تقديرات

بوتين في القاهرة ماذا عن ليبيا؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تمهيد

قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بزيارة القاهرة، 11 ديسمبر 2017م، وشهدت الزيارة التي لم تتجاوز مدتها أربع ساعات، عدة محطات هامة، وكانت أهمها ما أعلن عنه السيسي، خلال المؤتمر الصحفي الذي جمعه مع الرئيس فلاديمير بوتين، عن توقيع اتفاقية مشروع “الضبعة” النووي مع موسكو، كما كان ملف عودة الرحلات السياحية الروسية إلي القاهرة، من أهم المواضيع التي تطرق بوتين، حيث أكد أن روسيا مستعدة لبدء رحلاتها إلى مطار القاهرة الدولي، لكن الأمر يحتاج لخطوات بروتوكولية قبل توقيع الاتفاق بشكل رسمي مشيرا إلى أن ذلك سيحدث في القريب العاجل، وفي ذلك الشأن أعلن وزير النقل الروسي، مكسيم سوكولوف، أن أول رحلة جوية مباشرة بين موسكو والقاهرة ستنطلق بداية فبراير القادم.1

إلا أن أحد الملفات المهمة للزيارة كان الملف الليبي، حيث أكد بوتين تكراراً أثناء المؤتمر الصحفي علي أن مواقف موسكو والقاهرة من العديد من القضايا الدولية متطابقة أو متقاربة، وخاصة بشأن ليبيا وضرورة تسوية الأزمة فييها2 .

وبعد انتهاء زيارة بوتين، وفي 14 ديسمبر 2017، قام وفد من مجلس الدوما الروسي بزيارة الي القاهرة برئاسة الأميرال “فلاديمير شمانوف” رئيس لجنة الدفاع بالمجلس، قادمًا من تركيا، وجاءت الزيارة كما قيل عن الإعلان عنها لبحث دعم علاقات التعاون بين البلدين وللوقوف علي آخر التطورات بمنطقة الشرق الأوسط3 .

أولاً: ليبيا وحراك ما قبل بوتين:

قبل زيارة بوتين للقاهرة، تعددت الزيارات السياسية والعسكرية الدولية إلى مصري، لمناقشة تداعيات الأوضاع في المنطقة بشكل عام والأوضاع داخل الدولة الليبية بشكل خاص، ومن ذلك خلال شهري نوفمبر وديسمبر 2017:

  • في 28 نوفمبر2017م، استقبل السيسي وزير الدفاع الروسي سيرجي شويجو، بحضور وزير الدفاع  صدقي صبحي ، والسفير الروسي في القاهرة، وعدد من كبار المسئولين العسكريين الروس. وتطرق اللقاء إلى تناول آخر تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط . وذكر المتحدث باسم الرئاسة المصرية السفير بسام راضي، أن اللقاء شهد التباحث حول سبل تعزيز التعاون العسكري بين البلدين، حيث تم الاتفاق على الاستمرار في تطوير وتعزيز التعاون القائم على هذا الصعيد، كما شهد اللقاء بحث الأوضاع في كلاً من سوريا وليبيا. وفي اليوم نفسه اجتمع وزير الدفاع صدقي صبحي بوزير الدفاع الروسي سيرجي شويجو، وتم التباحث حول التعاون العسكري بين مصر وروسيا.
  • في 29 نوفمبر 2017م، تم نشر مسودة اتفاق بين روسيا ومصر يسمح للطائرات العسكرية  للدولتين بتبادل استخدام المجال الجوي والقواعد الجوية، وبحسب وكالة رويترز للأنباء فإن المرسوم الحكومي الذي يحمل توقيعًا بتاريخ 28 نوفمبر يتضمن أمرًا لوزارة الدفاع الروسية بإجراء مفاوضات مع المسؤولين المصريين وتوقيع الوثيقة بمجرد توصل الطرفين لاتفاق4 .
  • في 02 ديسمبر 2017م، استقبل السيسي وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس، بحضور وزير الدفاع صدقي صبحي ، بالإضافة إلى عدد من كبار المسئولين العسكريين الأمريكيين، وبحث الجانبان أهم تطورات الأوضاع في المنطقة. وفي نفس اليوم اجتمع صدقى صبحى بوزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس وزير الدفاع الأمريكى في جلسة أخري بعد لقاء السيسي وبناء علي ما أعلن عن تفاصيل اللقاء أن الجانبين ناقشا كيفية التنسيق والتعاون العسكري بين البلدين، وحضر اللقاء الفريق محمد فريد حجازي رئيسأركان حرب القوات المسلحة.
  • في 03 ديسمبر 2017، قام خليفة حفتر بزيارة إلى القاهرة والتقى بالمبعوث الأممى الخاص إلى ليبيا غسان سلامة، وبحثا سبل التوصل لحل للأزمة الراهنة التى تعيشها ليبيا، ومبادرته التى طرحها للتوصل لاتفاق شامل ينهى حالة الانقسام السياسى فى ليبيا. وبحث سلامة مع “حفتر” جهود مكافحة الإرهاب والقضاء على التنظيمات المسلحة، إضافة لبحث الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التى تعيشها ليبيا، وتطرق حفتر للاجتماعات التى تجرى فى القاهرة مع وفود عسكرية فى الغرب الليبى لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية. وفي نفس السياق دعا المتحدث باسم قوات حفتر العقيد أحمد المسماري المجتمع الدولي والأمم المتحدة لدعم مجهودات مصر من أجل مساعدة ليبيا علي عودة الأمن والاستقرار السياسي والأمني في الفترة المقبلة.5
  • في 07 ديسمبر 2017م، استقبل الفريق محمد فريد رئيس أركان حرب القوات المسلحة، الفريق الركن حمد محمد ثان الرميثى رئيس أركان القوات المسلحة الإماراتية والوفد المرافق له الذى يزور مصر حاليا، تناول اللقاء أهم المستجدات والمتغيرات المتلاحقة على الساحة الإقليمية، وبحث عدد من الملفات والموضوعات، وخصوصاً في أوضاع الدولة الليبية. 6
  • في 10 ديسمبر 2017م، استقبل السيسي فايز السراج، رئيس المجلس الرئاسي الليبي. حضر اللقاء من الجانب الليبي محمد الطاهر سيالة، وزير الخارجية، وأسامة حماد، وزير المالية، ومن الجانب المصري سامح شكري، وزير الخارجية، وعمرو الجارحي، وزير المالية، وخالد فوزي، رئيس المخابرات العامة، والسفير المصري لدى ليبيا، بالإضافة إلي عدد من كبار المسئولين من الجانبين. وصرح السفير بسام راضي، بأن السيسي أكد موقف مصر الثابت والداعي إلى ضرورة التوصل إلى حل للأزمة في ليبيا من خلال المسار السياسي، وأن الاتفاق السياسي هو حجر الزاوية لعودة الاستقرار لليبيا والحفاظ على سيادتها ووحدة أراضيها.7

ثانياً: تدريبات حماة الصداقة:

للسنة الثانية علي التوالي أجريت تدريبات حماة الصداقة 2017في شهر أكتوبر الماضي، بين الجيشين المصري والروسي وتلك التدريبات لم تكن موضوعة علي أجندة تدريبات الجيش المصري سابقاً، ولكن أجريت أول مرة في شهر أكتوبر 2016م، وركزت بالأساس علي وحدات من المظلات المصرية وقوات الإنزال الجوى الروسية، وكانت وزارة الدفاع الروسية أصدرت بيان قبيل تدريبات حماة الصداقة – 2017 كشفت فيه عن أن التدريبات ستجري في إقليم كراسنودار الروسي في منطقة جبلية ذات مناخ شبه استوائي جاف، وتابعت أنه سيتعين على المظليين الروس والمصريين القيام بتدريبات قتالية قاسية تتمثل في الاستيلاء على ممر الجبال في كوبان، والهدف من هذه المناورات هو وضع نهج مشترك في مهام الهبوط.

وفي هذة الأثناء رأي البعض أن مصر وروسيا تعملان في الوقت الحالي علي أن يحسم الشرق الليبي بالكامل ليكون في صالح قوات خليفة حفتر، وذلك بعد أعلن الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر في 09 أغسطس 2017م، عن إطلاق عملية برية موسعة لتحرير مدينة درنة الساحلية شمال شرق ليبيا، من قبضة الجماعات المسلحة، وأن قوات المظلات المصرية وقوات الإنزال الروسية التي ستشارك في تدريبات حماة الصداقة 2017م، يمكن أن تنفذ عمليات مستقبلا في الداخل الليبي وتحديدا في مدينة درنة، ضد الفصائل المسلحة التي تقف أمام مليشيات حفتر ومنعها من السيطرة علي المدينة .

وفي السياق نفسه نشر موقع Freedom of Writing تقريراً مُدعّماً بصور بالأقمار الصناعية، يُظهر ما قال إنه “عمليات توسعة” في قاعدة عسكرية قال التقرير إن السيسي بَنَاهَا على الحدود الليبية لدعم “حفتر”، وإنها ساعدت “التحالف الوطني الليبي” بقيادة حفتر على مواصلة طريقه في الحرب اللبيبة لتدعيم أقدامه. القاعدة الجوية قيل إنَّ مقرّها في مصر، على بعد 45 كلم من الحدود مع ليبيا، وعلى بعد 45 كم في شمال واحة سيوة، ومساحتها 45 كيلو متر مربع، ومَحميّة بشكل جيد بحواجز محيطة بها. وقيل أن هناك طيارين روس وقوات مظلات تابعة للقوات الروسية متواجدة بتلك القاعدة بخلاف طائرات إماراتية وطيارين إماراتيين.

وبعد عملية الواحات البحرية التي نفذها مجموعة من المسلحين في الصحراء الغربية، وقُتل علي إثرها العشرات من ضباط الداخلية المصرية، بدأ الإعلام المصري حملة علي الدولة الليبية وأنها هي سبب تصاعد العمليات داخل الدولة المصرية بسبب الإنفلات الأمني المتواجد في ليبيا ووجود مناطق بالكامل في قبضة “المتشددين” وتحديدا مدينة درنة الواقعة في الشرق الليبي، ووصف مسؤولون مصريون ليبيا بأنها معبر للتنظيمات المسلحة لتنفيذ عمليات  داخل محافظات مصر المختلفة.

وفي ديسمبر الجاري، ذكرت تقارير إعلامية8 أن ضباطاً مصريين سافروا إلى ليبيا للتأكد من خطة محاصرة قوات حفتر لدرنة، وأن الضباط المصريين وضعوا خطة لاقتحام المدينة ولكن تظل مؤجلة لحين ترتيب الأوضاع في ليبيا، وقد كشفت مصادر في يونيو 2017م9 ، عن إن وحدة من القوات الخاصة المصرية وصلت إلى معسكر لملودة بالقرب من درنة للمشاركة في عملية عسكرية بهدف اقتحام المدينة، بجانب وصول قوات خاصة من وحدات المظلات والاستخبارات العسكرية المصرية لمعسكرات القبة استعدادا لعمليات عسكرية في درنة.

خلاصة:

يمكن قراءة التطورات والتحركات التي شهدتها الشهور الثلاثة الأخيرة بأنها تشير إلي أن هناك تحرك مصري روسي إماراتي نحو ليبيا بشكل ما، ومن المحتمل أن ذلك التحرك سينتج عنه تكثيف الغارات الجوية علي أهداف محددة داخل الدول الليبية علي مدينة درنة، تلك المدينة الوحيدة التي لم تسيطر عليها قوات خليفة حفتر في الشرق الليبي، وأن النظام المصري يخطط للانخراط بشكل أكبر في الملف الليبي خلال الفترة المقبلة، وتحديداً في الشرق الليبي ليس فقط لناحية الإسراع في توحيد الجيش الليبي تحت قيادة حفتر، ولكن أيضاً للرغبة في فرض السيطرة على الأوضاع هناك. وسيكون الملف الليبي علي رأس أولويات روسيا بعد التهدئة “المؤقتة” التي يشهدها الملف السوري حالياً.

وهو ما يعني تعزيز العلاقة بين موسكو والقاهرة، بحيث تتجاوز مرحلة التقارب التكتيكي، إلى مرحلة التقارب الإستراتيجي بين الدولتين، وهنا يبقي السؤال ماذا سيكون موقف الولايات المتحدة الأمريكية من ذلك التقارب؟ في ظل علاقتها الإستراتيجية بالدولة المصرية خلال العقود الأربعة الأخيرة؟ (10 ).

————————

الهامش

1 موسكو تعلن موعد أول رحلة جوية إلى مصر، روسيا اليوم، تاريخ النشر 11 ديسمبر 2017، تاريخ الدخول 12 ديسمبر 2017، الرابط

2 بوتين: اتفقنا مع القاهرة على تعزيز التنسيق بشأن التسوية السورية، روسيا اليوم 11 ديسمبر 2017، تاريخ الدخول 12 ديسمبر 2017، الرابط

3 وفد من مجلس الدوما الروسي يصل القاهرة لبحث التعاون المشترك، بوابة الأهرام 13 ديسمبر 2017، الرابط

4  قال مسؤولون أمريكيون فى مارس الماضي: إن” روسيا نشرت قوات بقاعدة عسكرية غربي مصر وإلى الشرق من ليبيا تدعم قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر في ليبيا، وهو ما نفته موسكو حينها”.ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن مسؤول أمريكي قوله “يبدو أن روسيا نشرت قوات خاصة في قاعدة جوية في مدينة سيدي براني”، الواقعة شرق الحدود الليبية. وستتمكن الطائرات الحربية الروسية والمصرية من استخدام المجال الجوى، والمطارات بينهما من خلال تقديم إشعار مسبق قبل خمسة أيام، وفقًا لمشروع الاتفاق الذى من المتوقع أن تصل مدته لـ خمس سنوات، ويمكن تمديده.

5 المسماري: على المجتمع الدولي الالتفات إلى مجهودات مصر إذا رغب بحل الأزمة الليبية، بوابة الأخبار 09 ديسمبر 2017، تاريخ الدخول 11 ديسمبر 2017، الرابط

6 الفريق محمد فريد يستقبل رئيس أركان القوات المسلحة الإماراتية، بوابة الأهرام، تاريخ النشر 07 ديسمبر 2017، تاريخ الدخول 11 ديسمبر 2017، الرابط

7 الرئيس السيسي خلال لقاء السراج: الاتفاق السياسي “حجر الزاوية” لعودة الاستقرار إلى ليبيا، بوابة الأهرام، تاريخ النشر 10 ديسمبر 2017، تاريخ الدخول 11 ديسمبر 2017، الرابط

8 ضباط مصريون يضعون خطة اقتحام درنة الليبية، العربي الجديد 27 نوفمبر 2017، تاريخ الدخول 11 ديسمبر 2017، الرابط

9 حفتر يحضر لعمل عسكري بري بدعم مصري و”الرئاسي” يحدد 7 مناطق عسكرية، العربي الجديد، 02 يونيو 2017، تاريخ الدخول 11 ديسمبر 2017، الرابط

10 الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *