دراسات

تحولات الخطاب السياسي الجهادي

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقدمة:

يحتل مفهوم "الحاكمية" مكانة مركزية في البناء التنظيري للحركات الجهادية منذ نشأتها في ستينيات القرن الماضي، ورغم مركزية المفهوم إلا أنه ظل مبحثا عقديا وشعارا للحشد والتعبئة دون أن تتم أجرأته سياسيا بحيث تقدم الحركات الجهادية تصورا متكاملا لماهية مشروعها السياسي القائم على "حاكمية الشريعة". مع بداية الثمانينيات بدأت الروافد السلفية تظهر على الفكر الجهادي معززة تنظيرات سيد قطب الحركية بتراث ابن تيمية وأئمة الدعوة النجدية فظهر كتاب "الفريضة الغائبة" لعبد السلام فرج ثم كتابات سيد إمام، وأخذ الرافد السلفي يفرض نفسه مع كتابات الشيخين أبي محمد المقدسي وأبي قتادة الفلسطيني. تضخمت المكتبة الجهادية على مدار العقود الأربعة الماضية، مركزة على مفهومي “الجهاد" و"تطبيق الشريعة" و"الولاء والبراء"، وكان دور الرافد السلفي مقتصرا على التأصيل العقدي والفقهي لما قرره سيد قطب فكريا وحركيا، وظل الفقه السياسي وما يتصل به من مباحث غائبا لم يطرقه المنظرون الجهاديون وهو ما خلق ثغرات وبياضات على صعيد البنية الأيديولوجية للحركات الجهادية.

امتدت أزمات التيار الجهادي على البياضات التي خلفها غياب الفقه السياسي في أدبيات التيار، كما انعكس ذلك على مستوى خطابه السياسي الذي دخل في دينامية قسرية من التحول والتغير بعد مستجدات ووقائع لم تكن في حسبانه فأربكته تنظيميا وأيديولوجيا.

تتناول هذه الورقة التحولات التي مست الخطاب السياسي الجهادي، والعوامل والمحددات التي تظافرت لتدفع تلك التحولات إلى الظهور بالصيغة التي ظهرت بها. معتمدة على المنهج التحليلي وتحليل المضمون الذي سنحاول عبره تتبع ورصد تحولات الخطاب السياسي الجهادي من خلال التنقيب في متن المادة الجهادية عن مفاهيم وأفكار مستحدثة ودخيلة على المعجم الجهادي.

تحديدات أولية 

الخطاب السياسي: يحيل الخطاب السياسي إلى مجموعة من المفاهيم والتصورات والمقولات التي تحدد الممارسة السياسية شكلا ومضمونا، وتضبط المواقف والعلاقات بين مختلف الفاعلين داخل مجتمع ما.

الجهاديون أو التيار الجهادي: نقصد بالتيار الجهادي ذلك التيار الذي تشكل في ستينيات القرن الماضي ودخل طور العولمة أواسط تسعينياته، ويسعى إلى تدويل الصراع وفرض "حاكمية الشريعة “ودفع "الصائل" بواسطة العنف المسلح، ولا يدخل ضمن هذا التعريف جماعات الجهاد الشعبي التي تأسست في سياقات الاحتلال والتدخلات الأجنبية كحماس في فلسطين أو فصائل المقاومة في العراق أو جبهة تحرير مورو في الفلبين وغيرها، بل نقصد حصرا تنظيم القاعدة والجماعات المقربة أو المرتبطة بها وتنظيم الدولة الإسلامية. 

دينامية الخطاب السياسي الجهادي

بنى التيار الجهادي شرعيته الجهادية على وجوب التصدي للأوضاع الجاهلية القائمة في البلاد الإسلامية و "وجوب الخروج على أئمة الكفر من الحكام الكفرة المتسلطين على رقاب المسلمين" (1 ) ، ورأى أن السبيل الوحيد للقيام بذلك هو "الجهاد"، ولا يعترف التيار الجهادي بالطرق السلمية أو تلك التي تسلكها تيارات الإسلام السياسي لأن "الجماعات الإسلامية التي تدخل الانتخابات والمجالس التشريعية هي جماعات بدعية.. والمجالس التشريعية في البلاد العلمانية عمل من أعمال الكفر" ( ) حسب ما هو متداول في أدبيات التيار.

ومع وفرة الكتابات الجهادية التي تناولت فقه الخروج على الحكام والتصدي للصائل الداخلي والخارجي ووجوب التحاكم إلى الشريعة الإسلامية وهي مدار الإنتاج الفكري الجهادي كله، إلا أن هذه المكتبة لم تتضمن مادة فكرية أو فقهية واحدة تؤصل لماهية النظام الإسلامي الذي ينشده التيار الجهادي وآلياته ومؤسساته وحدود السُلَط فيه وصلاحياتها وطبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم وإجراءات اختيار الحاكم وعزله ومحاسبته ودور الشعب أو الأمة في هذا الاختيار، والموقف من الطوائف والكيانات السياسية والدينية داخل المجتمع الإسلامي المنشود.. وقد اعترف أبو مصعب السوري أبرز منظري التيار الجهادي بهذه الثغرات أو الفجوات الفكرية كما سماها وإن لم يشر إليها بالوضوح الكافي (3 ) .

تناول المنظرون والكتاب الجهاديون مفاهيم "الطاغوت" و "تطبيق الشريعة" و"الحاكمية" و "البيعة" و"الإمارة" كمباحث عقدية تدخل ضمن مناطات الإيمان والكفر، ولم يتعاملوا معها كمفاهيم مؤسسة لفقه سياسي إسلامي يتم استدعائه لاحقا في سياقات التمكين والانتصار، ويمكن إرجاع أسباب وعوامل هذه القراءة العقدية المنغلقة إلى عدة أسباب:

1)- أن الحركة الجهادية حركة تحتفي بالنقض والتفكيك أكثر من التشييد والبناء، بمعنى أن التراث الجهادي كله يقوم على فكرة هدم الأوضاع القائمة وتجريدها من الشرعية الدينية والحشد الجهادي من أجل التصدي "للصائل الدولي"، فالمنظرون الجهاديون يركزون على مسائل "الخروج على الحكام وقتالهم" و "التصدي لقوى الاحتلال" و" كفر الديمقراطية" و" القوانين الوضعية والدساتير" والرد على ما يسمونهم بفقهاء السلاطين (4 ) .. وحتى يحتشد الناس خلف أطروحاتهم ويقتنعوا بها عليهم أن يربطوها بأصول الدين التي لا يسوغ فيها الخلاف أو الاجتهاد كإحدى "أخطر قضايا عصرنا وزماننا" (5 ) ، فالمقاربة العقائدية أجدى وأمتن كما أن المعتنقين لها يكون إيمانهم بالقضية أقوى وأرسخ.

2)- يدرك التيار الجهادي أن معركته طويلة وقد تستغرق عقودا، ومنذ أواسط التسعينيات حين عولم توجهاته بات اهتمامه مركزا حول "العدو البعيد" بما يعنيه ذلك من الانخراط في "معارك نكائية" متفرقة مع قوى عالمية كبرى؛ دون التموقع في مساحة معينة إذ أن طبيعة المعركة تفرض الاختباء والتنقل المستمر والبحث عن ملاذات آمنة، هذه الظروف التي يتحرك فيها التيار الجهادي وطبيعة المعركة التي اختارها تجعل أي حديث عن الفقه السياسي وشكل الدولة التي ينشدها وما يتصل بذلك من أفكار ومباحث ترفا فكريا وضربا من ضروب العبث،  وعندما كان الجهاديون في كنف دولة طالبان بأفغانستان في الفترة ما بين 1996 و2001 لم يكن لهم أي اهتمام ببنية الحكم الطالباني هناك بقدر ما كان اهتمامهم منصبا في تأمين معسكرات للتدريب وقواعد للانطلاق.

3)- إن معظم المنظرين الجهادين وفدوا من المدرسة السلفية ومعروف أن هذه المدرسة اتسمت بالجمود والتقليد على صعيد الخطاب السياسي وأفكارها تعتبر امتدادا "لأخلاق الطاعة" و"الأحكام السلطانية" وأفكار الماوردي، كما أن اعتنائها بالحديث والعقائد والملل والنحل أكثر من عنايتها بمباحث السياسة والحكم والإدارة، لقد استفاد التيار الجهادي من هذه المدرسة وبشكل خاص من تراث أئمة الدعوة النجدية في تأصيل مسائل الخروج على الحكام ونواقض الإسلام وقتال الطوائف الممتنعة (6 ) ، واستطاع الجهاديون أيضا إحداث تحول عميق في بنية الخطاب السلفي (7 ) ، لكنهم عانوا فيما بعد من فقر هذه المدرسة على مستوى الفقه السياسي والسياسة الشرعية (8 ) .

في السنوات الست الماضية عرف الخطاب السياسي الجهادي تحولات لافتة، وبدأ المنظرون الجهاديون يطرقون مواضيع لم تكن في السابق تثير اهتمامهم، ودخلت مفاهيم جديدة إلى الحقل التداولي الجهادي، وانعكس هذا التحول على الأداء الجهادي فكرا وممارسة، إما على شكل مراجعات فقهية وفكرية تستدخل مفاهيم الفقه السياسي والسياسة الشرعية حيت يمكن رصد مفاهيم "الحرية" و"التعايش" و "المشاركة" و"الدستور" و"الشورى" و "حق الأمة في اختيار حكامها وعزلهم عبر مندوبيها" وغيرها من المقولات والمفاهيم في كتابات وتأصيلات بعض شيوخ التيار السلفي الجهادي (9 ) ، وإما على شكل تحالفات مع الآخر المخالف وصيغ تنظيمية وحركية جديدة تخالف ما كان سائدا في العرف الجهادي (10 ) .

التحولات التي مست الخطاب السياسي الجهادي أو بالأحرى دفعت به نحو التشكل والتبلور أفرزت حالة جهادية أخذت تبتعد شيئا فشيئا عن النماذج الجهادية الكلاسيكية حتى على مستوى اللغة إذ لم تعد مفردات مثل "المرتدين" و "الطواغيت" و"الطائفة المنصورة" و"المنهج السلفي" حاضرة ومتداولة عند الجهاديين بنفس الزخم والكثافة. هذه التحولات يمكن أن تُقْرأ –إلى حد ما- على أنها "مشروع قطيعة" معرفية وحركية مع الخطاب الجهادي الكلاسيكي المغلق الذي وصل منظروه الكبار إلى قناعة راسخة أنه وإن كان خطابا مجديا وفعالا في لحظات الحشد والتعبئة إلا أنه ليس كذلك في لحظات التشييد والبناء.  

الخطاب السياسي الجهادي محددات التحول

دينامية الخطاب السياسي الجهادي لم تكن نتيجة عوامل ذاتية كامنة في بنية الخطاب واجتهادات رواده، أي أنها ليست تعبيرا حرا عن قراءات ومراجعات لأفكار التيار الجهادي وقناعاته، وإنما هي تحولات قسرية وجد الخطاب الجهادي نفسه في خضمها نتيجة عوامل وتطورات عديدة نذكر أهمها وأكثرها تأثيرا.

أولا: كان معظم الجهد التنظيري الجهادي متمحورا حول شرعنة الخروج على الحكام بالسلاح، فنقب الجهاديون داخل المدونة الفقهية الإسلامية بكل مدارسها واتجاهاتها من أجل تعزيز موقفهم الشرعي هذا. كان تراث ابن تيمية غنيا بالأفكار التي تدعم أطروحات الجهاديين في الخروج على الحكام وقتال "الطوائف الممتنعة"، بينما عُد تراث الدعوة الوهابية كنزا نفيسا نهل منه شيوخ التيار الجهادي ووجدوا فيه ضالتهم. المقاربة العقدية الصارمة والمنغلقة كانت ضرورية من أجل مواجهة التأصيلات السلفية المضادة التي يتبناها من يوصفون بالجامية و"فقهاء السلاطين" والتي كانت تدعو إلى طاعة ولاة الأمر وحرمة الخروج على الحاكم المتغلب مهما استبد وطغى. لكن الذي حدث خلال ثورات الربيع العربي أن الخروج على الحكام غدى حالة شعبية طبيعة لم تعد تستدعي تأصيلا عقديا ولا تكييفا فقهيا، وعلى هذا الأساس انحسر بشكل تلقائي ذلك الخطاب الذي يجعل من الخروج على الحكام وقتالهم مسألة عقدية يتطلب تبريرها حشدا من الأدلة والنقولات وترسانة من المفاهيم والمصطلحات السلفية؛ التيمية والوهابية، وبالتالي فَقَدَ جزءٌ من الخطاب السلفي الجهادي وجاهتَه ومسوغات وجوده في لحظة الربيع العربي حيت الجميع يرى الخروج على الحكام فضيلة وعدم الخروج تواطؤ مدانا. 

ثانيا: جاء الربيع العربي فأحدث تأثيرات عميقة في الوعي العربي الإسلامي، وكانت الحركات الإسلامية والجهادية ضمن السرديات التي نالت نصيبها من التأثير والتبدل سواء على صعيد البنى الأيديولوجية أو التنظيمية. فالحركات التي تؤمن بالتغيير العنيف أصبحت ترى في نفسها "دولا" و"خلافات"، والحركات التي كانت تؤمن بالسلمية تحولت إلى مجموعات مسلحة، أو على الأقل أفرزت مجموعات تحتفي بالعنف والمقاومة المسلحة، وتلاشت الحركات الكبرى لحساب الخلايا والتجمعات الصغيرة الناشئة.

من بين التحولات العميقة التي حصلت في لحظة الربيع العربي أن الشعوب أو الجماهير العربية انتقلت من الهامش إلى الصدارة، فلم يعد الحاكم العربي والمؤسسات الحاكمة محور الفعل والتأثير، وإنما الجماهير التي ملأت الميادين والساحات وواجهت القمع وفرضت إرادتها هي من باتت تمسك بزمام التغيير وصناعة المصير. ومن هذا المنطلق فكل من يريد أن يكون له دور ووجود في "حقبة مركزية الجماهير" عليه أن يتقرب منها وأن يدعي تمثيلها وأن يضعها في صلب خطابه السياسي، فسارعت الحركات الإسلامية والجهادية وكل المكونات السياسية إلى تعديل خطاباتها بحيث تتبوأ فيها الشعوب مكانة بارزة، وكان التيار الجهادي حريصا على طرح خطاب سياسي منفتح على الشعوب العربية محتف بها، متناغم مع مطالبها في "الحرية" و "العدالة الاجتماعية" و "المشاركة السياسية" باعتبارها شعوبا إسلامية راشدة وليس "رعية" أو "عواما" أو "غثاء" كما هو متداول في خطابه التقليدي.

ثالثا: كان إعلان أبي بكر البغدادي تأسيس "الدولة الإسلامية في العراق والشام" حدثا فارقا في تاريخ الحركة الجهادية، إنه الاختبار الأول لأفكار التيار الجهادي السياسية، ووقوف مباشر على مدى فداحة غياب الفقه السياسي في أدبياته، فكانت مسائل أنواع "البيعات" و"الإمارات" وكيفية "تنصيب الإمام" وأحكام "الولاية العامة".. من المسائل التي أثارت الجدل بين مكونات التيار الجهادي الذي انقسم على نفسه بعد إعلان "الخلافة". الواقع الجهادي الجديد التي حدد تفاصيله إعلان الخلافة دفع عددا من المنظرين الجهاديين إلى طرق مواضيع فقهية وسياسية لم يعتادوا على التصدي لها من قبل، وأيضا حاولوا وضع حدود بين المدرسة الجهادية الخرسانية والمدرسة العراقية الموسومة بالغلو والتطرف، وهذا يعني بلورة خطاب سياسي جهادي جديد يقطع كليا مع الخطاب السياسي الجهادي الذي اعتمد عليه البغدادي في تسويغ ما ذهب إليه من إعلان "الدولة الإسلامية" ثم "الخلافة"، وهذا ما سنبينه لاحقا.

رابعا: أفرز دخول الربيع العربي طور العسكرة صيغا جهادية جديدة لم تكن محسوبة على الخط الجهادي المعولم، ولم تحدد الأدبيات الجهادية بنيتها الفكرية وقناعاتها الجهادية، وإنما هي جماعات حملت السلاح في خضم الثورات المسلحة ولم تكن بحاجة للخطاب الجهادي لتبرير حمله لأن الربيع العربي شرعن الخروج على الحكام ومواجهتهم دون الحاجة لتسويغ ذلك فقهيا وشرعيا. إذن وجد التيار الجهادي لنفسه شركاء جهاديين في الميدان يتقاطع معهم في بعض المواقف والتصورات ويختلف معهم في أخرى، هذا التحالف بين الجهاديين المعولمين والجهاديين المحلين فرض على قادة التيار الجهادي تبني خطاب سياسي معتدل يراعون فيه شركائهم الذين انخرطوا مع بعضهم في مشاريع اندماج وتوحد.

خامسا: من بين الظواهر الجهادية التي اسفرت عنها الثورات العربية ظاهرة المنظرون الجهاديون الجدد، وهؤلاء وإن كان بعضهم ينتمي إلى التيار السلفي الجهادي إلا أنهم إما لم يقتنعوا منذ البداية بأفكاره وأدبياته وإما أنهم اقتنعوا بها لكنهم راجعوها فيما بعد وبلوروا قناعاتهم الخاصة، هؤلاء المنظرون استطاعوا التأثير على الجماعات الجهادية إما عن طريق الفتوى والتوجيه وإما عن طريق القيادة المباشرة لها من خلال عضوية مجالس شوراها أو إدارة إحدى مؤسساتها كالهيئات الشرعية والقضائية أو قيادة كتيبة من كتائبها. وكان لهم دور كبير في إبرام قطيعة شبه حدية مع الموروث السلفي الجهادي التقليدي وصياغة خطاب سياسي جهادي يركز على محاربة الغلو وتجفيف روافد التكفير والاقتراب أكثر من الشعوب وعامة الناس، وكان دورهم أكبر في الرد على تنظيم الدولة الإسلامية مبكرا وهم من أقنعوا بعض قيادات التيار الجهادي بالتبرؤ من التنظيم، وهم من قادوا المعارك الأولى ضده خصوصا في سوريا (11 ) .

الخطاب السياسي الجهادي.. تجليات التحول

يمكن لأي متابع ومطلع على أدبيات التيار الجهادي ملاحظة التحولات التي طرأت على خطابه خلال السنوات الست الماضية، حتى أنه في بعض الأحيان يمكن أن يعاين تضاربا في مواقف بعض مرجعيات التيار قبل وبعد الربيع العربي وظهور تنظيم الدولة الإسلامية. هذه الدينامية هي التي حفظت للتيار الجهادي وجوده وزخمه في وقت انحسرت فيه الخطابات الإسلامية الأخرى وظل صوت مرجعياته مسموعا ومؤثرا حتى اللحظة.

الخطاب الجهادي قبل وبعد الربيع العربي:

تفاجأ التيار الجهادي بالربيع العربي كما غيره من التيارات والحركات، واكتشف بعد سقوط عدد من الأنظمة في ليبيا واليمن ومصر وتونس أن أدبياته التي تركز على النقض والهدم؛ لا تسعفه في التعامل مع الأوضاع الجديدة لاسيما مع الفراغ في السلطة، ومركزية الجماهير وأجواء الحرية السائدة، فتوصل إلى صيغة يجمع بها بين عمقه الجهادي وطموحه في الامتداد الشعبي والتوغل بين الجماهير، وهي التي عبرت عنها ظاهرة "أنصار الشريعة" التي تم تدشينها في اليمن مع بداية الحراك الثوري في 2011 وامتدت فيما بعد إلى تونس وليبيا ومصر، “لقد غاب أنصار الشريعة عن الواجهة سنوات طويلة بسبب الحرب التي شنتها عليهم هذه الأنظمة المحاربة لشرع الله .. لكنهم اليوم بإمكانهم أن يعودوا إلى ميادين العمل في أكثر من بلد" (12 ) .

انخرطت جماعات أنصار الشريعة في الأنشطة الدعوية والخدمية والإغاثية في البلدان التي تأسست فيها، وهي أقرب إلى حزب سياسي جهادي يسعى لاستقطاب الأفراد والكيانات المجتمعية الأخرى حتى وإن لم يتقاسم معها نفس القناعات (13 ) .

كان لافتا احتفاء قادة التيار الجهادي في خطاباتهم بالشعوب العربية أثناء الربيع العربي وتثمينهم لتضحياتهم، ولا يكاد أي منهم ينشر كلمة إلا وتطرق فيها لمواضيع “العدل" و"الشورى" و"الحرية" مسايرة لما هو سائد وحتى لا يظهر الجهاديون كنشاز في سياق الربيع العربي، فقد كشفت وثيقة من وثائق أبوت اباد أن أيمن الظواهري بعث خطابه "رسالة الأمل والبشر لأهلنا في مصر الحلقة 4" إلى القائد عطية الله الليبي قصد التصحيح والمراجعة قبل نشره في الإعلام وكان مما استدركه عليه أن لا يستخدم مفردات توحي بالتبجح واحتكار الإنجاز وأن يستبدلها بأخرى تدل على المشاركة والمساهمة وتظافر جهود الأمة ( 14) .

واكب أيمن الظواهري تطورت الربيع العربي وأحداثه عن كتب فأصدر سلسلة من الخطابات منها 11 خطابا مطولا وجههم إلى ثوار مصر بعنوان “رسالة الأمل والبشر لأهلنا في مصر" وتضمنت ملامح خطاب سياسي معتدل كان سببا في تكفيره لاحقا من قبل "تنظيم الدولة الإسلامية"، ويمكن رصد ملامح هذا الخطاب في قوله مثلا: “تحيّةٌ لكل هؤلاء الشرفاء الأوفياء الصادقين، وأسأل اللهَ أن يرحم شهداءهم.. وأن يمنحهم القوة والثبات والبصيرة والوعي حتى يواصلوا نضالهم وكِفاحهم وجهادهم لكي يحقِّقوا أمل الأمّة المسلمة بقيام دولةٍ مسلمةٍ حرّة في بلاد الإسلام تحكم بالشريعة، وتنشر العدل، وتبسط الشورى، وتحرِّر ديار المسلمين وتُقيم حكمًا شوريًّا تختار الأمّة فيه حكّامها بلا قهرٍ ولا غِشٍّ ولا تزوير" ( 15) ويضيف: “على أهل تونس الشرفاء أن يُقيموا حكمًا يكون قدوةً لإخوانهم في الشورى والعدل، ومحاسبة الحكام، وملاحقة اللصوص، وسد منافذ الإثراء الحرام، والعدالة في توزيع ثروة الأمّة على أبنائها ( 16) ورأى أن حل الأزمة في مصر يكمن في “استئصال النظام الفاسد وأن يقوم مكانه نظام صالح عادل يتحاكم للشريعة وينشر الشورى ويبسط العدل ويحقق مشاركة الأمة في اختيار حكامها ومحاسبتهم ومشاركتها الفعالة في سياسة أمورها عبر مندوبيها" (17 ) وستتخلل عبارات “الشورى“ و"العدل" و "اختيار الأمة لحكامها" خطابات أيمن الظواهري على مدار الفترة التي أعقبت الربيع العربي وستتأصل أكثر في خطاباته بعد ظهور تنظيم الدولة الإسلامية كما سنرى.

في الحلقة الخامسة من "رسالة الأمل والبشر لأهلنا في مصر" حث أيمن الظواهري من وصفهم بالشعبين الكريمين في مصر وتونس على مواصلة “النضال والكفاح والجهاد والإصرار على القضاء على الفساد وإقامة النظام العادل، الذي يحكم بالشريعة، وينشر العدل، ويبسط الشورى، ويحقق استقلال البلاد والحرية السياسية والعدالة الاجتماعية" ( 18) وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها منظر جهادي عن "الحرية السياسية"، ثم استطرد الظواهري متحدثا عن النظام السياسي المنشود الذي لن يسمح الغرب بقيامه في البلدان العربية وهو حين “يكون النظام إسلامياً شورياً، يكتسب الحكام فيه صلاحياتهم من الأمة، ويحاسبون أمامها، ويرفض احتلال ديار المسلمين وسرقة ثرواتهم" ( 19) ويبدو واضحا كيف يحتفي الخطاب الجهادي بالشعوب العربية ويربط شرعية أي نظام سياسي قد يحل محل الأنظمة البائدة بمدى تعبيره عن إرادتها ونيله لرضاها، وهذا التوجه لم يكن حاضرا من قبل في أدبيات التيار الجهادي.

وفي خضم معركة الدستور في مصر والجدل حول المادة الثانية أكد الظواهري على ضرورة "الإصلاح القضائي والتشريعي" عبر “تعديل المادة الثانية من الدستور، بحيث تنصّ على أنّ أحكام الشريعة الإسلاميّة هي مصدر التشريع" (20 ) وفي السياق الليبي تحدث القيادي في تنظيم القاعدة عطية الله الليبي عن قضية الدستور فقال:" أدعو أي وضع جديد في ليبيا إلى أن ينص دستور البلد بشكل واضح على الالتزام بدين الله الإسلام وأن شريعة الإسلام هي مصدر التشريع" (21 ) ، ومعروف أن التيار الجهادي يرفض الإصلاحات الدستورية وتعديلها، ويعتبرها معارك هامشية تستنزف الحركة الإسلامية على حساب المعركة الأهم ضد "الصهيونية والصليبية العالمية" كما تبين هذه الفقرة لأيمن الظواهري والتي كتبها قبل الربيع العربي: “إن الإخوان يطالبون الآن بالإصلاح، ولكنهم وللأسف يقصرونه على تغيير بعض المواد التفصيلية في الدستور العلماني، دون التعرض لداء الأمة الحقيقي المتمثل في الحملة الصليبية اليهودية على الإسلام والمسلمين التي احتلت قطعاً عزيزة من أراضي المسلمين، والمتمثل في العملاء الحاكمين لديارنا الذين سخرونا ومقدساتنا وثرواتنا لخدمة الصليبيين واليهود" (22 ) غير أن الظواهري في إحدى رسائله إبان الربيع العربي أشار إلى الإصلاح الدستوري كوسيلة لمواجهة المخططات الأمريكية حيث قال: “إنّ أول خطوةٍ في إفشال المخطط الأمريكي وفي إقامة النظام السياسي النزيه هو الإصلاح التشريعي، وأول خطوةٍ فيه أن يُنص على أن تكون الشريعة هي مصدر التشريع ويبطل كل ما يخالفها من مواد الدستور والقانون" ( 23)

إذن، طرأت تحولات في الخطاب السياسي الجهادي وساهم الربيع العربي في بلورة بعضا من ملامحها، صحيح أنها تحولات لم تمس جوهر الفكر وأفكاره الكبرى حيث ظل أيمن الظواهري وغيره من قيادات ومنظري التيار الجهادي يُلحون على قضية “حاكمية الشريعة“ و"دفع الصائل" ورفضوا الاعتراف بالأوضاع والأنظمة التي أفرزها الربيع العربي كالنظام في تونس والمجلس العسكري في مصر، لكنهم تعاطوا بإيجابية مع نظام محمد مرسي، وحكومة الإنقاذ الليبية.

الخطاب السياسي الجهادي قبل وبعد تنظيم الدولة الإسلامية

شكل ظهور تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" في 2013 منعطفا حاسما في تاريخ الحركة الجهادية، ولحظة فارقة في مسار التيار الجهادي، ليس لأنها كانت لحظة انقسام وتشظي التيار واختلاف مرجعياته، بل لأنها كانت بداية ظهور وبروز أفكار تصحيحية هي بمثابة الترميم لبعض الثغرات التي تخللت بنية الخطاب السياسي الجهادي، حيت بدأ المنظرون الجهاديون يطرقون مباحث الفقه السياسي ويؤصلون لمفاهيم لم تكن من قبل تثير اهتمامهم.

وقد تكون بداية الخروج عما أسماه أبو مصعب السوري بـ “أحادية الطرح في المنهج الجهادي وعدم شموليته واقتصاره على مسائل الولاء والبراء والحاكمية وضيق أفق المكتبة والإنتاج الأدبي في التيار الجهادي" (24 ) .

في سياق رفض مرجعيات التيار الجهادي لنمط الحكم و “الخلافة“ التي أعلنها البغدادي وردهم عليها أضافوا للمكتبة الجهادية كتابات يمكن اعتبارها باكورة فقه سياسي جهادي في طور التبلور. كانت البداية مع المنظر الجهادي المعروف أبي قتادة الفلسطيني في كتابه "ثياب الخليفة" حيت قرر فيه "أن أمرَ الإمامة لا يكونُ إلا عن رضى، ولا يحصلُ إلا باتفاقِ أصحابِ الأمرِ من أهل الشورى" (25 ) و أن “أن البيعةَ للإمام لا تنعقدُ بواحدٍ ولا في ما معناه من اثنين أو ثلاثة، بل ويدلُّ على أنِها لا تُفرضُ من قومٍ على قوم" ( 26) بل إن “الإمامةَ وضعٌ بشري، أي هي عقد ككل العقود تحصل بالرضى" ( ) و "بأنه لو أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإمامة لواحد فخالفته الأمة بعده وبايعت غيره لكان الإمام هو من بايعته لا من أوصى به مع معصيتهم في المخالفة" (28 ) . أبو قتادة الفلسطيني توسع في تأصيل هذه الأفكار في كتابه ومقالات أخرى له على حساباته بمواقع التواصل الاجتماعي، وذلك في معرض نقضه للمقولات التي استند عليها البغدادي وأتباعه في شرعنة إعلانهم للخلافة والدولة الإسلامية. أبو قتادة الفلسطيني استفاد من تجربته الجهادية الطويلة خصوصا مع الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر، وكانت كتاباته السابقة تتمحور حول “المنهج السلفي النقي" وربط شرعية الجماعات والحركات الإسلامية بمدى “سلفية عقيدتها ورايتها" ويتجلى هذا في سلسلة مقالاته “بين منهجين" المنشورة في نشرة الأنصار والتي جمعت فيما بعد في كتاب بعنوان “الجهاد والاجتهاد" ويعتبر من الكتب المؤسسة في الفكر الجهادي. يحاول أبو قتادة الفلسطيني اليوم توسيع أفق التيار الجهادي من خلال تشجيع الجهاديين على تنويع قراءاتهم وأشرف في هذا الصدد على برنامج للقراءة سماه “ألف كتاب قبل الممات" شرح فيه أبو قتادة عددا من الكتب ليس فيها كتاب جهادي واحد حتى الآن.

لم يكتف أيمن الظواهري بإدانة تنظيم الدولة الإسلامية وطرده من القاعدة باعتبار التنظيم فرعا من فروع القاعدة (29 ) ، بل تحدث في عدة خطابات عن ماهية الحكم الرشيد وأحكام الإمامة و البيعات وشدد فيها على أن" الحكمَ الذي ينبغي الوصولُ إليه هو حكمُ الشريعةِ التي أمرتنا بالشورى، وجعلت للأمةِ حق اختيارِ حكامها ومحاسبتهم" (30 ) وأكد على أن من لم تختره الأمة بإرادتها فليس إماما وإن زعم ذلك لنفسه “فلا يكفي أن يكون الشخص أهلا للخلافة مستوفيا لشروط المنصب ليكون خليفة، وإنما لا يكون كذلك إلا باختيار المسلمين" (31 ) . وتطرق بالتفصيل إلى الطرق الشرعية في اختيار الحكام وتنصيب الأئمة وربط شرعيتهم باختيار جمهور الأمة لهم (32 ) ، وأما “انتزاع الإمارة بالسيف والقتال والتغلب فإنها جريمة شرعية" ( 33) .

ذكر أيمن الظواهري في سياق حديثة عن الحكم الرشيد كلاما يدل على عمق التحول الذي مس الخطاب السياسي الجهادي، ومدى تأثير ظهور تنظيم الدولة الإسلامية على هذه التحولات حيث رد الظواهري على من يقول بجواز بيعة الأقلية ساردا مجموعة من الأدلة على وجاهة ما ذهب إليه ( 34) ، وقال في رسالة أخرى مخاطبا من يزعم جواز بيعة الأقلية “فأقول لمن يزعم أن خلافة النبوة تكون ببيعة سرية من عدد قليل من المجاهيل لشخص لم تختره الأمة، وافتئتوا على المسلمين وأهل الجهاد والعلم والفضل والرئاسة والزعامة فيهم، فأقول لهم: هذا الذي تزعمونه هو عين ما زعمه الرافضي المطر الحلي؛ أن الصحابة رضوان الله عليهم قد فعلوه في بيعة سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه، بأنه صار خليفة ببيعة عدد قليل من الصحابة" (35 ) . واستند الظواهري إلى سهولة التواصل وإمكانية أخذ آراء الجميع في عصرنا الحاضر. هذه المواقف والآراء الفقهية التي رد عليها أيمن الظواهري وبين "بطلانها" تبناها أسامة بن لادن من قبل واحتج بها على شرعية إعلان دولة العراق الإسلامية عام 2006 فقد قال أسامة بن لادن في معرض دفاعه عن إعلان دولة العراق الإسلامية: “ولقد سمع المسلمون بأن بعض الإخوة من الأمراء والعلماء في بعض الجماعات المجاهدة قد وجدوا في أنفسهم إذ أبرم الأمر ولم يحضروه وقضي ولم يشهدوه (أي إعلان دولة العراق الإسلامية) فأقول إن وَجْدَ هؤلاء لا حرج فيه، وإن لم يغضبوا فذاك السبيل بسبب الأوضاع الأمنية الصعبة مما يُعسِّر الحركة والاتصال بين الإخوة" (36 ) ، وأضاف: “ولو أن الإمارة لا تتم في مثل ذلك الحال إلا بعد مشاورة جميع من يعنيهم الأمر لما أقدم عمر على مبايعة أبي بكر دون استيفاء المشاورة" ( 37) فأسامة بن لادن هنا يجادل بأن إعلان دولة العراق الإسلامية جائز من الناحية الشرعية وإن لم يُستشر في ذلك بقية الجماعات الجهادية في العراق، وهو الموقف الفقهي نفسه الذي نقضه الظواهري بعد ظهور "تنظيم الدولة الإسلامية" وتمدده. بل إن أيمن الظواهري دافع عن شرعية إعلان دولة العراق الإسلامية في 2006 دون استشارة أهل الشأن من وجهاء الناس وأعيانهم بالقول: “إن إقامة الإمارة أو الدولة الإسلامية فريضةٌ شرعيةٌ وضرورةٌ واقعيةٌ، ولا يمكن تأخيرها لعدم توافر الظروف المثلى لاختيار الحاكم" (38 ) .

من بين المسائل التي ناقشها أيمن الظواهري عندما رد على تنظيم الدولة الإسلامية مسألة "إمارة الاستيلاء والتغلب" حيت بين عدم جوازها وأن التغلب لا يمنح الشرعية لأحد لأن إمارة التغلب و “الاستيلاء تقودنا لمستنقع من الدم تضيع فيه دماء خيار الأمة من المجاهدين والصالحين، وتشعل فتنا يسر بها أعداء الإسلام" ( 39) . وسنجد أن القيادي في القاعدة عطية الله الليبي كان قد استند على مسألة التغلب ليثبت وجوب بيعة دولة العراق الإسلامية المعلنة عام 2006 فقال: "حصول الغلبة بالقوة المادية العسكرية والسياسية والاجتماعية والعصبية بحيث يخضع لها أكثر الناس في القطر والإقليم، يلزم الباقين الخضوع لها شرعا، والدخول تحث سلطانها (أي دولة العراق الإسلامية) ويحرم عليهم الخروج عنها" ( 40) .

إذن، يبدو واضحا كيف أثر ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في بنية الفكر الجهادي، ودفع بالمرجعيات الجهادية إلى الانخراط في مراجعات فقهية وفكرية أعادت تأصيل بعض المفاهيم، واستدخلت أخرى إلى صميم الخطاب الجهادي. ويمكن رصد بعض ملامح الخطاب الجهادي الجديد في مئات المقالات والكتب والنشرات والإصدارات التي كتبها الجهاديون ردا على تنظيم الدولة الإسلامية.

دور الشركاء الجهاديين في تحولات الخطاب الجهادي

عندما أعلن أبو بكر البغدادي عن دمج جبهة النصرة مع دولة العراق الإسلامية وتأسيس “الدولة الإسلامية في العراق والشام" احتج أبو محمد الجولاني قائد جبهة النصرة على القرار ورفض تنفيذه، وبرر رفضه بوجود فصائل ثورية أخرى تعمل في الساحة ويجب استشارتها وأخذ رأيها في أي قرار يمس مصير الثورة وقال بأن "دولة الإسلام في الشام تُبنى بسواعد الجميع دون إقصاءِ أي طَرَف أساسي ممن شارَكَنا الجهاد والقتال في الشام من الفصائل المجاهدة، والشيوخ المُعتبَرين من أهل السنة" (41 ) ، فالفصائل والجماعات الجهادية الأخرى في سوريا كان لها دور معتبر في صياغة مواقف جبهة النصرة في كثير من المحطات التي مرت بها الثورة السورية، وقد صرح الجولاني في عدة مناسبات أن “جبهة النصرة لن تتفرد بقيادة المجتمع السوري" ( 42) وأنه حينما يسقط النظام “ستجتمع لجان شرعية ويجتمع أهل الحل والعقد وعلماء ومفكرون من الناس الذين ضحوا وشاركوا ومن الناس الذين لديهم رأي وحتى وإن كانوا من الخارج بهذه البلاد، يجتمع علماء أهل الشام مثلاً ويجتمعون فتعقد مجالس للشورى وتعقد مجالس لأهل الحل والعقد ثم توضع خطة مناسبة لإدارة هذا البلد" ( 43) .

مثلما كان لشركاء "الجهاد" والثورة دور في انفصال جبهة النصرة عن "دولة العراق الإسلامية" كان لهم دور أيضا في انفصالها عن تنظيم القاعدة، إذ اشترطت عدد من الفصائل الثورية والجهادية فك جبهة النصرة ارتباطها بتنظيم القاعدة كخطوة أولى للتوحد معها في كيان واحد. ومن أجل إنجاح مشروع التوحد هذا؛ قطعت جبهة النصرة علاقتها بالقاعدة وغيرت اسمها وعلمها، ثم توحدت مع فصائل أخرى في كيان جامع أطلقوا عليه اسم “هيئة تحرير الشام"، أشرف الكيان الأخير على تنظيم مؤتمر عام في مدينة إدلب لدراسة مشروع الإدارة المدنية للمناطق المحررة، وانبثق عن هذا المؤتمر هيئة تأسيسية كُلفت بتشكيل حكومة انقاذ لإدارة المناطق المحررة وتم الإعلان فعلا عن الحكومة في 2/11/2017 ولا يوجد في الحكومة أي شخصية تنتمي إلى التيار الجهادي بل أغلب أعضائها من الأكاديميين والمستقلين.

ربما في الحالة السورية يتضح أكثر عمق التغيرات التي طرأت على الخطاب الجهادي، فقبل عقد تقريبا أعلن الجهاديون في العراق عن تشكيلة وزارية تتبع "دولة العراق الإسلامية" ومعظم الأسماء التي أعلن عنها آنذاك محارب الجبوري كانت أسماء مستعارة لا يُعرف أصحابها (44 ) ، ثم خرج أبو عمر البغدادي في تسجيل صوتي يذكر ثوابت "حكومته" ودولته فقال:" نرى كفر وردة الساحر ووجوب قتله ، وعدم قبول توبته في أحكام الدنيا بعد القدرة عليه.. ونرى تحريم كل ما يدعو إلى الفاحشة ويدعو عليها كجهاز الستالايت ، ونوجب على المرأة وجوباً شرعياً ستر وجهها والبعد عن السفور والاختلاط ولزوم العفة والطهر" ( 45) فهذه الجزئيات الصغيرة صنفها البغدادي في عداد الثوابت التي لا يمكن التنازل عنها، بينما حضرت نساء بوجه مكشوف للمشاركة في مداولات المؤتمر السوري العام الذي غطاه عدد كبير من الصحفيين والناشطين تحت إشراف "هيئة تحرير الشام. ما بين إعلان “دولة العراق الإسلامية" في العراق 2006 و "حكومة الإنقاذ" في سوريا 2017 عاش التيار الجهادي فصولا من المراجعة الذاتية وتقييم الحصيلة أسفرت عن صراعات بينية دامية وانقسامات لم تهدأ تداعياتها حتى اللحظة.

في 2012 تمكنت كل من جماعة أنصار الدين وحركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا وتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي والحركة الوطنية لتحرير أزواد من السيطرة على إقليم ازواد شمال مالي وإقامة "حكم إسلامي" هناك، تحالف الضرورة الذي جمع هذا الخليط المتنوع من الحركات الوطنية والجهادية لم يستطع الصمود لفترة طويلة لكنه كشف عن قناعات جهادية جديدة سادت وسط جهاديي الصحراء الكبرى وغرب إفريقيا، هذه القناعات عبرت عن نفسها بوضوح في الوثيقة المعروفة بوثيقة أزواد، وهي عبارة عن توصيات وتوجيهات كتبها أبو مصعب عبد الودود قائد تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي إلى الجماعات الجهادية المسيطرة على شمال مالي، وتضمنت بنودها ما يمكن اعتباره تحولا عميقا في الخطاب الجهادي، ويمكن ملاحظة عمق هذا التحول عندما تتم مقارنة هذه الوثيقة بوثائق أخرى أصدرها تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي قبل سنوات.

طالب أبو مصعب عبد الودود الجماعات الجهادية في الصحراء بـمد الجسور مع كافة شرائح المجتمع الأزوادي  وعلى رأسها القبائل الكبيرة وحركات التمرد الرئيسية (46 ) وعدم الهيمنة على المشهد السياسي والعسكري والسعي لإشراك القوى الرئيسية الفاعلة فيه كحركة تحرير أزواد وحركة أزواد العربية وغيرهما، وتبني فقه تحييد الخصوم وتجنب سياسة الاستفزاز والاستعداء وتهييج الخصوم، والحرص على كسب الحلفاء والمرونة في التعامل مع الواقع والتنازل عن بعض الحق تحقيقا للمصالح الكبرى (47 ) . ثم كتب أبو مصعب عبد الودود ما رآها أخطاء وقع فيها الجهاديون في الصحراء وحثهم على تداركها وتصحيحها مثل: قرار إعلان الحرب على الحركة الوطنية لتحرير أزواد الذي اعتبره خطأ يجب تصحيحه باعتبار الحركة أهم مكون في المجتمع الأزوادي، ولذا من المهم التصالح معها وتذليل كل العقبات التي تحول دون ذلك "توحيدا للصف الأزوادي الداخلي" ( 48) ، وأكد عبد الودود ضرورة التدرج في تطبيق الشريعة (49 ) ومراعاة ظروف الناس والمجتمع واستنكر بعض التصرفات التي تسيء للجهاديين ولا تخدم قضيتهم مثل: هدم الأضرحة والمزارات وإقامة الحدود دون اعتبار المصالح والمفاسد المترتبة على ذلك ومنع النساء من التجول وتحريم اللعب المباح وتفتيش البيوت.. ( 50)

وردت فقرة في وثيقة أزواد المشار إليها تعكس بوضوح تأثير الشركاء الجهاديين في الخطاب السياسي الجهادي حيث قال أبو مصعب عبد الودود: “مما لا شك فيه أن وضع تنظيم القاعدة الآن وطبيعة نشاطه في إقليم أزواد يختلفان عما سبق، نظرا لما حملته هذه الأوضاع الجديدة المهمة من تحديات تقتضي منا وضع تصور جديد يضبط العلاقة التنظيمية مع حركة أنصار الدين ويحدد طبيعة النشاط الملائم الذي يجمع بين الاستمرار في مشروعنا الجهادي العالمي وبين رعاية المشروع الإسلامي الأزوادي وتطويره وتجنب أسباب فشله"، (51 ) في هذه الفقرة يعترف أمير تنظيم القاعدة أن حال التنظيم قبل تحالفه مع جماعة أنصار الدين لن يكون كحاله بعد التحالف معها، بمعنى أن التنظيم عليه أن يبحث عن صيغة أخرى للتوفيق بين توجهه العالمي وبين ما تقتضيه المرحلة من ضرورة من الاهتمام أكثر بالشأن المحلي ومراعات الشراكات مع الفاعلين الآخرين. وخلص عبد الودود إلى أهمية “حشد كافة القبائل بمختلف توجهاتها والحركات المحلية على الأهداف الكبيرة، وتجنب الخوض في مسائل التكفير وتبني سياسة ناضجة ومعتدلة تقدم التطمينات وتوحي بالتهدئة ولا تستفز دول الجوار ( 52) . وقد نشرت القاعدة لاحقا نص الاتفاق بينها وبين جماعة أنصار الدين والحركة الوطنية لتحرير أزواد المتعلق بتشكيل حكومة شراكة فيما بينهم ( 53) .

تحدث القيادي في القاعدة (منطقة الصحراء الكبرى) عبد العزيز حبيب في حوار مطول عن الخطوط العريضة للسياسة التي انتهجوها في إقليم أزواد وذكر منها:

– اعتماد المذهب المالكي المدلل، ويقصد به عبد العزيز حبيب مواقف فقهاء المالكية المسنودة بالأدلة الشرعية

– عدم استعداء مكونات المجتمع الأزوادي بأي شكل من الأشكال

– عدم إعلان إمارة إسلامية حتى لا تتخذها بعض القوى مسوغا للهجوم على المنطقة واستهداف الشعب الأزوادي

-صياغة البيانات بطريقة لا تستعدي الخارج

– فتح باب التفاوض والحوار مع حكومة باماكو

– تحييد الخصوم والحركات المسلحة في البلد

– الاجتماع بأطياف المجتمع وقادة الناس ووجهائهم

– الحوار مع الحركة الوطنية لتحرير أزواد والسعي لإيجاد صيغة توحد واندماج معها بما يخدم المشروع الإسلامي في أزواد

– التدرج في تطبيق الشريعة

– السماح للمرأة بالخروج من المنزل والعمل وفق الضوابط الشرعية المعروفة

عدم هدم القبور والقباب إلا بعد إقناع الناس بشرعية ذلك، واستعمال الفؤوس في عملية الهدم وليس المتفجرات أو الجرافات، وذكر القيادي في القاعدة أن عناصر تنظيمه يمرون يوميا بجوار بعض القباب والأضرحة النائية قبل سيطرتهم على أزواد ولم يفكروا في هدمها، لأن ذلك يخالف مقاصد الشريعة، إذ يجب أولا إبلاغ الناس بحرمة القباب ثم هدمها لاحقا بإرادتهم ( 54) .

لقياس حجم التحول الذي مس خطاب الحركات الجهادية في الصحراء الكبرى وشمال افريقيا سنعود إلى أهم وثيقة تأسيسية نشرتها الجماعات الجهادية هناك وهي الوثيقة المسماة “ميثاق الجماعة السلفية للدعوة والقتال"، هذا الميثاق يعود للجماعة التي غيرت اسمها لاحقا من “الجماعة السلفية للدعوة والقتال" إلى تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي بعد بيعتها لأسامة بن لادن في 2006. لقد حصر الميثاق نطاق التعاون والتحالف مع الجماعات الأخرى وفق ما يقتضيه المنهج السلفي ويفتي به العلماء السلفيون فقد نص على أنه "إذا اختلفت اتّجاهات النّشاط و العمل مع غيرنا من الجماعات العاملة باختلاف الأولويّة والأهمّيّة أو اختلاف الظّروف و المحيط الذي تتواجد فيه، أن نتّخذ من هذا الاختلاف وسيلة تكامل و قوّة، بدل أن يكون سبب تطاحن و ضعف، ما دام ذلك وفقا لمنهج السّلف، و في إطار السنّة، و أقوال العلماء السّلفيين، بعيدا عن البدعة، و المناهج المخالفة للسّنّة" (55 ) ولا شك أن مكونات المجتمع الأزوادي العرقية والقبلية والسياسية التي تحالفت معها الجماعة فيما بعد ليست على المنهج السلفي، كما أن الحركات التي دخلت معها في مشروع حكومة مؤقتة لا تدين كلها بالعقيدة السلفية.

ما حصل في شمال مالي حصل أيضا في اليمن حينما سيطر تنظيم القاعدة بمعية رجال القبائل على مدينة المكلا الواقعة في محافظة حضرموت شرقي اليمن في العام 2015، حيث بادر التنظيم إلى تشكيل مجلس محلي لإدارة المدينة، وسلم المدينة إلى مؤسسات أهلية لتدبير شؤونها، ولم يعمد كما هو معهود عن الجماعات الجهادية إلى فرض نمطه في الحكم والإدارة. تنظيم القاعدة اليمن انخرط أيضا في مراجعة نقدية للمقاربات الجهادية التي تبناها في السابق، ولعل المحاضرة المرئية لقائد التنظيم أبو بصير ناصر الوحيشي عن مفهوم تطبيق الشريعة مؤشر واضح على قدر التحول والتغير الذي عرفه أهم فرع من فروع القاعدة، حيث حاول الوحيشي تصحيح بعض المفاهيم عند التيار السلفي الجهادي المتعلقة بتطبيق الشريعة وأكد أن “من تطبيق الشريعة عدم تطبيق الشريعة" ( 56) واستنكر التطبيق الحرفي لتعاليمها من قبل بعض الجماعات الجهادية في المناطق التي يسيطرون عليها.

تنشط في ليبيا جماعات جهادية كثيرة، منها تلك المحسوبة على الجهاد العالمي كجماعة أنصار الشريعة وبعض الكتائب الأخرى العاملة في بنغازي ودرنة، وأخرى قصرت اهتمامها بقضايا القطر الليبي فقط، تحالفت هذه القوى الجهادية ضمن مجالس للشورى وغرف للعمليات المشتركة؛ كمجلس شورى ثوار بنغازي ومجلس شورى مجاهدي درنة، هذه الجماعات الجهادية مع قربها من تنظيم القاعدة وبعضها مبايع له فعلا، إلا أن أسلوب إدارتها للمدن والمناطق التي سيطرت عليها يبدو فريدا ومختلفا، حيت اعترف بعضها بحكومة طرابلس التابعة للمؤتمر الوطني العام، وتحالفت مع قوات فجر ليبيا الحكومية، واعتبرت دار الإفتاء الليبية مرجعية لها، كما حاربت تنظيم الدولة الإسلامية بشراسة وطردته من مدينة درنة وبعض المناطق الليبية الأخرى.

المنظرون الجدد ودورهم في تحولات الخطاب الجهادي

عند مقاربتنا للظاهرة الجهادية وما يعتريها من تحولات لابد أن نشير إلى عامل مهم كان له دور محوري في إعادة صياغة الوعي الجهادي عند أبناء التيار الجهادي؛ هذا العامل هو ظهور مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة وما لاقته من إقبال على حساب المنصات الإلكترونية الأخرى كالمواقع والمنتديات الحوارية، فقد كانت المنتديات الجهادية بمثابة الجامعات والمدارس التي ينهل منها الجهاديون أفكارهم وقناعاتهم، وكان المشرفون على هذه المنتديات حريصون جدا على مراقبة المواد التي تنشر فيها حيث يتعرض أي عضو يطرح موضوعا نقديا أو مخالفا لمواقف شيوخ وقادة التيار الجهادي إلى الحظر والتوقيف، وهكذا ظلت البيئة الجهادية الافتراضية محصنة ضد أية آراء أو توجهات تخالف ما هو سائد في الوسط الجهادي. مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي وتراجع اهتمام رواد الانترنت بالمواقع والمنتديات وجد من كان متحفظا على الفكر الجهادي في هذه المواقع منبرا مناسبا لنشر أفكاره ومواقفه، وسرى الخطاب الجهادي النقدي فيها وحظي بتفاعل كبير من قبل روادها لاسيما المؤيدين منهم للحركة الجهادية.

وجد المنظرون الجدد للتيار الجهادي في مواقع التواصل الاجتماعي فضاء لعرض أفكارهم وأطروحاتهم وساعدهم ذلك في خلق توجه جهادي تجرأ على نقد كبار شيوخ السلفية الجهادية والاستدراك عليهم، كما أنهم استطاعوا تأسيس جماعات جهادية أو كانوا من بين المؤسسين لها، وبالتالي كانت بصمتهم حاضرة في الخطاب السياسي والفقهي لهذه الجماعات، ويعتبر هؤلاء المنظرون من أوائل الرافضين لمشروع تمدد “دولة العراق الإسلامية “إلى سوريا، وكان لبعضهم دور أيضا في إقناع الجولاني بالتمرد على قرار دمج جبهة النصرة مع تنظيم دولة العراق الإسلامية. وكانت مآخذ هؤلاء على الفكر الجهادي أنه فكر نخبوي يصعب معه حشد الناس خلف قضاياه وأطروحاته، وأن روافد الغلو داخله ينبغي تجفيفها وحصارها، واستنكروا “تستر علماء ومشايخ الحركة الجهادية على الانحراف الموجود تحت دعوى عدم ضرب المشروع الجهادي" (57 ) ، وكان من أبرز هؤلاء القادة والمنظرين أبو مارية القحطاني و مظهر ألويس و أبو يزن الشامي وسراج الدين زريقات وغيرهم (58 ) . أبو مارية القحطاني كان من مؤسسي جبهة النصرة وكان قائدا لها في المنطقة الشرقية بسوريا (دير الزور) ومن المتحمسين لقتال تنظيم الدولة الإسلامية في بداية تمدده، استغل شبكات التواصل الاجتماعي لنشر أفكاره وآراءه عن تنظيم الدولة والحركة الجهادية عموما، خاض معارك شرسة ضد التنظيم في المنطقة الشرقية قبل أن ينسحب منها إلى درعا جنوب سوريا. أما مظهر ألويس فقد كان رفيقا للقحطاني في المنطقة الشرقية وتقاسما القناعات نفسها حول التيار الجهادي، نقض مظهر ألويس مبادئ الغلو والتكفير في كتابه المشهور “العلامات الفارقة في كشف دين المارقة “وهاجم فيه شيوخ التيار الجهادي لأنهم لم يبينوا حقيقة الخوارج بنفس القدر الذي بينوا فيه حقيقة المرجئة (59 ) . ويعتبر مظهر ألويس وأبو مارية القحطاني الآن من قادة هيئة تحرير الشام ومن مهندسي برنامجها الجهادي الموسوم بالاعتدال والانفتاح.

أبو يزن الشامي كانت له إسهاماته أيضا عبر مجموعة من المحاضرات والمناظرات الفكرية والفقهية لكنه قتل مع من قتل من قادة حركة أحرار الشام في 9/9/2014 ولم يتسنى له بلورة أفكاره ونظرياته الجهادية بشكل شامل، واشتهر بعبارته التي اعتذر فيها للشعب السوري لأنه حمل يوما أفكار السلفية الجهادية التي جعلته يتمايز عن جماهير الشعب. أما سراج الدين زريقات فقد عُين قائدا لكتائب عبد الله عزام القريبة من تنظيم القاعدة خلفا لقائدها الراحل ماجد الماجد، وبعد اندلاع الثورة السورية أطلق مواقف ناقدة للتيار الجهادي عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

خاتمة

تبدو تحولات الخطاب السياسي الجهادي في سوريا عميقة وراسخة وأشد بروزا وتجليا، لأن عوامل ومحددات التحول التي ذكرناها كانت أكثر تظافرا واحتشادا في الحالة السورية مقارنة بغيرها، ففي سوريا استطالت الثورة واستماتت في مواجهة النظام وحلفائه، وإليها امتد تنظيم الدولة الإسلامية أول مرة، وأقام نمطه في الحكم و "الخلافة"، وشهدت ميلاد أجيالا جديدة من الحركات الجهادية ومنظرون جدد.. فكان أمرا طبيعيا معاينة جماعة جهادية بدأت نشاطها باسم “جبهة النصرة لأهل الشام من مجاهدي الشام في ساحات الجهاد" وهو اسم يقتبس مفرداته من المعجم الجهادي التقليدي، إلى اسم “هيئة تحرير الشام" ذو الحمولة الحداثية والبيروقراطية. الفكر الجهادي لم يكن وحده من عصفت به رياح الربيع العربي فكل الأيديولوجيات والسرديات الكبرى في الوطن العربي تعرضت للتصدع أو الانهيار الكامل. جماعة الإخوان المسلمين فكرا وتنظيما؛ حالها بعد الربيع العربي ليس كحالها قبله، الفكر السلفي التقليدي بجماعاته ورموزه ودعاته حاله قبل الربيع العربي ليس كحاله بعده، والمصير نفسه لاقته دول وأنظمة ومحاور كانت تسمى محاور للمقاومة والممانعة أو الاعتدال. ربما يمكن القول أن الحركة الجهادية هي السردية الوحيدة التي تكيفت بنجاح مع لحظة الثورات العربية عندما راجعت أطروحاتها وصححت مساراتها، إذ لا يمكن فصل الفعل الثوري عن الفعل الجهادي في سوريا وليبيا مثلا إلا في سياقات تعسفية تتحدى الموضوعية وتقفز على معطيات الواقع وشواهده – ( ( 60) ).

——————–

الهامش

(1 ) أبو محمد المقدسي، هذه عقيدتنا، 1997 الرابط

( 2) أبو قتادة الفلسطيني، معالم الطائفة المنصورة، الرابط

(3 ) أبو مصعب السوري، الفجوة الفكرية المنهجية في التيار الجهادي الحالي، 25/02/2001 الرابط

(4 ) معظم كتابات المقدسي جاءت في إطار الرد على المخالفين مثل: "الديمقراطية دين" و "امتاع النظر في كشف شبهات مرجئة العصر" و" كشف النقاب عن شريعة الغاب" و" تبصير العقلاء بتلبيسات أهل التجهم والإرجاء"…

(5 ) أيمن الظواهري، إعزاز راية الإسلام.. رسالة في تلازم الحاكمية والتوحيد، ص2 (نسخة إلكترونية)

(6 ) يعتبر كتاب "ملة إبراهيم" لأبي محمد المقدسي كتابا تأسيسا في الفكر السلفي الجهادي وكله مبني على نقولات واقتباسات من كتب الدعوة النجدية.

( 7) مروان شحادة، التحولات التي أحدثها تنظيم القاعدة في الخطاب السلفي، 7/2/ 2012 الرابط

(8 ) اهتم حاكم المطيري ذو الخلفية السلفية بالفقه السياسي الإسلامي وكتب فيه عشرات الدراسات لكن التيار الجهادي لم يستفد منها لأن له مآخذ على بعض أفكار حاكم لاسيما تلك المتعلقة بالانتخابات والتعددية السياسية والموقف من المخالفين والطوائف الأخرى.

( 9) يمكن لأي متابع أن يلحظ حضور هذه المفاهيم بكثافة في سلسلة " رسائل الأمل والبشر لأهلنا في مصر" وسلسلة " الربيع الإسلامي" التي أصدرهما أيمن الظواهري بعد اندلاع الثورات العربية.

(10 ) اندمجت جبهة فتح الشام المرتبطة بالقاعدة وجبهة أنصار الدين ذات التوجه السلفي مع فصائل من الجيش الحر في سوريا مثل حركة نورالدين زنكي في كيان واحد حمل اسم "هيئة تحرير الشام" قاده في البداية أبو جابر هاشم الشيخ ولم يكن محسوبا على التيار السلفي الجهادي، كما اندمجت القاعدة في الصحراء الكبرى مع جبهة تحرير ماسينا وجماعة أنصار الدين وهما جماعتان تأسستا للدفاع عن الأقليات العرقية في الصحراء الكبرى.

( 11) شهدت المنطقة الشرقية (دير الزور) التي يقود جبهة النصرة فيها أبو مارية القحطاني ومظهر ألويس أشرس المعارك بين النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية وقتل في هذه المنطقة وحدها أكثر من ألف قتيل من جبهة النصرة، انظر: في ظلال دوحة الجهاد، أبو عبد الله الشامي 2016 ص: 197 (نسخة إلكترونية)

(12 ) أبو المنذر الشنقيطي، نحن أنصار الشريعة ص 6 (نسخة إلكترونية)

(13 ) بي بي سي عربي، من هم أنصار الشريعة في اليمن؟،7/3/2012 الرابط

(14 ) وثائق أبو أباد، الوثيقة رقم SOCOM-2102-1111100

( 15) أيمن الظواهري، رسالة الأمل والبشر لأهلنا في مصر الحلقة الثالثة، 28/2/2011 الرابط

(16 ) المصدر السابق

(17 ) أيمن الظواهري، رسالة الأمل والبشر لأهلنا في مصر الحلقة الرابعة، 4/3/2011 الرابط

(18 ) أيمن الظواهري، رسالة الأمل والبشر لأهلنا في مصر الحلقة الخامسة، 16/4/2011 الرابط

(19 ) المصدر السابق

(20 ) أيمن الظواهري، رسالة الأمل والبشر لأهلنا في مصر الحلقة السادسة، 15/5/2011 الرابط

(21 ) عطية الله الليبي، تحية لأهلنا في ليبيا، 15/2/2011 الرابط

( 22) أيمن الظواهري، الحصاد المر، الطبعة الثانية ص20 (نسخة إلكترونية)

(23 ) أيمن الظواهري، رسالة الامل والبشر لأهلنا في مصر الحلقة السابعة،12/10/2011 الرابط

(24 ) أبو مصعب السوري، دعوة المقاومة الإسلامية العالمية ص 846 (نسخة إلكترونية)

(25 ) أبو قتادة الفلسطيني، ثياب الخليفة، ص23 (نسخة إلكترونية)

( 26) المصدر السابق 21

(27 ) المصدر السابق ص 15

(28 ) المصدر السابق ص 17

(29 ) بيان جماعة قاعدة الجهاد بشأن العلاقة مع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، 3/2/2014 الرابط

(30 ) أيمن الظواهري، الربيع الإسلامي الحلقة الثانية، 10/4/2015 الرابط

(31 ) أيمن الظواهري، الربيع الإسلامي الحلقة الثالثة، 12/4/2015 الرابط

(32 ) المصدر السابق

(33 ) أيمن الظواهري، الربيع الإسلامي الحلقة الرابعة، 6/10/2015 الرابط

( 34) المصدر السابق

( 35) أيمن الظواهري، الربيع الإسلامي الحلقة الثالثة، 12/4/2015 الرابط

( 36) أسامة بن لادن، السبيل لإحباط المؤامرات، 20/12/2007 الرابط

(37 ) المصدر نفسه

( 38) مؤسسة السحاب، اللقاء المفتوح مع أيمن الظواهري، 4/4/2008 الرابط

(39 ) أيمن الظواهري، الربيع الإسلامي، الحلقة الرابعة، 6/10/2015 الرابط

(40 ) عطية الله الليبي، كلمات في نصرة دولة العراق الإسلامية، الأعمال الكاملة، جمع وترتيب الزبير الغزي، ص515 (نسخة إلكترونية)

(41 ) أبو محمد الجولاني، حول ساحة الشام، 10/4/2013 الرابط

(42 ) قناة الجزيرة، لقاء مع أبي محمد الجولاني، 19/12/2013 الرابط

(43 ) المصدر السابق

(44 ) مجموع كلمات قادة دولة العراق الإسلامية، إعلان التشكيلة الوزارية، ص230، 19/4/2007 الرابط

( 45) أبو عمر البغدادي، قل إني على بينة من ربي، 13/3/2007 الرابط

(46 ) أبو مصعب عبد الودود، توجيهات عامة بخصوص المشروع الإسلامي في أزواد،20/7/2012 ص 7 الرابط

(47 ) المصدر السابق، ص 8

(48 ) المصدر السابق ص10

(49 ) يتحفظ التيار الجهادي على مسألة التدرج في تطبيق الشريعة، أنظر مثلا: أيمن الظواهري، الحصاد المر، الطبعة الثانية ص61 (نسخة الكترونية)

(50 ) المصدر السابق ص10

(51 ) المصدر السابق ص 11

(52 ) المصدر السابق ص 13

(53 ) مؤسسة الأندلس، رسالة وتوضيح من مؤسسة الأندلس للإنتاج الإعلامي، 26/5/2012 الرابط

(54 ) شبكة المرصد الإخبارية، القصة الكاملة للإمارة الإسلامية في شمال مالي، 14/1/2014 الرابط

(55 ) ميثاق الجماعة السلفية للدعوة والقتال، (بدون تاريخ) ص12 الرابط

(56 ) أبو بصير ناصر الوحيشي، مفهوم تطبيق الشريعة، 22/7/2015 الرابط

(57 ) مظهر ألويس، العلامات الفارقة في كشف دين المارقة، ص38 (نسخة إلكترونية)

( 58) عدد من الكتاب الجهاديين المشهورين تراجعوا عن مواقفهم التي كانوا ينشرونها في المنتديات الجهادية مثل الكاتب “عبد الله بن محمد" الذي يكتب في تويتر باسم "شؤون استراتيجية" و الكاتب “اسد الجهاد2" وغيرهم

( 59) مظهر ألويس، العلامات الفارقة في كشف دين المارقة، ص43 (نسخة إلكترونية)

(60 ) الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “تحولات الخطاب السياسي الجهادي”

  1. مقال، أو بالأحرى دراسة، رائعة وشاملة، لكنها أغفلت بعض مراجعات منظري السلفية الجهادية من قبل الربيع العربي، خصوصاً كتاب أبي محمد المقدسي “وقفات مع ثمرات الجهاد” وكتاب آخر لأبي بصير لا يحضرني اسمه الآن.
    وجزاك الله خيرا على مجهودك الواضح .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *