مصريون: لهذا لا ينبغي إقحام الجيش المصري في سيناء – تقرير – مفكرة الإسلام

(47) “داعش” يتبنى التفجير أمام القنصلية الإيطالية بالقاهرة – تقرير-

(48) “ولاية سيناء” تتبنى تفجير الأمن الوطني بشبرا الخيمة – تقرير خبري

(49) تقرير عن حادث الأقصر الإرهابي – موقع التواصل الاجتماعي يوتيوب

(50) “ولاية الصعيد”.. أحدث إعلانات تنظيم الدولة بمصر – تقرير – الجزيرة

(51) المصدر السابق

(52)بيان لـ«داعش» يعلن مسئوليته عن مذبحة”الفرافرة” – خبر

(53) تنظيم الدولة الإسلامية المتشدد يؤكد قتل رهينة كرواتي في مصر – تقرير – رويترز

(54) المصدر السابق

(55)داعش» يتبنى الهجوم على كمين المنوات بالجيزة

(56) ولاية سيناء ودعشنة المشهدالمصري – مصطفي زهران – تحليل- 26 نوفمبر/ 2014

(57) المصدر السابق

(58) مفاجأة.. منفذ عملية فندق القضاة بالعريش من مؤيدى البرادعى ويكره الإسلاميين (تقرير خيري)

(59) مفاجأة.. منفذ عملية فندق القضاة بالعريش من مؤيدى البرادعى ويكره الإسلاميين – تقرير خبري.

(60) سيناء القطر المهمل.. كنوز من الموارد والفرص والرؤية مازالت غائبة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *