دراساتاوروبا وامريكا

ترامب بعد مائة يوم: المسارات والسيناريوهات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

إعداد د. عمرو درّاجنبيل عوده

مقدمة:

“يبدو أنه في حالة من الفوضى الشخصية”1 هكذا وصفت زعيمة الأقلية الديمقراطيه في مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي الحال التي وصل إليها الرئيس دونالد ترامب مع اقتراب نهاية المائة يوم الأولى من ولايته. فلم يستطع الرئيس تحقيق غالبية الوعود التي قطعها على نفسه أثناء حملته الانتخابية، وما تحقق منها – وهي قليلة جدا – تعاني من عراقيل جمة فرضتها أجهزة الدولة البيروقراطية، أو ما يطلق عليه عادة المؤسسة السياسية Political Establishment. هذا فضلا عن حالة الفوضى واللايقين التي مازالت السمة البارزة لادارته، حيث لم يستطع الرئيس ترامب الوصول إلى مقاربة واضحة يحسم بها الموقف من التيارات السياسية المتنافسه داخل إدارته والتي يحاول كل طرف فيها أن يفرض رؤيته وفق معادلة صفرية تهدف إلى تهميش أو حتى وأد الطرف الآخر.

أولاً: ترامب بين التخبط والفوضى:

هناك عدة مقاربات ممكنة لتفسير حالة التخبط والفوضى التي تواجهها إدارة ترامب. تتعلق إحدى هذه المقاربات بالجانب الشخصي لترامب، والتي ترتبط بتركز خبرته الواسعة والطويلة بقطاع المال والإعمال في حين يفتقر للخبرة السياسية والدبلوماسية، حيث لم يتقلد منصباً عمومياً طيلة حياته إلى أن أصبح رئيساً، ولذلك فمعرفة الرجل متواضعه بدهاليز السياسة واتخاذ القرار في أروقة البيت الأبيض والكونجرس، وما بينهما من جماعات ضغط ومصالح.

وهناك مقاربة أخرى متعلقة بالبنية الهيكيلة لتحالفات ترامب السياسية، والتي إلى الآن تظهر بحالة من عدم التجانس الكبير، بل والتنافس الشرس فيما بينها على النفوذ والتمثيل. وتشمل تحالفات ترامب الجناح الشعبوي والذي يعتبر مدير حملته الانتخابية سابقا، كبير استراتيجي البيت الأبيض حاليا “ستيف بانون” أبرز الأصوات فيه؛ يليه الجناح العائلي وهو الأقرب ولاءً والأكثر قرباً من الرئيس بزعامة ابنة الرئيس ومستشارته “إيفانكا ترامب” وزوجها “جاريد كوشنر”، الذي يظهر وكأنه المبعوث الشخصي للرئيس في الكثير من الملفات شديدة الحساسية مثل العلاقة مع الصين، مع المكسيك، والعلاقة مع الفلسطينيين والاسرائيليين، غيرها؛ وأخيرا هناك الجناح الحزبي الجمهوري التقليدي بزعامة جنرالات البيت الأبيض ممثلين في مستشار الأمن القومي “هربرت رايموند ماكماستر”، ووزير الدفاع “جيمس ماتيس”، يأتي على يمينهم الجناح الأكثر تحفظاً في الحزب ممثلا في نائب الرئيس “مايك بنس”، العضو البارز في حركة حزب الشاي اليمينية المتشددة.

وقد أدت نقاط الضعف التي يُعاني منها ترامب سواء على الجانب الشخصي أو على الجانب الهيكلي إلى تراجعه أمام المؤسسة السياسية Political Establishment في واشنطن والتي يبدو أنها – إلى الآن – تتفوق عليه، وتجبره على التصرف بمقتضيات آلياتها وتراثها البيروقراطي.

ومن سمات هذا التفوق – على سبيل المثال – التخلص المبكر من بعض رجال ترامب المقربين أمثال “مايك فلين” مستشار الأمن القومي السابق والذي أزيح عن منصبه بسبب اتصالاته المبهمه مع السفير الروسي في واشنطن أثناء الحملة الانتخابية لترامب؛ والضغوط الشديدة التي تمارس على آخرين من المقربين إلى ترامب من أمثال “جيف سيشنز” المدعي العام والذي تلاحقه اتهامات بالعنصرية وإهانة السود2، إضافة لتواصلاته هو الآخر مع الروس، فضلا عن زعيم الاتجاه الشعبوي “ستيف بانون” نفسه، والتي برزت إلى العلن صراعاته مع “جاريد كوشنر”، وتغلب الأخير بشكل واضح في التأثير3.

وقد أدى تراجع ترامب أمام المؤسسة السياسية إلى اخفاقه في تنفيذ أبرز الوعود التي قطعها على نفسه أثناء حملته الانتخابية من قبيل إقامة الجدار العازل على الحدود مع المكسيك، بتمويل من حكومة المكسيك، والغاء العمل باتفاقيات التجارة الحرة، منها اتفاقية التجارة الحرة لامريكا الشمالية (NAFTA)، وتمزيق الاتفاق النووي مع إيران، ومنع المهاجرين من الوصول إلى الولايات المتحدة، وإلغاء قانون الرعاية الصحية المعروف بأوباما كير، غير ذلك.

وعليه فإن السؤال المطروح الآن حول المستقبل، فضلا عن تقييم أداء ترامب خلال المائة يوم الأولى من حكمه، يدور حول ما إذا كان ترامب سينجح في قلب المعادلة لصالحه من خلال فرض أجندته والتغلب على المؤسسة السياسية، أم ستنجح هذه المؤسسه في استيعابه،توجيهه كما نجحت بشكل كبير خلال المائة يوم الأولي (وهو السؤال الرئيس المطروح منذ بداية ولاية ترامب)؟ أم أن ترامب سيواصل مسلسل التراجعات والفوضى،القرارات العشوائية المصاحبة للاصطدام بالمؤسسة؟ أم أن لديه بدائل أخرى؟ وما هي السيناريوهات المترتبة على ذلك؟

وتجدر الإشارة إلى أن تقييمنا هنا لأداء ترامب خلال المائة يوم الأولى من حكمه لا يرتكز على مدى سلامة أو أخلاقية أو إيجابية أو فائدة السياسات التي يتبعها، أو على إعجابنا أو كراهيتنا لهذه السياسات من منظور مصالحنا، واهتماماتنا في المنطقة، بل يركز فقط على تقييم مدى نجاحه في فرض أجندته الرئاسيه التي روج لها أثناء حملته الانتخابيه، التي قد لا تعني بالضرورة توافقها مع معايير التيار الرئيس السائد في العالم حتى الان (على الرغم من تصاعد التيار اليميني الشعبوي)، أو مع مصالح شعوب منطقتنا، أو حتى مع المصالح العليا الأمريكية نفسها، حيث أننا نهدف في هذه الدراسه بالدرجة الأولى إلى استكشاف مدى قدرة ترامب على فرض أجندته المعلنه أثناء حملته الانتخابية، والآليات والتوجهات التي تحكم عمليات اتخاذ القرار الأمريكي حالياً ومستقبلاً في ظل إدارة ترامب، ذلك بهدف محاولة الوصول إلى رسم سيناريوهات التوجهات الأمريكية أثناء فترة رئاسة ترامب الأولى، ومن ثم تحديد الأساليب المثلى للتعامل مع كل منها لاحقا.

ثانياً: ترامب بين البرجوازية والشعبوية

من أبرز الإقترابات المهمة في فهم وتفسير سياسات الرئيس ترامب، هي محاولة تفكيك الاشكالية المتعلقة بالتركيبة البرجوازية – الشعبوية المتناقضه لديه. فالرئيس ترامب، طبيعياً، ينتمي إلى الطبقة البرجوازية، وهي الطبقة التي تمتلك تقليدياً رأس المال والقدرة على السيطرة والتحكم في مفاصل الدولة والمجتمع للحفاظ على امتيازاتها ومكانتها الاجتماعية. وقد شكلت هذه الطبقة القاعدة الصلبة لليبرالية الحديثة، والتي انتعشت بعد الحرب العالمية الثانية ودعت إلى تبني مبدأ التجارة الحرة وسياسة السوق، والاعتماد على المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية كعوامل محفزة على الاستثمار والتنمية المستدامة والازدهار، تشجيع سياسة عمل الشركات العابرة للحدود التي سرَّعت بدورها من عملية العولمة، التي أفضت لاحقاً إلى خلق عالم تسوده مستويات عالية من الاندماج والاعتماد المتبادل بين الأمم.

مع مرور الوقت شكلت هذه الطبقة البرجوازية عصب النخبة الحاكمة، ومع تكدس رأس المال في أيديها، زاد نفوذها إلى درجة التحكم بالفضاء السياسي، الإعلامي والتأثير إلى حد كبير في صناعة القرار. في الولايات المتحدة على سبيل المثال، يعتبر دعم رجال الأعمال والشركات لحملات مرشحي الكونجرس ومرشحي الرئاسة من أهم الوسائل التي تسمح لسلطة المال بالتأثير على القرار السياسي في البلاد.

صدمت الأزمة المالية في العام 2008 النخبة البرجوازية والجماهير على حد سواء. لم تكن نخب المال والأعمال تتصور أن تنهار مؤسسات مالية ضخمة (Too Big To Fail) بهذه السرعة وبتلك البساطة، كان هناك نوع من زعزعة اليقين بالنظام الليبرالي الحديث في مواجهة التحديات المعاصرة، وكفاءته في بناء نظام دولي آمن. على الجانب الآخر، كان المتضررون بشكل أكبر من الأزمة المالية هم من الطبقة الوسطى العاملة والفقراء؛ جلبت العولمة الازدهار للبعض ولكنها عملت على تضخيم الفجوة بين الفقراء والأغنياء، ولم تعد تلك المشاكل التي تصيب الاقتصاد الأمريكي بمعزل عن تدهور الحالة الاقتصادية للعمال في بيرو أو تايلاند على سبيل المثال.

أدى فشل السياسة المالية العالمية لانتكاسة في الجهود المبذولة للقضاء على الفقر والبطالة، الأمر الذي انعكس بشكل سلبي على تزايد حال الاحتقان والغضب الشعبي، كانت الطبقة البيضاء في المجتمع الصناعي لولايات الشمال في أمريكا – على سبيل المثال – من بين أكثر الطبقات سخطاً على ما آلت إليه السياسات الليبرالية الحديثة. كما ساهمت معدلات الهجرة، والعمليات “الارهابية”، وانخفاض الشعور بالأمان الشخصي إلى تزايد معدلات اليأس لدى الجماهير من تبعات تحكم النخب والمؤسسه السياسية والإعلاميه في واشنطن على صناعة القرار، الأمر الذي اثر على مزاجهم الانتخابي، فأصبح يسار-الوسط، أيضا يمين الوسط، يفقد حاضنته الشعبية لصالح التيارات الأكثر يمينية وشعبويه.

بالعودة إلى ترامب، فالرجل كون ثروته الهائلة والتي تقدر ، حسب مجلة الأعمال الأمريكية فوربس4، بثلاثة مليارات ونصف مليار دولار من خلال الاعتماد على سياسات الليبرالية الحديثة واقتصاد السوق، لذلك فهو ينتمي فعلياً إلى طبقة النخبة الاقتصادية المتحكمة باقتصاد البلاد والتي تسعى دوما إلى الحفاظ على امتيازاتها على حساب الطبقات الأقل شأناً. غير أنه في المقابل عمل على استغلال حالة السخط العام لدى قطاعات واسعة من الجماهير، وتوظيفيها في خطابه الانتخابي لصالح استثماره السياسي عندما قرر خوض غمار المنافسة على منصب الرئاسة في الولايات المتحدة.

كان ترامب من أولئك الذين يحسنون استغلال الفرصة ومعرفة مزاج السوق. كان يعرف كيف يتكلم بما يريد الجمهور سماعه. ولكي يكسب أكبر قدر من الجمهور الأمريكي الساخط، فقد تبنى ترامب استراتيجية خطابية تقوم بالأساس على دعامتين: أولا، الحمائية الاقتصادية والاجتماعيه. وثانياً الانعزالية السياسية والقومية، وقد تمحورت مقاربته السياسية على الشعبوية الاقتصادية المحافظة (conservative economic populism)، وذلك من خلال تعهده باعادة النظر في اتفاقيات التجارة الحرة والنظام الجمركي من أجل العمل على تعزيز القطاعات الصناعية، في محاولة منه إلى ضمان تأييد سكان المقاطعات الصناعية في الشمال الأمريكي. أما أولئك القلقين على القيم الاجتماعية السائدة، فقد اتبع ترامب عقيدة قومية تجعل من الهوية البيضاء العنصرية، التي تحافظ على القيم “المسيحية اليهودية” Judo-Christian كما يقول ستيف بانون، أساساً ومحفزاً لها، وهو ما تمخض عنه هجمومه الواسع على المهاجرين، المسلمين والنساء والمثليين والسود (على الرغم من أن الكثير من سلوكه الشخصية والتعبيرات التي يستخدمها قريبا من القيم التي ينادي بها).

إذن شكَّلت الأيديولوجيا الشعبوية بشقيها الحمائي والانعزالي المنتج السياسي والخطاب الدعائي الذي استطاع ترامب توظيفه من أجل تعبئة الجمهور لغايات الفوز بالانتخابات الرئاسية. وبذلك يمثل ترامب ظاهرة نادرة في تاريخ الحركات الشعبوية حيث لم يكن ترامب يوماً شعبوياً بالمفهوم التقليدي القائم على فكرة ولادة القائد الشعبوي من رحم الجماهير (Bottom- Up approach)، بل كان ينتمي لعائلة عريقة من العائلات البرجوازية في منهاتن. بعبارة أخرى، لم يكن ترامب شعبوياً من حيث التكوين، ولكنه كان أفضل من غيره على الساحة في التعبير عن طموح طبقات عريضة من الشعب، تلك الغاضبة من السياسات غير العادلة لليبرالية الحديثة وهيمنة الدولة والمؤسسة السياسية على اتخاذ القرار، فالعبرة إذن، كانت في التعبير والخطاب لا في التكوين والأيديولوجيا، بل إن ترامب لم يعرف عنه حتى كونه جمهوري التوجه بالنظر للحزب الذي خاض انتخابات الرئاسه تحت رايته، فقد دعم في الماضي مرشحي رئاسة سابقين من كلا الحزبين الجمهوري، الديمقراطي دون أي توجه أيديولوجي واضح. فالأيديولوجيا الوحيدة التي يؤمن بها ترامب كرجل أعمال نموذجي هي الربح فقط، وهذا ما سعى إليه ترامب وحققه.

ثالثاً: تراجعات ترامب: أوهام المرشح وحقائق الرئيس

نجح ترامب في توظيف الفضاء الشعبوي ليس بالفوز بترشيح الحزب الجمهوري وحسب بل والتغلب على المنافسة القوية ذات التاريخ السياسي العريق هيلاري كلينتون والفوز بمنصب الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك بالاعتماد على خطاب شعبوي مختلف يحتوي سلسله من الوعود الانتخابية في إطار برنامج وعد بتنفيذه فور استلام السلطه. وقد وصف الكثيرون من المراقبين هذا الفوز بأنه حدث تاريخي بامتياز، ذلك أن ترامب لم يكن يملك أي رصيد من الخبرة السياسية، ولم يتلق دعما ماليا كبيرا لحملته الانتخابية عدا التمويل الذاتي، ولم يحظ بدعم كبير من قيادة الحزب الجمهوري، هذا فضلا عن معادات غالبية وسائل الاعلام الكبرى ومراكز التفكير المهمه له.

ومع ذلك فلم يستطع ترامب، حتى الآن على الأقل، أن يترجم هذا النجاح الاستثنائي في حملته الانتخابية إلى رصيد سياسي يخوله أن يحقق ذات النجاح وقد تسلم مهام منصبه كرئيس للولايات المتحدة، فقد حدث أن تراجع ترامب، على المستوى الداخلي، عن الكثير من وعوده الانتخابية في حين لم يستطع تمرير بعضها الآخر، أما على مستوى السياسة الخارجية، فنجد أن ترامب قد فعل عكس ما وعد به في كثير من الأحيان.

أخفق ترامب – بداية – في تحقيق ما وعد به بخصوص اصلاح نظام الرعاية الصحية وذلك من خلال تقديمه لقانون جديد عرف بـ (The American Health Care Act) ويقضي بإلغاء الكثير من بنود قانون الرعاية الصحية الذي كانت قد أقرته الإدارة السابقة واشتهر بـ Obamacare أو Affordable Care Act.

ويستهدف القانون المقترح بشكل أساسي الإيرادات المالية لأوباما كير، بالاضافة إلى اقتراحه إجراء تعديلات كبيرة على قانون الرعاية الوطنية Medicaid (ستؤدي إلى تخفيض الانفاق الحكومي إلى حوالي 800 مليون دولار). ويعود السبب الرئيس في اخفاق مشروع القانون المقترح عند تقديمه لأول مرة إلى الانقسام الكبير داخل الحزب الجمهوري حول البنود التي تضمنها، فالتيار المتشدد داخل الحزب الجمهوري رفض تمرير مشروع القرار لما احتواه من بنود تتشابه إلى حد كبير مع قانون “أوباما كير”، وعدم تعويمه سوق التأمين لتناسب مع حرية العرض والطلب. هذا في حين رفضه بعض المعتدلين من الحزب (بالاضافة إلى الديمقراطيين بطبيعة الحال) وذلك بسبب خوفهم من أن يؤثر ذلك على شريحة واسعة من الشعب الأمريكي من خلال حرمانها من مظلة الرعاية الصحية، على الرغم أن ما وعد به ترامب أصلا كان توفير الغطاء التأميني لكل أمريكي، لذلك كان أول المتضررين في حالة إقرار القانون هم في الأغلب من القاعدة العريضة التي انتخبته (وهو ما يدل على أنه حتي في اقتراحه هذا لم يكنمتوافقا مع خطابه الانتخابي الشعبوي).

وقد شكل هذه الاخفاق ضربة موجعة لترامب من ناحيتين رئيسيتين؛ فمن ناحية ظهر الرئيس وكأنه غير قادر على حشد وتعبئة الحزب الجمهوري خلف قراراته وتوجهاته السياسية، أو التفاوض مع الكونجرس للوصول لصيغة مقبوله، وبذلك يفقد رصيداً كبيراً من قوة التأثير والمناورة، ومن ناحية أخرى يشكل قانون الرعاية الصحية المقترح في حال تمريره الخطوة الأولى من سلسلة قوانين يسعى ترامب من خلالها إلى احداث تغير جوهري على الاجراءات والسياسات الحكومية المتعلقة بالشأن الاقتصادي الداخلي خصوصاً فيما يتعلق بقانون الضريبة، وخطة البنية التحتية، ولا شك أن عدم تمرير قانون الرعاية الصحية المقترح سوف يعمل على ابطاء وتأخير سياسة ترامب الداخلية بالكامل، ويجعل تحقيق شعاره بجعل أمريكيا عظمية مجددا صعب المال؛ كما أن اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس يجعل لعامل الوقت أهمية استثنائية.

يدرك ترامب أهمية الوقت هنا خصوصا للجمهوريين الذين يسعون للمحافظة على الأغلبية في الكونجرس، ولذلك حاول المناورة من خلال الضغط على الجناح المتشدد في الحزب الجمهوري للوصول إلى تسوية وذلك باللجوء إلى استراتيجية العصا والجزرة، فقد هدد ترامب، من جانب، بالعمل مع الديمقراطيين في حال استمر الجمهوريون الرافضون لمشروع القانون المقترح على عنادهم، كما أنه حاول، من جانب آخر، العمل على خلط أجندته السياسية من خلال تقديم العمل على مشروع تعديل القانون الضريبي الذي يفضله الجمهوريون بشكل كبير.

ولكنه عاد وتراجع عن ذلك لاحقا بعد أن استمع لنصائح مستشاريه5، حيث أكد مجدداً على أهمية العمل على اقرار قانون جديد للرعاية الصحية، ويأتي هذا التراجع من باب أن قانون التعديل الضريبي، وميزانية خطة البنية التحتية سيكون من الأسهل تمريرهما سياسياً إذا ما تم تمرير قانون الرعاية الصحية، والذي يعني ضمنياً توفير جزء كبير من تمويل خطة البنية التحتية (تقدر بتليريون دولار) من خلال خفض الدعم الحكومي لبرنامج الرعاية الصحية (أوباما كير) بنسخته الحالية.

وقبل ذلك كان ترامب قد مني باخفاق آخر يتعلق بحظر السفر إلى الولايات المتحدة، حيث وقع الرئيس على أمر تنفيذي في 28 يناير، 2017 ، بعد أسبوع واحد فقط من توليه الرئاسه، يحظر بموجبه على رعايا سبع دول ذات غالبية مسلمة، هي إيران، وسوريا، وليبيا، واليمن، والصومال، والعراق، والسودان، دخول الولايات المتحدة لمدة 90 يوماً، 120 يوماً للاجئين. وقد تعرض هذا الاجراء إلى اعتراضات شعبية وحقوقية واسعة تمثلت بالتظاهر في مطارات الكثير من المدن الأمريكية والعالمية لتمييزه ضد المسلمين، و هو ما توافرت عليه بالفعل دلائل كثيره6.

ولكن الاعتراض الأبرز جاء من القضاء الأمريكي؛ فبالرغم من أن ترامب قد جادل بأن الأمر التنفيذي يأتي لدواعٍ تتعلق بصون الأمن الوطني من “الارهابيين” ولا يتعلق أبداً بالتمييز على أساس ديني؛ إلا أن المحكمة الفيديرالية قد قضت بعدم دستوريته، ودعت إلى توقيف العمل به على المستوى الوطني. ولم يستطع ترامب تجاوز العقبة القضائية، بالرغم من محاولاته التصعيديه والتي تمثلت باقالة القائمة بأعمال النائب العام سالي ييتس لرفضها تنفيذ الأمر الرئاسي، فضلا عن تخفيف بعض بنود القرار بالسماح لحملة البطاقة الخضراء من هذه الدول بالدخول بشكل طبيعي للولايات المتحدة، وعليه فقد اضطر الرئيس لاحقاً إلى التراجع خطوة إلى الوراء والاعلان عن قرار تنفيذي جديد لحظر السفر يبدأ العمل به في 16 مارس/آذار، 2017 ويتضمن تخفيف للقيود المفروضة في القانون الأول، ويسقط من قائمة الحظر الرعايا العراقيين. إلا أن ولاية هاواي رفعت دعوى قضائية ضد القانون المعدل، وبذلك عاد القضاء الفيدرالي لايقاف العمل به مجددا بذريعة مخالفته الصريحة للدستور الأمريكي باساءته للمسلمين7.

و في هذا الإطار أيضا، تواترت الأنباء عن عزم الرئيس الأمريكي إصدار أمرا تنفيذيا آخر في أوائل فبراير 2017، يطلب فيه من وزير الخارجية بحث إمكانية إدراج جماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية دولية، لكنه تراجع عن هذا الأمر بعد الإعتراضات الشديدة، ليس فقط في الصحف ووسائل الإعلام والمؤسسات الأكاديمية والقانونية المتخصصة، لكن من الأجنحة الممثله للمؤسسة السياسية في إدارته مثل الخارجية المخابرات فضلاً عن مستشار الأمن القومي ماكماستر.

يضاف إلى ذلك اخفاق ترامب فيما يتعلق بالجدار العازل مع المكسيك والذي يبدو أنه أصبح في طي النسيان تماما، فلا المكسيك ستعمل على تمويل الجدار، لا الكونجرس سيوافق على تمويله في ظل مقترحات إدارة ترامب، ولا الجدار ذاته سيشمل كافة الحدود مع المكسيك. ومازالت المؤسسة السياسية في واشنطن تؤكد على أهمية العلاقة مع البلدين الجارين المكسيسك وكندا كأكبر مستوردين للبضائع الأمريكية8، ومن هنا وفي ذات السياق، فقد تراجع ترامب عن تهديداته بالخروج من اتفاقية التجارة الحرة لشمال أمريكا NAFTA حيث قدمت إدارته ورقة تفاهمات جديدة سوف تعمل على ادخالها في مفاوضاتها مع البلدين لاجراء بعض التعديلات على الاتفاقية من باب زيادة الامتيازات الممنوحة للشركات الأمريكية، وفي حال قبلت كل من المكسيسك وكندا- من باب الافتراض – اعادة التفاوض، فإن السقف الذي قدمته إدارة ترامب لا يرقى لمستوى الوعود السابقة والتي كانت تهدف بالأساس لدعم سوق العمالة في أمريكا من خلال خلق فرص عمل جديدة9.

وعلى الجانب الأخر فإن إدارة ترامب تعاني من نقص حاد في المناصب التنفيذية. فالرئيس لم يقم حتى الان إلا بترشيح 50 اسما من أصل 553 منصباً تتطلبها إدارته. أي أنه لم يرشح أي اسم لما يقرب من 90% من المناصب العليا في إدارته. ويعود السبب الرئيس في هذا الأمر إلى البطئ في عملية الترشيح، هذا بالاضافة إلى الجدل الذي يرافق الكثير من الأسماء حول تاريخها المهني كرجال أعمال أو كقادة في سلك جماعات الضغط الأمر الذي يعيق عملية التصويت عليهم. أياً ما كان السبب، فلا شك أن الضعف السياسي لإدارة ترامب يعود بجزء منه إلى افتقارها إلى الكوادر بالحجم الضروري لانجاز العمل10.

هذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن أجندة ترامب الداخلية خالية تماماً من أي انجازات تذكر. فقد استطاع ترامب مع أعضاء الكونجرس من الجمهوريين أن يفرضوا مرشحهم نيل غورسوتش على الديمقراطيين وتمريره ليكون عضواً في المحكمة العليا مدى الحياة (رغم أنهم اضطروا لتغيير قواعد الموافقة ليكون بالأغلبية البسيطه، هو ما اصطلح على تسميته بالخيار النووي).

ومن الجدير بالذكر هنا أن هذا النجاح يحسب بدرجة كبيرة منه إلى التنسيق والتفاهم بين كل من البيت الأبيض والمشرعين الجمهوريين في الكونجرس، وهذا يؤشر إلى أن ترامب إذا استطاع أن يدير تحالفاته السياسية بشكل فعال، يتوافق مع المؤسسة السياسية، يتخلى عن اتباع نصيحة مستشاريه الشعبويين أمثال ستيف بانون، ستيف ميللر، اللذان كانا قد أعدا أثناء المرحلة الانتقالية أكثر من نحو 200 قرار رئاسي فيما أطلق عليه استراتيجية الصدمة والرعب، سبب ما صدر منها لترامب الكثير من المشاكل، يمكنه إذا أن يحقق بعض الانجازات ويخرج من حالة الفشل.

ومن هنا يمكن التنبؤ مثلا بأن تعديلات ترامب على قانون الضريبة من الممكن أن تمر وذلك لأنها تتسق مع السياسات التقليدية للحزب الجمهوري، فضلا عن الوصول لصيغة توافقية داخل حزبه فيما يتعلق بمشروع الرعاية الصحية، إلى غير ذلك.

إلا إننا، وفقاً للمعيار الذي وضعناه لتقييم ترامب في 100 يوم الأولى من رئاسته، من السهل أن نرى أنه قد فشل إلى حد كبير في تحقيق أي إنجاز يحسب له في فرض برنامجه الانتخابي الذي انتخب على أساسه، أنه لم يستطع تحقيق أية انجازات إلا بالتوافق مع المؤسسة السياسية التي قال أنه جاء ليهدمها.

رابعاً: شعبية ترامب والسقوط الحر

أثرت سلسلة إخفاقات ترامب، بالاضافة لحالة الاضطراب والفوضى التي سادت إدارته منذ توليه مقاليد منصبه إلى تهاوي شعبيته مسجلة أدنى مستوى في تاريخ الرؤساء الأمريكيين في فترة مماثله، فقد أظهر استطلاع للرأي أجراه Gallup Daily Tracking Poll في 27 آذار/مارس 2017 أن شعبية ترامب وصلت إلى 36%11. وإذا كان رؤساء سابقون من أمثال هاري ترومان، وليندون جونسون، وريتشارد نيكسون، وجيمي كارتر، ورونالد ريغان وحتى جورج بوش قد وصلوا لهذه النسبة المتدنية بعد فترة من توليهم، فإن ما يميز ترامب عنهم هو وصوله لهذا المستوى المتدني بشكل أسرع من غيره بكثير12.

كما أظهرت النتائج أن نسبة الأمريكيين الذين يعتقدون أن ترامب يفي بوعوده قد تناقصت بشكل كبير، فبعد أن كانت تشكل ما نسبته 62% في شهر شباط/فبراير، 2017 (بصرف النظر عن شعبيته)، تراجعت لتشكل ما نسبته 45% فقط في شهر آذار/مارس، 2017. كما تدنت نسبة الأمريكين الذين يعتقدون بأن ترامب صادق وجدير بالثقة من 42% إلى 36%.

في المقابل، لا توجد دلائل على أن شعبية ترامب قد تأثرت بين قاعدته الصلبه ممن صوتوا له في الانتخابات. حيث مازلت النسبة بين المؤيدين له – حسب استطلاع نشرته صحيفة الواشنطن بوست – ثابتة عند سقف 94% منهم. تصل هذه النسبة بين الجمهوريين عامة إلى 84%. وعند سؤال أولئك الذين صوتوا له إذا ما كانوا يشعرون بالندم، اظهرت النتائج أن نسبة ضئيلة تصل إلى 2% فقط هي من تشعر بالندم على التصويت له، بينما عبرت النسبة العظمى96% بأن التصويت لترامب كان الفعل الصواب للقيام به. وعند السؤال إذا ما كانوا سوف يصوتون له في الانتخابات المقبلة، أظهرت النتائج أن نسبة عالية تصل إلى 96% أيدت التصويت له مجددا، وهي نسبة أعلى من تلك التي عبرت عن تأييدها لهيلاري كلينتون والتي بلغت 85%. 13 تعزز هذه الأرقام الرأي القائل بأن القاعدة الشعبية لترامب لا زالت تقيمه بناء على ما يقوله، ليس على ما يفعله.

في ذات السياق، أظهرت النتائح حول إذا ما تم الوفاء بتعهدات حملته الانتخابية، أن ترامب يقترب في نسبته من تلك النسبة التي سجلت للرئيس بيل كلينون؛ حيث حصل الأول على نسبة 44% بينما حصل الأخير على نسبة 42%. كما أن تصنيف ترامب الايجابي فيما يتعلق بقوة القيادة (53%) يتشابه بشكل كبير مع تصنيف جورج بوش، ولكنه أدنى بكثير من تصنيف باراك أوباما (77%). ومن بين أولئك الذي قالوا بأن ترامب لم ينجز الشيء الكثير في المائة يوم الأولى من ولايته، يعتقد 47% منهم أن السبب في ذلك يعود لترامب نفسه، بينما الربع منهم ألقى باللائمة على المشرعين الجمهوريين في الكونجرس، في حين 7% منهم أرجع الأمر للديمقراطيين14 (مجموع النسبتين الأخيرتين يشكل تقريبا القاعدة الصلبة لترامب التي لازالت تصدقه، تقيمه بناء على أقواله لا أفعاله، تختلق له الأعذار).

خامساً: استراتيجية الهروب للأمام

راهن ترامب أثناء حملته الانتخابية على شعبيته، خطابه الشعبوي، وعلى قدرته ومهارته – ايضا – في عقد الصفقات، من أجل تمرير أجنتده السياسية التي يهدف من خلالها إلى احداث تغير ملحوظ على المستوى الوطني، ولكن ومع مرور الوقت، فإن شعبيته بشكل عام بدأت تتهاوى بشكل مستمر بالرغم من ثبات شعبيته ضمن الكتلة الصلبة من مؤيديه، كما أن الانطباع السائد عنه كصانع صفقات محترف آخذ بالتزعزع، وهو الأمر الذي دفعه إلى تبني استراتيجية الهروب إلى الأمام والتي تقوم على دعامتين أساسيتين:

 

الأولي: سياسة الايهام بالفوز

سياسة الايهام بالفوز؛ وذلك عن طريق شن حملة واسعة من الدعاية المنظمة للترويج للانجازات الوهمية للإدارة في المائة يوم الأولى من عمرها للحفاظ على الانطباع العام لدى الناخبين بأن قدرة ترامب على تحقيق الانجازات غير خاضعة للنقاش. وتتسق سياسة الايهام بالفوز مع شخصية ترامب حيث تحدث عنها في كتاب (Think Big) حينما قال إن: “الانطباع أهم بكثير من الحقيقة15.

إن ينتمى ترامب إلى نوعية من الشخصيات التي لا تعترف بالاخفاق، بل على العكس من ذلك تقوم، من شدة اعجابها بالذات، بتحويل الاخفاق عن طريق الدعاية الكاذبة إلى نجاح. تتولد لديك هذه القناعة عن ترامب من خلال الاطلاع على تصريحاته التي تتجاوز في كثير من الأحيان الواقع لتخلق واقعاً جديداً مغايراً. بتحليل بسيط لبعض تصريحاته، نستطيع أن ندعم هذا الافتراض، فقد صرح على متن طائرته الرئاسية لمجموعة من الصحافيين أن “لدينا واحدا من أنجح 13 اسبوعاً في تاريخ الرئاسة”16، وفي مقابلة مع Fox Business قال: لا أعتقد أنه هناك أحدا قد فعل ما كنا قادرين على القيام به في المائة يوم الأولى للفترة الرئاسية”17، أما حديثه في Wisconsin فقد ذهب بعيدا عندما أكد أنه لا توجد إدارة قد انجزت كما أنجزت إدارته في 90 يوم18.

ولا يعد ادعاء النجاح بالأمر الطارئ على شخصية ترامب، بل هي خاصة قد صاحبته منذ بداية مشواره العملي في عالم المال والأعمال. فقد امتلك ترامب – على سبيل المثال – نادي رياضي محترف ولكنه فشل فشلا ذريعا في إدارته وأدى لانهياره، كما فشل زواجه الأول حيث طلق زوجته التي انجبت له ثلاثة من أبنائه، ثم تزوج عشيقته وطلقها بعد ذلك، بالاضافة إلى إفلاس كازينوهاته خمس مرات بغضون 20 سنة، كما امتلك شركة طيران لمدة تقل عن ثلاث سنوات وانتهت إلى ما يقرب من ربع مليار دولار من الديون. هذا بالاضافة إلى جامعة ترامب الوهمية والتي خضعت لدعوة قضائية بتكلفة 25 مليون دولار. هذه الاخفاقات لم تثني ترامب عن إدعاء النجاح بل تعامل معها بمنطق الانكار، بل والتأكيد على أنها لا تمثل في الحقيقية إلا نجاحاً باهراً.

فقد صرح للـ Financial Times بأنه “لا يخسر”، كما صرح لقناة ABC بأنه “لم يفلس أبداً”19. يدرك ذلك جيداً تيم اوبراين مؤلف كتاب Trump Nation: The Art of Being the Donald حيث قال بأن ترامب “لا يعد ناجحاً بالأمور التي يدعي أنه ناجح بها، ومع ذلك يمكن القول بأنه المروج الأكثر نجاحاً في الأعمال التجارية والتاريخ السياسي في الولايات المتحدة، وهذا شكل من أشكال النجاح20.

فيما يتعلق بالشأن السياسي، يستمر ترامب في السير على نفس المنهج. فهو يعتبر أن الحديث عن الاخفاق فيما يتعلق بقانون الرعاية الصحية ما هو إلا تضليل من وسائل الإعلام، فقد صرح لمحطة Fox Business بأنهم في الإدارة لم يفشلوا “وإنما نقوم باعادة التفاوض …”. كما أنه أكد للآباء والأبناء في عيد الفصح عند استقبالهم في البيت الأبيض “بأننا سوف نكون أمة أقوى وأكبر وأفضل من أي وقت مضى. نحن على الطريق القويم، وأنتم تشاهدون ما يحدث”.21 وفي موضع آخر صرح لمجلة Time أنه لا يستطيع أن يقوم بالأعمال بشكل سيء لأنه ببساطة الرئيس22.

بعض المختصين بعلم النفس حاولوا أن يقدموا تفسيرات للدوافع النفسية التي تكمن وراء تصرفات الرئيس من هذا القبيل. على سبيل المثال، قالت الطبيبة النفسانية “باندلي لي” من جامعة ييل (Yale University) أن ترامب “يعطي معجبيه احساساً زائفاً بالتمكين من خلال الترويج لشعار Make America Great Again، ورفض المهاجرين الذين سوف يأخذون أعمالهم، بدلاً من رفع مكانتهم بحلول واقعية، يقوم باستغال حالاتهم النفسيه”23.

من ناحيته قال الدكتور جيمس جيليغان، وهو أستاذ كبير في الطب النفسي في كلية الطب بجامعة نيويورك، أن من لا يتملق ترامب بشكل كبير يجري تدميره، كما أن ترامب يشارك بعمليات استغلال وانتهاك حقوق الآخرين. وأحيانا يذهب إلى حد السادية، دون ابداء أي دليل على الندم. وهذه المكونات النفسية إذا ما وضعت مع بعضها البعض – يتابع جيليغان – فإن هذه الشخصية تخضع للفئة التي يتواجد فيها أناس أمثال هيتلر.”24 أما ريتشارد كوهين وفي مقالته في صحيفة واشنطن بوست فقد قال “بأننا نعلم الآن أن حب ترامب لذاته ليس مجرد خلل في الشخصية، بل عوضاً عن ذلك فهو محرك للتخويف، وهو جانب مهيمن بشراسة في شخصيته، وعندما يُتحدى (..) فإنه يستجيب بشكل غير منطقي”25.

الثانية: سياسة تسعير الجبهات

الاستجابة غير المنطقية للرئيس ترامب تقودنا لتسليط الضوء على الدعامة الأخرى في استرتيجية الهروب للأمام والتي تتمثل بتسعير الجبهات، خصوصاً على الجبهة السورية، وجبهة كوريا الشمالية، وإلى حد ما على الجبهة الإيرانية .حتى الآن لا يبدو أن عقيدة الرئيس ترامب فيما يتعلق بالسياسية الخارجية قد اكتملت معالمها بشكل واضح نظرا للفراغ الواضح في هذا المجال26.

أثناء حملته الانتخابية كان ترامب يدعو إل تبني سياسة انعزالية Isolationist من خلال رفع شعار America First، وبمقتضى هذه السياسية، يكون التخفف من الاعباء الخارجية واحدا من أهم الاجراءات التي لا بدَّ أن يتبعها الرئيس، وقد أرسل ترامب في أكثر من مناسبة إشارات تدل على أن سياسة التخفف من الاعباء سيكون لها أهمية اعتبارية في اجندته؛ فقد انتقد – على سبيل المثال – الدول التي لا تساهم بقسط وافٍ بالاعباء المادية المترتبة على عضويتها في حلف شمال الأطلسي الذي وصفه ترامب بأنه حلف انتهت صلاحيته، ويكبد الولايات المتحدة الكثير من المال. إلا أنه عاد لاحقا وتراجع عن موقفه هذا وأكد على أهمية الحلف وعلى استمرار الولايات المتحدة بالالتزام بتعهداتها لحلفائها27.

هذا بالاضافة إلى أن ترامب كان يدعو أثناء حملته الانتخابية إلى تبني سياسة غير تدخلية Non- interventionist policy، بحيث لا تستنزف الموارد الأمريكية لتغيير الأنظمة أو جعلها أكثر ديمقراطيه، على غرار سياسة جورج دبليو بوش، ففي الشأن السوري، على سبيل المثال، أكد على أنه لن يرسل قوات إلى سوريا. كما اعتبر ترامب أن بشار شريك محتمل في محاربة “الارهاب”، وقبيل الضربة العسكرية على مطار الشعيرات بقليل، كانت المندوبة الأمريكية في الأمم المتحدة قد صرحت بأن أولوية سياسة الولايات المتحدة في سوريا لم تعد إزاحة بشار الأسد عن السلطة28. هذا الموقف انقلب بشكل دراماتيكي عندما أصدر ترامب أوامره بتوجيه ضربة عسكرية تأديبية للنظام السوري بعيد هجوم الأخير الكيماوي على المدنيين في خان شيخون.

مع ذلك لم يصدر موقف صريح من إدارة ترامب حول نيتها الجادة فيما يتعلق بالاطاحة بالأسد، قد تشكل الضربة العسكرية الأمريكية حدثاً ملفتاً فيما يتعلق بسياسة أمريكا تجاه سوريا، ولكن لا يمكن اعتبارها تحولاً جوهريا game changer لقواعد اللعبة، فالاطاحة بالأسد خطوة لا يمكن تحقيقها من غير التفاهم مع كل من روسيا، وإيران، وهما الداعمان الرئيسيان للنظام السوري، وإلى الآن لا تلوح في الأفق بوادر على مثل هذا التفاهم في ظل حالة التصعيد ضد البلدين.

إن التحرك ضد الأسد إذا ما تم فعلياً إدراجه ضمن الأولويات الأمريكية في المنطقة يجب أن يأتي ضمن استراتيجية كبرى للتعامل مع قضايا الشرق الأوسط من جانب، وروسيا من جانب آخر. لا يبدو إلى الآن أن استراتيجية على هذا المستوى قد تشكلت بعد، فمازال عدم الوضوح، بل والتضارب في بعض الأحيان، هو الانطباع السائد حول سياسة ترامب الشرق أوسطية. ربما يكون عدم الوضوع أو عدم القدرة على التنبؤ بسياسة الرئيس ترامب اجراء مقصود في حد ذاته29، كما صرح ترامب بذلك أكثر من مرة، ولكن هذه السياسة لا يمكن أن تشكل ضمانة لحماية المصالح الأمريكية في ظل حالة اللايقين التي تسود الفضاء السياسي العالمي30.

ينظر البعض إلى الضربة العسكرية من زاوية أخرى، فبالاضافة إلى بعدها الإنساني الذي حاولت إدارة ترامب الترويج له، إلا أنها في الحقيقية شكلت في توقيتها طوق نجاة لترامب الذي كان يعيش حالة من القلق على شعبيته جراء الجمود الحاصل في أجندته الداخلية31، هذا بالاضافة إلى أن التصعيد ضد حليف روسيا الأقوى في دمشق، يخطف الأضواء عن التحقيقات الجارية حول تورط ترامب ومستشاريه في الاتصالات مع مسؤولين روس أثناء حملته الانتخابية، وهي التحقيقات التي جلبت عليه الكثير من المتاعب، وكلفته التضحية بواحد من أشد مناصريه وهو مايك فلين مستشار الأمن القومي السابق، يلاحظ بالفعل أن الضجه الإعلامية حول هذا الموضوع قد خفت حدتها مؤخرا.

أياً ما كان السياق الذي وضعت فيه الضربة الأمريكية، فإنها وبلا شك تدل عل أن سياسة ترامب أبعد ما تكون عن السياسة الانعزالية، بل على العكس تماما، فالادارة تظهر بشكل يزداد وضوحاً يوماً بعد يوماً نزعتها التدخلية العسكرية خاصة في ظل توافق هذا التوجه مع السياسات التقليدية للحزب الجمهوري، كذلك المؤسسة العسكرية الممثله بقوة في إدارة ترامب عن طريق ماتيس وماكماستر، هو ما يشكل مرة أخرى إختلافا جوهريا عن برنامج ترامب الانتخابي، عن توجهات القاعدة الصلبة لمؤيديه.

ويمكن بشكل مبدئي التدليل على ذلك من خلال ارسال المزيد من الجنود إلى سوريا والعراق ، وضرب تنظيم الدولة في أفغانستان “بأم القنابل” والتي تعتبر القنبلة غير النووية الأكبر في الجيش الأمريكي والتي لم تستعمل من قبل في تاريخ الحروب الأمريكية، والتدخلات العسكرية في الصومال، السياسة الجديدة في اليمن، الأهم من هذا كله هو التصعيد الخطير مع كوريا الشمالية.

سادساً: سيناريوهات تعامل ترامب في المرحلة القادمه

من خلال هذا الاستعراض، يمكن طرح عدة سيناريوهات فيما يتعلق بتعامل ترامب مع المؤسسة السياسية، توجهات سياساته العامه في المرحلة المقبلة، ذلك على النحو التالي:

السيناريو الأول: سيناريو الترويض:

وذلك بأن تستمر المؤسسة السياسية بواشنطن بالتحكم في المسار الذي ينحاه الرئيس ترامب الأمر الذي يضطره في نهاية المطاف إلى الرضوخ والعمل ضمن قواعد اللعبة كرئيس جمهوري تقليدي يسير وفقا للسياسات الجمهورية التقليدية العامه، على النحو الظاهر في نهايات المائة يوم الأولى لولايته، بالتالي تبدأ علامات الانجاز في الظهور.

الثاني: سيناريو الاستعصاء:

وذلك من خلال استمرار الانسداد السياسي الداخلي برجوع الرئيس ترامب إلى تحدي المؤسسة السياسية، معاكسة هذه المؤسسة له في نفس الوقت، على النحو الذي ظهر في الأيام الأولى لإدارة ترامب.

الثالث: سيناريو العسكرة والتدخلات الخارجية

وذلك من خلال توجه ترامب بسبب الانغلاق الداخلي إلى الهروب للأمام بتصدير الأزمات خارجياً، التداخل في صراعات بهدف تحقيق انتصارات تغطي على فشلة الداخلي، على النحو الذي تم بالضربة الموجهة لقاعدة الشعيرات في سوريا.

الرابع: سيناريو التغلب

وذلك من خلال نجاح الرئيس ترامب بفرض أجندته على المؤسسة السياسية، تقويض أعمدتها بالتدريج على النحو الذي دعا إليه أثناء حملته الانتخابية.

الخامس: سيناريو العزل:

وذلك بالتخلص من الرئيس ترامب حتى قبل انتهاء ولايته الأولى، أو من خلال سحب البساط من تحت قدميه لحرمانه من فرص النجاح لدورة رئاسية ثانية.

بناء على المعطيات التي توفرت خلال المائة يوم الأولى من حكم ترامب، والاستعراض الذي تم في الورقة، فإننا نرى أن الاحتمالات لازالت مفتوحة لجميع السيناريوهات، على الرغم من الدلائل التي ظهرت في نهاية المائة يوم والتي ترجح السيناريو الأول، مصاحبا للسيناريو الثالث إلى حد ما. إلا أنه من المبكر جدا حسم الموضوع بهذا الشكل حيث أن جميع السيناريوهات لها من الدوافع التي من الممكن أن ترجحها، خاصة في ظل أحوال التقلب وعدم القدرة على التنبؤ التي تعتري شخصية الرئيس ترامب.

ويكتسب السيناريو الأول وهو سيناريو الترويض أهميته من خلال الدلائل والمؤشرات التي تتعلق بمسلسل تراجع ترامب عن وعوده التي قطعها على نفسه أثناء حملته الانتخابية، وذلك نظراً لاصطدامه بالواقع القوي للمؤسسة السياسية في واشنطن وتراثها العميق بما يتعلق بالقواعد والاجراءات القانونية، والتقاليد الدبلوماسية والإدارية. فالفضاء الرحب الذي توفر لترامب المرشح لاطلاق وعوده، ضاق بشكل كبير ولم يتوفر عندما أصبح ترامب رئيساً وأخذ يمارس صلاحياته التنفيذية والتي وجد أنها تقبع تحت تقييدات كثيرة.

على الجانب الآخر، فإن المعركة المحتدمة داخل إدارة ترامب بين التيارات المتنازعة أصبحت تميل لصالح الفريق العائلي، والفريق الحزبي. وتراجع الفريق الشعبوي، وكلا الفريقين اللذين تميل الكفة لصالحهما منسجم مع المؤسسة السياسية ولا يسعى أي طرف منهما لتحديها، بل على العكس، يبدو أنهما يحرصان على العمل وفق مقتضياتها، وهو ما يعني في نهاية المطاف أن إدارة ترامب سوف تبقى ملتزمة بالإطار المحدد للمؤسسة.

وقد بدأت إشارات جديدة لتبلور هذا التوجه في الظهور، يتمثل في الاتفاق داخل الحزب الجمهوري مؤخرا للتصويت في مجلس النواب لصالح وقف مشروع “أوباما كير”، في الاتفاق على اعتماد موازنة مؤقتة حتى شهر سبتمبر، لتجنب سيناريو ما يعرف ب”إغلاق الحكومه”، إلى غير ذلك.

ويُعضد هذا السيناريو أن ترامب يرى أنه لم يعاقب بعد من قاعدته الانتخابية التي لا زالت تدعمه بقوة، تلتمس له الأعذار، ذلك طبقا لاستطلاعات الرأي المشار إليها، وبالتالي طالما استطاع أن يتجنب المشاكل،يحاول تحقيق الانجازات بالتوافق مع المؤسسة، مع الاستمرار في استخدام الخطاب الذي يرضي مؤيديه (وهذا يتناسب مع براجماتيته ومنطلقاته للربح، وليست المدفوعة بالأيديولوجيا الثابتة)، فسيستمر في هذا المسار لتحقيق بعض الانجاز.

إلا أننا نرى أنه إذا حدث تحول ما في آراء مؤيديه، وبدأوا يفقدون الثقة به، فسيعود مرة أخرى إلى بعض السياسات الشعبوية والاصطدام بالمؤسسة للحفاظ على قاعدته الانتخابية، هذا هو السيناريو الثاني الذي يمكن أن تؤول له الأمور، علي الأقل جزئيا، مع كل الآثار السلبية المحتملة المصاحبة لذلك من الفوضى والاضطراب، إلا أن هذا لا ينتظر حدوثه، من وجهة نظرنا، في المدى القصير.

أما سيناريو العسكرة فالدافع وراءه قد يكون أحد أمرين: أولهما، الاستعصاء الداخلي بحيث يسعى ترامب إلى ترحيل الأزمات الداخلية إلى الخارج من خلال الانخراط بشكل أكبر في الساحات الساخنة في آسيا والشرق الأوسط للحفاظ على شعبيته، والإبقاء على صورته كرجل قوي يفرض الإرادة الأمريكية على العالم. وثانيها، سيطرة الجنرالات على القرار السياسي فيما يتعلق بالسياسية الخارجية حتى الآن، في المدى المنظور، حيث يلاحظ تنامي دور كل من وزير الدفاع جيمس ماتيس، ومستشار الأمن القومي ماكماستر، مع بروز نجم نيكي هالي السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، والتي تعد من الصقور التي تؤمن بالقوة كوسيلة رئيسية في ممارسة السياسة الخارجية الأمريكية. ويمتلك كل من ماتيس وماكماستر خبرة طويلة في القضايا العسكرية في الشرق الأوسط، يحملان رؤية سلبية للدور الإيراني في المنطقه، يميلان إلى عدم ترك المجال واسعا لروسيا في السيطره على شئون المنطقه، كما يميلان بشكل عام لرؤية المؤسسة العسكرية في تبني مبدأ التدخلية وليس الانعزاليه أو القياده من الخلف (كما كان أوباما يفعل)، فضلا عن أن هذه هي الرؤية التقليدية للحزب الجمهوري، وهو ما يعني أن احتماليه زيادة انخراط الولايات المتحدة في المنطقة مجددا ستمتلك حظوظاً أوفر، خاصة وأن فكرة اعادة الهيبة الأمريكية على الساحة الدولية من جديد (والتي يرون أنها تقلصت زمن الرئيس السابق أوباما) حاضرة بقوة في ذهن هذا الفريق.

ويدعم هذا السيناريو إشتعال منطقة الشرق الأوسط بالكثير من القضايا الساخنه، التي لا تبدو هناك امكانية لحسمها في ظل ابتعاد أمريكي عن التدخل المباشر. وتبدو خطورة هذا السيناريو إذا ما أقرن بميل ترامب للمغامرات، بحقيقة أن الصراعات الكبرى من الممكن أن تشتعل خارج السيطرة دون وجود تخطيط حقيقي لإثارتها، وأيضا مع وجود قادة لديهم الميل للكثير من الأفعال الهوجاء، مثل رئيس كوريا الشمالية المستمر في إجراءاته المستفزة للولايات المتحدة، مع غياب أي قدر من الحكمة لديه في التعامل مع هذه الأمور، كل هذا من الممكن أن يدفع بسيناريو ارتفاع وتيرة العسكرة إلى آفاق خارج نطاق السيطرة إذا لم يتم اتخاذ خطوات جادة من الان لنزع فتيل مثل هذه النزاعات.

أما السيناريو الرابع، أي التغلب على المؤسسة، فهو مستبعد من واقع استقراء شخصية ترامب ودوافعه للرئاسة. فترامب لا يمتلك توجهاً أيديولوجيا راسخاً، كما لا يعتبر من حيث التكوين ثوريا، ولذلك فإن هجومه على المؤسسة أثناء حملته الانتخابية وتعهده بالعمل على هدمها يعود في جزء كبير منه لاعتبارات تتعلق بزيادة فرصته للفوز من خلال استرضاء الشريحة الساخطة من الناخبين. وكان الخطاب التحريضي لترامب أثناء حملته الانتخابية بدفع وتشجيع من التيار اليميني الشعبوي، وقد اكتسب هذه التيار زخماً ملحوظاً أثناء حملته الانتخابية خصوصاً مع انضمام ستيف بانون إليها.

ولكن هذا الفريق أخذ بالتراجع بعد أن تولى ترامب مهامه كرئيس، وفي الأونه الأخيرة يتعرض بانون لتهميش واضح، وهو ما يعني أن التيار الشعبوي لا يحظى بذلك الزخم كما كان في السابق. وللمفارقة، فإن ترامب الذي كان حريصا من خلال خطابه الشعبوي على الهجوم على جماعات الضغط وممثلي الشركات الكبرى، قد عمد إلى ملئ فريقه الرئاسي من هذه النخبة التي ادعى أنه جاء للقضاء عليها32. وبالتالي فلا يبدو أن ترامب عنده الرغبة الحقيقية للاصطدام بالمؤسسة السياسية، اتضح أنه لا يملك القدرة أصلا للفوز في صراع من هذا النوع، الذي لايبدو أنه يمتلك أيا من أدواته غير الخطاب الشعبوي، والتغريدات المنفلتة والمتناقضه في مواجهة الكونجرس، الأحزاب، الإعلام، والنخب السياسية والاقتصادية المؤثره. وفي ضوء الانخفاض المستمر لشعبيته بشكل عام، عدا قاعدة مؤيديه الصلبه، مما يجعل هذا السيناريو مستبعدا إلى حد كبير في المدى المنظور.

يبقى سيناريو العزل، وهو السيناريو الصعب، ولكنه مع ذلك يبقي مطروحاً إلى حد ما خصوصاً في أدبيات الخبراء المعنيين بالشأن الرئاسي الأمريكي. حسب المعطيات الحالية لا يبدو أن هناك فرصاً حقيقية لحدوث مثل هذا السيناريو لعدة أسباب، منها أن الديمقراطيين (الذين ربما يرغبون باللجوء إلى هذا السيناريو) يفتقرون إلى الأغلبية في الكونجرس، كما أن الحزب الديمقراطي يعاني هو الأخر من الانقسامات بين تياريه التقليدي، التقدمي، فضلا على أن عزل الرئيس سيصب في مصلحة نائبه مايك بنس المدعوم من المؤسسة بشكل كبير، مما يقوي من حظوظه في الاستمرار في الرئاسه إذا حل مكان ترامب.

يبقى الأمر متوقفاً على قدرة الديمقراطيين في حسم انتخابات التجديد النصفي في العام القادم لصالحهم، ولكن هناك الكثير من الشكوك حول مدى قدرتهم على حشد الدعم الشعبي وراءهم من جديد خصوصاً مع الانهيار الذي تشهده القاعدة الانتخابية التي كانت مؤيدة بشكل تقليدي لليسار – الوسط، هذا بالاضافة إلى أن فوز الديمقراطيين بالأغلبية مجددا لا يعني أنهم حتما سوف يلجأون لمثل هذا السيناريو خصوصاً وأنهم سيكونون قادرين على فرض تقييدات أخرى على الرئيس ترامب من غير اللجوء إلى خيار العزل، ذلك بشكل أفضل من مواجهة بينس كرئيس.

إلا أننا يجب ألا نستبعد أن يأتي سيناريو العزل بإيعاز من داخل الحزب الجمهوري نفسه، خاصة من جناحه الأكثر تطرفا، يمثله في الكونجرس الأمريكي ما يعرف بتجمع الحرية Freedom Caucus ، هو الذي كان وراء عدم إمرار مشروع ترامب للرعاية الصحيه بشكل مباشر عندما طرح للمرة الأولى، ستتصاعد فرص هذا السيناريو إذا ما استمر مسلسل الفشل للرئيس ترامب، خصوصا إذا لجأ للسياسات الشعبوية مرة أخرى، مما سيجعله عبئاً على الحزب الجمهوري، ويشكل تهديدا مباشرا لأعضاء الكونجرس من الجمهوريين بعدم إعادة انتخابهم في العام القادم، أي يهدد مصالحهم الشخصية بشكل مباشر، مما قد يدفعهم لعمل ما قد يشكل انقلابا داخليا على الرئيس ترامب، باستغلال موضوع التواصل مع روسيا والتأثير على نتائج الانتخابات على سبيل المثال، هو ما سيؤدي في النهاية لاستلام بينس مهام الرئاسة، وهو الأكثر تشددا في الحزب الجمهوري والأكثر ميلا للعمل من خلال المؤسسة، وإذا حدث مثل هذا السيناريو الذي قد يكون مستبعدا في الوقت الراهن، لن يجد الديمقراطيون بدا من التجاوب معه.

خلاصة

يشكل ترامب بحد ذاته ظاهرة في تاريخ السياسة الأمريكية الحديث، فمنذ أن أعلن ترشحه إلى أن فاز في الانتخابات، حملت تجربته الكثير من المفاجأت، وخلطت الكثير من الأوراق. امتاز ترامب بقدر كبير من المفاجأة، واعطى انطباعاً واسعاً بصعوبة التنتبؤ بأفعاله، ونزعة شديدة نحو المغامرة. واستطاع أن يُحقق نجاحاً ملحوظاً أثناء حملته الانتخابية، فقد جاء منسجماً من ناحية الخطاب مع تلك الشريحة، التي أصبحت ترزح تحت وطأة العولمة والاعتماد المتبادل الذي سهل بشكل كبير حركة العمالة ورأس المال على المستوى العالمي. لكنَّ هذا النجاح الانتخابي المبني على الخطاب بشكل يفوق كثيرا أي توجه أيديولوجي حقيقي، اصطدم بواقع البيروقراطية العتيدة للمؤسسة السياسية في واشنطن، الأمر الذي انعكس على كفاءة ترامب في تنفيذ وعوده الانتخابية. ليس هذا فقط، بل إن الرجل القادم من خارج الدوائر التقليدية للحزبين الجمهوري والديمقراطي قد فشل في إدارة تحالفاته السياسية الأمر الذي اضطره للرضوخ والتسليم بالأمر الواقع، على الأقل مرحلياً.

ومع ذلك تبقى للرئيس ترامب وإدارته بعض الخصائص التي يمتازون بها، فبالاضافة إلى حالة اللايقين، والغموض، يجنح ترامب إلى إعادة الاعتبار للقوة العسكرية الأمريكية من خلال توظيفها كأداة لممارسة السياسية الخارجية، في الوقت الذي يعمل فيه على تحجيم القنوات التقليدية للدبلوماسية الناعمة المتمثلة بوزارة الخارجية وبعض المؤسسات الأخرى مثل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID). وهذا يعكس في جانب كبير منه انقلاباً على ما تعهد به ترامب أثناء حملته الانتخابية من اجراءات تصب في دعم النزعة الانعزالية والحمائية للولايات المتحدة، وهو ما يرفع مستوى التنبؤ بمزيد من التدخلات العسكرية الأمريكية في بعض ساحات التوتر في العالم.

لا شك أن ترامب قد أحدث بعض التغييرات الطفيفة على منصب الرئاسة من خلال تجاوزه بعض البروتوكولات أو اعتماده المفرط على الأوامر التنفيذية وتغريدات #تويتر سواء

عبر حسابه الشخصي، أو الحساب الرسمي، ولكن في المقابل فإن مؤسسة الرئاسة استطاعت أيضا أن تؤثر على ترامب وتعمل على ضبطه بالقدر الكافي الذي يجعله يعمل بالحد الأدنى لما تتطلبه قواعد العمل السياسي، من خلال المؤسسة التقليديه.

وإذا كانت السيناريوهات لمستقبل إدارة ترامب مفتوحة على كافة الاحتمالات، فإن السيناريو الأقرب للواقع هو استمرار المؤسسة السياسية في العمل على ترويض ترامب، مما يؤدي إلى تغيير الكفة فيما يتعلق بالانجازات علي المستوى الداخلي، من جهة، وزيادة التدخلات الخارجيه باستخدام قدر غير قليل من العسكرة والوسائل الخشنة، من جهة أخرى، وهو ما يجعل إدارة ترامب تنحو بشكل كبير لأن تسلك المسار التقليدي للإدارات الجمهورية، في المدى المنظور على الأقل(33).

————————————–

الهامش

(1) see more; abby phillip and robert costa. trump remains the center of attention, but he’s increasingly isolated politically. washington post, april 2, 2017.

(2) see more; jeff sessions, trump’s new attorney general dogged by controversy. bbc news, march 2, 2017.

(3) see more; jeremy w. peters and maggie haberman, trump fires warning shot in battle between bannon and kushner. new york time, april 7, 2017.

(4) see more, fobres profile, donald trump. access to internet may 9, 2017.

(5) damian paletta and mike debonis. trump shifts course again, says health care repeal must precede tax overhaul. chicago times, april 12, 2017.

(6) للمزيد حول هذا الموضوع، أنظر د. عمرو دراج، ” سياسات ترامب: ضد الإخوان أم ضد الإسلام؟”. المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، دراسات سياسية، 23 فبراير 2017.

(7) see more; steve almasy and darran simon. a timeline of president trump’s travel bans. cnn, march 30, 2017.

(8) see more; paul waldman.  another trump promise bites the dust. washington post, march 31, 2017.

(9) see more; greg sargent. why is trump flailing? because americans hate his agenda, and it’s based on lies. washington post, april 3, 2017.

(10) see more; david leonhardt. donald trump’s first 100 days: the worst on record. new york time, april 26, 2017.

(11) see more; “trump’s approval rating drops to new low of 36%”, gallup, march 27, 2017.

(12) see more; aaron blake. trump’s first 100 days: a big failure, and a new low in the polls. washington post, march 27, 2017.

(13) see more; dan balz and scott clement. nearing 100 days, trump’s approval at record lows but his base is holding. washington post, april 23, 2017.

(14) ibid.

(15) see more; michael kruse. how trump succeeds without succeeding. politicomagazine, april 23, 2017.

(16) see more; josh dawsey. trump maintained pageantry as syria strikes unfolded. polotico, april 7, 2017.

(17) see more; watch maria bartiromo’s must-see interview with president trump on fox business network. fox insider, april 11, 2017.

(18) see more; nolan d. mccaskill. trump issues bold new promises on health care, tax, infrastructure. politoco, april 18, 2017.

(19) see more; george stephanopoulos. donald trump interview: transcript part two. abc news, apri; 19, 2017.

(20) see more; michael kruse. he has made a career of convincing people that his failures were the exact opposite. can he pull it off again?, politico, april 23, 2017.

(21) see more; south lawn. remarks by president trump and first lady melania trump at the 2017 white house easter egg roll. the white house, april 17, 2017.

(22) see more; louis nelson. trump: ‘i can’t be doing so badly, because i’m president and you’re not’. politico, march 23, 2017.

(23) see more; gail sheehy. at yale, psychiatrists cite their ‘duty to warn’ about an unfit president. mail intelligencer, april 23, 2017.

(24) ibid.

(25) see more; richard cohen. sean spicer’s stalinist apparition. washington post, january 23, 2017.

(26) للمزيد أنظر؛ د. عمرو دراج ” إدارة ترامب والفراغ في السياسة الخارجية الأمريكية”. المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، تقارير سياسية، 13 مارس 2017.

(27) see more; jenna johnson. trump on nato: ‘i said it was obsolete. it’s no longer obsolete. washington post, april 12, 2017.

(28) see more; michelle nichols. u.s. priority on syria no longer focused on ‘getting assad out’: haley. reuters, march 27, 2017.

(29) see more; noah bierman. trump is delivering on his promise to be unpredictable on foreign affairs. not everyone’s convinced that’s a good idea. los angeles times, december 16, 2016.

(30) ibid

(31) للمزيد أنظر: عمرو دراج. “الضربة الأميركية: هروب ترامب إلى الأمام”.المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، إبريل 7، 2017.

(32) see more; eric lipton. trump campaigned against lobbyists, but now they’re on his transition team. new york time, november 11, 2016.

(33) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *