دراساتخرائط قوىأسيا وافريقيا

الجزء الثالث: السياسة الخارجية ـ الفواعل والدوائر

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

ملخص:

إن ما يميز السياسة الخارجية التركية في عهد حزب العدالة والتنمية منذ عام 2002 هو الاهتمام التركي المتزايد بالعمق الحضاري الإسلامي لتركيا، فهي ادركت ان مصالح الدولة التركية ترتبط بعمقها الحضاري الإسلامي، وان محاولات الارتباط بالعالم الغربي إضافة إلى انها طويلة وشاقة ومتعثرة فهي لن تكون بديلاً عن حجم المصالح والمكاسب التركية في العالم العربي. وعليه فإن تفاعلات السياسة الخارجية التركية ارتبطت بنظرية العمق الاستراتيجي القائم على اتباع سياسة خارجية فاعلة ومؤثرة ومتعددة الابعاد والاتجاهات. وعليه فإن هذا الجزء من الملف يتناول المحاور الاتية:

أولاً: المؤسسات الرسمية المؤثرة في صنع السياسة الخارجية التركية

ثانياً: المؤسسات والتيارات غير الرسمية المؤثرة في سياسة تركيا الخارجية

ثالثًا: دوائر السياسة الخارجية التركية (1).

أولاً: المؤسسات الرسمية لصنع السياسة الخارجية التركية

لاشك أن حجم ونوعية التأثير الذي يمكن أن تمارسه أي مؤسسة رسمية في صنع السياسة الخارجية ينبع من مسالتين أساسيتين، الأولى: التوصيف الدستوري لهذه المؤسسة وحجم الصلاحيات الممنوحة لها في الدستور،أما المسألة الثانية: فهي تتعلق بالشخصية القائمة على هذه المؤسسة وقدراتها الذاتية وشخصيتها الكارزمية الفاعلة والمؤثرة.

وفيما يتعلق بالشأن التركي، فإن صنع السياسة الخارجية التركية كانت في الماضي محكومة بتوجهات المؤسسة العسكرية والمؤسسات الرسمية المحكومة من قبل التيارات القومية، واستمر هذا الحال إلى أن تمكن حزب العدالة والتنمية في عام 2002 من الفوز بالانتخابات واستطاع أن يشكل حكومة بأغلبية مكنته من الاستمرار وتمرير الكثير من القوانين وتحويل اتجاهات السياسة التركية نحو العمق الاستراتيجي الذي يشكل لب المصالح التركية.

ويتفاوت تأثير المؤسسات التركية الرسمية من مؤسسة إلى أخرى في صنع السياسة الخارجية التركية، ويمكن رصد أهم هذه المؤسسات وفق الاتي:

1ـ السلطة التشريعية:

تخضع عملية صنع القرار من الناحية القانونية في تركيا إلى دستور عام 1982(2)، من ناحية تكوين السلطات العامة ومن ناحية العلاقات بينها واختصاصاتها(3)، ويتألف دستور 1982 من مقدمة وسبعة أقسام اشتملت على 177 مادة، وقد أولت المقدمة أهمية لدور المؤسسة العسكرية في الحفاظ على التكامل الإقليمي ووحدة الأمة التركية وصيانة المبادئ الاتاتوركية (4).

تتكون السلطة التشريعية في تركيا من مجلس واحد وهو “المجلس الوطني التركي الكبير” ويختلف عن سابقة الذي شكل وفق  دستور 1961 من حيث انه يتكون من هيئة واحدة وليس هيئتان كما كان سابقا فقد تم الاعتماد على صيغة الهيئة الواحدة نتيجة فشل هيئة الشيوخ بأداء دورها كمراقب مستقل، كما تم تمديد مدة البرلمان من أربع إلى خمس سنوات في ضوء دستور 1982 (5).

اختصاصات المجلس الوطني التركي الكبير في السياسة الخارجية حددت في المادة 87 من الدستور التركي في اعلان الحرب والتصديق على الاتفاقات الدولية، واتخاذ القرارات بارسال القوات التركية خارج حدود الاراضي التركية(6).

المجلس الوطني التركي الكبير خضع إلى مجموعة من التعديلات فقد أصبح عدد أعضائه 450 نائبا بموجب تعديل دستوري عام 1987 وازداد إلى 550 نائبا اثر انتخابات عام 1995 البرلمانية، وينعقد المجلس بحضور ما لا يقل عن ثلث الأعضاء، ويتخذ قراراته بالأغلبية المطلقة للحاضرين، بشرط إن لا تقل عن ربع أجمالي الأعضاء مضافاً إليه صوت واحد، كما يمارس المجلس اختصاصاته الإشرافية والرقابية على السلطة التنفيذية (مجلس الوزراء) من خلال:توجيه الأسئلة، والنقاش العام والتحقيق، والاستجواب، والرقابة المالية وغيرها من الإجراءات الأخرى المتبعة في النظم البرلمانية(7). كما إن رئيس المجلس يقوم بمهام رئيس الجمهورية في حال سفرة أو مرضه (8).

ان للمجلس الوطني التركي الكبير دور واضح في السياسة الخارجية التركية، فالحكومة التركية ملزمة وفق الدستور الرجوع إلى المجلس للحصول على تفويض او تأييد للكثير من سياساتها، ولعل من اهم ما يتمتع به المجلس هو التصديق على المعاهدات والاتفاقيات التي توقعها السلطات التنفيذية، وايضا الموافقة على المسائل المتعلقة بالحرب من التفويض بشن الحرب او استخدام الاراضي التركية كمنطلق لعمليات عسكرية، وكان ذلك واضحا عندما سعت الولايات المتحدة الامريكية في ادخال تركيا في حربها على العراق عام 2003، الا ان رفض المجلس الوطني التركي حال دون اشتراك تركيا في هذه الحرب، فضلا عن عدم استخدام الولايات المتحدة الأمريكية للأراضي التركية.

2ـ السلطة التنفيذية:

تتكون من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء ومؤسسات التعليم العالي والمؤسسات المهنية ذات الصفة العامة ومؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية ومجمع أتاتورك العالي للثقافة واللغة والتاريخ ورئاسة الشؤون الدينية وكذلك المؤسسات المشابهة ضمن السلطة التنفيذية (9).

(أ) رئيس الجمهورية:

يعد رئيس الجمهورية في تركيا رئيس الدولة الأعلى، ويمثل وحدة الأمة التركية، ويضمن تنفيذ الدستور وانتظام العمل في أجهزة الدولة، وكان رئيس الجمهورية التركي في الدساتير السابقة ينتخب لمدة رئاسية واحدة مدتها 7 سنوات وعن طريق المجلس الوطني التركي من بين اعضائه، أما بعد التعديل الدستوري الذي جرى الاستفتاء عليه في تشرين الأول 2007 فإن مدة الرئاسة تكون لخمس سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة ويتم انتخابه مباشرة من الشعب عن طريق الاقتراع المباشر، بشرط أن لا يقل عمره عن 40 سنة، وانه يكون قد أنهى تعليمه الجامعي(10).

وتتمثل صلاحيات رئيس الجمهورية التركي حسب الدستور فيما يتعلق بالسياسة الخارجية (11): الموافقة على تعيين ممثلي تركيا لدى الدول الأخرى، وقبول أوراق اعتماد ممثلي الدول الاجنبية المعتمدين لدى تركيا، والتصديق على الاتفاقيات الدولية، وتولي منصب القائد العام للقوات المسلحة التركية نيابة عن المجلس الوطني، واتخاذ القرارات المتعلقة باستخدام هذه القوات، وتعيين رئيس الأركان العامة، ودعوة مجلس الأمن القومي للانعقاد ورئاسته.

إن المهام التنفيذية الواسعة للرئيس والتي تتمثل في تعيين رئيس الوزراء والوزراء المقترحين من رئيس الوزراء. وترؤس مجلس الأمن القومي، ومجلس الوزراء عند الاقتضاء،والتوقيع على المراسيم والقرارات، وتعيين أعضاء ورئيس مجلس تفتيش الدولة تساعد على دور فاعل في السياسة الخارجية(12).

ويعتمد رئيس الجمهورية التركي في عملية صنع القرار الخارجي على هيئة استشارية تتألف من رئيس الوزراء ووزير الخارجية والقادة العسكريين، فضلا عن زعماء الأحزاب السياسية ذات النفوذ (13).

وقد ركز دستور عام 1982 السلطة بيد رئيس الجمهورية مما عزز المهام القيادية لرئيس الجمهورية على القوات المسلحة،ولكن عمليا يعد رئيس أركان الجيش هو القائد الفعلي للقوات المسلحة والذي يرشح بتزكية من مجلس الوزراء ويعينه رئيس الجمهورية، وهو مسؤول أمام رئيس الوزراء وواجباته الرئيسة هي: رفع التوصيات إلى الحكومة في المسائل العسكرية وإعداد الخطط العسكرية في حالة الحرب وقيادة التشكيلات العسكرية (14).

إن صلاحيات منصب رئيس الجمهورية التركي لا تقف عند الحدود الدستورية التي وضعها له الدستور، وإنما تتصل بشخصية الرئيس وقدراته الشخصية أيضا، فالرجوع للتاريخ التركي نجد أن هناك رؤساء كان تأثيرهم اكبر مما هو منصوص عليه في الدستور التركي، بدأت بالرئيس التركي مصطفى كمال اتاتورك مروراً  بتورجوت اوزال وسليمان ديمريل وانتهاءً بالرئيس الحالي رجب طيب اردوغان، فالسمة المشتركة لهؤلاء الرؤساء هو الكارزما والحضور والتأثير الفاعل في السياسة التركية، فمثلا عند تولى الرئيس التركي تورجوت اوزال الرئاسة التركية للمدة من 1989-1993 كان له حضور واضح في توجيه السياسة الخارجية التركية وقبلها عندما كان رئيساً للوزراء التركي بين 1983-1989، حيث نقل اقتصاد تركيا إلى الخصخصة.

أما الرئيس الحالي رجب طيب اردوغان الرئيس الحالي الذي كان رئيساً للوزراء من 2003 إلى 2014 ومن بعدها أصبح رئيسا للجمهورية، فتوصف مدته بالحقبة الاردوغانية، حيث له تأثير واضح في سياسة الحكومة التركية الحالية، إذ أن أغلب توجهاتها المتعلقة بالسياسة الخارجية مطابقة لتوجهات الرئيس التركي، وهذا التطابق كان أحد أسباب الخلاف بين الرئيس أردوغان ورئيس وزرائه السابق أحمد داود اوغلو.

(ب) دور مجلس الوزراء في السياسة الخارجية:

يعد مجلس الوزراء من أهم المؤسسات الرسمية في عملية صنع السياسة الخارجية التركية، ويتكون من رئيس الوزراء والوزراء، ويُعين رئيس الوزراء من رئيس الجمهورية من بين النواب (رئيس الحزب الحائز على أغلبية مقاعد البرلمان) (15)، ويقوم رئيس الوزراء باختيار الوزراء وتشكيل حكومته وعرض أسمائهم على رئيس الجمهورية وعادة ما يوافق عليها رئيس الجمهورية (16) كما يعد مجلس الوزراء مركز السلطة التنفيذية، وذلك بسبب ان النظام السياسي في تركيا هو نظام برلماني(17).

أما اختصاصات مجلس الوزراء فتتمثل في: إصدار قرارات لها قوة القانون بموجب تفويض من البرلمان، دون أن يحدد هذا التفويض مجالات معينة لا يمكن أن تشملها هذه القرارات، كما يتمتع مجلس الوزراء برئاسة الجمهورية عند إعلان حالة الطوارئ أو الأحكام العرفية و بسلطة إصدار هذه القرارات، واتخاذ قرارات متعلقة بالرسوم والضرائب الجمركية في مجال التجارة الخارجية، وحماية الأمن القومي وإعداد القوات المسلحة للدفاع والحرب، فضلا عن ذلك يقترح رئيس الجمهورية تعيين رئيس الأركان العامة، ويرأس رئيس الوزراء مجلس الأمن القومي في حالة عدم اشتراك رئيس الجمهورية فيها(18).

ورئيس الوزراء، وفق الدستور، له صلاحيات واسعة في سياسة تركيا الخارجية، فهو الذي يدير دفة السياسة الخارجية للدولة، كما ان رئيس الوزراء يضطلع بمسؤوليات واسعة يمنحها الدستور التركي له. ولعل زيادة حجم التاثير لصالح رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء نابع بجزء كبير منه إلى الاصلاحات الدستورية التي قللت من سطوة المؤسسة العسكرية وبشكل تدريجي.

تم التصويت على بعض التعديلات الدستورية في استفتاء تم إجراؤه في الثاني عشر من شهر أيلول/سبتمبر 2010، أي في الذكرى السنوية الثلاثين لانقلاب عام 1980، وهذه التعديلات حدت من تاثير المؤسسة العسكرية، كما أنها شملت اصلاحات قضائية، والغت الحصانة التي كان يتمتع بها العسكريون الاتراك في عدم خضوعهم أمام القضاء التركي، حيث كانوا يخضعون إلى المحاكم العسكرية فقط حتى لو ارتكبوا جرائم ضد النظام الديمقراطي او جرائم مدنية. ولكن بعد التعديلات الدستورية هذه وسريان مفعولها تم اعتقال أكثر من مائتي وخمسين فردًا من العسكريين الذين كان بعضهم من كبار الجنرالات ووجِّهت لهم تهمة التحضير لانقلاب عسكري (19).

(ج) المؤسسة العسكرية

تعد المؤسسة العسكرية التركية من المؤسسات الرسمية الفاعلة في السياسة التركية، وهذا يعود إلى عوامل عدة منها تاريخية واجتماعية وثقافية فضلا عن قوة هذه المؤسسة ومنذ القدم. فهي واحدة من أبرز مؤسسات النظام السياسي التركي وهي الأقدم والأكثر تنظيماً في تاريخ الدولتين العثمانية والتركية، ولا تزال الركن الأساس الذي تقوم عليه الدولة التركية الحديثة(20).

ودور الجيش التركي في السياسة التركية اتخذ طابع الاستمرار وفي حقب زمنية متباينة من عمر الدولة التركية ابتدءاً من الانقلاب العسكري في عام 1908 الذي كان بداية لسلسلة من التدخلات العسكرية تمثلت في أعوام 1919 و1923و 1960 و 1970 و1971 و1980(121).

وقبل فترة حكم حزب العدالة و التنمية، كان الجيش التركي يتمتع بدور كبير في السياسة الداخلية والخارجية التركية من خلال قيادة الأركان التركية، وليس من خلال الضباط ذوي الرتب الدنيا، فالعرف في تركيا أن على كل ضابط أن يبتعد عن السياسة -استنادا لأقوال أتاتورك – وضرورة عدم تدخل الاحزاب في أعمال المؤسسة العسكرية، فمن وجهة نظر الجيش يجب على الاحزاب أن تعمل على رفاهية الشعب وترسيخ الديمقراطية، وأن السياسي الحقيقي يجب أن يكون مؤمنا بمبادئ أتاتورك(22).

بالرغم من الانقلابات التي قامت بها المؤسسة العسكرية، فإن من تقاليدها عدم البقاء في الحكم لمدة طويلة، كما أن انقلاباتها ليست دموية وهدفها مواجهة خطر أو إصلاح خلل داخل الجهاز المدني وهناك قدر من الإيمان داخل هذه المؤسسة أن دورها هو حراسة النظام العلماني في تركيا وليس السيطرة عليه لذا فإن من المهم بالنسبة لها أن تحافظ على استقلاليتها قدر الإمكان(23).

وتعد المؤسسة العسكرية التركية من أقوى مؤسسات الدولة التركية وأكثرها تنظيما كما أنها “كانت سلطة تقع فوق الدستور ومؤسسات الدولة الأخرى بما فيها الهيئات المنتخبة”(24) لهذا أصبح الجيش مؤسسة مستقلة معترف بها من الدوائر الحاكمة في تركيا كحام وشريك في النظام العلماني، وأصبحت القيادة العامة جزءا لا يتجزأ من الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وقد أعطاها ذلك صلاحيات مهمة في عملية صناعة القرار الخارجي عندما يتعلق الأمر بالدفاع الوطني (25).

والقاعدة الرئيسة في تركيا قبل العدالة والتنمية كانت إن للجيش دوراً رئيساً في حراسة النظام ضد المخاطر التي تهدده، فقد وقفت المؤسسة العسكرية على الدوام خلف الجهاز المدني، وكانت المؤسسة العسكرية تمارس نفوذها من خلال هيمنتها على مجلس الأمن القومي، كما أن المؤسسة العسكرية التركية حاولت وعلى الدوام أن تجعل السلطة تنحصر في قمة القوات المسلحة (قيادة الأركان العامة وقيادات الجيش) للحفاظ على قوة ونفوذ هذه المؤسسة، كما أن السلطة السياسية لا يجب ان تنفصل عن قيادة الجيش مثلما كان في 1960 ومن ثم أمكانية ان يجمع الجنرالات في الحكم بين مناصبهم السياسية ومواقعهم العسكرية داخل المؤسسة (26).

واستمدت المؤسسة العسكرية قوتها ومكانتها هذه نتيجة جملة من العوامل وأهمها (27):

  • التنظيم الداخلي المحكم لهذه المؤسسة وتمتعها باستقلالية كاملة في اختيار عناصرها القيادية ووضوح رؤيتها بشأن دورها والأهداف العليا للدولة، فاختيار وإفراز وانتقاء العناصر القيادية والتجدد يكون من داخلها وليس من خارجها، مما يجعلها أشبه بـ “المؤسسة البابوية” إذ إنها تضع الترشيحات لتولي المناصب القيادية فيها.
  • ضخامة القوة العددية للقوات المسلحة التركية، أذ إنها تحتل وفقا لهذا المعيار في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة الأمريكية من بين دول حلف شمال الأطلسي. فضلا عن النسبة الكبيرة من حجم الإنفاق الذي تحظى به هذه المؤسسة والذي يصل إلى أكثر من 5% من الموازنة التركية العامة.
  • تحول الجيش إلى قوة مالية مهمة، وليس ثمة ما يشبه مثل هذا الطابع في أي دولة أخرى باستثناء البرازيل. كما أن شركة OYAK التابعة للجيش(28) هي واحدة من أهم وأضخم خمس شركات في تركيا. وهي غير خاضعة لأي رقابة، لأن لها قوانين خاصة تنظم نشاطها وعملها، فضلاً عن ميزانية خاصة بها.(29).

إن دور المؤسسة العسكرية في السياسة الخارجية واضحة فهي تمارسه بفاعليه، وكان ذلك واضحا عن طريق موقف المؤسسة المعارض لإقحام تركيا بدور مباشر في أزمة الخليج الثانية1990-1991 (30).

وإذا ما أخذنا في الحسبان إن اغلب القادة والضباط الأتراك يجري تدريبهم في الولايات المتحدة والمؤسسات العسكرية الغربية الأخرى، فضلا عن المدارس الحربية الغربية الموجودة في تركيا. لذا فإن حجم التأثير على هؤلاء هو كبير وهذا واضح من خلال التدخل المستمر للمؤسسة العسكرية للمحافظة على مبادئ الدولة العلمانية وبقاء تركيا في طريق التحديث المجتمعي والمؤسساتي وفي ضوء التجارب الغربية، فالولايات المتحدة تعد تركيا نموذج للدولة الحديثة التي تجمع مابين الإسلام والحداثة وهذا ما أكد عليه رؤساء الولايات المتحدة فالرئيس الأمريكي الأسبق (بيل كلينتون) قال: “دأبت تركيا ديمقراطية، علمانية، مستقرة، وذات توجهات غربية على دعم جهود الولايات المتحدة الرامية إلى تعزيز عوامل الاستقرار في البوسنة، وفي دول حديثة الاستقلال، وفي الشرق الأوسط، وكذلك إلى احتواء كل من إيران والعراق، وينطوي ارتباطها المستمر بالغرب وتأييدها لمجمل أهدافنا الإستراتيجية في إحدى أكثر مناطق العالم حساسية على أهمية حاسمة، إننا مستمرون في دعم دور تركيا الفعال والبناء في إطار كل من الناتو وأوروبا”(31).

يضاف إلى ذلك ان فاعلية وقوة تأثير المؤسسة العسكرية التركية في السياسة الخارجية التركية يرتبط بعاملين أساسيين: الأول، مستوى الاستقرار الأمني في تركيا، فكلما استمرت المشكلات الأمنية المتصلة بالقضية الكردية ومشكلة قبرص واليونان، بقدر ما سيستمر حضور الجيش في القرار السياسي التركي، لأنها تعد الضامن والحامي لوحدة الاراضي التركية، اما العامل الثاني: هو مدى تقدم وتيرة الاصلاح في تركيا على تطبيق الأصلاحات في الداخل وبمدى ابعاد الجيش عن صناعة القرار(32).

ويمكن القول ان المؤسسة العسكرية التركية تواجه في الوقت الحاضر ازمة غير مسبوقة تتصل بتغير قواعد اللعبة في الداخل، واهمها التأييد الشعبي الكبير لحزب العدالة والتنمية، فالعسكر لا يستطيع ان يواجه علناً السلطة التي تحظى بتأييد غالبية المجتمع التركي، يضاف إلى ذلك ان قواعد اللعبة الدولية والاقليمية تغيرت ايضاً بعد الحرب على العراق وحاجة الولايات المتحدة الامريكية في مدة رئاسة الرئيس الامريكي باراك اوباما إلى السلطة الموجودة في تركيا ذات الطابع الاسلامي لكي تكون جسراً بينها وبين العالم الاسلامي، فضلا عن نموذجا للأسلام المتصالح مع الديمقراطية والعلمانية، هذه العوامل كلها ادت إلى ان لا يكون للجيش التركي حرية حركة كما كان في السابق، لهذا يوجد في المؤسسة العسكرية نفسها تحولات داخلية وخارجية(33).

وخلاصة القول إن المؤسسة العسكرية تعد من أهم المؤسسات الرسمية التركية في عملية صنع السياسة الخارجية والداخلية وبالأخص إذا ما تعلق الأمر بالأمن والدفاع، فهي مؤسسة قوية لها تاريخ طويل فضلا عن سعي القائمين عليها إلى تجديد دورها في كل حقبة وعدم السماح لأية جهة سياسية في تركيا أن تحدد خيارات وتحركات هذه المؤسسة.

إن دور المؤسسات الرسمية يكاد يكون واضح بشكل جلي من خلال الصلاحيات الممنوحة والمقرة في الدستور التركي، فلم تعد أي مؤسسة ان تتجاوز على صلاحيات الأخرى كما كان معهودا في السابق، لاسيما بعد الإصلاحات الدستورية التي قام بها حزب العدالة والتنمية والتي قللت من سطوة المؤسسة العسكرية التركية، واصبح دور مؤسسة الرئاسة ورئاسة الوزراء واضحا ومؤثرا، لهذا فقياس تأثير أي مؤسسة من المؤسسات الرسمية اصبح واضحا في سياسة تركيا الخارجية ولم يعد يخضع لمزاجيات معينة.

ثانياً: الأحزاب السياسية والسياسة الخارجية:

تتعدد المؤسسات غير الرسمية المؤثرة في سياسة تركيا الخارجية ولعل أهم هذه المؤسسات هي الأحزاب السياسية التركية، وعند قراءة نتائج الانتخابات الماضية وانتخابات يونيو 2015 يمكن دراسة أهم هذه الأحزاب ووفق الاتي:

(1) حزب العدالة والتنمية:AKP))

تأسس هذا الحزب في 14 أغسطس 2001 من قبل عدد من أعضاء حزب الفضيلة المحظور الذين توزعوا على حزبي السعادة وحزب العدالة والتنمية، وبرئاسة رجب طيب اردوغان رئيس بلدية استانبول السابق، وقد أكد مؤسسو الحزب البالغ عددهم 74 ومعظمهم من الجامعيين ورجال أعمال جمعوا بين الشباب وكبار السن، أن حزبهم يريد التوجه إلى قاعدة انتخابية أوسع من حزب الفضيلة الذي كان خطابه الإسلامي يجتذب بصورة خاصة الناخبين المتدينين ويثير استياء المؤسسة العسكرية والقادة السياسيين(34).

استطاع هذا الحزب ذو التوجهات الإسلامية أن يحقق الفوز في الانتخابات البرلمانية لعام 2002، وبنسبة كبيرة تصل إلى أكثر من 65% من مقاعد البرلمان، واستطاع أن يشكل الحكومة برئاسة رجب طيب اردوغان، أما حزب الشعب الجمهوري فقد شكل المعارضة داخل البرلمان.

وفي انتخابات 22/تموز/2007 حصل ايضا حزب العدالة والتنمية على المرتبة الاولى في الانتخابات التشريعية التي جرت وبناءا على طلب حزب العدالة والتنمية، فضلا عن ذلك أصبح عبد الله غول (نائب رئيس حزب العدالة والتنمية) في عام 2007 رئيسا للجمهورية، يضاف إلى ذلك فقد حصل حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية التي أجريت في اذار 2009 على المرتبة الاولى، ولكن بنسبة أقل من نتائج الانتخابات السابقة، وهذا بدوره أعطى دورا كبيرا لحزب العدالة والتنمية.

ولكن في الوقت نفسه كانت قيادات حزب العدالة والتنمية تخشى من سعي الاحزاب السياسية العلمانية والمؤسسة العسكرية حظر هذا الحزب عن العمل السياسي كما حصل مع حزب الرفاه وحزب الفضيلة، وبالأخص بعد التعديلات التي قام بها حزب العدالة والتنمية فيما يتعلق بالحجاب وطلاب المدارس الدينية، مما أثار حفيظة المؤسسة العسكرية والكثير من الأحزاب السياسية الأخرى.

أما انتخابات 2011 فقد حقق حزب العدالة والتنمية 49.8% من الأصوات مما مكنه من تشكيل الحكومة بصورة منفردة برئاسة رجب طيب اردوغان، وبعدها في عام 2014 وفي الاقتراع المباشر فاز رجب طيب اردوغان بمنصب رئيس الجمهورية التركية ومن خلال الانتخاب المباشر من قبل الشعب ليحل محله في منصب رئيس الوزراء احمد داوود اوغلو، الا ان انتخابات 2015 الاولى أدت إلى انتكاسة حزب العدالة والتنمية فقد تراجعت نسبة الأصوات التي كان يحصل عليها في الانتخابات الماضية ووصلت إلى 40.9%، لصالح صعود حزب الشعوب الديمقراطية (الكردي) والذي حصل على نسبة 13.1% من الأصوات والتي مكنته من دخول الحياة السياسية(35).ولم يتمكن اي حزب من تشكيل الحكومة في تركيا مما دفع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان إلى الدعوة لانتخابات جديدة تمت في تشرين الثاني 2015 بفوز حزب العدالة والتنمية بما يقارب من نصف عدد اصوات الناخبين الاتراك، بالمقابل تراجع بعض الاحزاب التي حصلت على نتائج جيدة في الانتخابات في السابق مثل حزب الحركة القومية .

يعتمد حزب العدالة والتنمية بشكل كبير في اصلاح الداخل وتقليل سيطرة العسكر على “الرافعة الاوروبية” فبدونها لا يمكن اختراق صفوف “الدولة العميقة” “الدولة المتجذرة”، كما يوجد لحزب العدالة والتنمية مشاريع بعيدة المدى خاصة به، وجاء انتخاب عبد الله غول لرئاسة الجمهورية جزءاً من تلك المشاريع، كما يذكر بعض اعضاء هذا الحزب أن رئيس الوزراء السابق والرئيس الحالي رجب طيب اردوغان تبنى بعض التعديلات القانونية بهدف انتخابه رئيساً للجمهورية، ومن أجل زيادة فاعلية الحكومة التي استطاع ان يشكلها منذ عام 2002 بالمقابل التقليل من صلاحيات المؤسسات الرسمية الأخرى ذات التوجهات القومية(36).

(2) حزب الشعب الجمهوري (CHP)

يعد من اقدم الأحزاب التركية العاملة في الساحة التركية، وقد حقق نتائجاً مختلفة ففي الانتخابات البرلمانية في عام 1995 حقق حوالي 8% من المقاعد. أما في انتخابات 2002 فقد حقق نتائجاً جيدة والتي وصلت إلى أكثر من 31%، فقد جاء في المرتبة الثانية بعد حزب العدالة والتنمية، مما هيأ له دوراً كبيراً في التأثير في السياسة التركية وفي انتخابات 22 تموز عام 2007 حصل حزب الشعب الجمهوري على المرتبة الثانية بعد حزب العدالة والتنمية. وفي انتخابات عام 2011 أيضا حقق هذا الحزب المرتبة الثانية بين الأحزاب التركية فقد حصل على 27% من مجموع أصوات الناخبين الاتراك وهي نتيجة أقل عن الانتخابات السابقة، اما في انتخابات 2015 الاولى والثانية فقد استمر هذا الحزب يحتفظ بالمكانة الثانية (37).

ويعد هذا الحزب من اكثر الأحزاب المعارضة لتوجهات وسياسات الحكومة التركية الحالية ولسياسات حزب العدالة والتنمية، وهو يمتلك رؤية مختلفة تجاه القضايا العربية والإسلامية عن رؤية حزب العدالة والتنمية.

(3) حزب الحركة القومية (MHP)

تأسس حزب الحركة القومية  في 7/6/1983 تحت اسم حزب العمل القومي (MCP) الذي دخل الانتخابات البرلمانية في 20/10/1991 متحالفا مع حزبي “الرفاه” والديمقراطية الإصلاحية، ونجح في دخول البرلمان بـ19 نائبا على رأسهم رئيس الحزب الب ارسلان توركيش (38).

لم يستطع هذا الحزب أن يؤدي دورا فاعلا في المجلس الوطني التركي الكبير نتيجة فشله في انتخابات عام 1995، ولكنه استطاع أن يحقق نجاحات وبالأخص في انتخابات عام 1999 إذ نال 17.9 % من الأصوات وحصل على 129 مقعدا في المجلس الوطني التركي الكبير، وبذلك عُدَ الفائز الثاني بعد حزب اليسار الديمقراطي الحاصل على 22.2 % من الأصوات، برغم إن التوقعات كانت تشير إلى انه بالكاد سيتجاوز الحاجز الانتخابي(39).

وفي انتخابات عام 2002 حصل حزب الحركة القومية على المرتبة الرابعة وفي انتخابات التي جرت في 22/تموز/2007 حصل على المرتبة الثالثة بعد حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري وبنسبة 14.3% من مجموع أصوات الناخبين الاتراك، واستمر ترتيب هذا الحزب في انتخابات 2011 فقد حصل على المرتبة الثالثة ونسبة 13% من مجموع أصوات الناخبين الاتراك، وفي انتخابات 2015 الاولى والثانية استمر هذا الحزب في المرتبة الثالثة بين الأحزاب التركية الفائزة (40).

الخريطة السياسية بعد انتخابات 2015 الأولى، غيرت الكثير من القناعات في الداخل التركي فالتراجع الذي أصاب حزب العدالة والتنمية وصعود حزب الشعوب الديمقراطية الكردي للساحة السياسية حرم حزب العدالة والتنمية من تشكيل حكومة اغلبية كما كان يفعل منذ عام 2002، الا ان حزب العدالة والتنمية سرعان ما استعاد الاغلبية بعد انتخابات 2015 الثانية الامر الذي دفع الكثيرون إلى التوقع بان سياسات تركيا الخارجية ستستمر وفق اتجاهاتها منذ 2002.

ثالثاً: الجماعات والهيئات غير الرسمية:

المؤسسات والحركات غير الرسمية في تركيا لا تقف عند الأحزاب السياسية فقط، وإنما أيضا هناك جماعات المصالح والحركات الدينية والهيئات غير الرسمية، التي تمارس دوراً مهماً في السياسة الخارجية التركية، ومنها:

1- رئاسة وكالة التعاون والتنسيق التركية (تيكا ـ TIKA)

بعد تفكك اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية أعلنت العديد من الدول إستقلالها في وسط اسيا والقوقاز. وكانت تركيا أول الدول التي اعترفت بالجمهوريات التركية المستقلة في تلك الأيام. مثل كازاخستان، طاجيكستان، أوزبكستان، آذربيجان وقيرغيزستان. اشتراك تركيا مع تلك الجمهوريات في اللغة والذاكرة والثقافة مهد لها الطريق لتقوية العلاقات الثتائية والإقليمية مع تلك الدول.تركيا ودول اسيا الوسطى تصرفن كدول متعددة لأمة واحدة، كما اتبعت تركيا في سياستها الخارجية بالمنطقة مفهوماً استباقياً متعدد الأوجه. وأصبحت المحافظة على العلاقات مع الدول الناطقة بالتركية هي رؤية تركيا الدائمة وقد اكتسبت هذه الرؤيةأهمية كبيرة في السياسة الدولية في العشرين سنة الأخيرة

كانت الأولوية الأهم لتركيا في التسعينات هي السعي من أجل اعتراف المجتمع الدولي بالجمهوريات التركية الشابة المستقلة حديثاً. بعد ذلك قامت تركيا بالعديد من المجهودات في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية من أجل أبناء جلدتها من شعوب الدول التي تأسست حديثاً في وسط أسيا. في البداية قدمت تركيا مساعدات عينية، ثم مشروعات طويلة الأجل الى أن تحولت مع الوقت الى جهود تعاونية تنموية.فظهرت الحاجة الى منظمة تقوم بتنسيق وتطبيق أولويات السياسة الخارجية والأنشطة التي ستتم في المنطقة، فتم تأسيس وكالة التعاون والتسيق التركية (تيكا) عام  1992 لهذا الغرض. ومع ترسخ مفهوم السياسة الفاعلة في السياسة الخارجية التركية أصبحت (تيكا) أداة من أدوات تطبيق السياسة الخارجية التركية في العديد من الدول والمناطق وعلى رأسها الدول التي تشترك مع تركيا في القيم والثقافة

وقد تأسست تيكا بقرار من مجلس الوزراء التركي في الرابع والعشرين من يناير/كانون ثان عام 1992 إستجابة لحاجة الجمهوريات التركية عقب تفكك الاتحاد السوفيتي الى إعادة الهيكلة والتنمية، وأعلن قرار تأسيسها في الجريدة الرسمية بتاريخ 27 يناير 1992 برقم 21124 كمؤسسة تعاونية دولية تابعة لوزارة  الخارجية بموجب قانون رقم 480.

وفي 28 مايو/أيار عام 1999 أُلحقت تيكا مباشرة برئاسة الوزراء ونشر القانون رقم 4668 بخصوص بنية ومهام رئاسة التعاون والتنمية التركية،حيز التنفيذ بعد نشره  بالجريدة الرسمية برقم 24400 في 12 مايو 2001، مؤسسة ذات شخصية اعتبارية مسؤولة أمام رئاسة الوزراء.

ومنذ عام 2002 وحتى اليوم زادت تيكا من تأثيرها وانتشارها بحملات المساعدات التنموية التي نفذتها بالخارج مع ارتفاع مستوى التقدم في تركيا والانفتاحات التي قامت بها الحكومة في سياستها الخارجية.

ويمكن أن نوجز أهداف تيكا في تلك الفترة بأنها مساعدة الجمهوريات التركية في إنتاج بنيتها الإجتماعية بنفسها، وإنشاء هويتها الخاصة بشكل سليم، وتطوير الحقوق الثقافية والسياسية، وإتمام النقص في أمور البنية التحتية الفنية. ونفذت تيكا العديد من المشروعات في الفعاليات في مجالات التعليم، والصحة، والترميم، والزراعة، والتنمية، والمالية، والسياحة، والصناعة. وافتُتح أو مكتب برنامج تنسيق لتيكا في تركمانستان، ووصل هذا العدد في الفترات اللاحفة الى 6 مكاتب في منطقة أوراسيا. فوصلت يد الصداقة والأخوة والتعاون التركية الى الدول الشقيقة.

بمرور الزمن اختلفت ماهية المشروعات التي تنفذها تيكا في الجمهوريات التركية التي كانت آخذة في النمو والتطورآنذاك. فحتى عام 1995 كانت تيكا تقوم بتنفيذ مشروعاتها في الدول الشقيقة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومنذ ذلك الوقت بدأت تيكا تركز أكثر على المشروعات التعاونية في المجال التعليمي والثقافي. فنحن نعرف أن بداية أي تنمية لدولة ما مرتبط بتمتعها بموارد بشرية مؤهلة. فأي أمة تمتلك نظاماً تعليمياً جيداً وتتابع العلم والتكنولوجيا، يمكن تحقيق التنميةالمستدامة بها.لهذا السبب قامت تركيا بتسريع أنشطتها التعليمية في الجمهوريات التركية بعد عام 1995. فقامت بإنشاء المدارس، والمكتبات، والمعامل. كما دعمت الجامعات بكل الوسائل الفنية والتقنية.

مع بداية العام 2000 بدأت مرحلة العولمة وشعر بتأثيرها العديد من الدول من الشرق الى الغرب. وبالتوازي مع التسارع في حركة التنمية في الدول الناطقة بالتركية في تلك الفترة، تحولت مشاريع تيكا بالمنطقة الى مشاريع لرفع الكفاءة المؤسساتية بتلك الدول. ولازالت المشروعات التي تنفذها تيكا وتركيا في الجمهوريات التركية متواصلة بكل الفخر النابع من اشتراك تلك الدول مع تركيا في الموروث التاريخي والثقافي.

في هذه الأيام  زاد ثراء وقوة عدد من الجمهوريات التركية، وتحولت من دول تحتاج الى المساعدة الى دول تقدم المساعدات لغيرها. وتعمل تيكا من أجل تطوير المشروعات المشتركة، وتبادل الخبرات.

اعتباراً من بدايات الألفينات مر مفهوم السياسة الخارجية التركية بتغيرات مهمة كنتيجة لسعي تركيا لأن تصبح عنصراً فاعلاً في المنطقة والعالم. وفي ضوء تلك التغيرات وسَعت تيكا من نطاق منطقة مساعداتها.فوصل عدد مكاتب برامج التنسيق الخاصة بها من 12في عام 2002 الى 25 مكتباً عام 2011، ثم ارتفع هذا العدد الى 33 بحلول عام 2012.

واليوم تقوم وكالة التعاون والتنسيق التركية “تيكا” بمواصلة أنشطتها عبر 39 مكتب برنامج تنسيق في 38 دولة شريكة في التنمية. ويوماً بعد يوم يزداد عدد الدول التي تساعدها تركيا بناءاً على مفهوم سياستها الخارجية الفاعلة والمعتمدة على المبادئ. وتهدف المساعدات التي تقدمها تركيا بواسطة تيكا الى الدول الشقيقة والصديقة الى تأسيس منطقة تنعم بالسلام والرخاء.

تقوم تيكا بتسيير آلية التعاون بين مؤسسات القطاع العام، والجامعات، ومؤسسات المجتمع المدني، والقطاع الخاص. و تقوم بجمع كل هذه العناصر حول القواسم المشتركة فيما بينها. كما تقوم بتسجيل المساعدات التنموية التي تقدمها تركيا.

رفعت تركيا من حجم مساعداتها التنموية من 85 مليون دولار أمريكي عام 2002 الى مليار و273 مليون دولار عام 2011. كما تحتل تيكا اليوم مكاناً بين المؤسسات الأكثر قياماً بالتعاون التقني مع الدول الناطقة بالتركية.

تواصل تيكا اليوم القيام بأنشطتها التعاونية التي تهدف الى تحقيق التنمية في حوالي 100 دولة مختلفة حول العالم بما فيها الدول اتي تتواجد بها مكاتب تيكا. وتقوم تركيا الآن بواسطة تيكا بتبادل المعلومات والخبرات مع العديد من الدول حول العالم من المحيط الهادي الى اسيا الوسطى، ومن افريقيا والشرق الأوسط الى البلقان، ومن القفقاس الى أمريكا اللاتينية(41).

2- مؤسسة الإغاثة الإنسانية التركية (IHH)

مؤسسة الإغاثة الإنسانية التركية، هي جمعية خيرية تركية تعمل في 120 دولة، تأسست عام 1992 بغرض مساعدة المسلمين في البوسنة، وقامت بأعمال إغاثة في أماكن مختلفة من العالم، تقوم على تحقيق عدد من الأهداف الأساسية، منها: تقديم المساعدات الإنسانية وتوفير حياة كريمة لكل المحتاجين والمظلومين في مختلف مناطق العالم، والتصدي لكل ممارسة سياسية تنتهك حقوق الإنسان، واتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لإرساء المبادئ الأساسية في سبيل حماية هذه الحقوق، والسعي لتثبيت القيم الإنسانية العميقة في هذا العالم المتغير، لتوفير حياة كريمة للجميع.

والقضاء على الآثار السلبية للحروب والكوارث الطبيعية ومساعدة المجتمعات والأفراد المتضررين والمنكوبين ليستطيعوا استعادة الاعتماد على أنفسهم واستئناف حياتهم الطبيعية من جديد، وإقامة جسر تعاون بين البلاد ومنظمات العالم لتعزيز الوعي الجماعي بأهمية تطوير العمل و آلياته في مجال المساعدات الإنسانية، وتعزيز قوة الأفراد و المجتمع المدني من أجل تنمية القدرة على بناء نسيج بشري قادر على مواجهة مخلفات الحروب و الكوارث الطبيعية والحد من وآثارها السلبية، والوصول إلى مناطق الأزمات في أسرع وقت ممكن لتقليل الخسائر البشرية قدر المستطاع، والقيام بمشاريع دائمة لإيجاد حلول طويلة المدى للأزمات، والقضاء على الفقر والمساهمة في توفير العدالة الاجتماعية .

والهيئةعضو مستشار في المجلس الاقتصادي والاجتماعي لمنظمة الأمم المتحدة، وعضو في منتدى حقوق الإنسان في منظمة المؤتمر الإسلامي، وعضو بالمنتدى الإنساني، وعضو في مجلس المنظمات الدولية التي تقدم معونات للعراق، وعضو في الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات غير الحكومية، وعضو في مؤسسة متطوعي تركيا، وعضو مستشار في منظمة التعاون الإسلامي.

وقد حصلت الهيئة على عدد من الجوائز، منها: ميدالية المديرية العامة للهلال الاحمر التركي تحت اسم الإنسانية في السلام والحرب 2012، وجائزة حقوق الإنسان المقدمة من المجلس الدولي للشباب والثقافة 2010، وجائزة ” الخدمة المتميزة ” المقدمة من البرلمان التركي. 2007، وجائزة “أفضل مشروع” مقدمة من المديرية العامة للهيئات والأوقاف الخيرية عن مشروع إنشاء دار آشيان للأيتام في الباكستان 2006، وجائزة ” أفضل مشروع ” مقدمة من المديرية العامة للهيئات والأوقاف الخيرية عن مشروع إنشاء معهد التعليم النسائي في الصومال 2006، وجائزة ” أفضل مشروع ” مقدمة من المديرية العامة للهيئات والأوقاف الخيرية عن مشروع إنشاء مستشفى متنقل في العراق 2006، وجائزة ” أفضل استخدام للموارد ” مقدمة من المديرية العامة للهيئات والأوقاف الخيرية(42).

3ـ حركة الخدمة أو “جماعة كولن”:

ولد فتح الله كولن عام 1941 في منطقة أرضروم لعائلة صوفية متدينة، ورغم أنه لم يكن في شبابه من طلبة الشيخ سعيد النورسي الذين كانوا يسمون “الحلقة الصلبة”، إلا أنه تأثر بكتابات الأخير وسيرته الشخصية. وفي النصف الثاني من القرن الماضي كان كولن من الرواد الذين كونوا الجيل الثاني من الحركة النورسية بعد تفرقها، منشئاً ما سمي لاحقاً بحركة “الخدمة” أو “جماعة كولن” التي تعتبر أحد أهم وأقوى فرق الجماعة الأم. وبزغ نجم كولن في تركيا بعد انقلاب عام 1980 الذي أيده ومدح قياداته العسكرية، بينما وجدت فيه القوى الحاكمة بديلاً للإسلام السياسي، لكن شهر العسل لم يدم فتمت ملاحقته لست سنوات بتهمة تهديد النظام العلماني ومحاولة إقامة نظام إسلامي، فترك تركيا عام 1999 واستقر في ولاية بنسلفانيا الأمريكية منذ ذلك الوقت.

وحركة الخدمة هي جماعة صوفية، تنهل من معين تيار له جذوره في الأناضول، بدءاً من جلال الدين الرومي مروراً بأحمد يسوي وليس انتهاء بيونس امرة، وتتشكل من طلبة وأتباع فتح الله كولن وتتبنى أفكاره التي تميزها عن غيرها من الجماعات الصوفية، وبالضرورة عن جماعات الإسلام السياسي، ويبشر كولن وجماعته بالدعوة إلى “إسلام قومي” يرى في الجنس التركي تفوقاً على الأجناس الأخرى في “فهم وتطبيق الدين، ونشر روح التسامح والأفكار الصوفية”، خصوصاً الحركات الإسلامية في العالم العربي، التي يرى أنها “تنفـّر من الدين”، وترى الحركة أن مشاكل المنطقة تتلخص في “الجهل والفرقة والفقر” ولذلك فقد وجهت معظم أنشطتها نحو العلم والثقافة، مستهدفة الفئة المتعلمة المثقفة من الشعب، وخاصة قطاع الطلاب. كانت القفزة الكبيرة في نشاط الجماعة بعد انقلاب عام 1980، حيث استفادت من دعم الدولة ومن مساحات الحرية المتاحة، لتبدأ رحلتها مع إنشاء المدارس خارج تركيا، مروراً بتكوين وقف الصحافيين والكتاب الأتراك ليصبح الجهة الممثلة للجماعة بشكل شبه رسمي.

أما اليوم فتدير الحركة أكثر من 500 مدرسة في حوالي 92 بلداً، وتملك مجموعة من القنوات التلفزيونية والصحف ومحطة إذاعية، ومؤسسة إغاثية، إضافة إلى آلاف معاهد التقوية ومساكن الطلبة، بينما يتجمع رجال الأعمال الذين يدورون في فلكها في جمعية “توسكون” والتي يمكن اعتبارها الذراع المالي لها(43).

تعتبر علاقة حركة الخدمة مع الغرب ركناً رئيساً في فهم مرتكزاتها الفكرية وتوجهاتها السياسية ورؤيتها لمستقبل تركيا، حيث يبدو الملف استيراتيجياً بالنسبة لها. تنبع هذه الرؤية من اقتناع الجماعة أن الغرب هو الذي يقود العالم اليوم، مما يحتم على كل من أراد أن يتواجد على الساحة العالمية التصالح والتنسيق معه لا مصادمته. من هنا فقد دعمت دائماً ملف انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، ولم يتحرج كولن من أن يعلن عام 1999 في برنامج تلفزيوني شهير أنه قال لأحد السياسيين الأوروبيين لدى رفضهم انضمام تركيا للاتحاد في حينها: “لقد تركتمونا كالأيتام”.

وتبلورت هذه الأفكار التأسيسية في مشروع “حوار الأديان” الذي أطلقه غولن عبر لقاءاته مع القساوسة ثم بابا الفاتيكان، ليكون بوتقة تجمع أتباع الشرائع السماوية الثلاثة ثم لاحقاً أتباع الشرائع الأخرى (الهندوس والسيخ والبوذيين) ترسيخاً لمبدأ قبول وفهم الآخر والتعاون معه.

في عام 2006 ذكر تقرير إخباري لتلفزيون BBC تبرع حركة كولن لمدرسة تبشيرية بملياري دولار أمريكي. وفي عام 2008 انتهت كل القضايا المرفوعة ضد كولن، وتوج ذلك بدعوة اردوغان وغول بشكل رسمي كولن للعودة من منفاه الاختياري، لكنه رفض الدعوتين وفض المكوث في الولايات المتحدة الأمريكية متعللاً بأن عودته “قد تسبب حرجاً أو أذى لأتباعه”. أدت مواقف وسياسات كهذه إلى طرح علامات استفهام عند الإسلاميين من داخل وخارج الجماعة حول الهدف الأساسي لمشروع الحوار مع الغرب، ودفعت نورالدين فاران، أحد مؤسسي الحركة، إلى اعتباره “الخطوة الأولى على طريق تنصير المسلمين.

وفي ظلال هذه الرؤية، تجنبت “الخدمة” عبر تاريخها الطويل انتقاد “إسرائيل” حتى في أقسى المراحل وأبشع المجازر، معتبرة أن ذلك يوطد علاقاتها مع الدول الغربية. لكن هذا الموقف المتحفظ تطور ليتجسد موقفاً منتقداً لسفينة “مافي مرمرة” التي اعترضتها قوات الاحتلال العسكرية في عرض المياه الدولية وقتلت 9 مواطنين أتراك. هاجمت وسائل إعلام الجماعة السفينة ومنظمي رحلتها التي ادعت أنها “لا تعرفهم”، في حين حملهم كولن المسؤولية في حوار له مع صحيفة وول ستريت جورنال لأنهم “لم يأخذوا الإذن من إسرائيل، إذ التحرك من دون إذن السلطة تمرد.

ولا يخفي كولن، في إطار الانتصار لمصطلح “إسلام الأناضول”، خلافه مع “تناقضات” حركات حماس والجهاد الإسلامي والإخوان المسلمين التي يراها “حركات هامشية لا تحتاجها الحركة الدينية القومية في الأناضول، لكن الجماعة لم تهمل التواصل مع العالم العربي من باب إعطاء النموذج والإفادة بالتجربة. فقد حرصت على ترجمة أفضل كتب كولن للعربية، واستضافة النخب العربية لإطلاعها على تجربتها خاصة نجاحها الباهر في العمل المؤسسي (الإعلامي والإغاثي والتعليمي)، ثم افتتاح مدارس في عدد من الدول العربية، وصولاً إلى مؤتمر “مستقبل الإصلاح في العالم الإسلامي .. خبرات مقارنة مع حركة فتح الله كولن التركية” في القاهرة عام 2009 برعاية جامعة الدول العربية(44).

4ـ مجلس الأعمال التركي الدولي:

تواصل تركيا إجراء الدراسات الفعالة على المستوى الداخلي والخارجي للبلد، من أجل الوصول لأهداف2023، ومن خلال الفعاليات المنظمة في منصة تواصل مجلس الأعمال التركي الدولي، ويهدف مجلس الأعمال التركي الدولي إلى تقوية اللوبي التركي من خلال لقاء يجمع المهنيين ورجال الأعمال الأتراك المقيمين في الخارج. كما يلتقي مقاولو المهجر من 6 قارات في مجلس الأعمال التركي الدولي المنضوي تحت سقف مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التابع لوزارة الاقتصاد التركي، كما أن المجلس كثف أعماله للمساهمة في الاقتصاد الوطني، في أفق الدخول للائحة أفضل 10 دول اقتصادية في العالم، مع احتفال الجمهورية التركية بمرور 100 سنة على تأسيسها(45).

ويطلق مصطلح “الأتراك المجانين” على الاقتصاديين الأتراك الذين يمثّلون بلدهم في الخارج، حيث يصل عددهم إلى 6 مليون شخص، ويعمل “مجلس الأعمال التركي الدولي” على تقوية روابط التواصل بينهم، ويضم مجلس الأعمال التركي الدولي” يضم حوالي ألفين و500 عضو يتوزّعون على 92 دولة، ويتمثل هدف المجلس في تقوية “اللوبي التركي” الاقتصادي الذي يقدّر بـ6 ملايين رجل أعمال يتوزعون حول العالم. حيث تحرص أنقرة على جمع رجال الأعمال الأتراك، تحت مظلة “مجلس الأعمال التركي الدولي” المنبثق عن “مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية” التابع لوزارة الاقتصاد(46).

رابعاً: دوائر السياسة الخارجية التركية:

تتبع تركيا سياسة خارجية ديناميكية وذات رؤى لضمان سير المستجدات في منطقتها التي يلمس فيها المتغيرات العالمية بشكل أكبر، في مجراها الإيجابي. وفي هذا الإطار، يعتبر اتباع سياسة خارجية بناءة وحكيمة واستباقية وواقعية ومسؤولة ومتعددة الأبعاد، من أهم الوسائل التي من شأنها أن تمكّن تركيا من الوصول إلى أهدافها على الصعيدين الوطني والعالمي.

وفي نتيجة هذه المقاربة والجهود التي بذلتها، أصبحت تركيا التي تهدف إلى إرساء السلام والازدهار في منطقتها، دولة رائدة بإمكانياتها وقدراتها المتزايدة باستمرار، ومصدرا للأمن والاستقرار، وتبذل مساع صادقة لتأسيس نظام يفتح المسار أمام الازدهار والتنمية البشرية والاستقرار الدائم.

وتبوأت تركيا مكانتها هذه نتيجة موقفها المبدئي المستند على الشرعية ومراقبة التوازنات واعتقادها الراسخ بأن ضمان أمنها واستقرارها مرتبط بالأمن والاستقرار في منطقتها. ولدى تدقيق تفاصيل موقفها هذا نجد جهودا مكثفة ومبادرات رائدة هامة تهدف إلى تأسيس مناخ يسوده الأمن والسلام والطمأنينة مع الدول المجاورة أو دول المنطقة والدول الأخرى على حد سواء.

وبفضل هذه السياسة الخارجية أصبحت تركيا دولة ضامنة لحقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون والعدالة الاجتماعية في منطقتها، وتعمل على تحقيق كل ذلك على نطاق أوسع. إن نجاح تركيا في هذه السياسة يعود إلى كونها دولة ديمقراطية عريقة ذات مزايا جغرافية وتاريخية ولكون سكانها من الشباب المثقف والمتعلم وبسبب امتلاكها اقتصادا ديناميكيا. كما أن مجالات اهتمام السياسة الخارجية التركية التي تم البدء بتطبيقها بعد حشد العناصر المكملة لها مثل السياسة والاقتصاد والثقافة، هي النطاق العالمي. كما تهتم بالكثير من المواضيع التي تعتبر كل واحدة منها في غاية الأهمية.

وفي هذا السياق، تحافظ تركيا على جهودها الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر من أهم مراحل الجهود التي تبذل من أجل الوصول إلى مستوى الحضارة المعاصرة التي انطلقت منذ مائتي عام وتعززت بإعلان الجمهورية، وتولي أهمية كبيرة على مواصلة روح التحالف إدراكا منها بالخدمات الكبيرة التي يقدمها حلف شمال الأطلسي المستمر في التوسع للسلم العالمي.

ومن جهة أخرى، وفي إطار الأهمية الكبيرة التي توليها تركيا لعلاقاتها عبر القارات، تعمل على تعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، وتقيم علاقات وثيقة مع كل واحدة منها، أضف إلى ذلك دول البلقان والشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب القوقاز وجنوب آسيا إلى جانب دول وسط آسيا التي ترتبط بها بأواصر تاريخية وثقافية. كما أن العولمة لها دور كبير في تقارب المسافات في يومنا هذا، ومن هنا بدأت تركيا بالانفتاح على الدول الأفريقية الواقعة في جنوب الصحراء وأمريكا اللاتينية والباسيفيك، وبدأت تقيم علاقات وثيقة مبنية على التعاون الملموس مع هذه الدول التي تتمتع بطاقات متصاعدة.

وفي الوقت الذي تطور فيه تركيا علاقاتها الثنائية والإقليمية، تستهدف استغلال الزخم المتولد عن هذه العلاقات المتطورة في تأمين السلام والأمن والاستقرار العالمي.

وإدراكا منها بأن المسائل العالمية لن تحل إلا عبر التعاون العالمي، تنتهج تركيا سياسة فعالة ضمن منظمة الأمم المتحدة التي تعتبر المنبر العالمي الوحيد لتحقيق التعاون العالمي المبني على المشروعية الثابتة والمشاركة الواسعة النطاق. ومن هذا المنطلق فقد رشحت تركيا نفسها لعضوية مجلس الأمن للفترة 2015-2016، لمواصلة مهامها ومسؤولياتها الحضارية الملقاة على عاتقها والتي باشرتها أثناء عضويتها في مجلس الأمن للفترة 2009-2010.

ومن جهة أخرى وإدراكا منها بالعلاقة المباشرة بين الأمن والتنمية، تولت تركيا دورا فعالا في سياسة التنمية العالمية، حيث استضافت في الفترة 9-13 مايو/أيار 2011 مؤتمر الأمم المتحدة للدول الأقل نموا في مدينة إسطنبول، والذي يتم تنظيمه كل عشر أعوام، وساهمت في خطة العمل المتبناة في المؤتمر.

وتعمل على تطوير الحوار السياسي مع جميع الدول، وتبحث دائما عن إمكانيات جديدة للتعاون في المجال التجاري والاقتصادي، وتزيد من مساعداتها الخارجية للدول التي هي في طور النمو. وبما أن تركيا أصبحت مركزا ومعبرا هاما في مجال الطاقة فإنها تقوم بأنشطة فعالة في محافل مثل مجموعة العشرين G-20 التي أوجدت مسارا جديدا للبحث عن نظام إداري عالمي جديد، وتلعب دورا حيويا في كافة المساعي المبذولة لتقوية القيم المشتركة والفهم المتبادل بين الأنظمة الدينية والاجتماعية المختلفة ضمن إطار تحالف الحضارات (47).

وفي إطار هذه الاعتبارات تتحرك السياسة الخارجية التركية، بحكم الجغرافيا السياسية والمكانة الاستراتيجية في عدد من الدوائر الأساسية، يمكن تناولها على النحو التالي:

1ـ الشرق الأوسط وشمال أفريقيا:

تهتم تركيا بالمستجدات في الشرق الأوسط سواء بسبب الروابط التاريخية والثقافية والاجتماعية التي تمتلكها مع شعوب المنطقة أو بسبب تأثرها المباشر أو غير المباشر من هذه المستجدات.

وتعتمد الرؤية التركية حيال المنطقة على إحلال السلام والاستقرار والأمن الدائم والتنمية الاقتصادية المستدامة. ويعتبر إحلال الأمن والاستقرار شرطا لا بد من تحقيقه من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية والازدهار. ولهذا السبب تبذل تركيا جهودا من أجل حل المشاكل الموجودة في المنطقة عن طريق الحوار، وخلق الترابط الاقتصادي المتبادل بين دول المنطقة، وتعزيز العلاقات في المجال الثقافي والاجتماعي.

وتعمل تركيا في هذا الإطار على تعزيز تعاونها وعلاقاتها مع دول الشرق الأوسط على أسس هيكلية سواء على الصعيد الثنائي أو على صعيد المنابر المتعددة الأطراف. ويعتبر منتدى التعاون التركي العربي والحوار الاستراتيجي عالي المستوى بين تركيا ومجلس التعاون الخليجي في مقدمة المنابر المتعددة الأطراف.

كما أن تركيا طورت علاقاتها مع الدول العربية تحت مظلة جامعة الدول العربية أيضا، حيث وقعت في هذا الإطار مذكرة تفاهم مع جامعة الدول العربية في عام 2004. كما أن جامعة الدول العربية اتخذت قرارا في الاجتماع الذي عقدته على مستوى وزراء الخارجية في عام 2006، أشارت بموجبه إلى ضرورة تعزيز التعاون بين تركيا والدول العربية عن طريق “منتدى التعاون التركي العربي” الذي كان من المقرر إنشاؤه في ذلك الوقت. كما أن موافقة الدول العربية في ذلك الاجتماع وبالإجماع على دعم ترشح تركيا لعضوية مجلس الأمن الدولي غير الدائمة للفترة 2009-2010 حددت بشكل قاطع وجهة العلاقات التركية العربية(48).

2ـ الدائرة الأوربية:

تركيا وبصفتها إحدى أفراد العائلة الأوربية، لم تؤثر فقط بالتطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي شهدتها القارة الأوربية، بل تأثرت هي أيضا بها. ولا يمكن إجراء تقييم كلي لأوربا ما لم يتم تحليل الدور الذي تلعبه تركيا في هذه القارة. وكما حصل في الماضي فقد تداخل في الحاضر أيضا مصير كل من تركيا ودول القارة. حيث أن هذه الدول تنظر إلى المستقبل من نفس المنظور. وفي هذا الإطار يعتبر هدف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي خيارا استراتيجيا بالنسبة لها.

(أ) تركيا والاتحاد الأوربي:

سيساهم انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي بتوسعة السوق الداخلية الأوربية وسيعزز القدرة التنافسية النسبية للاتحاد الأوربي في الاقتصاد العالمي. وستشكل تركيا مكسبا حقيقيا للاتحاد الأوربي بحكم موقعها الجيوستراتيجي وامتلاكها طاقات اقتصادية كبيرة وشعبا مثقفا وديناميكيا، واتباعها سياسة خارجية متعددة الأبعاد والرؤى. ولن تشكل عضوية تركيا في الاتحاد الأوربي عبئا عليه، بل على العكس ستكسبه قيمة مضافة. وتحقيق التقدم في هذه العلاقة في إطار الوصول إلى الهدف النهائي، ألا وهو الانضمام إلى الاتحاد الأوربي، يتمتع بأهمية استراتيجية بالنسبة لتركيا والاتحاد على حد سواء.

ـ اتفاقية أنقرة والبروتوكول الإضافي:

بدأت العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوربي في إطار نظام الشراكة الذي كان أساساً لاتفاقية أنقرة التي وقعت بين تركيا والتجمع الاقتصادي الأوربي بتاريخ 12 أيلول/سبتمبر 1963 ودخلت حيز التنفيذ بتاريخ 1 كانون الأول/ديسمبر 1964. وقد تضمنت اتفاقية أنقرة ثلاثة مراحل يجب أن تمر بها تركيا لتحقيق تكاملها مع الاتحاد الأوربي وهي المرحلة التحضيرية والمرحلة الانتقالية والمرحلة النهائية. وكان مقررا أن يتم استكمال الاتحاد الجمركي في نهاية المرحلة الانتقالية. وبنهاية المرحلة التحضيرية التي تضمنتها الاتفاقية تم بتاريخ 13 تشرين الثاني/نوفمبر 1970 يتم التوقيع على البروتوكول الإضافي الذي حدد أحكام المرحلة الانتقالية والالتزامات التي ستقع على عاتق الأطراف، حيث دخل هذا البروتوكول حيز التنفيذ في عام 1973. وقد أوضحت اتفاقية أنقرة في نفس الوقت وبكل صراحة، أن نظام الشراكة الذي أسسته ما هو إلا عنصر من شأنه أن يسهل عملية انضمام تركيا إلى الاتحاد.

– الاتحاد الجمركي:

في نهاية المرحلة الانتقالية دخل الاتحاد الجمركي الذي يشكل أهم مرحلة من مراحل تكامل تركيا مع الاتحاد الأوربي، حيز التنفيذ بتاريخ 1 كانون الثاني/يناير 1996. وبعد دخول هذا الاتحاد حيز التنفيذ وصل التكامل بين الأطراف إلى مستويات متقدمة، مما حدا بتركيا إلى بذل الجهود لتحقيق الهدف الذي حددته المادة 28 من اتفاقية أنقرة، ألا وهو نيل عضوية الاتحاد. ومازال الاتحاد الجمركي يشكل البعد الرئيسي للعلاقات بين تركيا والاتحاد الأوربي. وفي الوقت الحالي يمثل مجلس الشراكة ولجنة الشراكة ولجنة التعاون الجمركي واللجنة المشتركة للتعاون الجمركي، الأجهزة الرئيسية لنظام الشراكة القائم حاليا.

ومن جهة ثانية، ازدادت وتيرة عقد اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية على الصعيد العالمي في السنوات الأخيرة، وتعمقت وتوسعت بشكل شملت فيه كافة أبعاد التجارة. وتدخل اتفاقيات التجارة الحرة التي وقعها الاتحاد الأوربي في الآونة الأخيرة مع بعض الدول مثل كوريا الجنوبية وكندا وسنغافورة، ضمن هذا النطاق.

وفي المرحلة الراهنة، يبرز تعزيز العلاقات التجارية بين تركيا والاتحاد الأوربي كضرورة لا بد منها. وإذا ما نظرنا إلى التجارب التي اكتسبتها تركيا من الاتحاد الجمركي القائم، وإلى النتائج الإيجابية لعملية مواءمة التشريعات التي نفذتها لغاية اليوم بصفتها دولة مرشحة لنيل العضوية الكاملة، فإن تطوير وتعزيز العلاقات التجارية سيجعل كلا من تركيا والاتحاد الأوربي من أهم الشركاء التجاريين لبعضهما البعض. ومن المتوقع أن مثل هذا التطور الذي سيحقق المنفعة الاقتصادية المتبادلة لكل من الطرفين، سيساهم في تسريع عملية انضمام تركيا إلى الاتحاد.

وانطلاقا من هذه الفكرة، مازالت المباحثات مستمرة بين تركيا والمفوضية الأوربية لتحديد الطريقة التي يجب اتباعها استنادا إلى قاعدة المنفعة المتبادلة من أجل تحديث الاتحاد الجمركي والعلاقات التجارية.

ـ قمة هلسنكي وتسجيل طلب ترشح تركيا لنيل العضوية:

بدأ عهد جديد في العلاقات التركية الأوربية بتسجيل طلب ترشح تركيا لنيل العضوية خلال قمة رؤساء الدول والحكومات في الاتحاد الأوربي والتي انعقدت في هلسنكي يومي 10-11 كانون الأول/ديسمبر 1999. وقد أكدت قمة الاتحاد الأوربي التي عقدت في بروكسل بتاريخ 17 كانون الأول/ ديسمبر 2004 التي شارك فيها رؤساء الدول والحكومات في الاتحاد الأوربي على القرار الذي اتخذته قمة هلسنكي في عام 1999، وأوضحت أن تركيا حققت ما يكفي من المعايير السياسية، وقررت إطلاق مفاوضات الانضمام مع تركيا بتاريخ 3 تشرين الأول/أكتوبر 2005. وقد بدأت مفاوضات الانضمام بالفعل، وفي عملية المفاوضات فتحت 13 باباً للتفاوض (“4- التنقل الحر لرؤوس الأموال” و”6- قانون الشركات” و”7- قانون الملكية الفكرية” و”10- مجتمع المعلومات والإعلام” و”12- الأمن الغذائي والصحة الحيوانية والنباتية” و”16- فرض الضرائب” و”18- الإحصائيات” و”20- سياسة الإدارة والصناعة” و”21- شبكات عبر أوربا” و”25- العلوم والأبحاث” و”27- البيئة” و”28- حماية المستهلك والصحة” و”32- التحكم المالي”). وتم إغلاق أحد الأبواب مؤقتاً (25- العلوم والأبحاث).

كما تم التوقيع على البروتوكول الإضافي الذي وسّع نطاق اتفاقية أنقرة ليشمل الأعضاء الجدد الذين انضموا إلى الاتحاد الأوربي في عام 2004، وذلك بتاريخ 29 تموز/يوليو 2005 عن طريق تبادل الرسائل بين تركيا والرئاسة الدورية للاتحاد الأوربي والمفوضية الأوربية. وقد أصدرت تركيا إعلانا تضمن رسالة تركيا وتوقيعها عليها والذي يعتبر من الناحية القانونية وحدة متكاملة غير قابلة للتجزئة، وعبرت فيه بشكل صريح بأن توقيعها على البروتوكول الإضافي لا يعتبر بأي شكل من الأشكال اعترافا بإدارة قبرص الجنوبية اليونانية.

وبداعي أن تركيا لم تف بشكل تام بالتزاماتها النابعة من البروتوكول الإضافي الملحق باتفاقية أنقرة (يقصد هنا الموقف التركي تجاه إدارة قبرص الجنوبية اليونانية) اتخذ المجلس الأوربي قرارا في شهر كانون الأول/ديسمبر 2006 أوقفت بموجبه فتح 8 أبواب أمام المفاوضات (“1- التجوال الحر للبضائع”، “3- حرية إقامة الأعمال وتقديم الخدمات”، “9- الخدمات المالية”، “11- التنمية الزراعية والريفية”، “13- صيد الأسماك”، “14- سياسة النقل”، “29- الاتحاد الجمركي”، “30- العلاقات الخارجية”)، وجمدت بشكل مؤقت أبوابا أخرى كانت مفتوحة للتفاوض.

ومن جهة أخرى أعلنت فرنسا في عام 2007 بأنها لن تسمح بفتح 5 أبواب أمام المفاوضات (“11- التنمية الزراعية والريفية”، “17- السياسة الاقتصادية والنقدية”، “22- السياسة الإقليمية وتنسيق أدوات الهيكلة”، “33- أحكام تتعلق بالأمور المالية والموازنة”، “34- المؤسسات”) بحجة أن هذه الأبواب متعلقة مباشرة بموضوع الانضمام (يعتبر الباب الذي أعلنت فرنسا عن تجميده “11- التنمية الزراعية والريفية” أحد الأبواب الثمانية التي تم تجميدها بسبب البروتوكول الإضافي). ومؤخرا ألغت فرنسا معارضتها للباب الثاني والعشرين في شهر شباط/فبراير 2013، وتم افتتاح هذا الباب أمام المفاوضات خلال المؤتمر الحكومي الذي عقد في بروكسل بتاريخ 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2013. وقال الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند خلال زيارته لتركيا يومي 27-28 كانون الأول/ديسمبر 2014 أن فرنسا لن تكون الدولة التي تعرقل عملية المفاوضات.

وبعد انعقاد اجتماع مجلس الاتحاد الأوربي في شهر كانون الأول/ديسمبر 2009 أصدرت السلطات القبرصية الجنوبية اليونانية بيانا من جانب واحد أعلنت فيه أنها ستعرقل افتتاح 6 الأبواب التالية أمام التفاوض: (“2- التنقل الحر للعمال”، “15- الطاقة”، “23- القضاء والحقوق الأساسية”، “24- العدالة والحرية والأمن”، “26- التعليم والثقافة”، “31- سياسات الأمن والدفاع الخارجية”).

وكان الاتحاد الأوربي قد تعهد بإجراء المفاوضات المتعلقة بالأبواب استنادا لما تم تحقيقه سابقا من مكاسب في هذه الأبواب. وقد تم التأكيد، سواء أثناء الاتصالات التي جرت مع مؤسسات الاتحاد الأوربي أو أثناء اللقاءات التي جرت مع ممثلي الدول الأعضاء، على ضرورة عدم إبطاء عملية المفاوضات ذات الطابع الفني انطلاقا من دوافع سياسية. ومن جهة أخرى، تتم مواصلة الجهود الرامية إلى إحياء مفاوضات الانضمام.

وتهدف “الاستراتيجية الجديدة لتركيا حيال الاتحاد الأوربي” إلى فتح قنوات جديدة بين تركيا والاتحاد الأوربي، وتسريع مسيرة الإصلاحات. وتتكون هذه الاستراتيجية التي شكلت استنادا إلى مبادئ الحزم والاستمرارية والفعالية، من ثلاث ركائز، هي “عملية الإصلاحات السياسية” و”التحول السياسي والاقتصادي في عملية المشاركة” و”استراتيجية التواصل مع الاتحاد الأوربي”.

ولزيادة دعم الرأي العام التركي والأوربي لعضوية تركيا في الاتحاد الأوربي تم في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2014 الإعلان عن استراتيجية التواصل مع الاتحاد الأوربي التي تهدف داخليا إلى تعزيز قناعة الشعب التركي بأن عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوربي هو مشروع عصري وديمقراطي، سيؤدي إلى رفع مستوى المعيشة في كافة المجالات، وإلى دعم مسيرة الإصلاحات. كما تهدف استراتيجية التواصل مع الاتحاد الأوربي خارجيا إلى ضمان التطابق بين الواقعة والإدراك لدى الرأي العام الأوربي فيما يخص تركيا، وإعادة تأسيس الثقة المتبادلة، وإبراز العزم والثقة بالنفس والإخلاص التركي في مسيرة الانضمام إلى الاتحاد.

واستنادا إلى هذه الاستراتيجية تم إعداد “خطة العمل الوطنية المتعلقة بالانضمام إلى الاتحاد الأوربي”. وتعتبر خطة العمل هذه بمثابة خارطة طريق تظهر الأولويات التركية فيما يتعلق بمواصلة وتعزيز الإصلاحات السياسية والتحول الاجتماعي والاقتصادي القائم، والخطوات الواجب اتخاذها. وتم بتاريخ 30 تشرين الأول/أكتوبر 2014 الإعلان عن المرحلة الأولى من خطة العمل التي تتضمن الأعمال التي سيتم تنفيذها في الفترة ما بين تشرين الثاني/نوفمبر 2014 – حزيران/يونيو 2015، كما تم بتاريخ 1 كانون الأول/ديسمبر 2014 الإعلان عن الأعمال التي سيتم تنفيذها في الفترة ما بين حزيران/يونيو 2015 – حزيران/يونيو 2019.

وتصدر مفوضية الاتحاد الأوربي سنويا في الخريف “تقرير التقدم” الذي تبين فيه رأيها بخصوص التطورات التي حصلت ضمن العام الفائت فيما يتعلق بالمواءمة التي تحققها تركيا للمكاسب التي جناها الاتحاد الأوربي، وذلك في إطار مفاوضات الانضمام التي تجريها تركيا مع الاتحاد، كما يتعلق هذا التقرير بالمسافة التي تم قطعها في هذا السبيل.

وإضافة إلى تقارير التقدم التي تعدها لجنة الاتحاد الأوربي سنويا والتي تتعلق كل واحدة منها بأحد الأعضاء والدول المرشحة لنيل العضوية، تنشر اللجنة أيضا “وثيقة التوسع الاستراتيجية” التي تبين فيها المواضيع المدرجة على جدول أعمال توسيع الاتحاد الأوربي. وكان آخر تقرير تقدم ووثيقة توسع استراتيجية خاصتين بتركيا قد نشرتا بتاريخ 8 تشرين الأول/أكتوبر 2014.

ـ جدول الأعمال الإيجابي:

اقترحت المفوضية الأوربية في وثيقة التوسع الاستراتيجية التي نشرتها بتاريخ 12 تشرين الأول/أكتوبر 2011 إعداد “جدول أعمال إيجابي” بين تركيا والاتحاد الأوربي. وقد بينت المفوضية الأوربية العناصر الأساسية لجدول الأعمال المذكور ورتبتها حسب التسلتسل الشامل التالي: “الحوار المكثف والتعاون في الإصلاحات السياسية” و” تأشيرات الدخول” و”التنقل والهجرة” و”الطاقة” و”مكافحة الإرهاب” و”المشاركة الأوسع لتركيا في برامج التجمع” و”توأمة المدن” و”الاتحاد التجاري والجمركي” و”دعم جهود المواءمة مع المكاسب التي حققها الاتحاد ومن ضمنها الأبواب التي لم يتم التمكن من افتتاحها أمام المفاوضات”. وقد رحبت تركيا بالاقتراح المذكور ترحيبا مشروطا بأن يعمل هذا الاقتراح كآلية داعمة ومكملة لعملية المفاوضات بين تركيا والاتحاد الأوربي.

وتم في إطار “جدول الأعمال الإيجابي” تشكيل مجموعات عمل لثمانية أبواب تفاوضية (“3- حرية إقامة الأعمال وتقديم الخدمات” و”6- قانون الشركات” و”10- مجتمع المعلومات والإعلام” و”18- الإحصائيات” و”23- القضاء والحقوق الأساسية” و”24- العدالة والحرية والأمن” و”28- الحفاظ على المستهلك وصحته” و”32- التحكم المالي”).

وقد عقد الاجتماع الأول لـ “جدول الأعمال الإيجابي” في أنقرة بتاريخ 17 أيار/مايو 2012 بمشاركة السيد ستيفان فوله المفوض الأوربي لشؤون التوسع وسياسة الجوار. وقد تم الإقرار في حصيلة الاجتماعات التي عقدتها مجموعات العمل بتحقيق تركيا لأربعة معايير نهائية في ثلاثة أبواب تفاوضية منفصلة.

ـ العلاقات بين تركيا والبرلمان الأوربي:

تولي تركيا أهمية لإقامة التعاون الوثيق مع برلمانات الدول الأعضاء في البرلمان الأوربي والاتحاد الأوربي. وقد ازدادت الاتصالات البرلمانية بين تركيا والاتحاد الأوربي بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة. ويتابع البرلمانيون الأتراك وبشكل منتظم اجتماعات الهيئة العامة التي يعقدها البرلمان الأوربي في كل من ستراسبورغ وبروكسل. وتتابع لجنة الشؤون الخارجية ولحنة المواءمة مع الاتحاد الأوربي في مجلس الأمة التركي، اتصالاتها المنتظمة مع نظرائها في برلمانات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي ومع اللجان المختصة في البرلمان الأوربي.

كما أن اللجنة البرلمانية المشتركة التي شكلها مجلس الأمة التركي والبرلمان الأوربي في عام 1965 كآلية برلمانية بين تركيا والاتحاد الأوربي، تشكل منبرا هاما ومفيدا لتبادل وجهات النظر المتعلقة بعملية الانضمام والمواضيع الأخرى ذات الصلة. وقد عقد الاجتماع السادس والسبعون للجنة البرلمانية المشتركة يومي 19-20 آذار/مارس 2015 في أنقرة.

ويصدر البرلمان الأوربي سنويا تقريرا يتعلق بتركيا ويستند إلى تقرير التقدم الذي تعده المفوضية الأوربية. وبتاريخ 12 آذار/مارس 2014 تمت الموافقة على آخر تقرير أعده البرلمان الأوربي بخصوص الأوضاع السائدة في تركيا. وتعتبر القرارات التي يتخذها البرلمان الأوربي وثائق مرجعية من شأنها أن تساهم في تقدم عمليات الانضمام والإصلاح بالقدر الذي تكون فيه عادلة ومتوازنة.

ـ العلاقات التجارية والاقتصادية:

تملك تركيا سادس أكبر اقتصاد في أوربا. وفي نفس الوقت تقيم تركيا مع الاتحاد الأوربي علاقات تجارية واقتصادية مكثفة. ويعتبر الاتحاد الأوربي أكبر الشركاء التجاريين والاستثماريين لتركيا. وتشكل تجارة تركيا مع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي نسبة 40% تقريبا من تجارتها الإجمالية. وارتفعت هذه النسبة في الأشهر الثلاث الأولى من عام 2015 إلى 42%. وبلغت نسبة الاستثمارات الأجنبية المباشرة لدول الاتحاد الأوربي في تركيا في الفترة كانون الثاني/يناير – تشرين الثاني/نوفمبر 2014، ما يقارب 64%.

وتقيم تركيا حوارا اقتصاديا رفيع المستوى مع الاتحاد الأوربي لتناول كافة أوجه العلاقات الاقتصادية بينهما. ونص البيان النهائي الصادر عن مجلس الشؤون العامة في الاتحاد الأوربي في الاجتماع الذي عقده بتاريخ 16 كانون الأول/ديسمبر 2014، على أنه سيكون من المفيد إقامة حوار اقتصادي منتظم بين تركيا والاتحاد الأوربي.

ويعتبر أمن الطاقة إحدى مجالات المصالح المشتركة بين تركيا والاتحاد الأوربي. وانطلق الحوار الرفيع المستوى بين تركيا والاتحاد الأوربي حول الطاقة خلال الزيارة التي أجراها السيد ماروس سيفكوفيتش مفوض الاتحاد الأوربي لشؤون الطاقة لتركيا يومي 16-17 آذار/مارس 2015.

ـ الحركات والبعثات الأوربية التي يمكن أن تشارك فيها تركيا:

تشارك تركيا في النشاطات الإنسانية والعسكرية التي ينفذها الاتحاد الأوربي. وهذه المشاركات التركية لا تتعلق بعضوية الاتحاد الأوربي فقط، بل هي إحدى عناصر السياسة الخارجية المتعددة الجوانب التي تتبعها والتي تدعم السلام والاستقرار على الصعيدين الإقليمي والدولي. والعمليات والبعثات الأوربية التي تشارك فيها تركيا حاليا هي عملية EUFOR-ALTHEA في البوسنة والهرسك، وبعثة EULEX في كوسوفو وبعثة EUPOL COPPS في فلسطين. وشاركت تركيا لغاية اليوم في 9 عمليات وبعثات نفذته الاتحاد الأوربي (49).

(ب) الاتحاد من أجل المتوسط:

تم إطلاق عملية أوربا-المتوسط (عملية برشلونة) في عام 1995 بغية تكوين إطار تعاون مؤسساتي دائم بين الاتحاد الأوربي ودول البحر الأبيض المتوسط من غير الأعضاء في الاتحاد الأوربي. وخلال قمة رؤساء الدول والحكومات الأوربية والمتوسطية التي عقدت بتاريخ 13 تموز/يوليو 2008 في باريس، تغير اسم هذه العملية ليصبح “الاتحاد من أجل المتوسط”.

ويعتبر الاتحاد من أجل المتوسط استمرارا لعملية برشلونة، ويهدف إلى تعزيز هذه العملية، وزيادة التعاون في حوض المتوسط عبر إقامة المشاريع بشكل خاص. كما يهدف الاتحاد من أجل المتوسط إلى إقامة التعاون على نطاق واسع من المجالات التي تبدأ من الحوار السياسي ولا تنتهي بالمجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وتشارك في عملية الاتحاد من أجل المتوسط، الدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي والبالغ عددهم 28 دولة، إضافة إلى تركيا وإسرائيل والبوسنة والهرسك وألبانيا وموناكو والجبل الأسود والجزائر ومصر والأردن ولبنان وموريتانيا والمغرب وفلسطين وسوريا وتونس. وكانت ليبيا قد شاركت في عملية أوروبا-المتوسط كعضو مراقب قبل عام 2008، ولكنها بدأت في حضور الاجتماعات بقبولها الدعوة الموجه إليها فيما بعد التغيرات السياسية التي حصلت فيها. ومن جهة أخرى، علقت سوريا عضويتها في الاتحاد من أجل المتوسط بتاريخ 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2011، بذريعة العقوبات التي فرضها عليها الاتحاد الأوربي.

وحددت قمة باريس التي انعقدت في عام 2008 ست مجالات لها الأولوية في تنفيذ المشاريع في اطار الاتحاد من أجل المتوسط، وهي: تنظيف البحر الأبيض المتوسط والنقل البري والبحري والحماية المدنية والطاقة البديلة وخطة الطاقة الشمسية في البحر الأبيض المتوسط والتعليم العالي والبحث/ الجامعة الأوربية المتوسطية وتطوير إمكانات العمل.

وتتولى الرئاسة المشتركة للاتحاد من أجل المتوسط، كل من مكتب العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوربي ودولة متوسطية من غير الأعضاء في الاتحاد الأوربي. وأقيمت سكرتارية عامة للاتحاد من أجل المتوسط في برشلونة لتقوم بتقديم الخدمات الفنية للمشاريع المنفذة. ويشغل حاليا السفير فتح الله السجلماسي من المغرب منصب أمين عام الاتحاد من أجل المتوسط. وتم تمديد مهام السفير السجلماسي لمدة 3 أعوام إضافية اعتبارا من بداية عام 2015. وتتولى تركيا منصب نائب الأمين العام لشؤون النقل، حيث تم تعيين السفير المتقاعد ييغيت ألبوغان لتولي هذا المنصب.

ويشكل المجلس البرلماني الأوربي المتوسطي الذي بدأ أعماله في عام 2004، البعد البرلماني للاتحاد من أجل المتوسط. ويتكون المجلس من البرلمانيين في كل من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي ودول المتوسط من غير الأعضاء في الاتحاد الأوربي والبرلمان الأوربي. وتتمثل تركيا في هذا المجلس بالمجموعة التركية (المكونة من 6 أشخاص) برئاسة السيدة زينب قراهان أوصلو النائبة في البرلمان التركي عن مدينة أورفا.

كما تم تأسيس مؤسسة آنا ليندت في عام 2005 في إطار الاتحاد من أجل المتوسط لتعزيز الحوار بين الثقافات. وتتكون مؤسسة آنا ليندت المتمركزة في الإسكندرية من شبكات وطنية (منظمات المجتمع المدني)، وتتولى مؤسسة القطاع الثالث (TÜSEV) مهام التنسيق للشبكة التركية. كما تم إقامة منبر آنا ليندت في جامعة سابانجي، في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2012، وهو يتبع لمؤسسة آنا ليندت.

كذلك تم تأسيس المجلس الأوربي المتوسطي للإدارات الإقليمية والمحلية (ARLEM) في عام 2010 لإكساب الشراكة الأوربية المتوسطية بعدا محليا وإقليميا. وتشارك في المجلس الأوربي المتوسطي للإدارات الإقليمية والمحلية (ARLEM) كل من بلدية إسطنبول الكبرى وبلدية غازي عنتاب الكبرى وبلدية أنطاكيا وبلدية باليكسير وبلدية موغلا.

وأيضاً تم تأسيس الجامعة الأوربية المتوسطية (EMUNI) في سلوفينيا في عام 2008 في إطار الاتحاد من أجل المتوسط بغية تشكيل مجال للتعليم العالي والبحوث العلمية في منطقة المتوسط. والسيد رئيس وزراء الجمهورية التركية عضو فخري في الهيئة التدريسية للجامعة. وهناك 6 جامعات تركية (جامعة تشوكوروفا وجامعة إيجة وجامعة الشرق الأوسط التقنية وجامعة حاجت تبة وجامعة إسطنبول التقنية وجامعة قادر هاس) أعضاء في (EMUNI) (50).

(ج) العلاقات التركية مع دول البلقان:

تكتسب منطقة البلقان أهمية بالنسبة لتركيا من الناحية الجغرافية والسياسية والاقتصادية والروابط التاريخية والثقافية والإنسانية. كما تكتسب منطقة البلقان التي تشكل من الناحية الجغرافية امتدادا لتركيا في القارة الأوربية، أهمية كبيرة بالنسبة لتركيا بسبب موقعها الخاص في العملية التاريخية لتكوين الأمة التركية، والتكامل الإقليمي، وفي سياق القدرات التي تملكها والتي ستنعكس مستقبلا على الهدف التركي في الانضمام إلى الاتحاد الأوربي والذي تتشاطره تركيا مع كافة دول المنطقة.

ويشكل الحوار السياسي العالي المستوى، والأمن للجميع، والتكامل الاقتصادي الأعظمي، والمحافظة على بنية المجتمعات ذات التركيبة الاثنية والثقافية والدينية المتعددة، المحاور الأساسية الأربعة للسياسة التركية المتعلقة بمنطقة البلقان والتي أخذت بعين الاعتبار عند تشكيلها مبدأي “الانتماء الإقليمي” و”الشمولية”. كما أن تعزيز التعاون الحالي بين دول المنطقة بخلق ساحات جديدة للمصالح المشتركة فيما بينها وتحقيق التكامل الإقليمي الشامل في منطقة البلقان يأتيان في مقدمة الأهداف التي تطمح تركيا إلى تحقيقها.

وتركيا بصفتها إحدى دول هذه المنطقة تولي أهمية كبيرة لعلاقاتها مع دول البلقان وتقيم علاقات جيدة مع كافة دول المنطقة. لقد أقامت تركيا علاقاتها الثنائية استنادا إلى مبادئ الاستقلال والسيادة واحترام وحدة الأراضي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتطورت أكثر فأكثر على ضوء الروابط التاريخية ومبدأ حسن الجوار.

ويعيش في البلقان مجتمعات من الأقليات ومن ذوي الأصول التركية والتي تملك صلة قرابة مع المجتمع التركي. وبالمقابل يعيش في تركيا مواطنون من أصول بلقانية، ولهذا السبب فإن من شأن المشاكل التي تواجه دول البلقان أن تؤثر على تركيا بشكل مباشر. كما أن إحلال السلام والاستقرار في منطقة البلقان ذات أهمية بالغة بالنسبة لتركيا.

وتؤمن تركيا بأهمية وضرورة التواجد الدولي في البلقان من أجل تعزيز بنية الدولة في هذه المنطقة وخاصة في كوسوفو والبوسنة والهرسك، ولإحلال الاستقرار الإقليمي في هذه المنطقة، وانطلاقا من هذا المفهوم فإن تركيا تشارك في كافة المبادرات والتواجدات الدولية في دول البلقان. وقد شاركت تركيا بعناصر من الجنود والشرطة في القوات الدولية المتواجدة في البوسنة والهرسك وكوسوفو سواء كانت العسكرية منها (قوات حفظ السلام في كوسوفو KFOR وقوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأوربي في البوسنة والهرسك EUFOR) أو المدنية منها (بعثة الأمم المتحدة للإدارة المؤقتة في كوسوفو UNMIK وبعثة سيادة القانون في كوسوفو التابعة للاتحاد الأوربي EULEX) وذلك كانعكاس للدعم التركي الفعال للآليات الدولية المطبقة في هذه المنطقة.

وفي موازاة ذلك، تؤمن تركيا بأن دول البلقان هي أكثر من تستطيع المساهمة في بناء مستقبل المنطقة، ولذلك فإن تركيا تولي أهمية كبرى لتطوير آليات التعاون في منطقة البلقان. وفي هذا السياق، تكتسب عملية التعاون في جنوب شرق أوربا أهمية لجهة كونها المبادرة الوحيدة التي أطلقتها هذه المنطقة. وقد بلغت عدد الدول المشاركة في هذه المبادرة التي تعتبر تركيا إحدى أعضائها المؤسسين، 12 دولة إضافة إلى سلوفينيا. وقد أدت تركيا مهامها بنجاح كرئيس دوري لعملية التعاون في جنوب شرق أوربا في الفترة ما بين حزيران 2009- حزيران 2010، وأعطت بذلك إحدى أجمل أمثلة الانتماء الإقليمي.

وتعتبر مواصلة التعاون الإقليمي في جنوب شرق أوربا، وتأمين المعطيات الملموسة لهذا الغرض، وأخذ المبادرات الفعالة في مجالات محددة من التعاون الإقليمي، وتشجيع تكامل المنطقة مع هيكلية أوربا من جهة وهيكلية أوربا-الأطلسي من جهة أخرى، من المهام الأساسية التي تقع على عاتق مجلس التعاون الإقليمي الذي يشكل الذراع العملياتي لعملية التعاون في جنوب شرق أوربا. وتعتبر تركيا إحدى الأعضاء المؤسسين لمجلس التعاون الإقليمي وتساهم بنسبة كبيرة من ميزانيته وتلعب دورا هاما في المشاريع المشتركة ذات الصبغة الإقليمية.

ومن الأمثلة الملموسة على المساهمات التي قدمتها تركيا لعلاقات حسن الجوار والتعاون الإقليمي، آلية الاستشارة الثلاثية بين تركيا وكرواتيا والبوسنة والهرسك وآلية الاستشارة الثلاثية بين تركيا وصربيا والبوسنة والهرسك اللتين أنشئتا بناء على المبادرة التي تقدمت بها تركيا بهذا الشأن. وعبر هاتين الآليتين اللتين لقيتا قبولا كبيرا خلال فترة قصيرة كتدبيرين هامين ومعززين للثقة في المنطقة، يتم العمل على تعزيز السلام والاستقرار والازدهار في البوسنة والهرسك من جهة، وبذل الجهود الرامية إلى تحويل منطقة البلقان إلى منطقة أكثر استقرارا من جهة أخرى.

وقد عقدت في إسطنبول بتاريخ 24 نيسان 2010 قمة البلقان الثلاثية بمشاركة قادة كل من تركيا والبوسنة والهرسك وصربيا. وفي نهاية هذه القمة التي استطاعت أن تجمع لأول مرة منذ اندلاع الحرب قادة كل من البوسنة والهرسك وصربيا، تم إصدار إعلان إسطنبول. وقد عقدت قمة البلقان الثلاثية الثانية في مدينة كارادورديفو الصربية بتاريخ 26 نيسان 2011.

وتؤكد تركيا على وجوب تحقيق التكامل بين كافة دول المنطقة ومؤسسات أوربا وأوربا-الأطلسي وذلك من أجل ضمان إحلال السلام والاستقرار الدائمين في المنطقة، وتواصل دعمها لدول المنطقة في هذا المنحى، وإضافة إلى مجال العلاقات السياسية تقدم تركيا دعما لدول المنطقة في بقية المجالات أيضا. إن هذه المساعدات التي تشمل العديد من المجالات كالاقتصاد والثقافة والتراث التاريخي المشترك والتربية والمجال العسكري والأمني، تقدم من قبل المؤسسات الحكومية التركية المعنية وفقا للاتفاقيات الثنائية وفي روح من التضامن(51).

3ـ العلاقات التركية مع دول جنوب القفقاس:

تقع منطقة جنوب القفقاس التي تعتبر جسر عبور بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، في نقطة تقاطع ممرات الطاقة والنقل الهامة في أوراسيا. وتمتلك تركيا روابط تاريخية وثقافية متجذرة مع منطقة جنوب القفقاس، ولذلك تولي أهمية خاصة لإرساء الاستقرار والسلام والازدهار في منطقة جنوب القفقاس. لقد اعترفت تركيا فورا باستقلال الدول الناتجة عن تفكك الاتحاد السوفياتي دون أي تمييز بين هذه الدول، وأقامت علاقات دبلوماسية مع أذربيجان وجورجيا وقدمت لهما مساعدات اقتصادي، وتشكل الزيارات الرفيعة المستوى المتبادلة المنتظمة مع هاتين الدولتين إحدى أهم أبعاد علاقات حسن الجوار معها.

وشكل البروتوكولان اللذان تم توقيعهما مع أرمينية في زيوريخ عام 2009 مرحلة مهمة في مسيرة تطبيع العلاقات التركية مع هذه الدولة. ومازال هذان البروتوكولان موجودان على جدول أعمال مجلس الأمة التركي الكبير، ولكن أرمينية أعلنت عن تجميدها لعملية المصادقة على هذين البروتوكولين.

يتكون التقارب التركي مع دول جنوب القفقاس، انطلاقا من الرغبة في إقامة التعاون معها بمشاركة دول المنطقة. وفي هذا الإطار أولت تركيا اهتمامها لتعزيز استقلال هذه الدول وحماية وحدة أراضيها وإحياء قدراتها الاقتصادية. كما أن تركيا تدعم تكامل دول المنطقة مع المنظمات الأوربية الأطلسية.

وقد تطورت المكانة الاستراتيجية للمنطقة وتعززت بفضل الكثير من المشاريع كخط أنبوب النفط باكو – تيفليس – جيهان الذي دخل الحدمة في عام 2006، وخط باكو – تيفليس – أرزروم للغاز الطبيعي الذي دخل الخدمة بتاريخ 3 تموز 2007، والخط الحديدي بين باكو – تيفليس – كارس والذي وضع حجر أساسه بتاريخ 21 تشرين الثاني 2007، وبدأت المنطقة تكتسب المزيد من الأهمية بخصوص إرساء الاستقرار والازدهار في منطقة أوراسيا بأكملها.

تشكل الخلافات التي لم تحل بعد في جنوب القفقاس كالخلافات الناشئة بشأن ناغورني كاراباغ وأوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، تهديدا لأمن هذه المنطقة وأوراسيا على حد سواء. إن تركيا على قناعة بأن حل كافة الخلافات الموجودة في دول القفقاس بالطرق السلمية سيساهم في إرساء الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي في هذه الدول، وسيفتح أفقا جديدة لإقامة التعاون الثنائي والإقليمي(52).

4ـ العلاقات التركية مع دول آسيا الوسطى

يمكن تلخيص السياسة العامة التركية المتعلقة بآسيا الوسطى بأنها تدعم دول هذه المنطقة فيما يخص مواصلتها لوجودها كدول مستقلة، ومستقرة سياسيا واقتصاديا، ومتعاونة فيما بينها ومع جوارها، ومتكاملة مع المجتمع الدولي ومتمسكة بالقيم الديمقراطية. وبفضل هذه السياسة أصبحت تركيا أحد الشركاء المهمين لدول المنطقة. وتعتبر اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الموقعة بين تركيا وكازاخستان في عام 2009 نموذجا للتعاون الوثيق بين تركيا ودول المنطقة.

 لقد أصبحت تركيا رائدة لـ “قمم قادة الدول الناطقة بالتركية” التي بدأت بالانعقاد منذ عام 1992 ولغاية الآن وذلك من أجل زيادة التضامن بين الدول الناطقة بالتركية وخلق فرص تعاون جديدة بينها. وقد اكتسبت عملية تنظيم هذه القمم بنية مؤسساتية بالتوقيع على اتفاقية ناهتشيفان المتعلقة بتأسيس مجلس تعاون بين الدول الناطقة بالتركية والتي تم التوقيع عليها بتاريخ 3 تشرين الأول 2009. وقد تأسس المجلس المذكور في القمة العاشرة لقادة الدول الناطقة بالتركية التي عقدت في إسطنبول في شهر أيلول 2010، حيث أقيم مقر الأمانة العامة للمجلس في إسطنبول وباشر السفير المتقاعد خالد أكينجي مهامه أمينا عاما للمجلس.

كما تطورت العلاقات التركية مع جمهوريات آسيا الوسطى بشكل سريع، وقطعت أشواط متقدمة على صعيد العلاقات التجارية والنقل والاتصالات. وقد بلغت قيمة القرض الذي منحته تركيا لدول المنطقة عبر مصرف أكسيم بنك Eximbank حوالي 1 مليار دولار أمريكي. كما تم إنشاء رئاسة إدارة التعاون والتنمية التركية TİKA من أجل تقديم المساعدات التقنية لجمهوريات آسيا الوسطى.

ومن ناحية أخرى، وصل حجم التبادل التجاري بين تركيا ودول المنطقة إلى حدود 6.5 مليار دولار أمريكي وتجاوز مجموع استثمارات الشركات التركية في المنطقة 4.7 مليار دولار أمريكي في عام 2010. أما قيمة المشاريع التي نفذتها شركات التعهدات التركية في المنطقة فقد وصلت إلى حدود 30 مليار دولار أمريكي، وهناك حوالي 2000 شركة تركية تعمل في المنطقة.

وقد دخلت العلاقات الثنائية بين تركيا وقرغيزيا التي تعتبر أول دولة تتحول إلى النظام البرلماني في المنطقة، مرحلة جديدة بإنشاء مجلس التعاون الاستراتيجي عالي المستوى بين البلدين الذي عقد اجتماعه الأول أثناء الزيارة التي قام بها دولة رئيس الوزراء القرغيزي السيد أتامباييف إلى تركيا في الفترة ما بين 25 – 28 نيسان 2011. وبعد قيام الثورة الشعبية في قرغيزيا في عام 2010 أبدت تركيا تضامنها القوي مع قرغيزيا، وفي هذا الإطار قدمت لها هبة نقدية بقيمة 30 مليون دولار أمريكي ومساعدات تقنية بقيمة 15 مليون دولار أمريكي وقام مصرف أكسيم بنك بإلغاء دينها الناتج عن القرض الذي منحته لهذا البلد.

كما تطورت العلاقات في المجالات الثقافية والتعليمية بشكل متسارع. ففي عام 1993 تم إنشاء منظمة الثقافة التركية الدولية توركصوي (TÜRKSOY) من أجل حماية الثقافة والتراث والفن واللغة التركية وترويجها عالميا ونقلها من جيل إلى جيل.

وقد قامت تركيا أيضا بتنفيذ برنامج منح شامل لطلاب دول آسيا الوسطى تحت عنوان “مشروع الطلاب الكبير”. وتوجد مدارس تركية تتبع لوزارات التربية الوطنية في جمهوريات آسيا الوسطى أو تقوم مؤسسات خاصة بتشغيلها. وتوجد في مدينة تركستان القرغيزية جامعة الشيخ أحمد ياساوي الدولية التركية القرغيزية، وتوجد في العاصمة القرغيزية بيشكاك جامعة ماناس التركية القرغيزية(53).

4ـ العلاقات مع دول أمريكا الشمالية

تشكلت علاقات تركيا مع قارة أمريكا الشمالية التي تشمل على ثاني أكبر دولة (كندا) من ناحية مساحتها البرية والبحرية وعلى رابع أكبر دولة (الولايات المتحدة الأمريكية) في العالم، استنادا إلى الروابط الممتدة عبر الأطلسي وعلاقات التحالف. وتعود بداية العلاقات التركية الأمريكية إلى مطلع القرن التاسع عشر. وعلى الرغم من الاتفاقية التجارية الموقعة بين الإمبراطورية العثمانية والولايات المتحدة الأمريكية في عام 1830 فقد ظلت العلاقات محدودة الى حد بعيد في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وانقطعت العلاقات الدبلوماسية في الفترة ما بين 1917 – 1927 بسبب وجود الدولتين أثناء الحرب العالمية الأولى في جبهتين نقيضتين. وعادت العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين مجددا في عام 1927، ولكن العلاقات الثنائية وعلاقات التعاون بينهما بدأت تتطور في الواقع بعد الحرب العالمية الثانية.

وتركيا وأمريكا كحليفتين وشريكتين وثيقتين تتعاونان في وقتنا الحاضر في نطاق جغرافي واسع كالشرق الأوسط والبلقان والقوقاز وشرق البحر المتوسط وآسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا، وفي القضايا ذات الأهمية البالغة مثل مكافحة الإرهاب وأمن إمدادات الطاقة ومنع الانتشار النووي والتطورات الاقتصادية العالمية.

ومن جهة أخرى، تأسست العلاقات الدبلوماسية بين تركيا وكندا في عام 1943. وتشكل القواسم المشتركة الناتجة عن عضوية كل من الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي ومنظمة الأمن والتعاون ومنظمة التعاون والتنمية ومجموعة العشرين أساس العلاقات التركية الكندية(54).

5ـ أمريكا اللاتينية والكاريبي:

يعود تاريخ العلاقات بين تركيا وأمريكا اللاتينية إلى القرن التاسع عشر، حيث حصلت موجات هجرة متعددة من الإمبراطورية العثمانية إلى أمريكا اللاتينية ابتداء من ستينيات القرن التاسع عشر وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى. وقد أطلق على هؤلاء المهاجرين الذين كانوا في أغلبيتهم عربا تسمية “الأتراك” بسبب حملهم لجوازات سفر عثمانية.

وبدأت العلاقات القنصلية بين الإمبراطورية العثمانية وأمريكا اللاتينية في نهايات القرن التاسع عشر. ومع انهيار الإمبراطورية العثمانية وقيام الجمهورية التركية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، بدأت إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الجمهورية التركية ودول أمريكا اللاتينية. وكانت تشيلي أول دولة اعترفت بالجمهورية التركية بتوقيعها على اتفاقية الصداقة والتعاون في عام 1926. واليوم توجد لتركيا سفارات في الأرجنتين والبرازيل وتشيلي وكوبا والمكسيك وكولومبيا والبيرو وفنزويلا والأكوادور وقنصلية عامة في مدينة سان باولو البرازيلية.

وقد تميزت العلاقات بين تركيا ودول المنطقة دائما بأنها علاقات صداقة ولكنها كانت مستقرة لغاية تسعينيات القرن الماضي، ولم تبلغ العلاقات بين الجانبين السوية المطلوبة بسبب البعد الجغرافي وقلة الاتصالات. ومع ذلك فإن الزيارة الرسمية التي أجراها الرئيس الأسبق للجمهورية التركية السيد سليمان داميرال في شهر نيسان 1995 والتي شملت كلا من الأرجنتين والبرازيل وتشيلي، كانت أول زيارة في التاريخ يجريها رئيس للجمهورية التركية لأمريكا اللاتينية، وشكلت نقطة انعطاف في العلاقات بين تركيا وأمريكا اللاتينية.

وبدأت تركيا وخاصة في السنوات العشر الأخيرة اتباع سياسة خارجية فعالة حيال أمريكا اللاتينية من أجل تطوير علاقاتها مع دول هذه المنطقة في إطار السياسة الخارجية المتعددة الأبعاد التي تتبعها. وفي هذا السياق عقدت سلسلة اجتماعات في وزارة خارجية الجمهورية التركية في شهر أيلول 1998 بمشاركة السفارات التركية لدى دول أمريكا اللاتينية وممثلي القطاعين العام والخاص التركي والقنصليات الفخرية لدول أمريكا اللاتينية والكاريبي لدى تركيا، وذلك من أجل تحديد كيفية تطوير العلاقات التركية مع دول أمريكا اللاتينية والكاريبي والمجالات التي يجب أن تشملها هذه العلاقات. وفي نتيجة هذه الاجتماعات تم إعداد “خطة العمل المتعلقة بأمريكا اللاتينية والكاريبي” التي تعتبر بمثابة خارطة طريق للانفتاح السياسي والاقتصادي تجاه المنطقة.

وفي هذا الإطار، تم إعلان عام 2006 “عام أمريكا اللاتينية والكاريبي” في تركيا. حيث نظمت في تركيا في الفترة ما بين 5 – 11 حزيران 2006 في سياق خطة العمل المتعلقة بأمريكا اللاتينية والكاريبي، “أسبوع أمريكا اللاتينية”، وتم توجيه الدعوة للمشاركة في فعاليات هذا الأسبوع إلى وزارات الخارجية والتجارة والاقتصاد وممثلين من أوساط الجامعات والعمل في دول أمريكا اللاتينية، وتم تأمين عقد مباحثات ولقاءات بينهم وبين ممثلي المؤسسات العامة والقطاع الخاص التركي، وتم دعوة القنصليات العامة التركية الفخرية الموجودة في نفس هذه البلدان إلى تركيا وإطلاعهم على توجهات السياسة الخارجية التركية.

وعلى ضوء أهداف السياسة الخارجية التركية المتعددة الأبعاد والرؤية التركية المتعلقة بالاستفادة من الإمكانات التي تقدمها أمريكا اللاتينية والكاريبي، أعطت تركيا أولوية لتنظيم الزيارات والاجتماعات الرفيعة المستوى من أجل تعزيز علاقاتها السياسية مع دول هذه المنطقة، وتوقيع اتفاقيات التعاون في المجالات التجارية والاقتصادية والعسكرية والثقافية من أجل تقوية الأرضية القانونية الحالية، وتأسيس مجالس رجال الأعمال من أجل زيادة التبادل التجاري، وتشجيع المشاركة في المعارض وتنظيم النشاطات الترويجية، وزيادة التمثيل الدبلوماسي والتفاعل الثقافي من أجل الترويج الجيد والصحيح لتركيا في المنطقة.

واكتمل الجزء الأكبر من الأرضية القانونية للعلاقات بين تركيا والدول الرئيسية في المنطقة، فأنشأت تركيا في هذا الإطار آلية المشاورات السياسية مع 14 دولة (الأرجنتين وبوليفيا والبرازيل والأكوادور وغواتيمالا وكولومبيا وكوستاريكا وكوبا والمكسيك والبيرو وتشيلي والبارغواي والأورغواي وفنزويلا). وتم التوقيع أثناء الزيارة التي أجراها رئيس وزراء الجمهورية التركية السيد رجب طيب أردوغان إلى البرازيل في الفترة ما بين 25 – 29 أيار 2009 على “خطة الشراكة الاستراتيجية” بين تركيا والبرازيل.

ومن أجل تطوير البعد البرلماني للعلاقات التركية مع هذه الدول أنشأ مجلس الأمة التركي لجان صداقة برلمانية مع كل من الأرجنتين والبرازيل وبوليفيا والإكوادور وجامايكا وكولومبيا وكوستاريكا وكوبا والمكسيك وباناما والبارغواي والبيرو وتشيلي والأورغواي وفنزويلا.

كما حصل تقدم ملحوظ بخصوص التمثيل الدبلوماسي المتبادل مع دول المنطقة. ففي هذا الإطار بدأت السفارة التركية أعمالها لدى بوغوتا (كولومبيا) في شهر سباط 2010 ولدى ليما (البيرو) في شهر آذار 2010 ولدى كيوتو (الإكوادور) في شهر كانون الثاني 2012، أما القنصلية العامة التركية لدى سان باولو (البرازيل) فقد بدأت نشاطاتها في شهر تشرين الثاني 2009. وتتواصل الأعمال لافتتاح سفارات جديدة في دول المنطقة في المرحلة القادمة.

ويبلغ عدد سكان أمريكا اللاتينية والكاريبي 590 مليون نسمة ويصل الناتج المحلي الإجمالي فيها إلى 6 تريليون دولار وحجم التبادل التجاري إلى 1.72 تريليون دولار. وبذلك أصبحت أمريكا اللاتينية والكاريبي انطلاقا من بداية هذا القرن تنافس القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي وجمهورية الصين الشعبية من الناحية التجارية والاستثمارية. حيث بلغت قيمة الاستثمارات الخارجية في المنطقة 68 مليار دولار في عام 2010 وارتفعت إلى 150 مليار دولار في عام 2011 محققة بذلك أعلى زيادة على الإطلاق على مر العصور. وفي العقد الأخير تحسن نصيب الفرد من الناتج المحلي ومستوى المعيشة تحسنا مدهشا.

وعلى ضوء الهدف المتمثل في تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية مع دول المنطقة تقرر بداية استكمال الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية بين تركيا ودول المنطقة. ولذلك تم توقيع اتفاقيات تعاون اقتصادي وتجاري مع ثلاثة عشر دولة هي الأرجنتين والبرازيل والأكوادور وغواتيمالا وغويانا وجامايكا وكولومبيا وكوبا والمكسيك والبارغواي والبيرو وتشيلي والأورغواي، وتم في هذا الإطار إعداد الأرضية القانونية اللازمة لتشكيل مجالس اقتصادية مشتركة متعلقة بهذه الاتفاقيات.

وقد تزايد حجم التبادل التجاري مع دول المنطقة تزايدا ملحوظا منذ عام 2000 ولغاية الآن. حيث ارتفع حجم التبادل التجاري التركي مع المنطقة من 919 مليون دولار في عام 2000 إلى 5.5 مليار دولار في عام 2008. أي أن حجم التبادل التجاري التركي مع المنطقة تزايد بنسبة تتراوح بين 15-20% لغاية عام 2009. وبلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا والمنطقة 4 مليارات دولار في عام 2009 وذلك بفعل الأزمة الاقتصادية العالمية. وارتفع هذا الحجم مرة أخرى إلى 5.4 مليار دولار في عام 2010 وإلى 8 مليارات دولار تقريبا في عام 2011 محققا بذلك زيادة بنسبة حوالي 50% بالمقانة مع العام الفائت. ومن بين الأهداف تجاوز نسبة التبادل التجاري مع دول المنطقة العشرة مليارات دولار على الأجل القصير.

وفي عام 2011 احتلت البرازيل المرتبة الأولى في المنطقة على صعيد التبادل التجاري مع تركيا، إذ بلغ حجم التبادل التجاري معها 2.958 مليار دولار. واحتلت المكسيك المرتبة الثانية بقيمة 844.6 مليون دولار وكولومبيا المرتبة الثالثة بقيمة 789 مليون دولار والأرجنتين المرتبة الرابعة بقيمة 704 مليون دولار والولايات المتحدة الأمريكية المرتبة الخامسة بقيمة 604 مليون دولار.

وكانت أول اتفاقية تجارة حرة لتركيا في المنطقة وقعت مع تشيلي بتاريخ 14 تموز 2009 ودخلت حيز التنفيذ بتاريخ 1 آذار 2011. كما تستمر المباحثات مع كل من الأكوادور وكولومبيا وميركوسور من أجل توقيع اتفاقيات تجارة حرة معها. وفي نفس الوقت، يتم العمل حاليا على بدء المباحثات مع كل من السلفادور والمكسيك وغواتيمالا والهندوراس وكوستاريكا ونيكاراغوا وباناما والبيرو ودول مجموعة الكاريبي من أجل توقيع اتفاقيات تجارة حرة معها.

كما قطعت أشواط متقدمة على صعيد إقامة مجالس رجال الأعمال. وبعد إقامة مجلس رجال الأعمال التركي البرازيلي في عام 2006 تم التوقيع على اتفاقية إقامة مجلس رجال الأعمال التركي المكسيكي بتاريخ 11 كانون الأول 2008.

ومن ناحية أخرى تتزايد الاستثمارات التركية في دول المنطقة. وفي هذا الإطار تقوم شركة البترول التركية العالمية TPAO/TPIC بالاستكشاف والتنقيب عن البترول في كل من كولومبيا والإكوادور اللتان تعتبران من الدول المصدرة للنفط، وتواصل جهودها للتوقيع على عقود البحث والتنقيب في فنزويلا. كما قامت شركة البترول البرازيلية PetroBras بالاشتراك مع شركة TPAO/TPIC بالاستكشاف عن النفط في البحر الأسود في عامي 2010 و2011.

ومن جهة أخرى، تقدم تركيا مساعدات إنسانية وتنموية وفنية لدول المنطقة. وفي هذا الإطار قدمت تركيا مساعدات إنسانية لدول (لجزر) الكاريبي وأمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية بسبب الأعاصير والزلازل التي شهدتها المنطقة، وآخر هذه المساعدات كانت قد قدمتها لهاييتي وتشيلي.

وتلعب دول أمريكا اللاتينية والكاريبي الثلاث والثلاثون دورا فعالا في المنظمات الدولية، ويتحركون سوية حيال الكثير من المواضيع. وتظهر هذه الدول فاعليتها داخل الأمم المتحدة والهيئات التابعة لها بشكل خاص. وقد نالت غواتيمالا (2012 – 2013) وكولومبيا (2011 – 2012) العضوية غير الدائمة في مجلس الأمن الدولي. كما أن البرازيل والمكسيك والأرجنتين أعضاء في مجموعة العشرين إلى جانب تركيا.

 ومن جهة أخرى تعقد بين الاتحاد الأوربي وأمريكا اللاتينية والكاريبي قمة كل عامين تشمل بلدان المنطقة بأكملها. وقد شارك السيد أحمد داوود أوغلو وزير خارجية الجمهورية التركية في القمة التي عقدت في مدريد بتاريخ 18 أيار 2010 وألقى للمرة الأولى كلمة أمام قادة كافة دول المنطقة.

وتوجد في أمريكا اللاتينية والكاريبي منظمات إقليمية هامة. وتأتي في مقدمة هذه المنظمات منظمة الدول الأمريكية واتحاد دول الكاريبي التي نالت تركيا صفة “المراقب الدائم” فيهما واتحاد أمم أمريكا الجنوبية (UNASUR) والسوق الجنوبية المشتركة (MERCOSUR) ومجموعة دول أمريكا اللاتينية والكاريبي (CELAC) واتحاد جبال وأمم الأنديز والمجتمع الكاريبي (CARICOM). وتتابع تركيا عن كثب جهود التكامل الإقليمي بين دول أمريكا اللاتينية والكاريبي. وتقدم تركيا بانتظام دعما ماديا لمنظمة الدول الأمريكية منذ عام 2001 ولاتحاد دول الكاريبي منذ عام 2000 والتي نالت تركيا صفة “المراقب الدائم” فيهما.

وقد تم في قمة السوق الجنوبية المشتركة التي عقدت في البرازيل بتاريخ 16 كانون الأول 2010 توقيع مذكرة تفاهم لإنشاء آلية التضامن والتعاون السياسي بين تركيا والسوق الجنوبية المشتركة من أجل مأسسة العلاقات بين الجانبين.

ومن جهة أخرى، وقع كل من السيد أحمد داوود أوغلو (وزير خارجية الجمهورية التركية أنذاك) والسيد أيروين لاروك أمين عام المجتمع الكاريبي بتاريخ 21 أيلول 2011 على مذكرة تفاهم تقضي بإنشاء آلية مشاورات وتعاون سياسية بين تركيا والمجتمع الكاريبي (CARICOM) والذي يعتبر من المنظمات الإقليمية المتعددة الأطراف وذلك على هامش اجتماعات الدورة السادسة والستون للجمعية العامة للأمم المتحدة(55).

6ـ العلاقات التركية مع الدول الأفريقية

في إطار السياسة الخارجية المتعددة الأبعاد التي تتبعها تركيا التي تعتبر في الأساس دولة أفروآسيوية، أعدت في عام 1998 خطة الانفتاح على أفريقيا من أجل تحقيق نقلة نوعية على صعيد العلاقات السياسية والعسكرية والثقافية والاقتصادية بين تركيا والدول الأفريقية. وفي هذا السياق، أعدت مستشارية التجارة الخارجية في الجمهورية التركية في بداية عام 2003 “استراتيجية تطوير العلاقات الاقتصادية مع الدول الأفريقية” وأعلنت حكومة الجمهورية التركية عام 2005 “عام أفريقيا”. وإضافة إلى ذلك، تنوعت العلاقات التركية مع القارة الأفريقية وتطورت بفضل زيادة عدد الزيارات المتبادلة الرفيعة المستوى وتوقيع الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية الجديدة وإنشاء الآليات الثنائية الاقتصادية والسياسية وتشجيع الزيارات المتبادلة للوفود التجارية.

وقد نالت تركيا بتاريخ 12 نيسان 2005 صفة مراقب في الاتحاد الأفريقي، وكلفت سفارتها لدى أديس أبابا بتاريخ 5 أيار 2005 لتكون سفارة الجمهورية التركية المعتمدة لدى الاتحاد الأفريقي. كما قام الاتحاد الأفريقي بالقرار الذي اتخذه في اجتماع القمة العاشر الذي عقد في أديس أبابا في شهر كانون الثاني 2008 بإعلان تركيا شريكا استراتيجيا له.

واعتمدت تركيا سفارتها في أبوجا لدى المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا ECOWAS اعتبارا من شهر أيار 2005. كما أن تركيا التي انضمت إلى منتدى الشركاء الدولي التابع للهيئة الحكومية الدولية للتنمية IGAD في شهر حزيران 2008، قامت باعتماد سفارتها في دار السلام لدى مجموعة دول أفريقيا الشرقية EAC.

وتمت المصادقة أثناء اجتماع المانحين الذي عقد يومي 14-15 أيار 2008 على الطلب الذي تقدمت به تركيا في شهر شباط 2008 من أجل نيل عضوية بنك التنمية الأفريقي وصندوق التنمية الأفريقي. وبذلك أصبحت تركيا العضو الخامس والعشرين في بنك التنمية الأفريقي من خارج أفريقيا.

ومن أجل تقييم المرحلة التي وصلت إليها العلاقات بين تركيا والدول الأفريقية وتحديد الطرق والوسائل الكفيلة بتعزيز هذه العلاقات، عقد في إسطنبول قمة التعاون التركية الأفريقية الأولى في الفترة ما بين 18 – 21 آب 2008 بمشاركة 49 دولة أفريقية وممثلو 11 منظمة إقليمية ودولية من ضمنها الاتحاد الأفريقي، وقد تم في هذه القمة اعتماد الوثائق التالية بالإجماع: “إعلان إسطنبول للتعاون التركي الأفريقي: التعاون والتضامن من أجل مستقبل مشترك” و”إطار التعاون للشراكة التركية الأفريقية”. ووفقا لآلية المتابعة التي تضمنتها وثيقة “إطار التعاون للشراكة التركية الأفريقية” عقد في تركيا بتاريخ 15 كانون الأول 2010 اجتماع كبار المسؤولين.

وتمت المصادقة على “الخطة التنفيذية المشتركة للتعاون التركي الأفريقي” التي تشمل الفترة من 2010-2014 وذلك أثناء انعقاد اجتماع كبار المسؤولين في إسطنبول في كانون الأول 2010.

ومن أجل تعزيز علاقاتها مع الدول الواقعة جنوب الصحراء الأفريقية قررت تركيا زيادة عدد ممثلياتها في هذه الدول وفقا لأهدافها المتعلقة بهذه الدول. وقد أصدر مجلس الوزراء القرارات المتعلقة بهذا الموضوع في الفترة ما بين 13 تشرين الأول 2008 – 11 تموز 2009، فتم بموجب هذه القرارات افتتاح 15 سفارة وقنصلية عامة واحدة جديدة، حيث قامت الجمهورية التركية بافتتاح سفارتها لدى دار السلام (تنزانيا) بتاريخ 18 أيار 2009، وسفارتها لدى أبيدجان (ساحل العاج) بتاريخ 15 تشرين الثاني 2009، وسفارتها لدى ياوندي (الكاميرون) بتاريخ 15 كانون الثاني 2010، وسفارتها لدى أكرا (غانا) ولدى باماكو (مالي) بتاريخ 1 شباط 2010، وسفارتها لدى كامبالا (أوغندة) بتاريخ 28 شباط 2010، وسفارتها لدى لواندا (أنغولا) بتاريخ 2 نيسان 2010، وسفارتها لدى أنتاناناريفو (مدغشقر) بتاريخ 21 نيسان 2010، وسفارتها لدى لوساكا (زامبيا) بتاريخ 15 شباط 2011، وسفارتها لدى مابوتو (موزامبيق) بتاريخ 15 آذار 2011، وسفارتها لدى نواكشوط (موريتانيا) بتاريخ 15 نيسان 2011، وسفارتها لدى هراري (زمبابوي) بتاريخ 30 نيسان 2011. وبذلك يكون عدد السفارات التركية حاليا لدى الدول الواقعة جنوب الصحراء الأفريقية 19 وعددها في أفريقيا 24. كما افتتحت تركيا قنصلية عامة في جوبا بعد اعترافها بجمهورية جنوب السودان بتاريخ 9 تموز 2011 وهو تاريخ إعلان استقلال جنوب السودان.

وكانت كل من السنغال في عام 2006 والصومال في عام 2008 وغامبيا في عام 2010 قد افتتحت سفارات لها لدى أنقرة. كما قررت كل من جمهورية كونغو الديمقراطية وكينيا وأوغندة والكاميرون وغينيا ومدغشقر وأنغولا وغانا والغابون وزامبيا افتتاح سفارات لها لدى تركيا.

وتنظم تركيا سنويا فعالية “يوم أفريقيا” بتاريخ 25 أيار من كل عام، وقد تم تنظيمها بتاريخ 26 أيار 2011 في جامعة بيلكانت بمشاركة رئيس الجمهورية التركية السيد عبد الله غل كمتحدث رئيسي وضيف شرف، كما أن من شأن مجموعات الصداقة البرلمانية بين كل من مجلس الأمة التركي الكبير وبرلمانات الكثير من الدول الواقعة في جنوب الصحراء الأفريقية وعلى رأسها نيجيريا وغانا والسودان وتنزانيا، أن تساهم بشكل كبير في تعزيز العلاقات الثنائية بين تركيا وهذه الدول، ولذلك يتم العمل حاليا على زيادة عدد هذه اللجان البرلمانية.

وتولي تركيا أهمية كبيرة لإحلال السلام والاستقرار في أفريقيا، ولذلك قامت تركيا ببذل ما تستطيع من جهود في سبيل إحلال السلام والاستقرار في أفريقيا انطلاقا من إمكانياتها والإمكانيات التي توفرت لديها نتيجة عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن الدولي. كما أن تركيا تقدم دعما بشريا وماليا لخمس بعثات تابعة للأمم المتحدة من أصل ست بعثات تعمل في أفريقيا حاليا.

وعقد في القاهرة بتاريخ 21 آذار 2010 المؤتمر الدولي للمانحين من أجل إعادة إعمار دارفور وتنميته برئاسة مشتركة من تركيا ومصر. وقد أعلنت تركيا في هذا المؤتمر عن تقديم ما يقارب 70 مليون دولار كمساعدات لدارفور تخصص غالبيتها للمجالات الصحية والزراعية والتعليمية. كذلك استضافت تركيا مؤتمر الصومال الذي عقدته الأمم المتحدة في إسطنبول في الفترة ما بين 21-23 أيار 2010.

وقد تطورت العلاقات الاقتصادية وحجم التبادل التجاري بين تركيا والدول الأفريقية في السنوات الأخيرة. فقد ارتفع حجم التبادل التجاري بين تركيا والدول الواقعة في جنوب الصحراء الأفريقية من 742 مليون دولار في عام 2000 إلى 3 مليار دولار في عام 2005 وإلى 5.7 مليار دولار في عام 2008. بينما بلغ حجم التبادل التجاري 4.88 مليار دولار في عام 2009 و4.36 مليار دولار في عام 2010 وذلك نتيجة التأثيرات التي ولدتها الأزمة الاقتصادية العالمية. (بلغ حجم التبادل التجاري مع كافة الدول الأفريقية 9 مليار دولار في عام 2005 و15.876 مليار دولار في عام 2009 و15.710 مليار دولار في عام 2010).

 وفيما يخص التجارة الخارجية لتركيا مع الدول الواقعة في جنوب الصحراء الأفريقية، وبعد الأخذ بعين الاعتبار المرحلة التي وصلت إليها هذه التجارة حاليا والتي لم تعكس بعد القدرات الحقيقية، تهدف تركيا في المرحلة القادمة إلى رفع إجمالي حجم التبادل التجاري مع الدول الواقعة في جنوب الصحراء الأفريقية إلى 50 مليار دولار.

وقد التزم قطاع الإنشاءات التركي في الفترة ما بين 1972 – 2010 بتنفيذ مشاريع في 89 دولة، حيث تم تنفيذ نسبة 21% من هذه المشاريع في أفريقيا (39 مليار دولار)، وبلغت حصة شمال أفريقيا من هذه المشاريع نسبة 19% وحصة دول جنوب الصحراء 2% (3.7 مليار دولار).

ومن ناحية أخرى افتتحت رئاسة إدارة التعاون والتنسيق التركية مكاتب لها في كل من أديس أبابا في عام 2005 والخرطوم في عام 2006 ودكار في عام 2007، وقد نفذت هذه الإدارة لغاية الآن مشاريع شملت 37 دولة أفريقية. كما بلغت المساعدات التنموية التي قدمتها المؤسسات العامة التركية لدول جنوب الصحراء الأفريقية 43.729 مليون دولار في عام 2009. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار المساعدات التي قدمتها في نفس السنة منظمات المجتمع المدني التركية بقيمة 52.608 مليون دولار، نرى بأن المساعدات التي قدمتها تركيا إلى دول جنوب الصحراء الأفريقية في عام 2009 قد وصلت إلى 97 مليون دولار. كما انتهت إدارة التعاون والتنسيق التركية في عام 2010 من تنفيذ 70 مشروع في 22 دولة أفريقية. وإذا ما أضفنا المشاريع العائدة إلى مؤسسات القطاع العام الأخرى نلاحظ بأن المساعدات التنموية التي قدمتها تركيا إلى دول جنوب الصحراء الأفريقية في عام 2010 بلغت 39.9 مليون دولار.

وفي الفترة ما بين 2007 – 2010 أدى حوالي 500 طبيب تركي وأكثر من 100 عامل في المجال الصحي خدمات صحية في كل من السودان وأثيوبية والصومال والنيجر وبنين وغانا وتشاد وتوغو وغينيا بيساو وكينيا ومالي وأوغندة وموريتانيا والسنغال وتنزانيا والكاميرون. وفي هذا الإطار عالج الأطباء الأتراك أكثر من 280 ألف مواطن أفريقي وأجروا عمليات جراحية لأكثر من 53 ألف مواطن أفريقي وفي مقدمتها جراحة الأسنان وجراحة الساد.

ومن جهة أخرى باشرت الخطوط الجوية التركية في عام 2006 رحلات مباشرة وغير مباشرة إلى الخرطوم وأديس أبابا ولاغوس، وأضافت إليها في عام 2007 رحلات إلى جوهانسبرغ وكيب تاون، وفي عام 2009 رحلات إلى نيروبي (شباط 2009) ودكار (نيسان 2009)، وفي عام 2010 رحلات إلى دار السلام (حزيران 2010) وأنتابا (حزيران 2010) وأكرا (تموز 2010).

وفي إطار التسهيلات المقدمة لرجال الأعمال الأفريقيين فيما يخص حصولهم على تأشيرات الدخول إلى تركيا، تقرر منح رجال الأعمال من دول جنوب الصحراء الأفريقية ممن يحملون تأشيرات دخول شينغن أو تأشيرات دخول انكليزية أو أمريكية سارية المفعول، تأشيرة دخول لمرة واحدة مدتها 30 يوما كحد أقصى في مطار أتاتورك وذلك اعتبارا من تاريخ 20 نيسان 2011 خلال مرحلة أولى اختبارية مدتها 5 أشهر.

وبداية من عام 2000 قامت تركيا بتخصيص منح دراسية لما يفوق الـ 2000 طالب أفريقي، وفي العام الدراسي 2010 – 2011 خصصت منح دراسية لـ 390 طالب في مجالات شهادة الدراسة الجامعية والدراسات العليا والأبحاث واللغات. كما شارك مئات الدبلوماسيين الأفارقة في “البرنامج التعليمي الدولي للدبلوماسيين الشباب” الذي تنظمه الأكاديمية الدبلوماسية التابعة لوزارة خارجية الجمهورية التركية منذ عام 1992(56).

—————————–

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات.

(2) سبق هذا الدستور دستوران: الاول في عام 1924، والثاني في عام 1961، وادخل على دستور 1924 تعديل في عام 1937يتعلق بتبني مبادئ أساسية (المبادئ الكمالية) للدولة “الحكم الجمهوري، القومية الشعبية، تأكيد دور الدولة العلمانية والثورية” وأدرجت هذه المبادئ أيضا في دستور عام 1961 ودستور عام 1982. كما ان دستور عام 1982 اخذ بالنظام البرلماني كنظام للحكم، المصدر: د. جلال عبد الله معوض، صنع القرار في تركيا والعلاقات العربية –التركية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998)، ص 15. وفي اطار الاصلاحات التي قامت بها تركيا في اطار تعديل الدستور فقد اصبح الدستور التركي وبموجب التعديلات الاخيرة يتكون من مقدمة و8 فصول، المصدر:

Turkey Constitution, Annex 10.05.2007/Article 5659/1, available on link

(3) د.جلال عبد الله معوض، المصدر السابق ، ص 15.

(4) د. وصال نجيب العزاوي، بنية النظام السياسي وصنع القرارات في تركيا، مجلة قضايا سياسية، كلية العلوم السياسية، جامعة النهرين، المجلد الثاني، العددان (5 – 6)صيف 2004، ص3.

(5) بلوند تانور، مكانة البرلمان في تركيا، في: اندرو فنكل ونوكهت سيرمان، تركيا المجتمع والدولة، (ترجمة) د. حمدي حميد الدوري (بغداد: بيت الحكمة، 2002 )، ص182 – 183

(6) للأستزادة ينظر الموقع الرسمي للمجلس الوطني التركي الكبير ، متاح على الموقع

(7) د.جلال عبد الله معوض، المصدر السابق، ص 16.

(8) المصدر نفسه، ص ص 16-17.

(9) د. محمد آيدن، د.بشير آتالي وآخرون، تركيا 2007 ( أنقرة: الحكومة التركية، 2007)، ص 142. الرابط

(10) د. عقيل سعيد محفوض، جدليات المجتمع والدولة في تركيا:المؤسسة العسكرية والسياسات العامة (دبي: مركز الأمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2008) ص 146.

(11) إن قرارات رئيس الجمهورية يوقع عليها رئيس الوزراء والوزراء المعنيين عدا تلك التي يصدرها بموجب الصلاحيات المخولة له دستورياً كما لا يجوز الطعن في قراراته المرتبطة بهذه الصلاحيات من جانب أية سلطة. ويمكن أن يوجه إلى رئيس الجمهورية التركي التهمة بالخيانة العظمى بناء على طلب أو اقتراح مقدم مما لا يقل عن ثلث أعضاء البرلمان وتتطلب ادانته موافقة ما لا يقل عن 75 % من أعضاء البرلمان، المصدر: د. جلال عبد الله معوض و محمد وفاء حجازي وآخرون، عملية صنع القرار في تركيا والعلاقات العربية – التركية ” حلقة نقاشية “، مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،العدد 227 1/1998، ص17-18.

(12) د. محمد أيدن، د.بشير أتالي وأخرون، تركيا 2007، المصدر السابق ، ص 142.

(13) أحمد نوري النعيمي، السياسة الخارجية التركية بعد الحرب العالمية الثانية، المصدر السابق، ص50.

(14) د. عماد الجواهري، النظام السياسي التركي، في كتاب، د. إبراهيم خليل احمد ود.عبد الجبار قادر غفور وآخرون، تركيا المعاصرة (الموصل: مركز الدراسات التركية، 1988) ص 109.

(15) من صلاحيات رئيس الجمهورية التركي تكليف شخص أخر، غير رئيس الحزب الفائز في الانتخابات البرلمانية، وهذا ما قام به الرئيس التركي ديميريل عقب انتخابات 24/12/1995 البرلمانية ابان تحالف أحزاب اليمين واليسار لمنع حزب الرفاه من الوصول إلى السلطة. المصدر:د.جلال عبد الله معوض، صناعة القرار في تركيا، ص 20.

(16) د. جلال عبد الله معوض، صناعة القرار في تركيا،المصدر السابق، ص 19.

(17) د. عقيل سعيد محفوض، جدليات المجتمع والدولة في تركيا: المؤسسة العسكرية والسياسات العامة المصدر السابق، ص 147.

(18) يتكون مجلس الأمن القومي التركي من رئيس الوزراء ورئيس الأركان العامة ووزير الدفاع ووزير الداخلية ووزير الخارجية وقادة الأفرع الرئيسة للقوات المسلحة والقائد العام لقوات الأمن (الجندرمة) ويمكن دعوة وزراء آخرين أو غيرهم لحضور بعض اجتماعاته، ويختص المجلس ببحث الشؤون المتعلقة بالأمن القومي للدولة، ويقدم توصياته بشأنها إلى مجلس الوزراء الذي يتعين علية الاهتمام بما تتضمنه من تدبيرات للحفاظ على سلامة الدولة وأمنها القومي، وتنعقد اجتماعاته برئاسة رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء في حالة غياب رئيس الجمهورية، ولم يعد مجلس الامن القومي يملك تأثيرا في صنع السياسة الداخلية والخارجية كما لم يعد للعسكر السيطرة المطلقة عليه نتيجة الإصلاحات التي التي تم تطبيقها في تركيا في اطار الانضمام الى الاتحاد الأوروبي وأصبحت صفته استشارية كما هو معمول في الكثير من الدول الغربية .أنظر: د.جلال عبدا لله معوض، صناعة القرار في تركيا، المصدر السابق نفسه، ص 20-21.

(19) فاطمة كايبال ، صراع السلطة بين الحكومة والجيش في تركيا: اطاحة اردوغان بالجنرالات .. هل هو انقلاب المدنيين على العسكريين؟، ترجمة رائد الباش ، صحيفة قنطره 2011،متاح على الموقع

(20) د. عقيل سعيد محفوض، جدليات المجتمع والدولة في تركيا: المؤسسة العسكرية والسياسات العامة، المصدر السابق، ص148.

(21) د.وصال نجيب العزاوي، المؤسسة العسكرية التركية،دراسة في الدور السياسي للمؤسسات العسكرية التركية(1960-1980)، سلسلة دراسات إستراتيجية، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، العدد 81،2005، ص5.

(22) وليم هيل، الجيش التركي والسياسة 1960-1973 في كتاب، اندرو فنكل ونوكهت سيرمان، تركيا المجتمع والدولة، ترجمة د.حمدي حميد الدوري ود.عدنان ياسين مصطفى (بغداد: بيت الحكمة،2002) ص ص،67-69.

(23) معتز محمد سلامة،الجيش والسياسة في تركيا ، مجلة السياسة الدولية، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، القاهرة،العدد 131، يناير 1998، ص 142.

(24) د.جلال عبد الله معوض، صناعة القرار في تركيا، المصدر السابق، ص 117.

(25) فيروز أحمد، صنع تركيا الحديثة، ترجمة د.سلمان داود الواسطي ود.حمدي حميد الدوري (بغداد: بيت الحكمة، 2000) ص ص،237-293.

(26) فلاديمير ايفانوفيتش دانيلوف، الصراع السياسي في تركيا: الأحزاب السياسية والجيش، ترجمة، يوسف إبراهيم الجهماني، ط1 (دمشق: دار حوران، بلا ) ص ص16-17.

27() د. جلال عبد الله معوض، صناعة القرار في تركيا، المصدر السابق، ص ص 117-118.

(28) صندوق المعاشات للقوات المسلحة (Ordu Yardıml Aşma Kurumu) (OYAK) وهي شركة متعددة الوظائف والإغراض تأسست في عام 1961 ومرتبطة كليا بالمؤسسة العسكرية التركية، وهي تهتم وبشكل كبير بإفراد القوات المسلحة التركية (المتقاعدين والمعوقين فضلا عن دعم عوائل من توفى منهم) فضلا عن انها تقدم لأعضائها العسكريين القروض والقروض المنزلية وغيرها، فهي تفرض ضريبة على الافراد المشتركين فيها تصل الى 10% من الراتب، ويعمل فيها حوالي 20000 الف ضابط فضلاً عن 2500 متقاعد، هذه الشركة لها اسهم واستثمارات كبرى في تركيا والعالم تصل الى 26 شركة في السيارات وبالاشتراك مع شركة رينو المعروفة والاسمنت والاموال والخدمات وقطاعات الحديد والصلب والنقل وتكنولوجيا المعلومات والطاقة الخ.. فهي تعد الأداة الفاعلة للجيش التركي لتأمين الاموال اللازمة له. المصدر:OYAK

(29) أرول أوزكوراي، الجيش التركي والإتحاد الأوروبي: مؤسسة خارج كل رقابة، موقع قنطرة الالكتروني،2007.

(30) د. جلال عبدالله معوض، صناعة القرار في تركيا،المصدر السابق، ص119.

(31) هاينتس كرامر، تركيا المتغيرة تبحث عن ثوب جديد، تعريب فاضل جتكر (الرياض: مكتبة العبيكان،2001)، ص ص11-12.

(32) مقابلة مع الدكتور محمد نور الدين، في الجمعة 27/3/2009 في مركز الدراسات والبحوث والتوثيق، بيروت .

(33) مقابلة مع الدكتور محمد نور الدين، أجريت في الجمعة 27/3/2009.

(34) د. محمد نور الدين، تركيا الصيغة والدور (بيروت: رياض الريس للنشر والكتب، 2008)، ص ص 21-25.

(35) Election Resources on the Internet: Elections to the Turkish Grand National Assembly – Results Lookup. 2015. Available at

(36) رسول طوسون، وآخرون، الإسلاميون في تركيا ومشروع التغيير “ندوه العدد”، مجلة شؤون الأوسط، بيروت، العدد (127)، ربيع 2007، ص 17.

(37) Election Resources on the Internet. Op. Cit.

(38) د. جلال عبد الله معوض، صناعة القرار في تركيا ..، المصدر السابق، ص 108.

(39) حميد فارس حسن سليمان، المصدر السابق، ص 47.

(40) Election Resources on the Internet. Op.Cit.

(41) الموقع الرسمي للمنظمة، الرابط، تاريخ الزيارة، 23-6-2016.

(42) الموقع الرسمي للهيئة، الرابط، تاريخ الزيارة، 23-6-2016.

(43) د. سعيد الحاج، جماعة “كولن” بين الفكر والممارسة، 4 يناير 2014، الرابط، تاريخ الزيارة، 23-6-2016.

(44) د. سعيد الحاج، جماعة “كولن” بين الفكر والممارسة، 4 يناير 2014، الرابط، تاريخ الزيارة، 23-6-2016.

(45) القوة الاستراتيجية لتركيا في 92 بلداً، موقع تركيا 24، الرابط، تاريخ الزيارة 23-6-2016.

(46) من هم الأتراك المجانين، تركيا بوست، 20 أبريل 2016، الرابط، تاريخ الزيارة 23-6-2016.

(47) الموقع الرسمي لوزارة الخارجية التركية، الرابط، تاريخ الزيارة 23 يونيو 2016.

(48) الموقع الرسمي لوزارة الخارجية التركية، الرابط، تاريخ الزيارة 23 يونيو 2016.

(49) الموقع الرسمي لوزارة الخارجية التركية، الرابط، تاريخ الزيارة 23 يونيو 2016.

(50) الموقع الرسمي لوزارة الخارجية التركية، الرابط، تاريخ الزيارة 23 يونيو 2016.

(51) الموقع الرسمي لوزارة الخارجية التركية، الرابط، تاريخ الزيارة 23 يونيو 2016.

(52) الموقع الرسمي لوزارة الخارجية التركية، الرابط، تاريخ الزيارة 23 يونيو 2016.

(53) الموقع الرسمي لوزارة الخارجية التركية، الرابط، تاريخ الزيارة 23 يونيو 2016.

(54) الموقع الرسمي لوزارة الخارجية التركية، الرابط، تاريخ الزيارة 23 يونيو 2016.

(55) الموقع الرسمي لوزارة الخارجية التركية، الرابط، تاريخ الزيارة 23 يونيو 2016.

(56) الموقع الرسمي لوزارة الخارجية التركية، الرابط، تاريخ الزيارة 23 يونيو 2016.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *