مختارات

بين الواقع والدستور: سلطة السيسي المتوسِّعة

ماجد مندور، سلطة السيسي المتوسعة، منشورات كارنيجي، 4 أكتوبر 2017

على مشارف الانتخابات الرئاسية المصرية المزمع إجراؤها بين شباط/فبراير وأيار/مايو 2018، تقدّم النائب المصري اسماعيل نصر الدين باقتراح  لتعديل المادّة 140 من الدستور المصري، بغية تمديد الولاية الرئاسية من أربع إلى ست سنوات، ما يؤدّي إلى تأجيل الانتخابات حتى العام 20 20. في حال تمديد الولاية الرئاسية، فسوف تعود إلى ما كانت عليه في عهد  السابق حسني مبارك، ما يعني فعلياً القضاء على أحد إنجازات ثورة 2011، التي أدّت إلى إضعاف نفوذ الرئاسة. على الرغم من أن عبد الفتاح السيسي عمد إلى ترسيخ سيطرته على وسائل الإعلام والمجتمع المدني، ولجأ إلى إضعاف المعارضة عن سابق تصوّر وتصميم خلال الأعوام الأربعة الماضية، إلا أن التعديل المحتمل يشي بأنه يسعى إلى تعزيز إضافي لنفوذ الرئاسة التي يتولاّها حالياً .

بموجب المادة 226  من الدستور المصري، يجب أن توافق أكثرية الثلثَين في مجلس النواب أولاً على التعديل، على أن يتم التصويت عليه لاحقاً في استفتاء وطني. في حال طرح التعديل على التصويت، غالب الظن أنه سيتم إقراره، فقد حصل اقتراح نصر الدين على دعم واسع من تحالف “تحيا مصر” الانتخابي الذي يمتلك أكثرية المقاعد وتجمعه روابط وثيقة بالأجهزة الأمنية الموالية للسيسي. من جهة أخرى، عبّر بعض الأعضاء البارزين في تكتّل “25-30 “ ، وهو عبارة عن تكتّل فضفاض من النواب المستقلين يؤدّي دور المعارضة في البرلمان، عن اعتراضهم  على الاقتراح. غير أنالتصويت  على نقل جزيرتَي تيران وصنافير إلى السعودية، والذي انقسم الدعم له حول خطوط متشابهة، يؤشّر إلى أنه من المرجّح أن يمرّ أيضاً التصويت على الاقتراح المذكور، لا سيما على ضوء الحجم الصغير للمعارضة، والسيطرة الواسعة التي يفرضها تحالف “تحيا مصر” على مجلس النواب، والدعم من رئيس مجلس النواب علي عبد العال .

طُرِحت مسألة تمديد الولاية الرئاسية من قبل، مع العلم بأنها فشلت في توليد الدعم الكافي وكانت هناك خشية من أن يتسبّب هذا الطرح بغضب شعبي. يرجّع اقتراح نصر الدين صدى التصريحات الصادرة سابقاً عن السيسي نفسه الذي لمّح في أيلول/سبتمبر 2015 إلى أن الدستور، الذي قال إنه وُضِع بـ “حسن نيّة ” ، يحتاج إلى التعديل من أجل بناء دولة مركزية قوية. يندرج ذلك في إطار خطاب النظام الثابت، الذي يُرجَّع صداه من خلال  الدعوات المتكرّرة  التي يطلقها المشترعون لتعزيز سلطة الرئاسة. لكن حتى في المرحلة الراهنة، فيما يحظى الاقتراح بمزيد من الدعم في مجلس النواب، لم يقل نصر الدين كلاماً واضحاً  إذا كان البرلمان سيناقش التعديل هذا العام أو حتى إذا كان التعديل ينطبق على  ولاية السيسي الراهنة أم فقط على الولاية الرئاسية في المستقبل. يعكس هذا الالتباس المخاوف من ظهور معارضة شعبية، وهو عامل مهم في حسابات النظام، إنما أيضاً المخاوف من تنامي المعارضة في أوساط النخب. على سبيل المثال، عبّر عمرو موسى، وزير الخارجية سابقاً في عهد حسني مبارك والمرشح للرئاسة في العام 2012، عن اعتراضه على التعديل المقترح، وكذلك اعترض عليه أحمد شفيق، الفريق في سلاح الجو الذي تولى رئاسة الوزراء لفترة وجيزة في عهد مبارك وكان أيضاً مرشحاً للرئاسة في العام 2012 .

يهدف التعديل إلى اقتراح خيار تأجيل الانتخابات وليس إلغائها، على الرغم من أن انتخاب السيسي لولاية ثانية أمرٌ محتوم. فمن شأن حملة القمع التي يشنّها ضد وسائل الإعلام والمجتمع الأهلي، بما في ذلك إغلاق أكثر من 57 موقعاً إلكترونياً إخبارياً وإعلامياً  على خلفية اتّهامها بدعم الإرهاب في أيار/مايو 2017، أن تضمن هذا النصر. كان عدد كبير من هذه المواقع يوجّه انتقادات للنظام، والأهم من ذلك، كان يؤمّن منبراً للكتّاب المستقلّين الذين لم يكن النظام قادراً على السيطرة على آرائهم.

فضلاً عن ذلك، أحكمَ النظام قبضته على المجتمع المدني، لا سيما عند إقرار القانون الجديد للمجتمع المدني في 24 أيار/مايو 2017، والذي يُتوقَّع  أن يؤدّي إلى تضييق الخناق على عمل المنظمات الأهلية. يفرض القانون على المنظمات غير الحكومية الحصول على موافقة رسمية  لنشر الاستنتاجات التي يتم التوصل إليها في استطلاعات الآراء أو البحوث الميدانية التي تجريها – إذاً لم يعد بالإمكان نشر أي تقارير محتملة عن تزوير الانتخابات أو المخالفات في الحملات الانتخابية من دون التعرّض لعقوبات شديدة. كما أن القانون الجديد يفرض غرامات طائلة وعقوبات بالسجن لفترات طويلة مقابل مخالفات مالية بسيطة، ويمنح الدولة سيطرة على تمويل المنظمات غير الحكومية من المصادر المحلية والدولية على السواء .

تبقى المعارضة ضعيفة، وعرضة للضغوط من النظام، ومن غير المرجّح أن ترص صفوفها، سواءً للتصدّي بطريقة فعالة لإعادة انتخاب السيسي أو لمعارضة التعديل الدستوري. لقد تسبّبت السياسات الحكومية بزرع الانقسام في صفوف المعارضة وإضعافها. على سبيل المثال، زجّت قوانين الانتخابات للعام 2015 بالأحزاب الصغيرة في وضعية غير مؤاتية، ما جعلها مرغمةً على التنافس على الموارد، وأفضى إلى خفض تمثيلها في برلمان ضعيف  خاضع لسيطرة تحالف “تحيا مصر” الموالي للسيسي. والمعارضة الإسلامية في حالة أكبر من الضياع والتشتت. كيانها السياسي الأكبر حجماً، الإخوان المسلمون، محظور ويُصنَّف في خانة التنظيمات الإرهابية. والتيار السلفي، الذي يمثّله حزب النور، في شكل أساسي، في الميدان السياسي، فقدَ الجاذبية التي كان يتمتع بها في العامَين 2011 و2012، وخير دليل على ذلك أداؤه الشديد الرداءة في الانتخابات النيابية في العام 2015 .

حتى لو كانت الانتخابات الرئاسية حرّة ونزيهة، لا تتمتع المعارضة، سواءً كانت علمانية أو إسلامية، بالجاذبية أو وحدة الصف كي تخوض، ولو في الشكل فقط، حملة ضد موارد النظام المتفوّقة، وسيطرته على وسائل الإعلام، وقدرته على قمع المجتمع المدني وخنق الاحتجاجات. على الرغم من أن المرشح السابق للرئاسة حمدين صباحي دعا  المعارضة المدنية إلى رصّ صفوفها خلف مرشح واحد في أيار/مايو 2017، إلا أنها لم تبادر بعد إلى اختيار مرشح. حتى لو تمكّنت المعارضة من الوقوف صفاً واحداً، ليست هناك خيارات واضحة. لقد أجهز صباحي على حظوظه بالترشح للانتخابات منذ أصبح شخصية مثيرة للانقسام بسبب مشاركته في السباق الرئاسي في العام 2014، والذي رأى فيه كثرٌ وسيلةً لإضفاء شرعية على انتخابات مزوّرة. أما خالد علي، الناقد المخضرم للنظام الذي لاقى اهتماماً كبيراً من الرأي العام لقيادته المعركة القانونية ضد نقل جزيرتَي تيران وصنافير إلى السعودية، فقد أُدين  بالإخلال بالآداب العامة، وبانتظار النتيجة التي ستتأتّى عنها معركته القانونية، سوف يتم تجريده من أهلية الترشح للانتخابات في حال أصبح سجلّه الجنائي ملطّخاً. وقد أعرب محمد أنور السادات، رئيس حزب الإصلاح والتنمية، وهو ممن يوجّهون انتقادات شديدة للحكومة وقد جُرِّد من مقعده  في شباط/فبراير الماضي بتهمة “تحقير مجلس النواب” – أعرب إذاً عن نيّته الترشح  لكنه لا يحظى بالدعم الكافي بما يتيح له امتلاك حظوظ حقيقية في المنافسة .

إذا أجريت الانتخابات الرئاسية في العام 2018، فسوف تَحدُث في خضم ظروف اقتصادية وأمنية تشهد تدهوراً سريعاً، وعلى وقع معارضة علنية  – ليس فقط في أوساط الرأي العام، إنما أيضاً في السلك القضائي وفي صفوف النخب السياسية والعسكرية – لقرار النظام المثير للجدل بنقل جزيرتَي تيران وصنافير الواقعتَين في البحر الأحمر إلى السعودية. تلحق هذه المسألة ضرراً شديداً بالسردية التي يروّج لها النظام مدّعياً من خلالها أنه حامي الأمّة. على سبيل المثال، من الاتهامات التي تُستخدَم لتبرير الانقلاب على الإخوان المسلمين الزعم بأنهم خططوا لبيع سيناء  أو قناة السويس  إلى قطر. من شأن الانتخابات أن تتيح شيئاً من التدقيق في سجل السيسي، وتلفت الانتباه إلى تراجع شعبيته منذ العام 2014، وهو ما أقرّ به  بنفسه وما أكّدته استطلاعات الرأي  التي أجريت بإشراف حكومي .

حتى لو كانت إعادة انتخاب السيسي أمراً مؤكّداً، من شأن تمديد الولاية الرئاسية أن يجعله يُفلت من التدقيق العام المحتمل أو حتى أن ينجو من إحراج صغير مشابه لما جرى في الانتخابات الرئاسية في العام 2014، عندما تحدّى صباحي السيسي داعياً إياه إلى مواجهته  في مناظرة غير أن الأخير رفض حضورها. ومن شأنه أن يؤدّي أيضاً إلى تعزيز نفوذ الرئاسة ويُجنِّب النظام التلهّي في حملة تأتي في توقيت غير مناسب ويمكن أن تلفت الأنظار إلى سجلّه المتفاوت في الشؤون الاقتصادية والأمنية. على الرغم من أن النظام يُحكم سيطرته على الميدان السياسي، إلا أنه يبدو أنه يناور من أجل كسب الوقت. فإرجاء الانتخابات يمنح السيسي على الأقل سنتَين إضافيتين لإحكام قبضته أكثر على السلطة قبل أن يلوح حتى أي مظهر من مظاهر السجال الانتخابي( 1)

————————-

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية “.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق