كتب إليكترونية

السفير إبراهيم يسري: النيل وسد النهضة الجزء السابع

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

يستشعر بعض المحللين السياسيين تعمد القوى الدولية الفاعلة على إعادة الهندسة الجيوإستراتيجية لأفريقيا بما يخدم مصالحها وأهدافها القومية. ولا شك أن تلك العملية التي أطلق عليها اسم التكالب الجديد على أفريقيا قياسا على عملية التقسيم الاستعماري الأولى في نهاية القرن التاسع عشر سوف تفضي لا محالة إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية لأفريقيا في السنوات القليلة القادمة. وقد يعني ذلك حدوث عمليات تفكيك وتفتيت لكيانات قائمة أو في المقابل إعادة تركيب لكيانات جديدة. على أساس التبشير بسقوط مبدأ قدسية الحدود الموروثة عن العهد الاستعماري ويبدو أن إعلان استقلال إريتريا في أوائل التسعينيات من خلال إجراء استفتاء شعبي يمثل بداية هامة لإعادة النظر في مسألة قدسية الحدود. ففي العام 2011 قدم السودان نموذجا آخر لهذا التوجه الجديد في أفريقيا من خلال السماح بانفصال الجنوب وتكوين دولته المستقلة. وعليه سوف يصبح التوجه الدولي حاسما في تقرير مصير عدد من المحاولات الانفصالية في أفريقيا.

وثمة مشابهة بين وضع رواندا في السياسة الأفريقية للولايات المتحدة ووضع إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط، حتى إن بعض المحللين أطلق على رواندا اسم “إسرائيل أفريقيا”. فالقيادة الرواندية بزعامة بول كاجامي تحظى بتأييد كامل من الإدارة الأميركية. كما أن الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني يقايض دوره في الصومال، حيث يمتلك قوة عسكرية كبيرة داخل الأراضي الصومالية، بالحصول على امتيازات داخل منطقة شرق الكونغو. وربما يعني ذلك في أحد جوانبه أننا أمام عملية تقسيم استعماري جديدة لأفريقيا، ولكن بمشاركة قوى أفريقية هذه المرة.

ولا يخفى أن إمكانية انفصال شرق الكونغو سوف يعني إعادة صوغ منطقة البحيرات العظمى التي تمثل أحد المصادر الهامة لمياه النيل. وإذا استكملنا الصورة في منطقة القرن الأفريقي وجدنا أن تفكيك الصومال وانفصال جنوب السودان يصب كل منهما لصالح قوى إقليمية غير عربية، هي إثيوبيا وكينيا.

ويلاحظ البعض أن القوى العالمية القديمة والجديدة، مثل الولايات المتحدة والصين والهند والبرازيل وبريطانيا وفرنسا، تتنافس فيما بينها للوصول إلى الموارد الطبيعية في أفريقيا ولا سيما النفط والغاز الطبيعي. وطبقا لتقديرات وكالة الطاقة الدولية فإن حجم الاستثمار في قطاعي النفط والغاز في أفريقيا سوف يصل في الفترة (2010-2035) إلى نحو (2. 1) تريليون دولار.

وفي السنوات القليلة الماضية حققت الصين تقدما ملحوظا على بقية القوى الدولية في اكتساب النفوذ الاقتصادي في أفريقيا، فقد أضحت الصين الشريك التجاري الأكبر لأفريقيا بمعدل يصل إلى نحو (166. 3) مليار دولار، وهو ما يعادل نحو ثلاثة أضعاف ما كان عليه في العام 2006.

ويبدو أن الدول الأفريقية تفضل الصين لأسباب عديدة، فهي دولة نامية وليس لها ماض استعماري سابق في أفريقيا كما أنها لا تقيد مساعداتها التنموية بأي قيود وشروط سياسية. ومن الطريف أن القوى الغربية التي استعمرت أفريقيا من قبل تتهم الصين بأنها تمثل قوة استعمارية جديدة في القارة الأفريقية.

وإذا كانت الولايات المتحدة قد أدركت مؤخرا أهمية القارة الأفريقية من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية فإنها تخطط لكي تحصل على نحو 25% من احتياجاتها النفطية من أفريقيا بحلول العام 2015.

ومع ذلك فإن الإدارة الأميركية منذ عهد الرئيس جورج بوش الأب قد أسست لما يمكن تسميته “طريق التوابل الجديد” في أفريقيا، حيث يشير إلى الطريق السريع الذي تسلكه الولايات المتحدة لتوصيل الوقود والمعدات العسكرية برا وبحرا إلى شبكة متزايدة من مستودعات الإمداد والمعسكرات الصغيرة والمطارات التي تخدم الوجود العسكري الأميركي في القارة الأفريقية.

وعلى سبيل المثال يمكن رؤية آثار هذا الوجود العسكري الأميركي بوضوح في الطريق السريع من جيبوتي حتى إثيوبيا، ويمثل معسكر لومنيه في جيبوتي القاعدة الرسمية للولايات المتحدة في أفريقيا فإن ثمة تواجدا آخر غير معلن عنه في كثير من المناطق.

وعليه فإن قرار الولايات المتحدة عام 2007 بإنشاء قيادة عسكرية جديدة في أفريقيا قد أدى إلى تغيير طبيعة التنافس الدولي على الموارد الطبيعية وعلى رأسها النفط الأفريقي، ليصبح ذا طبيعة عسكرية بحجة محاربة الإرهاب ولا سيما جماعات التطرف الإسلامي في أفريقيا وفقا للمنظور الأميركي بالتأكيد.

تحديات جديدة تواجه مصر

إن إعادة ترتيب وصياغة الجوار الأفريقي لمصر يطرح تحديات خطيرة أمام صانع القرار المصري، حيث إن عمليات الفك والتركيب التي تجري على قدم وساق سوف تعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية، ولا سيما في مناطق القرن الأفريقي وحوض النيل. ولعل السمة الجديدة الذي يتصف بها التنافس الدولي الجديد في أفريقيا هو أن الوجود الأميركي والغربي في أفريقيا يستصحب معه ويشجع النفوذ الإسرائيلي.

ويمكن أن نشير إلى بعض الأمثلة ذات الدلالة بهذا الخصوص ومنها:

1-المحاولات الأميركية والإسرائيلية الدؤوب لدعم إثيوبيا باعتبارها الوكيل الغربي المعتمد لمحاربة الإرهاب في القرن الأفريقي. ويشمل هذا الدعم زيادة القدرات التقنية والقتالية للجيش الإثيوبي، ودعم مكانته الإقليمية في منطقة شرق أفريقيا. وقد اتضح ذلك بجلاء بعد وفاة ميليس زيناوى وتولي رئيس الوزراء الجديد هيلاميريام ديسالغن السلطة في البلاد حيث استمر الدعم الأميركي والغربي له.

2-ثمة محاولات غربية وإقليمية لإقرار وضعية الصومال المنقسم من خلال وجود قوات جيوش خمس دول أفريقية، وهو ما يعني اتخاذ قرار بتصفية المعارضة الإسلامية المسلحة التي يقودها شباب المجاهدين. وفي السياق يطالب مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي الأمم المتحدة بإلغاء حظر تصدير الأسلحة إلى الصومال بحجة تمكين القيادة الجديدة في الصومال من بناء قواتها المسلحة والمساعدة في محاربة الإرهاب.

3-الوجود العسكري الأميركي والغربي في الجوار الأفريقي لمصر يؤثر مباشرة على الأمن المصري، وهنا يمكن أن نشير إلى قيام القوات الإسرائيلية بضرب مواقع في السودان أكثر من مرة، إذ لا يعقل أن تتم تلك الهجمات دون تنسيق استخباري مع القوات الأميركية. كما أن إقرار مبدأ التدخل العسكري في شمال مالي بدعم فرنسي وأميركي قد يهدد بتقويض الأمن الإقليمي في المنطقة، بما في ذلك الجنوب الليبي وصحراء مصر الغربية.

4-التدافع الدولي من أجل النفوذ والسيطرة في أفريقيا قد يؤدي إلى توفير فرص للتمويل والاستثمار من جهات دولية حكومية وغير حكومية. ولعل خطورة ذلك تنعكس على ملف المياه، حيث تستطيع دول حوض النيل تمويل بعض مشروعات السدود واستغلال مياه النيل بمساعدة جهات عديدة مثل الصين واليابان، بل وبعض المانحين من غير الدول، وهو ما قد يؤثر على تدفق مياه النيل التي تصل إلى مصر في المستقبل المنظور.

وعليه فإن هذه التحديات الجديدة تفرض على الجماعة العلمية وصانعي القرار في مصر بعد الثورة صياغة رؤية مستقبلية جديدة لمصالح مصر الحيوية وتحديد أنسب السياسات التي تلائم حالة السيولة الإقليمية التي يشهدها الجوار الأفريقي.

وربما يتعين عند صياغة تلك الرؤية تحديد المخاطر والفرص في إطار منظومة متكاملة من السيناريوهات المحتملة. ولا شك أن تحديات التكالب الجديد على أفريقيا تقتضي فعلا ثوريا مصريا موازيا للفعل الثوري الداخلي، حيث إن التداعيات السلبية على الأمن القومي المصري لا تحتمل ترف الانتظار أو المماطلة.

ويؤكد بعض الخبراء أن يخدم موقف المؤسسة العسكرية المفاوض المصري. والتعاون الوثيق مع السودان الشمالي وتوحيد المواقف وحبذا لو مثل مصر والسودان وفد سياسي وفني واحد. ومساعدة السودان في ذلك إلى أبعد الحدود. ويجب حصار أثيوبيا سياسيا. كل الدول التي تحيط بأثيوبيا تحب مصر وتحتاج مساعدة مصر. ويجب أن تكون مصر والسودان شركاء مع أثيوبيا في كافة مجالات إنشاء السد.

على ذلك، يجب القيام بوضع إستراتيجية لأمن مصر المائي لنهاية القرن الحالي. آخذين في الاعتبار كافة المنشآت علي نهر النيل وروافده والمنشآت المحتملة والمشاريع المقترحة في كافة دول حوض النيل والتوسعات الزراعية وبرامج التنمية في مصر وكافة دول النيل لكي تكون علي علم تام باستخدامات مياه نهر النيل. ويجب التعاون بشكل وثيق مع جنوب السودان ودراسة المشاريع المقترحة وذات الجدوى التي تزيد من وفرة المياه مثل قناة جونجلي وتهذيب مجري نهر النيل بالتعاون أيضا مع أوغندا في منطقة البحيرات والسدود لزيادة إيرادات النهر مما يخدم ويزيد من حصة مصر من المياه مستقبلا وهذا يوازن بين الإعتماد على إيرادي النيل الأبيض والنيل الأزرق.

وفي ندوة بجريدة الأهرام حذر الخبراء المصريون من خطورة الموقف، اتفق المشاركون فى الندوة على أن غلبة الجانب الفني والهندسي فى معالجتها من أهم أسباب المشكلة. وأن المشكلة بالأساس فى أزمة مياه النيل هي أن مدرسة الرأي المصرية عكفت على التعامل مع تلك القضية من منطلق فني هندسي، واصفاً المشكلة بأنها سياسة فى المقام الأول. وان طغيان البعد الفني عليها الذي يظل عاجزاً.

وأن المشكلة تكمن فى فقدان الرؤية، وذلك لأن النخبة السياسية المصرية القائمة على العمل التنموي والثقافي لم تجلس حتى الآن لتضع مشروعاً جديدا. ومن هنا، دعا دكتور فليفل إلى أنه يمكن استثمار فترة ما بعد الثورة كفرصة للانطلاق نحو القرن الحادي والعشرين. وفى كلمته، أوضح الوزير السابق د. نصر علام أن مشكلة المياه فى بعدها الفني تحمل أهدافاً وآثاراً سياسية واقتصادية جعلتها مشكلة بقاء أمة، تعتمد فى مصدرها الوحيد على مياه النيل، فحرمت مصر من مرونة التفاوض بشأن أي مصادر أخرى يمكن استخدامها، مشيرا إلى أن هناك إشكاليات مرتبطة بنقص الكوادر البشرية المؤهلة فيما يتعلق بملف حوض النيل، على عكس باقي دول الحوض، وسياسة ردود الأفعال التي تتبعها الإدارة المصرية فى حل الملف.

وذكر هانئ رسلان أن أزمة المياة استراتيجية، وليست فنية، موضحاً أن نتاج سد النهضة الذي ستستخدمه إثيوبيا 5 آلاف ميجا وات فقط، ويصدر الفائض منه إلى دول الجوار التي لا تملك درجة عالية من النمو تتحمل الفائض الإثيوبي. قائلا: من هنا، تسقط الحجة الإثيوبية بضرورة بناء السد الذي أعيد تصميمه لمرات عديدة ليصبح ست مرات أكبر من التصميم الأصلي.

وأضاف حلمى شعراوي أن الأزمة المائية مسألة مصيرية مرتبطة بمستقبل المنطقة التي تشهد اضطرابات وتغيرات فى وقتٍ، غاب فيه الدور المصري لصالح آخرين، غايتهم الوصول إلى المنطقة، ليصبح الملف المائي الآن مزيجا من المصالح المتشابكة لفاعلين جدد.

بينما أشار نصر علام، وزير الموارد المائية السابق، إلى ضرورة إيقاف بناء السد حتى الانتهاء من أعمال اللجنة الثلاثية، والتحول إلى سياسات الأفعال الرشيدة بدلاً من سياسة ردود الأفعال، واستمرار الجهود البناءة مع الجهات المانحة لمنع تمويل مثل هذه السدود، وخلصت الندوة إلى أن الوقت الراهن هو التوقيت المناسب لتحرك القيادة السياسية نحو الجانب الإثيوبي، قبل أن يدخل مشروع سد النهضة حيز التنفيذ خلال أشهر معدودة.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *