قلم وميدان

بين الثورة المجيدة والثورة الموعودة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا

هل كانت مواد الوثيقة العظمى (الماجنا كارتا) والتي سبقت الأحداث الكبرى في بريطانيا بقرون عديدة هي الباعث الحقيقي لتلك الأحداث؟ أم إنَّ أفكار الحريَّة التي تبلورت على مدى قرنين أو يزيد منذ ظهورها في المدن الإيطالية هي المحرِّك الحقيقيّ للثورة؟ ولا سيما بعد صقلها على يد جون لوك الفيلسوف الإنجليزيّ؟ أغلب الظَّنِّ أنَّ كلا المصدرين كان له دور بنسبة كبيرة في صياغة العقلية والنفسية الثورية لدى الأمَّة الإنجليزية التي سبقت بثورتها المجيدة ثورات أوربا الشهيرة.

ولا ريب أنَّ تراكم الوعي وتفاعل الأفكار ونموها ظاهرة بشرية مُطَّردة، لا يتوقف إدراكها على إعمال للفكر أو إرهاق للعقل، لكن اللافت للنظر والجدير بالتأمل هو أنَّ جميع ثورات أوربا الشهيرة التي غيرت وجه الأرض وحولت مجرى التاريخ قامت على أيديولوجيات واضحة وأفكار محددة وعقائد صارمة، ولم تكن مجرد موجات غضب شعبية تحركها العوامل الاقتصادية، وإن كان العامل الاقتصاديّ بارزا ومؤثراً ومحركاً.

وإذا كانت تلك الأمم قد اضطرت إلى صناعة أيديولوجيات جديدة لتكون وقوداً فكرياً للثورات؛ فإنَّ لدينا نحن المسلمين عقيدة وشريعة وأيديولوجية قادرة على بعث جيل يغير الدنيا ويقلب الكون رأساً على عقب، وإذا كان الأوربيون قد اضطروا إلى العودة لتراثهم القديم واستحيائه ونفخ الروح فيه؛ فإنَّ تراثنا غضٌّ ينبض بالحياة؛ فليس من العقل أن نتسول الأفكار ونتكفف أربابها ونحن الذين نملك ما لا يملكون، وليس من العقل كذلك أن نعول على العوامل الاقتصادية وحدها ونتجاهل ماهو أعمق منها أثراً وأقوى على تحريك الشعوب.

لقد كان العامل الفكري والدينيّ هو المحرك الأول والأكبر في الثورة الإنجليزية، ولاسيما في الموجة الثانية منها والتي تسمى بالثورة المجيدة، تلك التي اندلعت عام 1688م بسبب أنَّ الملك جيمس الثاني لم يستطع إخفاء تدينه بالمذهب الكاثوليكيّ، وإذا كان شعبه قد صبر عليه؛ أملاً في انتقال الوراثة إلى إحدى ابنتيه المتزوجتين من رجلين يدينان بالمذهب البروتستانتي، فإنَّ زواجه الثاني ثمّ إنجابه لولد وتعميده له على الطريقة الكاثولوكية أطاح بكل الآمال، وبخر ما تبقى في وعاء الصبر؛ مما دفع البرلمان إلى إحداث ذلك الانقلاب المفاجئ الكبير باستدعاء الهولندي وليام الثالث زوج ماري ابنة جيمس الثاني وإعلانه ملكاً لبريطانيا، وإعلان ميثاق الحقوق الشهير.

وحتى الموجة الأولى التي سبقتها بأربعة عقود؛ فبرغم أنَّ استبداد شارل الأول وإصرار اسرة ستيوارت على إقرار الحكم المطلق وتجاهل البرلمان كان عاملاً كبيراً في الثورة إلا أنَّ العامل الديني كان حاضراً بقوة؛ فقد كان معظم أنصار الملك في الحرب الأهلية التي جرت في هذه الموجة من الكاثوليك، بينما كان معظم أنصار جيش البرلمان من البروتستنت، ثمَّ إنَّ خيار الحكم الدستوري كان مبنيا على عقيدة سياسية منتزعة من ثقافة الأمّة، وهي على أيّ حال أيديولوجية ثورية.

أمَّا عنصر القوة وأهميته في التغيير فهو العنصر الأبرز في جميع الثورات التي غيرت وجه أوربا والعالم، ولاسيما الأربعة الكبرى التي تعدّ الإنجليزية رائدتها وقدوتها، فمن المسلم به أنَّ البرلمان استطاع أن يكون جيشاً ليواجه به جيش الملك، ولقد انتصر جيش البرلمان في الحرب الأهلية في آخر الأمر، ولما قامت الثورة المجيدة لم يكن المانع من إراقة الدماء فيها هو خلوها من عنصر القوة، بل على العكس تماماً؛ فإنَّ قوة الجيش الذي كان يملكه البرلمان جعلت قراره سارياً، وجعلت فرار الملك هو الحلّ الوحيد لإنقاذ عنقه من المقصلة، ولقد وجدها البرلمان فرصة حيث أعلن أنَّ الملك قد تخلى عن عرشه وتنازل عنه بفراره هذا.

وهو درس لا يجوز أن نتجاهله فنكون مخادعين لأمتنا مخاتلين لأنفسنا، فبغير القوة لا يمكن أن يحدث تغيير، هذا هو منطق الكون كله، فلا تسحبوا حكم لحظة تاريخية لتغيروا به قانون الحياة، فإنَّ الخامس والعشرين من يناير كان استثناء من السياق،ومع ذلك فلولا القوة التي أحرقت أقسام الشرطة في الثامن والعشرين ما كانت ثورة يناير في التاريخ إلا مظاهرة كمظاهرات الجبهة الوطنية للتغيير أو غيرها، ولولا أنَّ الجيش أدار المشهد بما يحقق مغانمه لكان انقلاب 2013 مبكرا بعامين ونصف، هذه هي الحقيقة، وهذا هو الطريق، فإن شئتم فثوروا وإلا فلا تموتوا بلا ثمن، أمَّا عن مفاسدها فلا ريب أنّ بها مفاسد جمَّة، لكنَّ أغلب هذه المفاسد التي وقعت في بلاد كثيرة ناتجة عن سوء استعمال القوة، أو عن استعمالها بغير استراتيجية تناسب الظروف.

ومن الأمور التي تستدعي النظر وتسترعي الانتباه أنَّ هناك عوامل كونية وتغيرات بيئية ساعدت على نجاح الثورات وأفسحت لها مجالات وفتحت لها منافذ، وفي الغالب تكون تغيرات كبرى في نظام الحياة لا يملك الحكام لها دفعاً، فإذا كانت التغيرات التي أحدثتها الحركة التجارية في مدن إيطاليا قد حولت المجتمع عن  النظام الإقطاعي إلى نظام جديد يصعب مهمة الحكم المطلق؛ فإنَّ الثورة الصناعية في بريطانيا قد أحدثت مثل  هذه التغيرات أو أشدّ، ونحن إن دققنا النظر في تواريخ الثورات سوف  نجد تعانقاً بين الأسباب الإرادية والأسباب الكونية، وهذا من لطف الله بالإنسان.

وهذا يفيدنا في الاستعداد إذا نحن أحسنا التوقع وأجدنا الدراسة الاستشرافية المستقبلية، وأحسنا استغلال الفرص التي تسنح، فإنَّ من المؤكد أن التدافعات الإقليمية والضغوط المحلية والدولية، والتغيرات السريعة والعنيفة في خريطة التحالفات؛ سوف تؤدي حتماً إلى تغيرات يصعب على الأنظمة السيطرة عليها، فما المتوقع منها؟ وما الذي يجب أن نستعد به لمواجهة هذه التوقعات؟ هذا أحد واجباتنا التي لا يمكن القيام بها إلا إذا خرجنا من أوهام وسرابيات ردود الأفعال الوقتية.

وأخيراً فإنَّنا نستقبل زماناً مغايراً لما مضى؛ فمن كان يحلم بعودة للماضي فعليه أن يبادر بالاستيقاظ؛ فإنَّ يوماً جديداً من حياة الناس على هذا الكوكب قد أشرقت شمسه، وإذا كانت دماء المسلمين قد صبغت الأفق فلا شك أنَّها اللحظات الأولى التي يبرز فيها الشفق، فإذا استوت الشمس في كبد السماء فعندئذ يفتح سوق كبير يربح فيه من يربح ويخسر فيه من يخسر؛ فهلا جعلناها تجارة مع الله؟ (1).

——————————-

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

 

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق