دراساتخرائط قوىايران

القوي الاجتماعية في المجتمع الإيراني

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

القوى الداخلية في المجتمع الإيراني

المحور الثالث: القوى الاجتماعية

تتسم الخريطة المجتمعية في إيران بالتشابك والتعقيد إلى حد كبير، وقد ساعدت السياسات التي تبنتها الدولة، فضلا عن الطبيعة الجغرافية والديمغرافية لإيران، على منع المكونات الاجتماعية من التواصل فيما بينها أو تكوين حشد مجتمعي يمكن أن يمارس ضغوطا قوية على الدولة للاستجابة لمطالب القوميات، بشكل دفع الأخيرة إلى تبني سياسات منفصلة في التعامل مع الدولة رغم أن بعض أهدافها تبدو متشابهة، على غرار السماح بممارسة حقوقها السياسية والاجتماعية وعدم تبني سياسة تمييزية أو إقصائية ضدها.

ورغم توقيع اتفاق ينهي أزمة الملف النووي الإيراني، وما سينجم عن ذلك من تحسن العلاقات الإيرانية- الأمريكية خلال الفترة القادمة، إلا أن النظام الحاكم في إيران ما زال يبدي شكوكا عديدة في السياسات التي تتبناها الدول الغربية، وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية، تجاه إيران.

وفي هذا السياق، تعتقد دوائر سياسية داخل إيران أن ما دفع إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى التفاوض بجدية مع إيران، بداية من مارس 2013، هو المسعى الأمريكي إلى الانسحاب من مناطق الأزمات في منطقة الشرق الأوسط، لصالح الاهتمام بانتقال الثقل الدولي إلى شرق آسيا وبالتحديد إلى الصين.

لكن ذلك لا يعني، في رؤيتها، أن واشنطن تتبني سياسة تصالحية مع إيران وأنها ستتوقف عن مساعيها لتغيير نظام الجمهورية الإسلامية، على غرار تخليها عن دعم بعض حلفائها الإقليميين في الدول العربية التي أطاحت الثورات بأنظمتها السياسية. وهنا، فإن بعض الاتجاهات داخل إيران يشير إلى أن القوى الخارجية يمكن أن تتجه إلى استخدام ملف القوميات للضغط على النظام الإيراني.

ورغم أن القيادة الإيرانية تبدو مدركة تماما لخطورة تفجير الأوضاع فى مناطق القوميات، إلا أن ذلك لم يترجم إلى إجراءات ملموسة من أجل تقليص حدة التوتر والاحتقان فى هذه المناطق.

إذ لم يتم تنفيذ مواد الدستور التى تنص على الحقوق المشروعة للأقليات، ومنها على وجه التحديد المادة رقم (15) التى تقضى بضرورة تدريس لغات هذه الأقليات وآدابها فى المدارس والسماح لها بإصدار الصحف والمجلات بلغاتها القومية، والمادة (19) التى تنص على التكافؤ فى التنمية الاقتصادية والسياسية والثقافية بين جميع الأقليات الايرانية. وقد أدى ذلك إلى تزايد مشاعر الإحباط لدى هذه القوميات.

فضلا عن ذلك، فإن الدستور الإيراني يتسم، في بعض مواده بطابع مذهبي إقصائي، على غرار وضع شرط اعتناق المذهب الشيعي كأحد الشروط الرئيسية الواجب توافرها في المرشح لرئاسة الجمهورية، حسب المادة (115)(1).

أولا: خريطة مجتمعية معقدة:

تعد إيران دولة متعددة القوميات، العرقية والإثنية، حيث يصل عدد القوميات العرقية إلي ستة هي: الفارسية، والعربية، والكردية، والبلوشية، والتركمانية، والآذرية. وهناك إحصاءات متعددة ومختلفة تكشف عن تعداد تلك القوميات، لكن كثيرا من التقديرات يشير إلى أنه من بين 81 مليون هم تعداد سكان إيران، يشكل الفرس نحو 61% منهم، فيما تمثل القوميات غير الفارسية حوالي 39%. ومن بين القوميات غير الفارسية، يمثل الآذريون (16%)، والأكراد (10%), واللور (6%)، والعرب (2%)، والتركمان (2%)، والبلوش (2%)، وأخرى (1%)(2 ). ومن الناحية المذهبية، يدين ما يقرب من 84% من السكان بالمذهب الشيعي، فيما يشكل السنة 15%، وتتوزع نسبة الـ1% الباقية بين الأرثوذكس الأرمن واليهود والزرادشت وغيرهم.

واللافت في هذا السياق، هو أن معظم القوميات الإيرانية موجودة على الحدود مع الدول الأخرى. فالعرب فى الجنوب والجنوب الغربي، والبلوش فى الجنوب والجنوب الشرقي، والتركمان فى الشمال والشمال الشرقي، والآذريون فى الشمال والشمال الغربي وأجزاء فى الوسط، والأكراد فى الغرب.

وبنظرة سريعة على الخريطة العرقية فى المنطقة المحيطة يتضح أن هذه القوميات لها امتداداتها فى الخارج، فالعرب يمتدون إلى العراق ودول الخليج فى الجنوب، والبلوش لهم امتدادهم فى إقليم بلوشستان فى باكستان وأفغانستان، أما التركمان فيجاورون تركمانستان، والآذريون يقطنون جنوب جمهورية أذربيجان، والأكراد جزء من الإقليم الكردى الكبير فى تركيا وكردستان العراق.

وجود تلك القوميات على الحدود يفرض تهديدا جديا للأمن القومي الإيراني، لأنه يسهل من اختراقها من قبل قوى وأطراف إقليمية ودولية تتشابك مصالحها مع إيران في العديد من الملفات الإقليمية.

وقد بدأت جهات عديددة داخل إيران في إطلاق تحذيرات من اختراق بعض التنظيمات، مثل تنظيم “داعش”، للحدود الإيرانية، سواء من الغرب، إذ يتمدد بنجاح في شمال العراق رغم الضربات العسكرية التي يشنها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، أو من الشرق، حيث تشير الدلائل إلى أن التنظيم بدأ يظهر في أفغانستان. بل وظهور بؤر سلفية متشددة في المناطق التي تقطنها الأقلية السنية في جنوب شرق إيران.

وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الداخلية الإيرانية، في 29 مايو 2015، عن إحباط مخططات إرهابية في مناطق مختلفة بالدولة، وأشارت إلى أن بعض العناصر الكردية المتطرفة حاولت إثارة النعرات القومية في بعض المدن مثل مهاباد وبيرانشهر، إلى جانب بعض العناصر البلوشية في إقليم سيسستان بلوشستان الذي تقطنه الأقلية السنية، والتي تؤسس علاقات وثيقة عابرة للحدود مع بعض الجماعات السنية داخل باكستان وأفغانستان( 3).

بدأت إيران تبني سياسة جديدة لمواجهة تلك احتمالات اختراق التنظيمات المتشددة لحدودها، منها إعادة فتح قنوات تواصل مع حركة “طالبان” الأفغانية، التي كانت أحد ألد خصومها الإقليميين خلال فترة توليها الحكم في أفغانستان في الفترة من 1996 و2001، من أجل تجنب حدوث تنسيق بين “داعش” وطالبان، على غرار التنسيق القائم بين الأخيرة وتنظيم “القاعدة”، بشكل يمكن أن يهدد مصالح إيران وأمنها القومي من ناحية الشرق.

واللافت في هذا السياق، هو أن بعض القوى الخارجية تسعى إلى دعم تكوين كتلة موحدة من القوميات الإيرانية بهدف الضغط على النظام، والحصول على دعم دولي لها، وهو ما يبدو جليا في تنظيم بعض المؤتمرات الخارجية للقوميات الإيرانية، على غرار المؤتمر الذي عقد في جنيف، في مارس 2015، وضم شخصيات معنية بحقوق الإنسان ونشطاء ينتمون للقوميات الإيرانية، فضلا عن المحامية الإيرانية الحائزة على جائزة نوبل شيرين عبادي. إلى جانب المؤتمر الآخر الذي عقدته منظمة “الشعوب غير الممثلة في الأمم المتحدة” UNPO، في بروكسل، في 2 و3 يوليو 2015، والذي حضره ممثلون عن عرب الأحواز والأكراد والبلوش، الذين اعتبروا أن إيران لا تمثلهم في المنظمات الدولية خاصة الأمم المتحدة(4 ).

لكن هذه الجهود تواجه عقبات عديدة أهمها فشل القوميات الإيرانية في الاتفاق على مشروع سياسي موحد يمكن التعامل من خلالها مع النظام السياسي الإيراني، إلى جانب اختلافها حول الآليات الممكن استخدامها في مواجهة سياسات الدولة، فضلا عن ضعف الدعم الدولي الذي تحظي به، خاصة في ظل اتجاه كثير من القوى الدولية، على غرار الولايات المتحدة الأمريكية والدولة الأوروبية، إلى فتح قنوات تواصل مع إيران من أجل تسوية الخلافات العالقة بين الطرفين وعلى رأسها أزمة الملف النووي، التي يمكن أن يؤدي الوصول إلى تسوية نهائية لها إلى تصاعد التسابق الدولي للحصول على نسبة من الاستثمارات والمشروعات المتوقع طرحها في السوق الإيرانية في مرحلة ما بعد إنجاز الصفقة النووية، بشكل سوف يؤدي إلى تراجع دعم قضية القوميات الإيرانية في أجندة أولويات القوى الدولية.

وتشمل خريطة التكوينات المجتمعية الإيرانية ما يلي:

1ـ القومية البلوشية:

تعتبر القومية البلوشية هى الأقدم بين الأقليات فى إيران التى تطالب بحقوقها والسماح لها بالمشاركة فى السلطة. ويعيش البلوش فى الجنوب والجنوب الشرقى من إيران فى محافظة سيستان – بلوشستان، وهى الأفقر ما بين المحافظات الإيرانية. ويعتبر البلوش أنفسهم جزءا أو امتداد للبلوش فى باكستان (الذين تتراوح أعدادهم حسب بعض التقديرات ما بين 4 إلى 8 ملايين نسمة) وأفغانستان.

وتقول القومية البلوشية أنها تتعرض لظلم تاريخي بسبب اضطهاد القوى الاستعمارية، التي قامت بترسيم الحدود الجغرافية بين دول المنطقة بشكل لم يراع التشابكات العرقية والمذهبية، ما أدى في النهاية إلى تقسيمها إلى عدة أقليات في دول مختلفة.

ويبدو تحرك البلوش، كأقلية إيرانية تحاول الدفاع عن حقوقها، هو الأقوى والأشرس والأكثر تواصلا. فمنذ عام 2003 برز بينهم تنظيم “جند الله” الذى نفذ العملية التي وقعت في مبني بلدية مدينة سرباز بمحافظة سيستان بلوشستان يوم 18 أكتوبر 2009، وأودت بحياة أكثر من 15 عنصرا من قوات الحرس الثوري علي رأسهم نائب قائد القوات البرية في الحرس العميد نور علي شوشتري، وقائد القوات البرية في محافظة بلوشستان محمد زاده( 5).

كما أعلن التنظيم مسئوليته عن التفجيرين الذين وقعا في محافظة زاهدان في 15 يوليو 2010، وأسفرا عن مقتل 27 وإصابة ما يقرب من 270، وذلك ردا علي قيام السلطات الإيرانية بإعدام زعيمه عبد الملك ريجى في 20 يونيو 2010، بعد أن أجبرت المقاتلات الإيرانية طائرة كانت تقله من قيرغيزستان إلى دبي، حسب بعض المسئولين الإيرانيين، على الهبود في مطار بندر عباس في جنوب إيران بهدف اعتقاله( 6).

ورغم تراجع قوة التنظيم تدريجيا منذ تلك الفترة، إلا أن ذلك لم يحل دون تصاعد العمليات التي يتعرض لها قادة وعناصر بعض المؤسسات الأمنية، حيث ظهرت مجموعات أخرى نجحت في استغلال الامتدادات العرقية العابرة للحدود بين إيران وباكستان في تنفيذ عمليات ضد أهداف تابعة لحرس الحدود والحرس الثوري.

فعلى سبيل المثال، تبني تنظيم ما يسمى بـ”جيش العدل”، عملية قتل 8 جنود من حرس الحدود، في 8 أبريل 2015، وكان قد قام بعملية مماثلة، في 27 أكتوبر 2013، أدت إلى مقتل 14 عنصرا من قوات حرس الحدود. كما نفذ، في فبراير 2014، عملية اختطاف لخمسة من عناصر حرس الحدود، لكنه عاد وأفرج عنهم في أبريل 2014 بعد أن قتل أحدهم(7 ). إلى جانب أنه أسقط مروحية تابعة للحرس الثوري في نوفمبر 2013(8 ).

وقد أدى تواصل تلك العمليات إلى حدوث توتر في العلاقات بين إيران وباكستان، بعد أن اتهمت الأولي جهاز الاستخبارات الباكستاني بدعم العمليات التي يشنها “جيش العدل”، وهو ما تنفيه باكستان، كما اتجهت إيران إلي بناء جدار على طول حدودها مع باكستان وأفغانستان، التي تصل إلى 1800 كيلو متر، وذلك لتحقيق أهداف عديدة أهمها منع تسلل العناصر الإرهابية لتنفيذ عمليات عبر الحدود، إلى جانب وقف عمليات تهريب المخدرات، خاصة عبر الحدود الإيرانية- الأفغانية.

وإلى جانب “جيش العدل”، فقد تأسست بعض المنظمات الأخري مثل الجبهة المتحدة لبلوشستان إيران، وحزب الشعب البلوشي، والمنظمة الديمقراطية لشعب بلوشستان، والمجلس الوطني البلوشي.

2ـ القومية العربية:

كان عرب الأحواز، الذين دأبت الحكومات الإيرانية المتعاقبة على وصفهم بـ”عرب اللسان”، وما زالوا عرضة لسياسات التمييز العنصرى والطائفي، مع أنهم ساهموا بشكل مميز فى إسقاط نظام الشاه ونجاح الثورة الإسلامية عام 1979، ثم شاركوا فى الحرب الإيرانية – العراقية (1980-1988).

ورغم أن منطقة خوزستان (الأحواز) التى يقطنها العرب تعد أحد المصادر الأساسية للنفط الإيراني، إلا أنها تبقى الأقل تنمية والأكثر تعرضا للتمييز الاقتصادي والاجتماعي. ويدعي عرب الأحوز أن هذه السياسة الفارسية مقصودة كى تبقى منطقتهم متخلفة وفقيرة. بل إنهم يتهمون السلطات الإيرانية بتنظيم عمليات لتصحر الإقليم من خلال ربط نهر الأحواز بمناطق خارج الإقليم وتحويل المياه المعدنية إليها.

وقد ظهرت في مناطق الأحواز بعض المنظمات التي حاولت الدفاع عن حقوقها(9 )، مثل حزب التضامن الديمقراطي الأحوازي، الذي تأسس عام 2003، ويعتبر أول تنظيم يتبني فكرة النضال السلمي في مواجهة الدولة، والتنسيق مع القوميات الإيرانية الأخري، وهو المنظمة العربية الوحيدة التي تشارك في مؤتمر شعوب إيران الفيدرالية، الذي يضم 18 تنظيما يمثل القوميات الإيرانية، كما أنه يمثل العرب الأحواز في منظمة الشعوب غير الممثلة في الأمم المتحدة.

كما تكونت الجبهة الديمقراطية الشعبية للشعب العربي الأحوازي في عام 1990، وتسعي إلي جمع الأحواز في إطار جبهوي للمطالبة بحق تقرير المصير حتي تحقيق الاستقلال.

وظهرت بعض المنظمات الأخري مثل الحركة الثورية الديمقراطية التي تأسست عام 1980 وتتبني قضية الحكم الذاتي، واللجنة الثقافية الأحوازية التي نشأت عام 1982، وجبهة تحرير خوزستان، والجبهة العربية لتحرير الأحواز.

3ـ القومية الآذرية:

رغم أن العديد من الكتابات تشير إلى أن بعض مسئولي النظام ينتمون إلى تلك القومية، على غرار المرشد الأعلى للجمهورية على خامئني ورئيس الوزراء الأسبق زعيم ما يسمي بـ”الحركة الخضراء” مير حسن موسوي، إلا أن ذلك لا ينفي أن القومية الآذرية تواجه، مثل القوميات الأخرى، مشكلات عديدة على غرار التهميش الاقتصادي والإقصاء السياسي وغيرها.

إذ تشهد منطقة أذربيجان الإيرانية التى تسكنها الأقلية الآذرية، اضطرابات مستمرة منذ عام 2006، على خلفية قيام صحيفة “ايران” الحكومية المحسوبة على التيار المحافظ بنشر كاريكاتير يصور فتى يردد كلمة “صرصار” بالفارسية بعدة نبرات أمام صرصار يسأله “ماذا؟” باللغة الآذرية(10 ).

وحسب بعض التقديرات، فإن تعداد الأقلية الآذرية يتراوح بين 15 و20 مليون نسمة، ومعظمهم من الشيعة، ويحظون بمكانة اجتماعية مرموقة في العاصمة طهران، لاسيما في انتماء بعض عناصرها إلى طبقة البازار، وهى الطبقة التجارية الأكثر نفوذا داخل إيران، بسبب ارتباطها دائما بالنظام ونخبة رجال الدين.

ورغم أن السلطات حاولت تقليص حدة الأزمة عندما قررت تعليق الصحيفة عن الصدور وتوقيف الرسام وأحد المحررين فيها ورئيس التحرير، إلا أن ذلك لم يحل دون اندلاع المظاهرات فى العديد من مدن شمال غرب إيران، مثل تبريز وأروميه وأردبيل، بل وانتقالها إلى مناطق أخرى.

وقد كانت الموجهات المستمرة في مناطق الآذار سببا فى توتير العلاقات بين إيران وجمهورية أذربيجان. إذ تتهم باكو طهران بدعم منظمات إسلامية راديكالية تقوم بنشاطات سرية فى أذربيجان، بينما تقول إيران أن أحزابا قومية فى أذربيجان تساند مجموعات آذرية إيرانية مستقرة فى باكو تطالب بتوحيد ما تصفه هذه المجموعات بأذربيجان الشمالية (أى جمهورية أذربيجان) وأذربيجان الجنوبية (ولايات أذربيجان الغربية والشرقية وأردبيل الإيرانية).

والأكثر من ذلك احتجت إيران بصورة رسمية وعن طريق سفيرها فى باكو ضد حكومة أذربيجان لنشر خريطة لأذربيجان الكبرى تضم علاوة على جمهورية أذربيجان، الولايات الإيرانية المذكورة وأقساما أخرى من شمال إيران (جنوب بحر قزوين) يقطنها أتراك إيرانيون.

من هنا ربما يمكن تفسير أسباب تصاعد حدة التوتر بين إيران وأذربيجان بين فترة وأخرى، في أبريل 2013، عقب قيام بعض نواب البرلمان الأذري بطرح مشروع لتغيير اسم الدولة إلى أذربيجان الشمالية للدلالة على انقسام الآذريين إلى دولتين هما أذربيجان الشمالية وهي أذربيجان الحالية، وأذربيجان الجنوبية وهى المحافظة الإيرانية التي يقطنها الآذريون، وذلك على غرار كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية.

وفي مارس من العام نفسه دعا رئيس تحرير صحيفة “كيهان” (الدنيا) إلى إجراء استفتاء على ضم أذربيحان إلى إيران، باعتبارها كانت جزءا من الإمبراطورية الإيرانية قبل اقتطاعها من قبل روسيا، وذلك ردا على قيام باكو باستضافة مؤتمر الحركة الوطنية لتحرير أذربيجان الجنوبية التي تسعى إلى استقلال المحافظة الإيرانية عن إيران(11 ).

4ـ القومية التركمانية:

لا يختلف الوضع كثيرا لدى الأقلية التركمانية القاطنة فى المناطق الشمالية الغربية. ففى بداية شهر أبريل 2008، توتر الوضع على الحدود مع تركمانستان، عندما قتل الحرس الثورى بحارا تركمانيا، وازداد الوضع تأزما ففرضت طهران حالة الطوارئ على بعض المناطق، وكان ذلك أحد الأسباب التى دفعت تركمانستان إلى وقف تصدير الغاز إلى إيران فى يناير 2008.

كما تصاعدت حدة الاستياء في مناطق التركمان، في أغسطس 2014، بسبب ما تدعيه بعض المنظمات المدافعة عن حقوقهم، مثل جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان التركماني، من تبني الدولة لسياسة “تفريس” التعليم في مناطق خراسان الشمالية وغلستان وخراسان رضوي وهى المناطق التي يضمها إقليم “تركمن صحراء”، من أجل القضاء على لغتها الأصلية( 12).

5ـ القومية الكردية:

تبدو مناطق جبال زاجروس على امتداد الحدود الإيرانية مع تركيا والعراق، والتى يقطنها أكراد إيران، مرشحة لمزيد من التوتر نتيجة الشكوى المتزايدة من جانب الأكراد بأنهم يتعرضون لاضطهاد منظم من قبل السلطات الإيرانية، إذ يحظر عليهم تعلم اللغة الكردية فى المدارس، ويواجهون صعوبات فى نشر الأدب الكردي.

وعلى الرغم من أن الحركات الكردية الرئيسية وهى “الحزب الديمقراطى الكردستانى الإيراني” ومنظمة “كومله” قد أوقفت ومنذ ما يقارب عشر سنوات جميع أنشطتها المسلحة، إلا أن ذلك لم يحد من ظهور حركات كردية مسلحة جديدة فى هذه المنطقة، ومن أبرزها منظمة “الحياة الحرة” أو “بيجاك” (PJAK) القريبة من حزب العمال الكردستانى التركي والتي قامت بشن هجمات مسلحة ضد القوات الإيرانية كان آخرها اغتيال قولي زاده المدعي العام لمدينة خوي في منطقة أذربيجان الغربية شمال غرب إيران، في 19 يناير 2010(13 ).

وتواجه السلطات الإيرانية صعوبات عديدة في مساعيها لتعقب ومحاصرة عناصر الحركة الذين يتحصنون داخل مواقع في المناطق الجبلية النائية شمال شرق العراق عند المنحدرات السحيقة لجبال قنديل، حيث ينطلقون منها لشن هجمات ضد القوات الإيرانية، ونجحوا من خلالها في تكبيد الشرطة الإيرانية أكثر من 120 قتيلا خلال خمس سنوات تقريبا. وعلي خلفية عمليات القصف المستمرة التي قامت بها القوات الإيرانية لمواقع الحركة في الجبال، هدد المكتب السياسي للحركة في أبريل 2009، بنقل المواجهات العسكرية إلى العاصمة طهران، وهو ما دفع الحكومة إلي تقليص تصعيدها الأمني مع عناصر الحركة علي الحدود مع العراق.

ومع قيام السلطات الألمانية باعتقال حاجي أحمد المسئول الأول في الحركة، في 7 مارس 2011، بذلت إيران جهودا حثيثة لتسلمه من برلين، لكن هذه الجهود باءت بالفشل بعد الإفراج عنه، وهو ما دفع طهران إلي استدعاء السفير الألماني لديها وإبلاغه تنديد الحكومة الإيرانية بقرار برلين، معتبرة أن ذلك يمثل جزءا من خطة غربية لفرض ضغوط علي إيران للتراجع عن مواقفها المتشددة في أزمة الملف النووي الإيراني، من خلال دعم المنظمات المسلحة الموجودة في مناطق الأقليات(14 ).

وقد تصاعدت حدة التوتر في معظم مناطق الأكراد، خاصة مدينة مهاباد، بداية من 7 مايو 2015، عقب انتحار فتاة كردية تجنبا لاغتصابها من جانب أحد ضباط الأمن، ما أدى إلى اندلاع مواجهات بين الشرطة والمحتجين الأكراد.

وقد اكتسبت هذه المواجهات خاصا بفضل عاملين:

أولهما، أنها وقعت في مدينة مهاباد التي كانت عاصمة للدولة الكردية التي تأسست عام 1946 لكنها لم تدم طويلا بسبب نجاح الجيش الإيراني في اجتياحها من جديد وإعادة رئيسها قاضي محمد.

وثانيهما، تزامنها مع تصاعد أهمية القضية الكردية على الساحة الإقليمية، خاصة في ظل تطلع إقليم كردستان إلى استثمار الأزمتين الأمنية والسياسية العراقية من أجل تكريس وضعه شبه المستقل داخل الدول العراقية، إلى جانب تزايد احتمالات نجاح أكراد سوريا في تأسيس إقليم كردي مستقل في شمال سوريا، على ضوء اتساع نطاق الصراعات الداخلية المسلحة بين نظام الرئيس السوري بشار الأسد وقوى المعارضة المسلحة، ودخول الأكراد كطرف رئيسي في الحرب ضد تنظيم “داعش” في سوريا والعراق.

وبالإضافة إلى التنوع القائم على أسس ثومية أو حتى عرقية أو مذهبية، يوجد أيضاً تنوع قبلي في المجتمع الإيراني. حيث يتكون من عدد كبير من القبائل تعود أصولها إلى ثلاثة جهات رئيسية: الأولي، القبائل التي انتقلت من آسيا الوسطي واستقرت في إيران، على غرار اللور والبختياريين والجيلاكيين والبلوش. والثانية، القبائل التي تنحدر من مناطق الجوار، مثل أذربيجان وتركيا والدول العربية. والثالثة، القبائل التي تعيش في وسط إيران والتي تنحدر من الأصول الآرية.

وتنقسم معظم تلك القبائل الرئيسية إلى مجموعة من القبائل الأصغر، وتشير بعض التقديرات إلى وجود أكثر من 1000 قبيلة داخل إيران لكل من أنها عادات وتقاليد مختلفة.

وتعد قبيلة الأفشار من أهم وأشهر القبائل في إيران، حيث انتقلت إلى الأخيرة مع السلاجقة والمغول، وقد استقرت في المناطق القريبة من بحر قزوين وبحيرة أروميه وهمدان، لكن بعض أفرادها يعيشون في بندر عباس وكرمان وأذربيجان.

أما قبيلة بختياري فتعيش في جبال زاجروس وفي جنوب غرب اصفهان، وحول مدينة شهر كرد، وخوزستان وبختياري، وتنقسم إلى قسمين: هافت لانج، وجهار لانج، التي تنقسم بدورها إلى قبائل أصغر أو ما يسمي طائفة في إيران.

ورغم أن معظم أبناء تلك القبائل يتحدثون الفارسية باللهجة اللورية البختيارية، إلا أن بعضهم يتقن اللغة العربية. وقد نظمت تلك القبائل احتجاجات في فبراير 2014، بعد عرض مؤسسة الإذاعة والتليفزيون مسلسل بعنوان “الأرض العتيقة”، اعتبرته مهينا لأنه يصور عائلة بختيارية على أنها فاسدة وملكية، وكانت تخدم الإنجليز في فترة الاحتلال. ما يتناقض، وفق رؤيتها، مع الدور التاريخي الذي مارسته القبيلة، على غرار دورها في الثورة الدستورية التي شهدتها إيران في عام 1906. وقد دفع ذلك السلطات إلى وقف عرضه، خاصة بعد أن طلب 60 نائبا في مجلس الشوري الإيراني بوقف عرض المسلسل(15 ).

في حين تقطن قبيلة البلوش مناطق زاهدان وخراسان في شمال شرق إيران، وفي إقليم مقرن في جنوب شرق إيران، على الحدود مع باكستان. بينما تعد قبيلة جيلاك من القبائل الأصلية في إيران حيث تتحدث الفارسية وتقطن المحافظات البحرية في إيران، خاصة بالقرب من بحر قزوين مثل محافظة جيلان كما يعيش قسم منها في محافظة طهران.

أما قبائل اللور الكردية فتقطن مناطق جنوب كردستان ومحافظة كرمنشاه إلى جانب شهر كرد وعيلام ولورستان. في حين تسكن قبيلة القشقائي، وهي قبائل رعوية تركمانية تتحدث اللغة التركية، الجبال العالية من محافظة فارس وجبال زاجروس وجنوب غرب شيراز بالقرب من الخليج. بينما انتقلت قبيلة التركمان، وهى قبائل تركية الأصل، من آسيا إلى شمال شرق إيران، لاسيما في خراسان ومازندران.

ثانياً: المشكلات المجتمعية:

يعاني المجتمع الإيراني من عدة مشكلات وأزمات ممتدة عبر تكويناته. ونظراً لأن فئتي الشباب والمرأة تشكلان غالبية المجتمع، فإن تناول المشكلات التي تعانيها هاتان الفئتان يكشف لوضوح طبيعة أزمات المجتمع الإيراني بشكل عام.

1ـ الشباب

يعتبر الشباب شريحة مهمة في المجتمع الإيراني الذي تشير تقديرات عديدة إلى أنه مجتمع شاب، حيث تكشف بعض الاتجاهات عن أن 60% من السكان الإيرانيين ممن تقل أعمارهم عن 30 عاما(16 ).

وقد حاول النظام السياسي منذ نجاح الثورة الإسلامية في عام 1979 احتواء تلك الشريحة من خلال السماح بانضمام أفرادها إلى المؤسسات الأمنية على غرار ميليشيات الباسيج، إلى جانب المؤسسات الخيرية الاجتماعية التي تنشط في المناطق الفقيرة.

ورغم أن تلك الإجراءات أدت في النهاية إلى تكوين حشد شبابي موالي للنظام ومدافع عن سياساته المتشددة، إلا أن ذلك لا ينفي أن نسبة كبيرة من الشباب دعمت قوى التيار الإصلاحي، لاسيما التي تبنت توجهات ليبرالية على غرار توسيع هامش الحقوق والحريات العامة والانفتاح على الخارج وتكريس دور المؤسسات المنتخبة من جانب الشعب، التي تمثلها رئاسة الجمهورية ومجلس الشوري الإسلامي (البرلمان) داخل عملية صنع القرار مقابل تقليص نفوذ المؤسسات الراديكالية على غرار مجلس صيانة الدستور والحرس الثوري الذي اتسع نطاق نفوذه، السياسي والاقتصادي، خلال المرحلة الماضية.

وقد كان للشباب دور في الأزمة السياسية التي فرضتها نتائج الانتخابات الرئاسية التي أجريت في يونيو 2009 وأسفرت عن فوز الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد بفترة رئاسية ثانية، حيث دعم مطالب ما يسمى بـ”الحركة الخضراء” التي قادها رئيس الوزراء الأسبق مير حسين موسوي، التي ادعت ارتكاب عمليات تزوير في الانتخابات، وهو ما كان سببا في اندلاع احتجاجات واسعة داخل طهران وبعض المدن الأخرى، ومواجهات بين المحتجين وقوات الأمن أسفرت عن مقتل وإصابة واعتقال عدد منهم.

كما كان الشباب أحد أهم الشرائح الاجتماعية الرئيسية التي ساهمت في فوز الرئيس حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في يونيو 2013، على أربعة من المحافظين الأصوليين المقربين من قيادة النظام ممثلة في المرشد الأعلى على خامنئي.

وبالطبع، فإن ارتفاع معدل البطالة داخل تلك الشريحة يثير قلقا واضحا لدى السلطات الإيرانية، فوفقا لتقديرات عديدة، فإن نسبة البطالة في شريحة الشباب وصلت إلى 25.70% في نهاية عام 2014( 17).

ويسهم ذلك في اندلاع أزمات اجتماعية أخرى، على غرار الإدمان والانتحار فضلا عن ما يسمى بـ”الزواج الأبيض” أو “المساكنة وهو ما يمكن تناوله فيما يلي:

أ- الإدمان:

وفقا لبعض التقديرات، فإن حوالي 6 مليون من إجمالي عدد السكان يعانون من مشكلات مرتبطة بالمخدرات. لكن بعض الإحصاءات تكشف أن عدد المدمنين في إيران يصل إلى 2 مليون. وقد انتشر الإدمان في كل الطبقات الاجتماعية، حيث تعد إيران من أعلى البلاد في العالم في إدمان الأفيون.

وتشير اتجاهات عديدة إلى أنه مع الوضع في الاعتبار أن متوسط عدد أفراد الأسرة الواحدة يصل إلى أربعة أفراد، فإن إجمالي عدد المرتبطين بالمدنيين، بدرجة مباشر أو غير مباشر، يتراوح بين 8 إلى 10 ملايين شخص.

ومن دون شك، فإن انتشار ظاهرة الإدمان داخل المجتمع الإيراني يعود إلى الحدود الطويلة مع أفغانستان التي تعتبر المصدر الأول للأفيون في العالم، حيث تحولت إيران إلى معبر للمخدرات من أفغانستان إلى أوروبا عبر شبكات تهريب واسعة النطاق. فضلا عن ذلك فإن القوانين الحكومية الصارمة ضد شرب الكحول تجعل الأفيون ومشتقاته، وفقا لتقارير عديدة، رخيصة وقوية ومتاحة.

وتفسر بعض الاتجاهات ارتفاع معدلات الإدمان بـ”الثورة الاجتماعية” التي شهدتها إيران بفعل وسائل التواصل الاجتماعي التي خلقت جيلا من الشباب بدأ يتمرد على الالتزام بالتعاليم الصارمة للنظام الإسلامي، حيث انخفضت معدلات المواليد والزواج في مقابل ارتفاع نسب الطلاق.

وتشير تقديرات حكومية إلى أن عدد النساء المدمنات ارتفع بنسبة 100% خلال السنوات الثماني الماضية، وتمثل المرأة 9.3% من الإيرانيين المتأثرين بالإدمان. ووفقا لإحصاءات عديدة، فإن أكثر من 50% من النساء الذي يدمنون المخدرات لأول مرة تتراوح أعمارهن بين 15 إلى 19 عاما، وذلك يعود إلى اعتبارات عديدة منها الشعور بالتمييز الجنسي مع الرجال، فرغم أن 60% من خريجي الجامعات هم من النساء إلا أن ذلك يقابل بضعف فرص العمل المتاحة لديهن( 18).

ب- الطلاق:

كما تصاعدت ظاهرة الطلاق في الأعوام الأخيرة، فتبعا لبعض الإحصاءات فإن معدل الطلاق ارتفع منذ عام 2006 بمقدار مرة ونصف، إذ وصل إلى 20% من عدد الزيجات، حيث تقع حالة طلاق بين كل خمس زيجات. وفي عام 2014 كانت المحاكم الإيرانية تنظر في 14 مليون دعوى طلاق .

ويعود تزايد معدلات الطلاق إلى أسباب عديدة أهمها ارتفاع مستوى تعليم المرأة ووضعها الاقتصادي، فضلا عن إدمان المخدرات، وقد أصبحت ظاهرة إقامة حفلات للطلاق شائعة في إيران خلال الأعوام الأخيرة.

جـ- “الزواج الأبيض”:

بدأت ظاهرة “المساكنة” أو “الزواج الأبيض” في الانتشار داخل إيران، خاصة فى بعض المدن الكبرى وعلى رأسها العاصمة طهران، وهى الظاهرة التي يعيش من خلالها الفتاة والشاب مع بعضهما كشريكين فى مسكن واحد، دون أن يكون بينهما الرباط الرسمى للزواج، ودون أن تجمعهما علاقة زوجية، وهو ما دفع بعض الاتجاهات إلى التحذير من المخاطر الاجتماعية المحتملة التي يمكن أن تنتج عن انتشار تلك الظاهرة، بل إن بعض الخبراء اقترحوا ضرورة تشكيل وزارة للزواج، في حين بدأت الحكومة في تبني سياسات لتحفيز الزواج والإنجاب من خلال منح أجازة وضع أطول للزوجة ومنح إعانة للزواج وغيرها وتوفير رعاية طبية بالمستشفيات بالمجان.

2- المرأة

تمارس المرأة دورا مهما في المجالات المختلفة داخل إيران، فوفقا لبعض الإحصاءات فإن 60% من خريجي الجامعات من النساء. كما كان للمرأة دور مهم في نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، وبدأت بعد تأسيس نظام الجمهورية الإسلامية في تفعيل مشاركتها السياسية في بعض المؤسسات، على غرار مجلس الشوري الإسلامي (البرلمان)، حيث تم انتخاب أربعة نائبات في المجلس في الانتخابات التي أجريت عام 1980.

وطبقا لبعض التقديرات، فإن هناك أكثر من 500 امرأة في المجالس البلدية في الوقت الحالي. كما تكشف تقديرات أخرى عن وجود 600 امرأة ناشرة و90 مديرة صحيفة، و97 مديرة لمؤسسات ثقافية. وتشغل المرأة أيضا مناصب مهمة في بعض البنوك والعديد من الجامعات(19 ).

وقد وصلت المرأة الإيرانية إلى منصب نائب الرئيس في عهد الرئيس الأسبق محمد خاتمي، الذي قام بتعيين معصومه ابتكار، وهى إحدي الطالبات التي شاركت في احتلال السفارة الأمريكية بطهران عام 1979، في منصب نائب الرئيس لشئون البيئة، وهو المنصب نفسه الذي تم تعيينها فيه بعد وصول الرئيس حسن روحاني إلى رئاسة الجمهورية في أغسطس 2013، الذي قام بتعيين امرأتين أخريين في منصب نائب الرئيس، هما الهام امين زاده للشئون القانونية، وشهبندخت مولاوردي لشئون النساء والأسرة.

كما تولت المرأة منصب الوزير في عهد الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، الذي عين مرضية وحيد دستجردي في منصب وزيرة الصحة عام 2009.

كذلك عينت المرأة في مناصب أخرى مهمة، فلأول مرة تتولي امرأة منصب المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية وهى مرضية أفخم التي تم ترشحيها لتكون أول سفيرة لإيران في الخارج. فيما شغلت منصورة شريفي صدر أول قائم بأعمال إيراني في السفارة الإيرانية بطوكيو.

ورغم ذلك، فإن المرأة ما زالت تواجه تحديات عديدة، فعلى سبيل المثال، هناك خلاف واسع داخل إيران حول تفسير المادة (115) من الدستور التي تنص على أن يكون انتخاب الرئيس من بين الرجال المتدينين السياسيين.

وقد تعرضت تلك المادة لتفسيرات عديدة، حيث أشارت التيارات المحافظة إلى أنها تمنح حق الترشح للانتخابات الرئاسة للرجل فقط، فيما أشارت تيارات أخرى إلى أن المشرع لم يقصد “الرجال” بالمعني الذكوري للكلمة، وإنما استخدمها من باب إطلاق الجزء علي الكل، على غرار ما ذكر في كثير من الآيات القرآنية مثل الآية: “رجال لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله”. سورة النور الآية 37.

وقد تصاعدت حدة الجدل في الفترة الأخيرة حول بعض القيود الاجتماعية المفروضة علي المرأة في إيران، على غرار منعها من دخول الملاعب الرياضية، خاصة بعد حضور بعض المشجعات الإيرانيات مبارة الكرة الطائرة بين منتخبي إيران والولايات المتحدة الأمريكية في يونيو 2015.

إذ يحظي وجود النساء في الملاعب الرياضية بحساسية خاصة في إيران، حتى أنه يتم تأخير البث التليفزيوني لبعض المباريات بهدف إزالة اللقطات التي تظهر فيها مشجعات، وإن كان ذلك تقلص إلى حد ما خلال مشاركة إيران في مباريات كأس العالم الأخيرة. وقد اعتقلت السلطات بعض الفتيات اللائي كن يتظاهرن للدخول في ملعب آزادي لمشاهدة مباراة في كرة الطائرة بين إيران وإيطاليا، وهو ما حظى باهتمام دولي بدا جليا في تهديد الاتحاد الدولي للكرة الطائرة لإيران بعدم السماح لها باستضافة بطولات دولية في الكرة الطائرة، في حالة رفضها فتح الملاعب أمام النساء.

ثالثاً: تعامل الدولة مع مشكلات المجتمع:

يمكن القول إن السياسات التي تبنتها الدولة في التعامل مع المشكلات الاجتماعية المختلفة كانت أحد الأسباب الأساسية التي أدت إلى استفحال تلك المشكلات وتزايد تأثيراتها على الفئات المجتمعية المختلفة. وبسبب تعدد وتعقد تلك السياسات، فقد تم التركيز على بعض جوانبها الخاصة بالتعليم والحركات الاجتماعية الجديدة، وهو ما يمكن تناوله على النحو التالي:

1ـ حركات اجتماعية ضعيفة:

اكتسبت قضية الأقليات اكتسبت أهمية خاصة لدي بعض الحركات الاجتماعية التي ظهرت في إيران ودعمتها بعض الحكومات المتعاقبة في مرحلة ما بعد الثورة، وبالتحديد في عقد التسعينيات من القرن الماضي، حيث كان مبدأ “إيران لكل الإيرانيين” أحد أهم الشعارات التي تبنتها تلك الحركات.

ورغم أنها منحت الأولوية لقضية الإصلاح السياسي والتغيير الديمقراطي، إلا أنها اعتبرت أن هذا الإصلاح والتغيير لن يحدث إلا في حالة تطبيق مبادئ الدستور وعلى رأسها المساواة ما بين أطياف الشعب الإيراني، وعدم التمييز على أساس العرق أو الدين.

من هنا اعتمدت الحركة الإصلاحية التي انطلقت من داخل أحد أحد التيارات الدينية التي شاركت في الثورة وأعلنت ولائها لنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية وولاية الفقيه، التي تشكل المحور الأساسي للنظام، وهو مجمع “روحانيون مبارز” (مجمع رجال الدين المبارزين) وقادها الرئيس الأسبق محمد خاتمي ونخبة من تيار الإصلاحيين الذي سيطر على رئاسة الجمهورية والبرلمان في الفترة من عام 1997 وحتى عام 2005، على مبدأ عدم التمييز العرقي والمذهبي.

بل إنها اتخذت خطوات تنفيذية في هذا السياق، على غرار توسيع هامش الحريات والحقوق الممنوحة للأقليات ومنح تراخيص لبعض وسائل الإعلام في تلك المناطق، فضلا عن تعيين بعض عناصرها في مناصب مرموقة داخل مؤسسات الدولة، مثل علي شمخاني وزير الدفاع في عهد الرئيس خاتمي، الذي ينحدر من أصول عربية وينتمي إلى منطقة الأحواز العربية.

كما تعمد خاتمي في تلك الفترة ضم أحد النواب اليهود في مجلس الشوري الإسلامي (البرلمان) موريس معتمد إلى الوفد البرلماني الإيراني الذي قام بزيارة الأمم المتحدة وشارك في اجتماع برلمانات الدول الأعضاء في المنظمة، في أغسطس 2000، للرد على الحملات الدولية ضد إيران بسبب اعتقال بعض اليهود الإيرانيين بتهمة التجسس لصالح إسرائيل(20 ).

وفي تلك الفترة، ظهرت حركات اجتماعية أخرى نسائية وشبابية اهتمت بدعم أواصر العلاقات بين المكونات الاجتماعية الإيرانية، من خلال الدعوة إلى تأسيس بنية تحتية وتوفير الخدمات الصحية والتعليمية للمناطق الهامشية التي تقطنها الأقليات، ومنحهم حقوقهم السياسية والاجتماعية التي كفلها الدستور وغيرها.

لكن مع وصول الرئيس أحمدي نجاد إلى السلطة، بدأت تلك الحركات الاجتماعية تضعف تدريجيا بسبب السياسات اليمينية المتشددة التي تبنتها الحكومة في الفترة من عام 2005 وحتى عام 2013، حيث اتهمت بعض القوميات الإيرانية الحكومة بتبني سياسة تقوم على “تفريس” مؤسسات النظام، بمعني تمكين الفرس من السيطرة على المؤسسات المختلفة بالدولة.

ومع ذلك، فإن الأمر لم يخل من ظهور حركات اجتماعية جديدة لكنها اتسمت بطابع قومي، على غرار الحركة التي قادها اسفنديار رحيم مشائي مستشار الرئيس أحمدي نجاد، والتي تبنت رؤي ليبرالية وقومية أثارت جدلا واسعا داخل إيران ودفعت رجال الدين والمرشد الأعلى للجمهورية على خامنئي إلى الضغط على الرئيس من أجل إقالة مشائي من منصب نائب الرئيس، وهو ما استجاب له أحمدي نجاد جزئيا حيث أنه أقاله من منصبه لكنه عينه مديرا لمكتبه( 21).

وقد اعتبرت تلك الحركة أن إيران إمبراطورية قومية قبل أن تكون إسلامية، وبمعني آخر، فإنها زعمت أن “قومية إيران سابقة على إسلاميتها”. ورغم أن هذا الطابع القومي كان من الممكن أن يدعم موقف الأقليات، لاسيما المذهبية، على اعتبار أنها “جزأ من الأمة الإيرانية”، إلا أن مسارعة رجال الدين إلى مواجهة هذه الحركة وتقييد نشاطها، على اعتبار أنها تتبني رؤي تفرض تهديدات حيوية لأسس نظام الجمهورية الإسلامية، خاصة أنها تمنح الأولوية للقومية على الإسلام، فضلا عن أنها لم تبد اهتماما كبيرا بمنصب الولي الفقيه عندما تبنت نظرية “العودة القريبة للإمام”(22 ) التي تعني انتفاء الحاجة لهذا المنصب الذي يقوم بدور الوسيط بين جمهور الشيعة والإمام إلى حين عودته حسب الرواية الشيعية، كل ذلك أدى إلى تراجع تأثيرها تدريجيا خلال الفترة الأخيرة، حتى خروج فريق الرئيس أحمدي نجاد من السلطة في عام 2013، حيث فاز الرئيس حسن روحاني بمنصب رئيس الجمهورية.

ورغم أن حكومة الرئيس حسن روحاني أبدت اهتماما خاصا بملف الأقليات، حيث أكد روحاني على أنه “لا يوجد مواطنين درجة ثانية في إيران”، في إشارة إلى سعيه إلى منح القوميات الإيرانية الحقوق نفسها التي يتمتع بها الإيرانيون الفرس والشيعة، كما أنه أعاد تعيين علي شمخاني في منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، إلا أن ثمة عقبات عديدة تواجهه في هذا السياق، أبرزها إصرار النظام على تكريس سيطرة العنصر الفارسي على مؤسساته المختلفة، لاسيما العسكرية والأمنية، في ظل هيمنة الجانب الأمني في السياسة التي تتبناها الدولة في التعامل مع القوميات، وهو ما يبدو جليا في الاتهامات الموجهة لبعض كوادر وعناصر الأقليات بالتعاون مع بعض القوى الخارجية لتقويض دعائم نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

2- التعليم الإيراني:

رغم أن ثمة اهتماما من جانب الدولة بتحسين مستوى التعليم، خاصة الجامعي، إلا أن ذلك لا ينفي أن ثمة مشكلات عديدة تواجه العملية التعليمية بمختلف مراحلها في إيران، أهمها عدم القدرة على استيعاب العدد المتزايد من الطلاب، فضلا عن تزايد الأزمات التي يواجهها المدرسون، خاصة فيما يتعلق بتدني مستوى المعيشة، وهو ما دفعهم في كثير من الاحيان إلى تنظيم وقفات واحتجاجات أمام وزارة التريبة والتعليم ومجلس الشوري الإسلامي (البرلمان)، على غرار ما حدث في أبريل 2015، للمطالبة بالمساواة بالفئات الأخرى، في مدن مثل طهران والكرج وهمدان وبندر عباس، إلى جانب الإفراج عن بعض المعلمين الذين قامت السلطات باعتقالهم بسبب مشاركتهم في الاحتجاجات.

وإلى جانب ذلك، تشير بعض التقديرات إلى أن الأمية في إيران تصل إلى 10 مليون من بينهم 3.5 مليون نسمة تحت سن خمسين عاما.

ورغم أن إيران سجلت نجاحا ملحوظا فيما يتعلق بالتعليم الجامعي تحديدا، لاسيما في ظل توافر عدد كبير من الجامعات والمعاهد العليا، التي تصل، وفقا للإحصاءات المتاحة، إلى 46 جامعة، و60 معهد عالي ما بعد الثانوي، و200 كلية ومعهد عالي ومؤسسة فنية، إلا أن ذلك ينتج، في المقابل، مشكلة أخرى لم تستطع الحكومات المتعاقبة احتواء تداعياتها، وتتمثل في ارتفاع معدل البطالة، خاصة في صفوف خريجي الجامعات والمعاهد العليا.

فقد كشف مركز الإحصاء الإيراني، في مايو 2014، أن معدل البطالة لدى الشباب في الفئة العمرية التي تتراوح بين 15 و24 عاما يصل إلى 24%. وقد دفع ذلك وزير العمل على ربيعي إلى التحذير، في 30 مايو 2014، من “تسونامي بطالة” يجتاح إيران، حيث قال أن “حوالي مليون و100 ألف خريج جامعي يدخلون سوق العمل الآن ولن يجدوا فرصة وسوف ينضم إليهم 4 مليون و500 ألف طالب سيتخرجون قريبا”، بشكل يمكن أن يفرض تداعيات سلبية عديدة، لاسيما على المستوى الاجتماعي( 23).

ورغم أن النظام حاول تكريس سيطرته على المؤسسات التعليمية، حيث تخضع بعض تلك المؤسسات لهيمنة الحرس الثوري الإيراني وبعض المؤسسات الاجتماعية على غرار جامعة الإمام الخميني في قزوين، إلا أن ذلك لا ينفي أن الحركة الطلابية في الجامعات مثلت رقما مهما في المشهد السياسي الإيراني، خاصة أنها مارست دورا مهما في دعم التيار الإصلاحي، لدرجة أدت في بعض الأحيان إلى اندلاع أزمات سياسية، مثلما حدث في عام 1999، حينما اقتحمت إحدى الميليشيات المساكن الجامعية لجامعة طهران وهاجمت الطلاب أثناء نومهم وألقوا ببعضهم من النوافذ واعتقلوا بعضهم الآخر، مما أدى إلى مقتل أربعة طلاب على الأقل فى تلك الحملة وجرح ثلاثمائة آخرين فيما زادت حصيلة المعتقلين عن أربعمائة. وحينما خرج الطلاب فى اليوم التالى فى تظاهرة احتجاجية على ما حدث لزملائهم واجهتهم مجموعات طلابية تنتمى لجماعة أنصار “حزب الله” بالجنازير والأسلحة البيضاء.

وسرعان ما عمت المظاهرات المدن الإيرانية وشارك فيها أهالى الطلاب وقارنها البعض بالمظاهرات التى صاحبت قيام الثورة الإسلامية عام 1979، حيث تحولت المطالبات من عزل رئيس شرطة طهران هدايت لطفيان وفتح باب التحقيق لمعاقبة المتسببين فى مقتل الطلاب إلى رفع شعارات تندد بتردى الأوضاع الاقتصادية وبطء مسيرة الإصلاحات السياسية.

وقد تكرر الأمر ذاته في عام 2009، عندما اعتقلت السلطات الإيرانية العديد من طلاب وكوادر الجامعات وطردت بعض أساتذة الجامعات من وظائفهم بسبب الأزمة السياسية التي أعقبت إجراء الانتخابات الرئاسية في هذا العام، بل إن بعض المؤسسات النافذة داخل الدولة مارست ضغوطا قوية من أجل حجب الثقة عن العديد من الوزراء المتعاقبين للتعليم العالي بحجة دعمهم لهذه الاحتجاجات.

وبالفعل، حجب مجلس الشوري الإسلامي (البرلمان) الثقة عن رضا فرجي دانا أول وزير للعلوم والتعليم العالي في حكومة الرئيس روحاني، بسبب اتهامه بـ”تسيس المناخ الأكاديمي في الجامعات”، بعد تعيينه مساعدين ومستشارين متهمين بدعم الاحتجاجات. ثم رفض البرلمان ثلاثة مرشحين لمنصب وزير العلوم والتعليم العالي، من قبل الرئيس حسن روحاني، ووافق على المرشح الرابع محمد فرهادي الذي تولي وزارة الصحة في حكومة الرئيس الأسبق محمد خاتمي.

رابعاً: التداعيات المجتمعية للاتفاق النووي:

من المتوضع بشدة أن يفضي الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة “5+1” (14 يوليو 2015) إلى تداعيات عديدة على الصعيد الاجتماعي داخل إيران، وذلك استنادا إلى متغيرين رئيسيين:

أولهما، أن العوائد المادية الأولية التي سوف تحصل عليها إيران، والتي تقدرها بعض المصادر بما يتراوح بين 100 إلى 150 مليار دولار، قد تدفع حكومة الرئيس حسن روحاني إلى منح الأولوية لحل المشكلات الحياتية الصعبة التي تعاني منها بعض المكونات الاجتماعية في إيران، على غرار القوميات الإيرانية، التي تعيش في مناطق تفتقد للخدمات المعيشية الضرورية، وهو ما مثل بيئة ملائمة لتصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية، التي تستهدف مصالح الدولة باستمرار.

وهنا فإن تلك الاتجاهات باتت تتحدث عن احتمال اتخاذ الحكومة خطوات إجرائية لرفع مستويات الخدمات الصحية والتعليمية، ومضاعفة معدلات التوظيف في تلك المناطق وتبني سياسة جديدة للتعامل مع الظواهر الاجتماعية السلبية على غرار التطرف والإدمان، لاسيما أن القوميات الإيرانية المختلفة تعاني من ارتفاع مستويات البطالة، بسبب تعمد مؤسسات الدولة استبعاد مواطنيها من الحصول على فرص عمل فيها وتغليب العنصر الفارسي على هيكلها التنظيمي.

وثانيهما، أن التداعيات المباشرة لهذا الاتفاق، ربما تنعكس إيجابيا على بعض الشرائح الاجتماعية الرئيسية مثل المرأة والشباب، على اعتبار أن نجاح التيار المعتدل الذي يقوده الرئيس حسن روحاني في الوصول إلى هذه الصفقة والتي حققت مكاسب عديدة لإيران، ربما يدعم جهوده في توسيع هامش الحريات والحقوق الاجتماعية والسياسية للإيرانيين، وهو أحد الالتزامات التي تعهد بها الرئيس حسن روحاني خلال الحملة الانتخابية الرئاسية في عام 2013، لكنه أجل تحقيقها إلى حين الوصول إلى الصفقة النووية مع الغرب، على أساس أن الأولوية كانت لرفع العقوبات الدولية المفروضة على إيران والتي أثقلت كاهل الاقتصاد الإيراني وفرضت ضغوطا غير مسبوقة على المواطن الإيراني.

وبعبارة أخرى، فإن تخلص إيران، تدريجيا، من الأزمات الاقتصادية التي سببتها العقوبات الدولية، ربما يدفعها إلى منح الأولوية لمعالجة الأزمات الأخرى، لاسيما على المستوى السياسي والاجتماعي، على غرار تمكين المرأة من الحصول على حقوقها السياسية بشكل كامل، وتصعيد الشباب داخل مؤسسات الدولة، وغيرها.

لكن هذه التوقعات ربما تواجه عقبا، من أهمها أن الحكومة قد تهتم بأولويات أخرى، على غرار رفع مستوى الخدمات الصحية والتعليمية وإعادة تأسيس البنية التحتية في العاصمة والمدن الرئيسية، التي تعاني بدورها من مشكلات عديدة فرضتها العقوبات الدولية.

فضلا عن أن الحكومة ربما تستمر، على خلفية الضغوط المتوقعة التي يمكن أن تتعرض لها من جانب بعض مؤسسات النظام، في تقديم مساعدات مالية للحلفاء الإقليميين لإيران، على غرار نظام الرئيس السوري بشار الأسد وحزب الله اللبناني وحركة الحوثيين في اليمن والميليشيات الشيعية في العراق، وهو ما يمكن أن يخصم من أية جهود قد تبذلها الحكومة لمعالجة مشكلات مناطق الأقليات.

وبعبارة أخرى، فإن المشكلات الاقتصادية الرئيسية والمحافظة على تمدد الدور الإقليمي الإيراني في المنطقة ربما تستنزف القسم الأكبر من العوائد المالية التي سوف تحصل عليها إيران في الفترة القادمة، في ظل تهالك البنية التحتية وانتشار الفساد وغيرها.

كما أنه لا يوجد ما يؤشر إلى أن الحكومة سوف تسعى إلى رفع مستوى المعيشة في تلك المناطق، على اعتبار أن ثمة ضغوطا عديدة ربما تتعرض لها من جانب مؤسسات رئيسية في النظام ما زالت تتبني سياسات قومية ضيقة في التعامل مع المشكلات التي تواجهها مناطق الأقليات، وتسعى بصفة دائمة إلى منح الأولوية للعنصر الفارسي على غيره من العناصر الأخرى التي يتضمنها المجتمع الإيراني.

ومن ناحية أخرى، فإن جهود الحكومة لتوسيع هامش الحريات السياسية والاجتماعية، ربما تواجَه بإصرار من جانب بعض المؤسسات النافذة على فرض مزيد من القيود، اعتقادا منها أن هذا الاتجاه ربما يفرض عواقب وخيمة على نظام الجمهورية الإسلامية، على اعتبار أن توسيع هامش الحريات ربما يدعم المساعي التي تبذلها القوى الدولية، ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية، لاختراق المجتمع الإيراني، كأحد تبعات التوقيع على الاتفاق النووي مع إيران، وإعادة إدماج إيران في المجتمع الدولي، بعد ثلاثة عقود من العزلة والانغلاق.

من هنا يمكن ترجيح اتجاه تلك المؤسسات إلى عرقلة أية خطوات قد تتخذها الحكومة على صعيد توسيع هامش الحريات والحقوق السياسية والاجتماعية، تجنبا لتكرار “النموذج السوفيتي” في إيران، حيث مثل غزو المنتجاب الثقافية والصناعية الغربية إلى الأسواق السوفيتية أحد الأسباب التي أدت في النهاية إلى انهيار الاتحاد السوفييتي.

————————————————-

الهامش

(1) الآراء الواردة في هذه الدراسة تعبر عن وجهة نظر صاحبها.

خالد الدخيل، إيران إسلامية.. لكنها عدو، صحيفة الحياة (اللندنية)، 5/4/2015.

Source: Bijan DaBell, Iran Minorities 2: Ethnic Diversity,  link

صحيفة السفير (اللبنانية)، 11/7/2015.

رمضان الساعدي، 3 شعوب ترفض تمثيل #إيران لها في الأمم المتحدة، موقع العربية نت، 4/7/2015.

صحيفة الرياض (السعودية)، 19/10/2009.

صحيفة الشرق الأوسط (اللندنية)، 24/2/2010.

صحيفة الوسط (البحرينية)، 6/4/2014.

موقع العربية نت، 26/11/2013.

لمزيد من التفاصيل انظر: مركز المزماة للدراسات والبحوث، إشكاليات الديمقراطية في إيران 2.. إشكاليات الممارسة، 5/11/2013.

بي بي سي، 28/5/2006.

صحيفة الحياة (اللندنية)، 6/4/2013.

موقع العربية نت، 27/8/2014.

صحيفة القدس (اللندنية)، 19/1/2010.

صحيفة الاخبار (اللبنانية)، 9/3/2010.

صحيفة القدس (اللندنية)، 20/2/2014.

Omid Memarian and Tara Nesvaderani, United States Institute of Peace, The Iran Primer, The Youth.

صحيفة الحياة (اللندنية)، 24/5/2014.

Jack Crone,Iran facing drug abuse crisis with record numbers of young and well-educated women becoming addicted to crystal meth, the daily mail, 3-1-2015.

صحيفة القدس (اللندنية)، 22/4/2015.

ماجد صقر، المرأة الإيرانية .. “فاكهة” السياسة المحرمة !، موقع محيط، 31/4/2013.

صحيفة الحياة (اللندنية)، 23/8/2000.

عز الدين سنيقرة، رحيم مشائي.. علماني بدرجة راديكالي، مجلة المجلة، 4/1/2011.

د. رشيد يلوح، المهدوية في إيران المعارصة.. احمدي نجاد والإمام الغائب، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 8/6/2011.

صحيفة الحياة (اللدنية)، 31/5/2014.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق