حركات اسلاميةدراسات

«حسم» و«لواء الثورة»: الخطاب والممارسة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا

مثلت الثورة المصرية في الخامس والعشرين من يناير عام ٢٠١١م منعطفًا مهمًا في سيرورة ثورات الربيع العربي، حيث تشكل الأهمية الجيوسياسية لمصر وفاعليتها وقوتها البشرية معقد القدرة على التأثير في المحيط الإقليمي العربي والإسلامي، وتتساوى معها بصورة نسبية تركيا في هذا الشأن، إلا من فقدانها خط التماس الجغرافي مع العدو الصهيوني.

وبعيدًا عن المقاربات المتحيزة أو المتشنجة تجاه أسباب إخفاق الثورة والإخوان والتيار المدني برمته في مواجهة تكتيكات النظام الأمني والعسكري ومنتفعي الدولة العميقة “الجدد” في مصر؛ فقد اعتبرت لحظة العنف الدموي من الدولة تجاه معتصمي ميداني «رابعة» و«النهضة» هي اللحظة التأسيسية لتشكيل وعي مقاومة عنيفة في أذهان الآلاف ممن مستهم البأساء والضراء من جراء القتل والعنف والاعتقال الذي مارسته الأجهزة الأمنية والعسكرية يوم ١٤ أغسطس عام ٢٠١٣م وما تلاه من ممارسات قمعية.

وقصدت مفردتي «تشكيل وعي» مقاومة عنيفة وليس البدء الفعلي في ممارسته بشكل واعٍ؛ وذلك لأن في هذه اللحظة أفلتت وقتها أواصر الارتباط التنظيمي الصارمة داخل التنظيمات الإسلامية بصورة كبيرة ولمدة طويلة نسبيًا، بالمقارنة بغيرها من الأوقات، حيث كانت صدمة الضعف الشديد الذي واجهت به القيادات، الإسلامية بالتحديد، الانقلاب العسكري، منذ إرهاصاته الأولى قبيل الانقلاب بشهور أربع، هي الباعث الحقيقي على ضعف أواصر الارتباط التنظيمي بعد فض الاعتصامين، وتبين للكثيرين ممن تعلقوا بعودة الدكتور محمد مرسي بخواء هذه الدعوى وبعدها الشديد عن حقيقة الصراع وطبيعته.

إن الضغوط التي تعرضت لها الحركة الإسلامية في عام حكم الدكتور مرسي، والتي تنوعت بين حرق لمقرات الإخوان، وتعمد الانفلات الأمني وأعمال البلطجة، ومناورات العسكر في الغرف المغلقة مع السلفيين (حزب النور)، وضعف الوعي السياسي لقيادات الإسلاميين بشكل عام؛ أثارت عند قطاعات من الشباب الإسلامي السؤال الوجودي: لماذا لا نواجه هذا الوضع بالقوة والعنف؟

الحقيقة أن ما زاد من إلحاح بحث الكثيرين عن إجابة لهذا السؤال؛ هو انعدام الإجابات المقنعة والمتماسكة لدى القيادات، وهو ما جعل من السهل حصول التحول الفكري الحاد، في ظاهره، لدى قطاعات من شباب الإخوان وعدد من شباب السلفيين إزاء الموقف من العنف الدولتي الواضح تجاه الإسلاميين.

وبطبيعة الحال؛ فإن البدايات الانفعالية التي عمل من خلالها من اختار المواجهة مع الدولة من شباب الإخوان وغيرهم من الإسلاميين؛ كانت هشة ومرتبكة وضعيفة للغاية. ورغم نجاح بعضها في توجيه ضربات هي في ظاهرها تعد إعلاميا قوية نسبيا تجاه النظام؛ إلا أنها كانت في واقع الأمر مصادفة بين ثغرات في نظام أمني بعقلية كلاسيكية وبين تخطيط بدائي من هذه الحركات المقاومة الناشئة.

 

أولاً: عنف ما بعد رابعة والنهضة

في التأسيس للممانعة الداخلية في مصر

1ـ في البدء كانت مجموعة «أجناد مصر»

لا يمكن وصف البدايات المقاومة التي تلت صدمة الفض الدموي لاعتصامي رابعة والنهضة، والتي تمثلت في أولى نماذج هذه الممانعة «أجناد مصر»، إلا بكونها «مجموعة»، قد لا تتجاوز الثلاثين شخصًا في حقيقة الأمر1، وهو ما لا يمكن أن يرتقي بأي حال إلى «تنظيم» بدلالته العملية.

البداية المبكرة لهذه المجموعة كانت بصورة واضحة دالة على استعجالها انتهاز حالتي الإحباط والانفعال اللتين تلتا فض الاعتصامات، رابعة والنهضة وما تلاهما، حيث كانت بدايات عمل هذه المجموعة من خلال عملية تفجير عبوة ناسفة في كمين عبود في محافظة القليوبية في العشرين من نوفمبر ٢٠١٣م2، وهي أولى العمليات العنيفة المنظمة، ولم يسبق هذا التاريخ، وفق تتبعي، أيه عمليات لمجموعات أو تنظيمات تنتمي ولادتها لحالة ما بعد رابعة والنهضة، وبالتالي فإنني أستثني بالطبع التنظيمات الجهادية التقليدية.

وتوالت عمليات التفجير بعد ذلك المنسوبة للأجناد، والتي بلغت أكثر من ثماني عمليات كلها بعبوات ناسفة، ولم تتضمن مطلقا أية مواجهات مسلحة بين أفراد المجموعة والجيش أو الشرطة.

وهنا تبرز أهمية نشأتها في سياق خطاب مقاوم ومتمايز عن الخطاب الجهادي التقليدي، والذي كان مؤذنا بولادة خطاب مقاوم محلي (مصري) لا يعولم القضية التي يعمل من أجلها (في المدى القريب بصورة أدق)، ومتصالح بصورة كبيرة مع كافة تنوعات الإسلاميين، ومتجنب تماما الولوج إلى صراعات مع المسيحيين أو المدنيين، بالإضافة إلى خطاب خال من المفردات التكفيرية والتبديعية والتمايزية، إلا من مفردات تقليدية عمومية تتوجه في غالبها إلى مؤسسات الجيش والشرطة بوصفها العدو الأساسي.

في مرور سريع على خطاب المجموعة، بياناتها ولقاء قائدها “مجد الدين المصري” الوحيد، نجد خصائص تُشكل الخطاب المقاوم الجديد الذي استهلت به حقبة ما بعد فض الاعتصامات أولى منتجاتها المقاومة. والحقيقة أن طبيعة فكر المجموعة وعملها المحدود لم يجعل لها قدرة على التوسع والتأثير والإيلام، بالإضافة إلى أنه من خلال تتبع ما نشر لها وحولها يتبين أن ثمة بدائية في مستوى الترتيب والتنظيم الإداري والمهامي، ودل على ذلك بجلاء اختفاء المجموعة عملياتيا ثم تتابع سقوط أفرادها عقب مقتل قائدها مجد الدين المصري (همام محمد عطية) في الخامس من أبريل ٢٠١٥م، وهو ما يدلل بوضوح على محدودية أعداد ومستوى المجموعة، فضلًا عن استعجالها العمل العنيف عقب فض الاعتصامات.

2ـ الإرهاصات الأولى للّجان النوعية

ليس ثمة معلومات دقيقة يمكن الاعتماد عليها في تحديد لحظة ولادة قرار جماعة الإخوان، أو بصورة أدق التيار الذي قرر داخل الجماعة، تأسيس اللجان النوعية المعنية ببعض العمليات التي تستهدف أفراداً بأعيانهم أو منشآت محددة، وصعوبة الحصول على المعلومات مرتبط بالسرية الشديدة التي تحيط بهذا المعلومات والقرارات داخل التنظيمات الكبيرة مثل هذا التيار داخل جماعة الإخوان، لكن التقدير التقريبي يمكن اعتباره بصورة إجمالية في الشهور التي أعقبت فض اعتصامي رابعة والنهضة، إذ بدأت فكرة المقاومة اللاعنفية تشير إلى ضعف جدواها من خلال القمع المتزايد الذي تواجهه المظاهرات، وتزايد أعداد المعتقلين منها، ثم تطور الأمر لاعتقال الفتيات والنساء بلا سقف في الأعداد أو الممارسات القمعية  معهن.

وكانت إشارات بدأت تظهر في سياسات تأمين المظاهرات، وذلك في فترة استمرار الإيمان بها كوسيلة مقاومة، وبدا تأمين العنصر النسائي فيها ضرورة ملحة وبأية طريقة تجنبًا للضغوط التي تمارس عليهن، وعلى رجالهن بالتبعية، من خلال التعذيب والإهانة والاحتجاز مع السجينات الجنائيات، وهو ما طرح مسألة جواز نزول العنصر النسائي للمشاركة في المظاهرات، ووصلت في بعض الأوقات لاستصدار تعميمات بعدم السماح لهن بالمشاركة.

بالقطع تسببت هذه الموجهة الوحشية من قمع قوات الداخلية ضد المتظاهرين في تصاعد أطروحة المقاومة العنيفة في سياق سجالات الشباب، وباتت إكراهات الواقع الأمني والملاحقات الأمنية المتزايدة، مع غياب جل قيادات الصفوف الأولى والثانية والثالثة للجماعة بسبب الاعتقالات المتلاحقة لهم، تسبب ذلك في نمو أفكار المقاومة والثأر وحسم حالة القلق وعدم الاستقرار التي يعيشها غالب قطاعات الإسلاميين الحركيين.

ويبدو أن فكرة اللجان النوعية هي وليدة ضغوط شبابية حملت فكرة ضرورة المواجهة واستباق الاستنزاف، ولاقت فيما يبدو هذه الفكرة قبولا عند أفراد معدودين من القيادات، لكنها ظلت حبيسة البحث عن بنوك أهداف تخريبية نكائية كإتلاف خطوط كهرباء مدينة الإنتاج الإعلامي أو بعض عربات نقل الجنود، ولم ترتق مطلقًا لاستهداف أشخاص وقتلهم، حيث ظلت الأدبيات الإخوانية والسلفية التقليدية المتعلقة بحرمة سفك الدماء وخطورة الولوج فيها حاضرة في التنظيرات الأولى للعمليات النوعية.

كان من ذكاء هذه البدايات، وفق تحليلي، ووعيها بطبيعة الصراع أنها اختارت دومًا أسماء نضالية ثورية عمومية، وفرغت خطابها وعناوينها من أية حمولة إسلامية تشير لأيديولوجيتها، فكانت على سبيل المثال حركات كـ «العقاب الثوري» و«المقاومة الشعبية» وعدد آخر من الحركات بأسماء وتنوعات مختلفة لإعطاء انطباع بكثرة وتنوع الجهات المقاومة.

بالطبع واجهت هذه العمليات النوعية عقبات كثيرة، أبرزها صعوبة العمل داخل المحافظات الكبرى كالقاهرة والإسكندرية، وانعدام الخبرات التنظيمية المتعلقة بالعمل المسلح لدى هذا التيار الناشئ، بالإضافة لدرجة الجاهزية والتوحش التي باتت لدى أجهزة الأمن المصري، فضلًا عن ضعف الأهداف التي كانت تستهدف من قبل هذه المجموعات، إذ لم ترتق بالأساس لدرجة نكائية معتبرة، ولا بلغت حد استنزاف مرهق لجهاز الأمن الضخم.

ظهرت «حركة المقاومة الشعبية» في أغسطس ٢٠١٤م، والتي يعتقد أنها صورة ما من صور اللجان النوعية، أو بصورة أدق؛ جناح منشق من الإخوان وبعض المتعاطفين ممن قرر استمرار العمل النوعي، إذ ظلت الجماعة على لسان قيادات تيار ما سمي بتيار الشرعية ينفي تماما أية علاقة له بعمل هذه اللجان. وقد أشارت بعض المعلومات من شباب الجماعة أن جدلًا كبيرًا صاحب نشأة فكرة العمل النوعي، حيث وجدت قيادات تيار الشرعية فيما بعد خطورة تطور هذا النهج وتزايد خسائره البشرية والمادية، بالإضافة إلى الخشية من تكرار مشكلات «التنظيم الخاص»، وهو ما دفع باتجاه مزيد نزاعات داخل الجماعة، وباتت هذه الجدلية هي لحظة الانقسام الأكبر وسط الجماعة، حيث بدأت تظهر تباينات تياري «الشرعية» و«منتصر».

انحصرت أعمال المقاومة الشعبية في تفجير عبوات ناسفة تستهدف إعطاب عربات الشرطة أو ترهيب أكمنة لهم، أو الإضرار بمحطات كهرباء أو منافع عامة حكومية، وهي في المجمل كانت تسعى لاستنزاف وتشتيت الأجهزة الأمنية، ومحاولة لتأسيس عمل مقاوم عنيف لا دموي3.

وبحلول الربع الثاني من عام ٢٠١٥م برزت حركة «العقاب الثوري» بنفس نمط «المقاومة الشعبية»، مع خفوت تام للأخيرة في بداية العام، واستمرت الأولى في طريقة المهاجمة باستخدام العبوات الناسفة بدائية الصنع، واستهداف سيارات الشرطة وبعض المواقع بالقرب من أقسام الشرطة ومديريات الأمن وكمائن الشرطة، بيد أن تطورًا نوعيًا أظهرته حركة العقاب الثوري بعد شهور قليلة من خلال مواجهات بالأسلحة مع دوريات أو كمائن شرطة، واقتصرت على ضربات سريعة وإصابات في صفوف بعض أفراد الشرطة، ثم تصاعد الأمر لاستهداف أشخاص ثبت، من وجهة نظرهم، تورطهم في أعمال تعذيب وقمع أو وشاية بالمعارضين.

مع اشتداد القبضة الأمنية وتطورها، وفي ظل الخلافات الفكرية والعملية التي ظهرت بين الفاعلين المعارضين من الإسلاميين، خفتت بصورة واضحة أنشطة العقاب والمقاومة بحلول مطلع عام ٢٠١٦م، ولم تنشر أية بيانات أو أخبار على صفحاتهم ومدوناتهم تشير إلى استمرار نشاطهم أو حتى دخولهم في كمون تكتيكي، إلا من افتراض أطرحه؛ مفاده أن ثمة تكتيك تشتيتي متعمد في توقف «العقاب الثوري» و«المقاومة الشعبية» وظهور «لواء الثورة» و«حسم»، مع تطور نوعي جديد في الخطاب والممارسة والظهور الإعلامي.

 

  • حسم ولواء الثورة: من السلمية المبدعة إلى العنف الانتقائي

كان من المستقر في تنظيرات الداعمين للعمل النوعي فيما قبل ظهور «حسم» و«لواء الثورة»؛ ما سُمي بـ «السلمية المبدعة» والتي تعني في بعض الأقوال «كل ما هو دون الرصاص فهو سلمية». بينما مثلت أواخر عمليات «العقاب الثوري» وبدايات عمليات «حسم» و«اللواء» بداية التمايز الذي قررته هذه المجموعات عن خط «السلمية المبدعة» والممانعة السياسية التقليدية التي تتبناها بعض قيادات الإسلاميين المعارضين في الخارج، وبدأت في العمل ضد أهداف شرطية وعسكرية وقضائية محددة، واستهدفت عددًا من الأشخاص البارزين، دلت في مجملها على تطور عملياتي وتنظيمي لهاتين المجموعتين.

ثمة ما يشير إلى إكراهات دفعت هاتين المجموعتين للعمل في هذا المسار، إذ الضغوط الأمنية الدموية التي مارستها أجهزة الشرطة المصرية، مطاردة واعتقالًا وتعذيبًا في السجون، بالإضافة إلى صعوبات واجهها الكثيرون في الخروج خارج مصر، والعقبات التي يراها عدد ممن حاولوا الهروب من خلال السودان وليبيا عن طريق المهربين، كل ذلك جعل من مصر سجنًا من أربعة حوائط لا يدري البعض لأي حائط يولي وجهه، ومن أي اتجاه تأتيه ضربات الجهاز الأمني الباطش بكل معارض. إن تضييق الخناق بهذه الصورة، وسد باب العمل السياسي للمعارضين بشكل كامل، أدى بلا شك لنزوع عدد من الشباب لانتهاج العمل العنيف الموجه، وأفرز وعيًا بضرورة كسر احتكار الدولة والنظام السياسي لقوة السلاح التي هي يده التي يبطش بها، وباتت الأزمة أشد في ظل تفاوت واضح في قدرات عموم جيل الثورات وما تلاها بالمقارنة مع عقليات لا ترى إلا الحلول الأمنية الأحادية، ولا تتعامل إلا بمعالجات الرجل الواحد لحقبة الستينات والسبعينات، وهو مما يجعل مقاربة وتفكيك الحالة الراهنة هو أمر معقد ومركب بصورة كبيرة.

في الفترة التي تلت فض اعتصامي رابعة والنهضة وحتى ما قبل تاريخ ٢٩ يونيو ٢٠١٥م؛ لم تكن العمليات التي نفذت من قبل مختلف المجموعات التي قررت العمل العنيف في هذه الفترة ذات صيت وتأثير على أركان النظام، وحتى مع قتل عدد من الضباط أصحاب الرتب المتوسطة. لكن بحلول صباح يوم ٢٩ يونيو ٢٠١٥م كانت أقوى عملية اغتيال تطال أحد أبرز أركان النظام الانقلابي وهو النائب العام آنذاك المستشار هشام بركات، وذلك بتفجير عبوة ناسفة شديدة الانفجار عن بعد داخل سيارة. ورغم أن سيارة النائب العام كانت مصفحة، ومن المفترض أن تكون خطة تأمين تحركاته على درجة عالية من الحذر؛ وصل تنظيم ما لتنفيذ هذه العملية الكبيرة والتي أحدثت هزة في بنية النظام بلا شك4. وإذا كانت الرواية الأمنية تشير إلى تنظيم «بلا اسم» في ضلوعه في هذه العملية؛ تشير معلومات أخرى غير مؤكدة إلى ضلوع ضابط الصاعقة المفصول «هشام عشماوي» في هذه العملية النوعية عالية التنظيم والإعداد، وهو ما لم يتأكد بأي شكل حتى الآن، ولا من خلال بيانات أو معلومات من داخل الجهاز الإعلامي للتيارات الجهادية، لكن أشار عدد من الخبراء المتابعين إلى خيوط تقنية وتخطيطية تشير إلى قدرات وإمكانيات هشام عشماوي في الموضوع.

أعلنت حركة «المقاومة الشعبية في الجيزة» مسؤوليتها عن هذه العملية، وذلك عبر صفحتها على الفيسبوك5 ، وقالت إنها استهدفت سيارة النائب العام أمام منزله. ونشرت صورا للانفجار . لكن يظل هذا الإعلان مجرد اقتناص لحظة زخم لحدث بحجم هذه العملية، ويستبعد تماما تطور قدرات هذه المجموعة لتصل إلى هذا الحد.

بدأت حركة «حسم» نشاطها في منتصف يوليو ٢٠١٦م بعملية اغتيال الرائد محمود عبد الحميد، رئيس مباحث طامية بمحافظة الفيوم، وفي أول أغسطس عام ٢٠١٦م، أعلنت الحركة مسؤوليتها عن محاولة اغتيال المفتي السابق علي جمعة بالقرب من منزله في مدينة السادس من أكتوبر.

صدر عن حركة سواعد مصر «حسم» ١٥ بلاغ عسكري يعلنون من خلالها عن تنفيذ عملياتهم المختلفة، وقد أعلنت الحركة في ذكرى تأسيسيها الأول عن حصيلة عملياتها التي تمثلت في التالي6:

  • ٥ عمليات تصفية من النقطة صفر.
  • ٢ استهداف بسيارات مفخخة.
  • ٥ استهداف بعبوات مفخخة.
  • ٢ اشتباك مسلح.

بينما صدر عنهم تصريح إعلامي واحد فقط في ١٦ يوليو ٢٠١٧م، يدينون فيه قتل المواطن سيد الطفشان في جزيرة الوراق أثناء حملات الإزالة، والمواطن كمال الهته في محافظة البحيرة7.

كما صدر عن الحركة سبعة بيانات عسكرية، تضمنت تهنئة لحركة «لواء الثورة» على تأسيسها في أغسطس ٢٠١٦م، ومباركة منها لعدد من عمليات «اللواء»، وأهمها على الإطلاق اغتيال العميد أركان حرب عادل رجائي، وبيان آخر تضمن إعلان لتصفية أمين شرطة في مدينة السادس من أكتوبر، وبيان يتضمن تهنئة للمجاهدين في سوريا بمناسبة تحرير مدينة حلب في بدايات أغسطس ٢٠١٦م، بينما كان آخر بيان يحمل تعزية في مقتل أحد شباب الحركة وهو محمد عاشور دشيشة، وذلك في منتصف ديسمبر ٢٠١٦م8.

كما صدر عن الحركة بيانين سياسيين؛ الأول عنون بـ «سنواتُ الخيانةِِ والاستبداد»، وتضمن جملة من دوافع الصراع وطبيعة النظام المصري المستبد وحصر لأعداد المعتقلين والمقتولين جراء الانقلاب العسكري، والبيان الثاني كان بمناسبة مرور عام على تأسيس الحركة، وتضمن هذا البيان إجمالا لفلسفة الحركة وطبيعة المعركة التي تخوضها، كما تضمنت رسالة مقتضبة للنظام المصري تهدد فيه وتتوعد9.

وصدر أيضًا عن الحركة تسعة بيانات إعلامية حتى تاريخ نشر الورقة؛ اثنان منها سبق اعتباره في البيانات السياسية والعسكرية، أحدهما كان بمناسبة مرور عام على تأسيس الحركة، والثاني لتهنئة حركة «لواء الثورة» باغتيال العميد عادل رجائي. وُسم البيان الإعلامي الأول بـ «نعي وعهد» حيث نعت فيه الحركة المئات من المصريين الذي ماتوا غرقًا قبالة سواحل مدينة رشيد المطلة على البحر الأبيض المتوسط، وذلك في أواخر سبتمبر ٢٠١٦م. كما أصدرت الحركة بيان تهنئة بمناسبة حلول شهر رمضان، وآخر في مقتل أحد شبابها وهو أحمد محمد سويلم، وثالث لنفي كون الأسماء التي أعلنت وزارة الداخلية المصرية تصفيتهم أعضاء في حركة «حسم».

الملفت في البيانات الإعلامية اثنان منها؛ الأول: فيه اعتراف بعدم ضلوعهم في تفجيرات كنيستي طنطا والإسكندرية في أبريل ٢٠١٧م، بل وفيه وضوح في عدم استهداف الحركة للمسيحيين في مصر. والثاني: كان باللغة الإنجليزية، والبيان في الجملة لا يحوي رسائل مباشرة لأي جهة أجنبية10، لكنه خرج عقب تحذيرات أطلقتها السفارة الأمريكية بالقاهرة في ٢٤ مايو ٢٠١٧م من أن حركة حسم قد أشارت في صفحتها أنها قد تقوم بأعمال إرهابية غير محددة11.

فيما يتعلق بحركة «لواء الثورة»؛ فالظاهر من أدائها الإعلامي أنه متأخر عن «حسم» بخطوات، إذ لا يوجد موقع رسمي للحركة، وليس لهم إلا صفحة وحيدة على «تويتر»، ويعتمدون فيما يبدو على صفحات أخرى في نشر أخبارهم وبياناتهم كصفحة «إعلام المقاومة» و«ق Qaaf » 12، وهو الأمر الذي قد يدلل على أحد أمرين؛ إما أن تكون الحركة لديها فريق إعلامي متواضع نظرًا لقلة عددها، على فرض ذلك، وإما أن تكون الحركة مجرد وجه آخر لحركة «حسم» من باب تنويع صور مواجهة النظام العسكري في مصر، وتصدير صورة كثرة حركات المقاومة الداخلية، وهي فرضية تظل احتمالا مطروحا غير منقوض في ظل ندرة المعلومات، وفي ظل التجارب السابقة لمجموعات مواجهة الانقلاب بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة.

 

الخطاب والعمليات

تفكيك البنى وتحليل الممارسات

لم تنل بعد خطابات وعمليات حركتا «حسم» و«لواء الثورة» القدر الكافي من التفكيك والتحليل والرصد الدقيق، وهو ما يدفعنا للبحث في هذه المساحة التي دائمًا ما تلقى في الأكاديميا الغربية الجهد البحثي الأكبر مما لدى الفضاء المعرفي العربي القابع تحت سيطرة ديكتاتوريات النظم العسكرية والملكية المستبدة13.

كما أنه من المهم معرفة أن نتاج الحركتين لازال قليلًا كمًا وزمنًا، وبالتالي فالتحليل المبثوث هنا قد يفقد قدرته التحليلية بعد فترة من الزمان، إذ قد تظهر معطيات لاحقًا إما أن تؤكد صحة التحليل وإما أن تضعفه، وفي كلا الحالتين؛ فإن العمل على المتاح في هذه اللحظة ضرورة معرفية وبحثية.

بداية؛ ينبغي الإقرار هنا أن دلالة مصطلح العنف تعني مجرد الدلالة اللفظية المباشرة، ولا أقصد بها مطلقًا أية حمولة سلبية اكتسبها المصطلح بسبب سيولة تداوله الصحفي والإعلامي، ويضبط المعنى السلبي له الإضافة التي تضاف له في سياق الكلام. كما أنني أود الإشارة إلى أن العنف الناتج في مرحلة ما بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة وما تلاهما من عنف الدولة الدموي؛ هو عنف تالٍ ومبني على عنف الدولة السلطوية الانقلابية، وبالتالي فإن منشأ العنف وتبعاته السلبية هو نظام الانقلاب، وما تلا ذلك هو نتاج إفشال الدولة العميقة ونظام «المنتفعين الجدد» في دولة العسكر الجديدة لمحاولات الإسلاميين في مصر الوصول لصيغة مرضية مما يُسمى «أطروحة الدمج والاعتدال Inclusion-moderation thesis »14، حتى وإن واجه الإسلاميون صعوبات في تحويل الخطاب الإسلامي النسقي الكلاسيكي إلى خطاب سياسي عام ومنفتح ومعتدل، لكن يبقى الإصرار، الذي قادته دول في المنطقة بالتعاون مع نظام العسكر الجديد في مصر آنذاك ، على إفشال الثورة واستحقاقاتها، ثم المواجهة الدموية مع الإسلاميين وسحقهم تمامًا؛ هذا بالقطع هو منشأ العنف بكل مشتملاته، بل إن عددًا من الشباب الذي رأى انتكاس جهوده في العمل النضالي السياسي؛ توجه بعد أغسطس ٢٠١٣م إلى ليبيا وسوريا والعراق وسيناء، حيث تساوت في نظرهم الحالة الجديدة بعد الانقلاب مع تلك التي في هذه البلدان والمناطق، وأُجهضت جهود سنوات من محاولات خلق أفق سياسي نضالي يقوده الشباب العربي.

من المهم إقرار هذه الحقيقة في سياق تحليلنا لمجموعات المقاومة المصرية ضد النظام، حيث تكتسب صيغة العنف وممارسته هنا شرعية أقرب ما تكون للشرعية الثورية (بمفهومها اليساري) الممزوجة بالنظرية الجهادية في الإسلام، وهذه التركيبة المفاهيمية تختلف جذريًا عن المنطلقات والإجراءات التي تتحرك وفقها الجماعات الجهادية الراديكالية كالقاعدة وداعش. لا يعني ذلك هنا تبرير هذا العنف، لأنني لست معنيا في هذه الورقة بمناقشة مدى مشروعية ذلك، لكنني أرصد ذلك لضبط السياق الذي يتحرك فيه التفكيك والرصد والتحليل.

 

  • المفردات والأوصاف ومضمون خطاب الآخر

من الملاحظ في خطاب مجموعات المقاومة العنيفة في مصر تمايزها الحقيقي عن خطاب الجهاديين التقليدي، حيث مفردات الخطاب يندر فيها ألفاظ «الكفر»، «الطاغوت»، «المرتدين»، وإن كانت لاتزال تحوي ما يتعلق بالخيانة والغدر والعمالة، لكنها تبقى بعيدة نسبيًا عن المضمون العقدي الحاد الذي يوجد في خطابات داعش والقاعدة. كما لا يتضمن خطابها أي مساحة مفردة للخصومات مع التيارات الإسلامية الأخرى، بل إن موقفها أقرب لطريقة تسعى لخلق مسار متوازن في التعامل مع كل التيارات الإسلامية، وتقرير ذلك كخطاب وتوجه فكري وشرعي، فنجد على سبيل المثال استشهادات بأقوال للدكتور عبد الله عزام، ولأبي مصعب السوري، ولعلي عزت بيجوفيتش، ولبعض قادة حماس، وللشيخ محمد الغزالي، وللأستاذ محمد مهدي عاكف، وللأستاذ محمد أحمد الراشد15 . والحقيقة أن هذا الجمع يمكن اعتباره مقصود لبلورة تيار مقاوم يتجاوز الخلافات العقدية الضيقة التي تعصف بالحركات الإسلامية كما الحال في سوريا، وإن كانت التجربة لازالت في إطار الاختبار ولم تصل هذه المجموعات بعد لمرحلة النزاعات العقدية والفكرية.

يستخدم كلا من «لواء الثورة» و«حسم» مفردات: (الخائن – العميل – مرتزقة الداخلية – ميليشيات السيسي – دولة الفرعون)، ويندر في بياناتهم وتسجيلاتهم المفردات التكفيرية والعقدية الحادة، ويغلب على خطاباتهم المفردات المتعلقة بالثورة والمقاومة والمدافعة، وفي حال التطرق لمسائل التكفير نجد صرفًا لها عن جدل تعيين أشخاص المُكَفرِين، والاهتمام بتقرير مجمل الحكم الشرعي العام في فعل ما أو تصرف ما دون تنزيل هذا الحكم على شخص معين، بالإضافة لربط مشروعية المواجهة بظلم وعدوان وبغي النظام لا بكفر أو ردة أعيانه كما هو شائع في الخطاب الجهادي التقليدي.

ففي إجابة حساب «إعلام المقاومة» على تطبيق «آسك ask.fm » عن سؤال: لماذا مقاومة وثورة وليس جهاد؟ لماذا ديموقراطية وعدالة اجتماعية وليس شريعة إسلامية؟ لماذا استخدام المصطلحات المائعة؟ أو ليس لكم في حازم صلاح أبو إسماعيل قدوة وأسوة؟!

كان الجواب: (لا مشاحنة مبدئيا في الاصطلاح، وكل مفردة اصطلح عليها الناس للدلالة على مدلول يوافق الشرع فهي مصطلح شرعي، مثلا مصطلح “العقيدة” لم يرد في القرآن ولا في السنة بأي اشتقاق، وإنما جاء لفظ الإيمان، وقد تلقى علماء المسلمين قاطبة مصطلح العقيدة للدلالة على الإيمان دون حساسية، وهذا أمر طبيعي. فمصطلحات المقاومة والثورة تدل في وعى الناس على معان شرعية سامية وكبيرة ولا مانع من استخدامها إلى جانب المصطلح القرآني «الجهاد»)16 .

وفي سؤال آخر حول تكفير نظام السيسي يقول: كيف تنظرون لنظام السيسي من الناحية الشرعية وهل تعتبرونه كافرا أم صائلا؟

كان الجواب: أولاً: من ناحية الصيال، فنظام السيسي يعد شرعا صائلا على الأعراض والأموال والأرواح، فضلا عن صولته على الأمة باغتصاب أمرها قهرا وتعطيل السعي لإقامة شرع الله سبحانه وتعالى في أرضه … وقد ظهر للكافة موالاته الفجة لأعداء الأمة ومظاهرتهم عليها وعلى ثوراتها في كل مكان، وحربه على قوى الجهاد والمقاومة التي تعمل لنصرة الدين داخل مصر وخارجها. قال تعالي: “يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين” (المائدة 51).

فاتخاذ الكفار أولياء من دون المؤمنين، أي مناصرتهم ومظاهرتهم ومعاونتهم على أهل الإسلام كفر صريح، وردة سافرة، وعلى هذا انعقد إجماع أهل العلم. كما ينبغي التأكيد أن ظاهر نص حديث النبي صلى الله عليه وسلم المذكور آنفا: “إلا أن تروا كفرا بواحا” فيه مندوحة عن الجدل حول إسقاط حكم الكفر على أشخاص بعينهم داخل النظام، وإنما الذي يعنينا هو ارتكاب العمل نفسه وظهوره لنا، وهو ما يوجب العمل لخلع النظام وكفه عن جرمه)17 .

فيما يتعلق بحركة «حسم»؛ فلم ينشر لها بعد خطابات أو تسجيلات تشير بصورة واضحة لمنهجها الفكري والعقدي، بمعنى أن مرجعيات المجموعة والخيط الفكري الناظم لمنهجها واستراتيجياتها ليس بمصرح به بعد من التنظيم وإعلامه، بيد أن بياناتها وتسجيلاتها التي خرجت إلى الآن تعطينا إشارات ودلالات على طبيعة الحركة فكريًا، وبالتحديد المحتوى المتعلق بالآخر في المواجهة، وهو كما بينا أعلاه لا يتضمن المفردات الجهادية التقليدية، لكنها حاضرة في الآيات المستهل بها التسجيلات أو الأناشيد التي في خلفية التسجيل.

في إعلانها عن ذكرى تأسيسها الأول؛ أعلنت «حسم» في بيان لها عن طبيعة معركتها مع النظام حيث قالت: (حركة سواعد مصر «حسم» هي حركة ثورية مقاومة عاهدت الله وعاهدت شعبها أن تسترد ثورتها الضائعة وأن تنحاز دائما للعدالة والثورة والقصاص من الظالمين بسواعد شبابها وهمم أبنائها .

معركتنا بالأساس مع الثورة المضادة الخسيسة والتي تزعمها قادة العسكر المأجورين، وأذناب النظام البائد، فانتهكت الحقوق واستباحت الحرمات وسفكت دماء آلاف الشهداء ولا زالت وقتلت الأمل في نفوس من بقي منهم على قيد الحياة في ظل دعم وتواطؤ دولي مقيت …

شعبنا الأبي… ما قاومنا ولا ضحينا بالنفس والمال إلا دفعا لظالم استباح دماءكم وأعراضكم ونحن منكم ولن نكون عليكم أبدا وسلاحنا مرفوع في وجه كل ظالم مجرم تلطخت يداه بالدماء لا غير فنحن أحرص الناس على حرمة الدماء ونعوذ بالله من كل دم حرام وإنما هو جهاد على بصيرة ومقاومة تعرف عدوها …

إلى الطاغية الظالم وكل ميلشياته الفاجرة…لقد جئناكم برجال يُحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة، لم ينل من عزمهم الاعتقال ولم ترهبهم المطاردات وما صمتنا إلا إعدادٌ وترتيبٌ وتدريبٌ لصفوفنا…ترقبوا…. فأيامكم القادمة سوداء مظلمة… وتحسسوا رقابكم… فركب المقاومة ماضٍ… والسهم خرج من قوسه… والله على ما نقول شهيد)18.

يظهر بجلاء في مفردات هذا البيان الخطاب الثوري المقاوم الذي تسعى الحركة لبلورته وتقريره لمتابعيها، حيث ثمة إصرار على إنتاج خطاب جديد يميزها عن الخطاب الجهادي التقليدي الذي فقد بريقه وتأثيره أمام خطاب محاربة الإرهاب المزعوم، كما أن خطاب «عنف الصورة» الذي وظفته داعش بصورة محترفة بدا أيضا في سبيله للضعف والتراجع، وهو ما يجعل هذا التوجه الجديد تكتيكي وذكي وواعي بالواقع السياسي والاجتماعي إلى حد كبير.

وفي سؤال نشر على حساب «إعلام المقاومة» على الآسك حول حكم الضباط والعساكر: القلب فيه شيء بالنسبة لقتل عموم الضباط والعساكر، يعنى منهم المحترم ومنهم المجند إجباري وهكذا، هل تشجعون على تمييز الطيب من المجرم أم الأمر فيه حكم شرعي يبيح قتال الجميع؟

كان الجواب كالتالي: (الإجمال في هذا الموضوع عندنا أن من يقاتل تحت راية فهو منها وحكمه العملي حكمها، فمن قاتل تحت راية بغاة فحكم قتاله حكم البغاة، ومن قاتل تحت راية مرتدين فحكم قتاله حكم المرتدين، ومن قاتل تحت راية كفار أصليين فحكم قتاله حكم الكفار الأصليين. وإن كان في هؤلاء مكره أو جاهل أو غير متعمد، فالله سبحانه وتعالى لم يكلفنا بما لا نطيق، فنحن لا نكشف عن قلوب الناس ولا نحكم عليهم أصلا بكفر أو ردة، وإنما نقاتل من قاتل، وندفع صولة من صال، ومن كان له عذر فلعله ينفعه عند الله سبحانه وتعالى في الآخرة. فقد روى البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الشهادات من صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرا، أمناه وقربناه. وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسب في سريرته. ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة”.

وهذه المؤسسات صارت في حكم الطائفة الممتنعة -التي يمنع بعضها بعضا ويحمي بعضها البعض الآخر-فيحمون القتلة بينهم ويدرؤون عنهم، وجمهور العلماء أن الردء والطليع للقاتل (من يردأ عنه ويشكل طليعة له) له حكم المباشر بالقتل نفسه.

وأن الطائفة التي تمتنع بشوكة وقوة فحكمها حكم الواحد، وهو نفس حال المجاهدين فإن مجموعة من المجاهدين منهم المرابط والذي يعمل في الرصد والاستطلاع ومنهم من يوفر مالا وغير ذلك من مهام إلا أنهم مشتركون في الثواب وأجر المجاهدين ولا يختص المنفذ بالأجر، فمثله وزر المعتدين والباغين وحكمهم. والتجنيد الإجباري حرام من ناحية الأصل، وهو أمر مستحدث في بلادنا منذ بدايات القرن التاسع عشر ومأخوذ عن الغرب، فلا إكراه على الجهاد وإنما ندب وتحريض وإقناع بالحسنى، هذا إن كانت هذه الجيوش أصلا قد وضعت الجهاد في عقيدتها العسكرية، بل خدمة أعداء الأمة والحفاظ على ملك الطغاة والمفسدين، وينبغي على المسلم الحر أن لا يستسلم لهذه الحال وسيجعل الله له فرجا ومخرجا.

كما أن معاونة الظالمين والعمل لديهم حرام شرعا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: “ليأتين على الناس زمان يكون عليكم أمراء سفهاء، يقدمون شرار الناس ويظهرون بخيارهم ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فمن أدرك ذلك منكم فلا يكونن لهم عريفا ولا شرطيا ولا جابيا ولا خازنا”. رواه أبو يعلى وابن حبان في صحيحه، وحسنه الألباني.

والمراد بالشرطي في هذا الحديث الشريف خصوص أعوان الظلمة والسلاطين الفجرة، الذين لا يقومون بحق ولا يتنزهون عن باطل، مع ما فيهم من عسف وعدوان، فهؤلاء جديرون بغضب الله تعالى لما يقومون به من إعانة الظلمة والطغاة على ظلمهم فهم أدوات الظالم في ظلم الناس وانتهاك أعراضهم واستباحة أموالهم، وقد جاء في الحديث: “سيكون في آخر الزمان شرطة يغدون في غضب الله ويروحون في سخط الله” رواه الطبراني وصححه الألباني.

والإكراه ليس لفظا عاما بلا مدلول شرعي محدد فيستغله من شاء كيفما شاء، فلا يعد إكراها ما يمكن الفرار منه بالهرب أو الهجرة مثلا، ولا يعد إكراها الخوف على الدنيا فلا يحل ما هو محرم شرعا حرصا على وظيفة أو مصلحة، كما أنه لا يحل لأحد أن يعمل في عمل يعرف مسبقا أنه سيكره فيه على حرام أو معاونة ظالم كمن دخل أرضا يعرف مسبقا ان أهلها يكرهون ساكنيها على الكفر فلا يكون ذلك له عذرا، كان الإمام أحمد بن حنبل لا يعد التعذيب والضرب إكراها، ورفض جمع من العلماء أن يوصف مجرد التهديد بأنه نوع من الإكراه، كان أحمد بن حنبل رضى الله عنه يرفض احتجاج بعض علماء عصره بواقعة عمار بن ياسر الذي أكره على كلمة الكفر بعد تعذيبه، فكان يقول “إن عمار عذب وأنتم قيل لكم سنعذبكم” بل كان رضى الله عنه لا يرى الضرب نوعا من الإكراه أصلا، ويقول لا إكراه إلا بالسيف، أي بالتهديد المتيقن حدوثه بالقتل أو قطع عضو. والمجمع عليه أيضا أنه لا إكراه على القتل، فإنه لا يحل لأحد أن يفدى نفسه بإزهاق نفس غيره. وغيرها من تفصيلات لا تسعفنا فيها ضرورة الإجمال)19.

هذا الجواب يتضمن جملة من الدلالات المهمة، أبرزها أن هذا الخطاب بالفعل يتجنب الانزلاق في تيه جدالات التكفير التي عصفت بالكثير من الجماعات والحركات الإسلامية، كما أنه خطاب متوازن من حيث الاستطراد ومساحة محاولة التنظير والتأصيل الشرعي20، بحيث لا يكون كبر هذه المساحة عائقًا أمام قطاعات من المتابعين والمحبين والذين يهمهم سرعة تلقي المعلومة وقصر مدة الاطلاع على المسوغات الشرعية = وهي حالة عامة في الكثير من الشباب الذين اعتادوا التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي وتعودوا على سرعة التعاطي مع الأحداث والأخبار والمعرفة بشكل عام. كما أن تقرير حكم الآخر الذي تواجهه هذه المجموعات كونها طائفة ممتنعة؛ مما يعد دلالة مهمة على تمايز هذا الخطاب المقاوم الجديد عن الخطاب الجهادي الذي يستهدف العدو القريب أو البعيد، إذ أن التركيز علي كون الطائفة المواجهة تتضمن رؤوسًا في البغي والظلم، ويتبعهم أفراد هذه الطائفة بالتبعية؛ هو تبرير يتجنب الوقوع في المواجهة بدافع التكفير واستحلال الدم بالمطلق، بينما يكون مسوغ مواجهة الظلم والبغي والعدوان والخيانة والعمالة، وفق هذه المجموعات، أفضل في نشر الفكرة والعمل لها وتسويغها لدى الكثيرين ممن يتهيبون العمل في بيئات التكفير واستحلال الدماء بالمطلق، خاصة الإخوان والسلفيين التقليدين، بالإضافة لعدد من الجهاديين الناقمين على الحالة الجهادية التناحرية وتطوراتها المتطرفة كداعش.

في أول لقاء مكتوب لما أسمته حركة «لواء الثورة» المتحدث الرسمي باسمها، صلاح الدين يوسف21، وُجهت له عدة أسئلة تتعلق بفكر الحركة ومنهجها وموقفها من الديموقراطية ومن التيارات الأخرى، وكانت الإجابات المتعلقة بموقفهم من الآخر (النظام) وأفراده يصب في نفس الفكرة التي ذكرناها، وهي التحرز الشديد من تنزيل أحكام التكفير على الأعيان، وتفريغ الخطاب الثوري الإسلامي الجديد من المضامين الجهادية التقليدية في مقابل خطاب يمزج بين الثوري والجهادي بتوازن نسبي.

في سؤال حول حكم نظام الانقلاب، وهل هم بغاة ام مرتدين ام خوارج؟ هل هناك شرح شرعي ينصح بقراءته؟

كان الجواب كالتالي: (قصد اصطلاحا بالبغاة الخارجون على الإمام وكانت لهم شوكة وقوة وتأويل سائغ، ومعنى التأويل السائغ أن خروجهم على الإمام بسند شرعي يرونه وإن كان سندا ضعيفا، والفرق بين البغاة والخوارج فارق دقيق واختلف فيه أهل العلم ومنهم من عدهم مترادفين، لكن جمهور العلماء على التفريق بينهم، وما نراه أن لفظ الخوارج لفظ مخصوص للدلالة على فرقة اعتقادية معينة، ولا يطلق إلا على من اجتمع فيه أمران الاعتقاد بكفر مرتكب الكبيرة والخروج على الإمام . لذا فالخوارج ليسوا أهل سنة لأن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن مرتكب الكبيرة عاص غير مخلد في النار إن ثبت له الإيمان، أما البغاة فقد يكونوا أهل سنة .

وبناء على ما سبق فإن السلطة الحاكمة في مصر لا ينطبق عليها أي من هذه الأوصاف، فليسوا أهل شبهة شرعية ولا تأويل سائغ كالبغاة، ولا يتبنون اعتقادا كاعتقاد الخوارج، إنما هي أولا سلطة قامت ضد مصالح الأمة وموالاة لأعدائها من اليهود والنصارى وقوى الصيال العالمي، يقول الله تعالى :”ومن يتولهم منكم فإنه منهم”، فموالاة أعداء الأمة ومظاهرتهم عليها وعلى دينها وعلمائها وشبابها المتدينين وعلى المجاهدين في مصر وفلسطين وليبيا وغيرها ردة صراح وكفر بواح ليس فوقه كفر، وقد جاء في الحديث الصحيح لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم هل ننابذ الحكام؟ قال: إلا أن تروا كفراً بواحا عندكم فيه من الله برهان . والمقصود من الحديث هو ظهور عمل الكفر في ذاته وبصرف النظر عن كفر الأفراد المعينين، فالمعلوم في اعتقاد أهل السنة أنه ارتكاب عمل الكفر في ذاته لا يكفي لوصف الفرد المعين بالكفر، فإن ذلك يتطلب التأكد من تحقق شروط كالعلم والعمد والقدرة ومن انتفاء موانع كالجهل والخطأ والإكراه. وهذا أمر لا نشغل أنفسنا به كثيرا ولا ننجر للتوسع في التكفير، فعلة وجوب الخروج على السلطة هو ظهور عمل الكفر لا كفر الأفراد، وقد ظهر عمل الكفر من أوجه عدة، كمظاهرة الأعداء وموالاتهم كما ذكرنا وتعطيل الشريعة وحرب من يدعون إليها .22

وثانيا: فهي سلطة اغتصبت الحكم بطريق غير شرعي، وهو عدوان على الأمة يجب دفعه ورده ومنكر تجب إزالته، قال تعالى: “ولا تطيعوا أمر المسرفين” عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: “من بايع إماما من غير مشورة المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا”، والمعنى أنهما غررا بأنفسهما وعرضوها للقتل . ثم هي ثالثا: سلطة صائلة، والصيال هو الوثوب والاستطالة على حقوق الناس بغير حق شرعي، كالاعتداء على الأنفس والأموال وسجن الأبرياء وتعذيبهم وقتلهم، وهذا كله منكر تجب إزالته وصيال يجب دفعه بما يندفع به، في الحديث: “من قتل دون مظلمته فهو شهيد”).

وفي سؤال آخر: هل تتعاملون مع الجيش والشرطة ككتلة واحدة مستهدفة سواء ضباط أو مجندين وعساكر؟ تكررت نفس إجابة السؤال التي أجيب عنها من قبل على الآسك الخاص بـ «إعلام المقاومة» حيث كانت إجابة السؤال الأول في الآسك الخاص بـ «إعلام المقاومة» بتاريخ فبراير ٢٠١٧م، بينما نشر لقاء المتحدث باسم اللواء في أغسطس من نفس العام على صفحة «ق Qaaf » على الفيسبوك.

ما هي دلالة ذلك التكرار إذن؟

الواضح أن هذه المجموعات ومنصاتها الإعلامية (اللواء وحسم وق وإعلام المقاومة وغيرهم) تعمل وفق استراتيجية تمويهية ما تعتمد على إظهار شكل من أشكال تعدد أوجه المقاومة وكثرتها، حيث تحقق عدة أهداف؛ منها تشتيت الخصم، وإبراز كثرة منصات المقاومة إعلاميًا وميدانيًا، وتجهيز أكثر من جهة إعلامية وميدانية للعمل في حال تأثر الأخريات. هذه الاستراتيجية تعضد فرضيتي التي أزعم فيها أن اللواء وحسم تنظيم واحد بوجهين، أو بصور أدق؛ قيادة واحدة تدير ملفين مقاومين، بغرض إظهار كثرة الحركات المقاومة.

ربما يكون ذلك بعيد عن الحقيقة، لكنه يبقى وارد ومحتمل لا تنفيه معلومات أو إشارات، التي هي في الحقيقة شبه معدومة.

فيما يتعلق بأسبقية إجابة السؤال في آسك إعلام المقاومة عن نفس الإجابة في لقاء صلاح الدين يوسف؛ فالأمر متعلق ببناء قديم للأسس الفكرية والشرعية لهذا التيار، ولم يكن بعد تصور مسارًا عمليا واضحًا، خاصة مع الضغوط الأمنية القوية التي يمارسها النظام، وهي ما تجعل التخطيط والتنظيم رهين حركة بطيئة بنائية متوجسة بصورة كبيرة، لأن كم الاعتقالات والاغتيالات التي طالت شباب يتهمون بالانتماء للتنظيمين يعتبر كبير على تنظيمات ناشئة وجديدة نوعًا ما، وهو ما يجعل من توقع الخطوة التالية أمر متعذر ومرهون بحسابات طويلة ومعقدة ومتغيرة بصورة حادة ومفاجئة وفق عدد من المحددات التي تحكم حركة هذه المجموعات.

ثمة موقف مهم ينبغي الإشارة إليه في موقف اللواء وحسم من مسيحيي مصر، وبالتحديد مسألة استهدافهم؛ حيث أصدرت الحركتان بيانين يستنكران فيهما التفجير الذي استهدف الكاتدرائية المرقسية في العباسية بالقاهرة في ١١ ديسمبر ٢٠١٦م23، حيث شددت حسم في بيانها على كون النظام المصري الحالي ضالع في هذه العمليات التي تستهدف الكنائس، كما نبه البيان على كون الحركة لا تستهدف المسيحيين، ديانة ومنهجًا، حيث قال البيان: (لقد علمنا نبينا حتي ونحن نقاتل ألا نقتل طفلاً ولا امرأةً ولا شيخاً ولا عابداً في صومعته … أما هؤلاء فلا دين لهم استباحوا دماء آلاف الأبرياء من المصريين في كل الميادين ثم هم الآن يسترجعون حيل نظام مبارك السقيمة لإحداث الفتنة والشقاق بين أبناء الشعب الواحد وإلهاء العوام وما كنيسة القديسين منهم ببعيد)، وهي فقرة مهمة وتحمل في طياتها الكثير من الرسائل التطمينية للمدنيين بشكل عام وللمسيحيين بشكل خاص، كما أن البيان ختم بالآية الكريمة: «لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ » (سورة الممتحنة: ٨)، وهي محاولة جيدة من الحركة لتقرير الموقف الشرعي والفكري وإعلانه في سياق صراعها الإعلامي مع النظام، خاصة في هذا الملف الشائك والمرتبك منذ صعود الإسلاميين بعد ثورة يناير ٢٠١١م.

كما تضمن بيان اللواء نفس الرسالة قائلاً: (لقد تابعنا بأسف شديد حادث التفجير الذي تعرضت له الكاتدرائية بحي العباسية، ونحن إذ نتقدم بالتعازي لأهالي الضحايا فإننا نؤكد أن منهجنا المقاوم يبتعد عن استهداف عموم المدنيين المغلوبين على أمرهم أيا كانت مواقفهم وآراؤهم الخاصة أو انتماءاتهم الدينية، فنحن نعرف عدونا معرفة دقيقة ونوجه مسار جهادنا في اتجاهه الصحيح دائما، وسيظل رصاصنا موجها فقط لصدر النظام البائس الفاشل المجرم وفي صدور أذرعه ونقاط ارتكازاته الأساسية، إن صمَتنا فإننا نُعد لكل منهم مصرعه، وإن تكلم رصاصنا فصدورهم وجهته)24.

كما أصدرت حركة حسم بيانًا تستنكر فيه تفجيرات كنسيتي طنطا والإسكندرية في التاسع من أبريل ٢٠١٧م، حيث تضمن البيان رسائل أكثر وأقوى يأتي تحليلها في المحور التالي.

ما يهمنا هنا هو أن خطاب الحركتين للمسيحيين في مصر لم يكن خطابًا سلفيًا أو سلفيًا جهاديًا، بل لم يتجاوز أن خاطبهم بـ «نصارى مصر» ثم خاطبهم ضمن خطاب قومي عام بـ «أبناء الكنانة» و«أهل الكنانة»، وفي بيان اللواء بـ «أهالي الضحايا»، وهذه المفردات توضح الرؤية الفكرية التي تعمل وفقها الحركتان، وتظهر موقفهما من الآخر المدني المشارك في وطن، وهي في الحقيقة رؤية تنم عن وعي وتركيز على صلب الصراع الذي يشغلهما.

يبقى البيان الذي نشرته حركة حسم باللغة الإنجليزية25، وذلك في أعقاب إصدار السفارة الأمريكية بالقاهرة في ٢٤ مايو ٢٠١٧م تحذيرًا للمواطنين الأمريكيين26، وفق بروتوكول أمني معين، من احتمال وقوف عمليات عنف من قبل حسم، وذلك بناءً على ما وصفوه باستهداف غير محدد/ واضح لأهداف ما، وهو ما استلزم أخذ الحيطة والحذر الاحتياطي.

(البيان الإعلامي لحركة حسم عقب)

تحذيرات السفارة الأمريكية بالقاهرة)27

الذي يعنينا في محور خطاب الآخر؛ أن البيان لم يخاطب المستهدفين بالبيان بأي لغة استعلائية أو استعدائية أو تطمينية مبالغ فيها؛ بل إنها شددت على أهمية تقرير المسميات الحقيقية للانقلابيين والمفسدين والقتلة للشعب المصري، وهو مضمون ذكي وتكتيكي بلا شك. كما أن البيان خالٍ من مفردات (اليهود والنصارى، الكفار، الحلف الصهيوصليبي …) إلى آخر هذه المفردات التي تستهدف عولمة العمل الجهادي والتركيز على العدو البعيد وفق الرؤية الجهادية التقليدية.

من المهم أيضًا الإشارة إلى أن خطاب الحركتين خالٍ تمامًا من إبراز قضيتي الخلافة وتطبيق الشريعة، وبالأحرى غياب الجدل حولهما بالأساس، وهو فيما يبدو تأجيل تكتيكي لمسائل ليست ضمن الأهداف قصيرة ومتوسطة المدى، حيث يمثل هذا التأجيل والغياب الراهن لهذه القضايا خطوات بنائية واعية لطبيعة المعركة الراهنة التي تخوضها الحركتان في مصر، بل إن إعلامهما بنائي انتقائي متجاوز لمسائل الجدل العقدي التقليدية التي يعلم المدققين أنها صحرت البنى والفضاءات الفكرية والشرعية للجهاديين في كل سوريا والعراق، وأكلت من الأوقات والجهود لدى السلفيين في شتى البقاع، ويظهر لي أن القائمين على صناعة القرار والمناهج الفكرية والشرعية لدى اللواء وحسم على درجة من الوعي بخطورة تسرب هذه المشكلات لأفرادهما، قليلي العدد أصلا، وبالتالي الفتك بالبناء التنظيمي والتماسك الفكري والشرعي والاستراتيجي الذي ترومه قيادات الحركتين، كما أن الحرص على إيجاد صيغة مزج بين الثوري والجهادي تجعل من المهم تجنب الجدل حول قضايا ليست من صلب دور الحركتين الآن، خاصة وأنهما يعملان على إيجاد ما يشبه حركات التحرر الوطني والحركات الثورية النضالية مع النكهة الجهادية الإسلامية التي تستلزمها طبيعة وحقيقة الصراع الموجود بالفعل بين عدد من دول المنطقة مع الإسلام السياسي.

 

  • العلميات والأهداف والعنف الانتقائي

(بيان جغرافي بتوزيع عمليات لواء الثورة وحسم في مصر حتى منتصف ٢٠١٧م)28

أعلنت حركة حسم في ذكرى تأسيسيها الأول عن حصيلة عملياتها التي تمثلت في التالي29:

  • ٥ عمليات تصفية من النقطة صفر.
  • ٢ استهداف بسيارات مفخخة.
  • ٥ استهداف بعبوات مفخخة.
  • ٢ اشتباك مسلح.

بينما لم يصدر حتى الآن بيان من لواء الثورة يعدد فيه عملياته كما فعلت حسم، لكن اللواء تفوقت على حسم في تنفيذها عملية اغتيال العميد أركان حرب عادل رجائي، في أقوى ضربة لنظام الانقلاب بعد عملية اغتيال النائب العام هشام بركات، وإن كانت الأخيرة ليست منسوبة لمجموعات العمل النوعي وتطوراته. كما أن محاولة اغتيال النائب العام المساعد المستشار «زكريا عبد العزيز» والتي أعلنت حسم مسؤوليتها عنها، ومفتي مصر السابق الدكتور «علي جمعة» والتي أعلن لواء الثورة مسؤوليته عنها؛ مثلتا أيضًا دلالات مهمة على مستوى تطور الأهداف التي ترصدها الحركتان، وهو ما استدعى استراتيجية دموية من الأجهزة الأمنية المصرية، حيث تقوم باعتقال المشتبه بهم بصورة كبيرة، ثم تضعهم تحت مقصلة تعذيب شديد حتى تتحصل على أكبر قدر ممكن من المعلومات، ثم تقوم بتصفيتهم وفق رواية إعلامية مكررة وساذجة، حيث تدّعي حصول تبادل إطلاق نار بيهم وبين المقبوض عليهم (بصورة غير رسمية)، وعليه يتم قتلهم إثر تبادل إطلاق النار المزعوم.

لاتزال العمليات تتركز في شمال ووسط مصر، ولم تصل بعد لمنطقة الصعيد وجنوب مصر، وهي المناطق التي يكثر فيها السلاح القبلي والمناطقي. كما أن منطقة سيناء ومحافظات القناة أيضًا خلت من حضور عمليات التنظيمين، وليس ثمة تفسير وجيه يعلل هذا الغياب إلا من أن كلا التنظيمين لا يزالان يؤسسان لبؤر متينة ومجموعات منظمة بعيدة عن المناطق الساخنة كسيناء والقناة، أو المناطق التي تتحكم فيها قبليات كالصعيد والنوبة.

بالتدقيق في التسجيلات المرئية التي بثها اللواء وحسم؛ يتبين أنهما اعتمدا على تسليح تقليدي متوفر محليا، حيث تظهر مع الأفراد رشاشات الكلاشينكوف AK47 المصري المعدل منها التي تستخدمها عناصر الشرطة، كما ظهرت مسدسات/ طبنجات حلوان ٩ مل، وهي أيضًا من الأسلحة المتوفرة محليًا. بينما تظهر قنابل تقليدية بدائية الصنع ومحدودة الانفجار، وفي ذلك دلالة على مستوى التطور التصنيعي الأولي الذي لاتزال هذه المجموعة بصدده، فضلًا عن صعوبات التصنيع والاستقرار، وكثرة الضربات الأمنية، وضعف الموارد التمويلية، إذ تتطلب عمليات التصنيع وتوفير الموارد أمرين مهمين؛ الأول: مواد خام ومكونات إلكترونية وكهربائية، والثاني: معلومات وتقنيات وفنيات التصنيع ومحاذيره. كما أن طبيعة التواجد العملياتي للتنظيمين تجعل من الصعب توفير تسليح متوسط ومتنوع، إذ يبقى التسليح الخفيف والمتوفر لدى تجار السلاح والمأخوذ من أفراد الشرطة عقب العمليات؛ هو التسليح الممكن والمتاح حمله ونقله في ظل التواجد الديموغرافي وسط المدن وظهيرها الصحراوي. بينما لم نشاهد أو نرصد بعد في التسجيلات والضبطيات حضور التسليح الخفيف النوعي، كبنادق القنص ورشاشات أم ٢٤٠ وبنادق أم ١٦ وغيرها من البنادق النوعية، وكذلك التسليح المتوسط، كقاذفات الآر بي جي30، أو الكورنيت، أو الرشاشات الثقيلة المحمولة على العربات، وهي أسلحة تتوفر لدى التنظيمات الجهادية في سيناء وليبيا وسوريا، ويساعدها في توفيرها وجودها الحدودي الذي يكثر أو يسهل عنده عمليات التهريب.

تشير النظرة التدقيقية لعمليات اللواء والحسم أن التركيز العملياتي في الاغتيالات الموجهة؛ على استهداف أمناء وضباط الشرطة من ذوي الرتب الدنيا والمتوسطة، خاصة المرتبطين بالأمن الوطني والضالعين في عمليات مهاجمة لمظاهرات أو تعذيب لمعتقلين، بينما تم استهداف رتبة عسكرية عليا واحدة من قبل «لواء الثورة» (عملية اغتيال العميد أ.ح. عادل رجائي)، واستهداف منصب قضائي رفيع من قبل «حسم» (النائب العام المساعد زكريا عبد العزيز)، لكنها فشلت. بينما تتعدد عمليات استهداف كمائن شرطة متحركة يتم فيها اغتيال الأفراد والضباط، أو تفجير عبوات ناسفة يسقط على إثرها عددا من الأفراد والضباط أيضًا، والتي يذكر منفذوها أنهم قصدوا تصنيعها متوسطة الانفجار كي لا تصيب أحد من المدنيين المارين، وهو مبدأ ظهر منذ عمليات «أجناد مصر»، وترسخ بصورة أكبر مع العمليات النوعية ثم العقاب الثوري والمقاومة الشعبية، ثم اللواء وحسم.

ثمة فكرة يتغيّاها عدد من القريبين من صانعي القرار أو راسمي خريطة الحركة في اللواء أو الحسم في مسألة التواجد الجغرافي31؛ وهي رغبتهم في تأسيس ممانعة عنيفة بالقرب من المحافظات المركزية القريبة من العاصمة، وبالتالي خلق احتكاك وصناعة قلق واضطراب بجوار التمركزات المدنية للنظام، وتجنب مشكلات تحول الثورة السورية لثورة مسلحة بعيدًا عن دمشق وحلب والمدن المهمة.

الحقيقة أن هذه الرؤية قد تكون وجيهة في ظروف وسياقات مختلفة عن الحالة المصرية وذلك لعدة أسباب أبرزها: أن بنية ومنطلقات الثورة السورية وتحولها المسلح مختلفة بصورة كبيرة عن الواقع المصري ومسيرة الثورة فيه، كما أن أسس النزاع السلطوي فيها بعد طائفي مترسخ منذ ولادة حكم آل الأسد في سوريا، وهو ركن مهم من أركان ثورة الشعب السوري ضد نظام الأسد، وذلك عامل مفتقد في مصر. كما أننا يمكن أن نضيف عاملا آخر غير مباشر لكنه في غاية الفاعلية والتأثير؛ وهو عامل الفواعل الإقليميين والدوليين الذين لا يرغبون في تحول مصر للنموذج السوري الراهن، وليس في رغبتهم ولا قدرتهم الحالية تحمل تبعات وتكاليف تحول دولة في حجم مصر (سكانيا وجيوسياسيا) لمنطقة نزاع مسلح، وبالتالي ظهور التنظيمات والمجموعات القتالية الكثيرة في بيئة سكانية تعدادها ضعف سكان سوريا وزيادة.

 

  • الإعلام وتقنيات معركة الرسائل غير الصريحة

دائمًا ما يمثل سلاح الإعلام أداة مهمة في الصراعات والمعارك المتبادلة بين أي طرفين. ونظرًا لتطور واتساع وسهولة استخدام التكنولوجيا والبرامج والتطبيقات المرتبطة بسحر الصورة وفاعلية التأثير المرئي؛ فقد برزت بقوة هذه الأدوات في معارك المعارضين بشكل عام مع الأنظمة القمعية والسلطوية في الشرق الأوسط، وتفوق الوعي الشبابي وقدراته في استخدام هذه الأدوات على تأخر عجائز الأجهزة الزمنية العربية، وذلك لفترة من الزمن، وقبل أن تتنبه أجهزة المخابرات الغربية لفاعلية ذلك، لتقوم بنقل ثقلها التقني إلى شريكاتها العربية في المنطقة.

في حالتي اللواء وحسم؛ لم يظهر بعد اهتمامًا إعلاميًا ملفتًا كذلك الذي مارسته داعش بصورة قوية، والذي ساعد داعش في عمليات الحشد والتعبئة وبث رسائل الترهيب، بينما لم يرتق بعد الجهاز الإعلامي للواء وحسم لدرجة داعش. بل إن ما يبدو لي أن ثمة أخطاء وقعت في التسجيلات تسببت في كشف بعض أسرار التنظيمين وأماكن تواجدهما، ونوعية تسليحهما، ومستوى التنظيم والتمويل لديهما، ودرجة التدريب العسكري الذي وصل إليه أفرادهما؛ وهي أخطاء على الحقيقة كانت حتمية الوقوع نظرًا لإكراهات العمل المقاوم الذي تقوم به هذه التنظيمات، والذي يتطلب منها في بعض المراحل ضرورة الإنتاج الإعلامي والاستعراض العملياتي والتدريبي، لبث روح تفاؤلية لدى الشباب المتردد والراغب في العمل معهم، فضلًا عن رسائل غير مباشرة للنظام، منها على سبيل المثال: تسجيل موقف الحضور في الساحة المقاومة للنظام، والتأكيد على استمرار العمل الثوري بنمطه العنيف الجديد، واستعراض عضلات التنظيمين في قدراتهما الرصدية والاستهدافية، وتوصيل رسائل بلبلة في أوساط القيادات الشرطية والقضائية والعسكرية باستهداف قيادات منهم أو التبشير بكونهم تحت الرصد، بالإضافة لرسائل مهمة تتعلق بعدم تأثر التنظيمين بالضربات الأمنية والتصفيات الجسدية التي تمارسها هذه الأجهزة ضد أعضاء اللواء وحسم أو من يدعي النظام أنهم منهما، وهو ما نلاحظه في عدد من البيانات التي تنشرها المجموعتين في نفي كون بعض من يصفون على يد أجهزة الشرطة من أعضاء حسم أو اللواء.

بالطبع ثمة مؤشرات على تقدم نسبي في مهارات التمويه والتخفي ومناورة التقدم التقني للأجهزة الأمنية، يأتي بيان بعضها في تحليل الإصدارات.

إصدار «نذر الهلاك»32:

بدء الإصدار بآية: «وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ» (القمر:٣٦)، وذلك لربطها بعملية اغتيال العميد عادل رجائي، موضوع الإصدار بالأساس. تابع الإصدار عبر ذلك سلسلة من المشاهد مصحوبة بموسيقى، وتضمنت المشاهد تنوعًا وجمعًا بين مظلوميات: تهجير وهدم منازل أهل رفح بشمال سيناء، واعتداءات قوات الجيش على تظاهرات ما بعد رابعة والنهضة، وتصفيات الشرطة لعدد من المحسوبين على الإخوان، ثم استحضار صورة للعميد عادل رجائي بين ضباط ومجندين كونه خدم من قبل في سيناء.

ثم ظهر بعد ذلك شخص يلبس قناعا أسود لا يظهر منه إلا العينين، يحمل بندقية كلاشينكوف، ويرتدي قفازات وقبعة رأس، في مشهد دراماتيكي، تظهر فيه تقنية إخفاء بصمة العين لئلا ترصد من قبل الأجهزة الأمنية، وهذا مؤشر على درجة من الوعي بالأمن الشخصي والتكتيك لدى هذه المجموعة.

ثم تثبت الصورة على ظلال هذا الشخص ويتلى بيان الترتيبات التي آلت لهذه العملية، حيث تم تغيير الصوت تقنيًا33، وشرح ما فيه محاولة توصيل رسائل للنظام تدلل على أن ثمة تنظيم لديه «قيادة مجلس عمليات» و«جهاز معلومات»، ثم استعراض ما قيل إنه ما سمح بنشره من قيادة التنظيم من عملية اغتيال رجائي، حيث تظهر القدرات التصويرية المستخدمة، ومهارات إخفاء الأفراد المنفذين، وإخفاء مرايات الطي الخاصة بالسيارة التي تقلهم ويتم التصوير من داخلها، ووضع علامات على تحركات الأفراد والأهداف.

لم يصاحب أو يتخلل الإصدار أية أناشيد حماسية أو جهادية، وصاحبه فقط استخدام مفرط للموسيقى التصويرية، وهي مسألة تدلل على طبيعة التنظيم الفكرية وخلفيته الشرعية، حيث يرفض كل الجهاديين التقليديين استخدام الموسيقى بأي شكل، وهو ما يجعل ثمة علاقة فكرية مرجعية قديمة على ما يبدو بخط الإخوان المسلمين، أو أنهم تشكل جديد منفصل لجهاديين جدد غير تقليديين في مصر، ولا تعارض بين الأول والثاني.

من المهم أيضًا الإشارة إلى جودة منطوق اللغة العربية التي استخدمت في الإصدار وخلوها من اللحن والأخطاء النحوية، حيث أنه مؤشر على اهتمام القائمين عليه بتفاصيل دقيقة تفوت بعض التنظيمات والمجموعات الناشئة، وحدثت من قبل في بيانات العقاب الثوري والمقاومة الشعبية.

إصدار «فرسان الجنة»34:

استُهل الإصدار بالآية الكريمة: «قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ» (التوبة: ٥٢)، حيث ناسب من وجهة نظرهم موضوع الإصدار المتعلق بمقتل أربعة من أعضاء التنظيم، ثم توعد النظام بالانتقام لهم.

الجديد هنا أن التنظيم أصدر نشيدًا خاصة في سابقة لأعمال اللواء وحسم، وفيه معاني تدلل على طبيعة المعركة وأثر الخسارة التي قد تضرب جنبات التنظيم بفقد بعض أبناءه، وخلا من المعاني الجهادية التقليدية الصرفة، تصحبه موسيقى خفيفة في الخلفية، وكلماته هي:

عندما يأتي الحساب

سوف نأتيكم من اﻷرض ومن بين السحاب

سوف نأتيكم وفي أيماننا سيف العقاب

سوف ننصَبُّ من العلياء رعبًا كالشهاب

***

أيها الماضون في الدنيا بظلم العالمين

أيها الآتون للأُسْد على باب العرين

ادخلوا أوكارنا لا لن تعودوا سالمين

إننا في صيدكم بالليل أعددنا الكمين

***

لا تظنوا صمتَنا يعني بأن الكل خائف

إنه يبقى هدوءً سابقًا قبل العواصف

ليس مأسوفًا على قتلاه حين الكل آسف

إنه مستبشرٌ بالجرح مهما الجرح نازف

***

ليس منا من أتاكم خائفا من أي دار

ليس منا من بدا مستسلما تحت الحصار

ليس منا من رأى زحفا فأصغى للفرار

إنكم أذناب خزي واندحارٍ وانكسار

وهي كلمات عادية مقارنة بكلمات الأناشيد الجهادية المعهودة التي تتضمن مفردات حادة وعنيفة الدلالة كالتكفير والتبشير بالدماء والإثخان والدمار، بينما كانت الكلمات هنا تحمل استعارات وكنايات وأدوات بلاغية أكثر من كونها رسالات مفاصلاتية حدية.

ثم يستعرض الإصدار معسكرات للواء التدريبية، حيث يتضمن عدد قليلًا من الأفراد لا يتجاوز الخمسة عشر شخصًا، في منطقة صحراوية ما، تم تظليل علامة ما على أحد مرتفعاتها لكيلا ترصد من قبل الأجهزة الأمنية، وهي إشارة ودلالة مهمة على التقدم التكتيكي والوعي الأمني للتنظيم، لكن تبقى إشكالية إمكان رصد أو تتبع نوعية الرمال والصخور وغير ذلك من العلامات التي يمكن أن تقود لأماكن التدريب تلك، أو حتى وضع احتمالات وجودها.

لم يبد الإصدار تطورًا في الملابس العسكرية الموحدة، بل يبدو أنه أمر لم يلق بعد اهتمامًا وتطورًا لدى التنظيم، بالإضافة إلى التسليح التقليدي في التدريبات، حيث بنادق الكلاشينكوف المصري المعدل، وكذلك القنابل المستخدمة في التدريبات التي تظهر تفجيرات محدودة جدا، قد يكون غرضها الصوت فقط. ظهر في الإصدار تدريب نوعي لاستهداف أهداف من على دراجة بخارية وهي تسير، وهو تطور تدريبي مهم، لكن الملاحظة التي دللت على احتمالات أماكن تواجد معسكر التدريب هذا؛ أن الإخراج كان في طريق أسفلتي، ما يعني أن التدريب كان في صحراء قريبة من مدينة ما، وهو خطأ تكتيكي بلا شك.

تلا ذلك صور للأعضاء الأربعة الذين فقدهم التنظيم، مع بيان دراستهم الجامعية، ثم بيان/ وصية تلاها اثنان منهم، هما عبد الله هلال ورجب علي، تضمنت وصايا كل منهما رسالات للوالدين والأقربين، وتذكير للشباب بأهمية الجهاد، واستبشار بما ينتظرانه من الاستشهاد في سبيل الله، بينما لم تسجل وصايا للعضوين الآخرين حسن جلال وأحمد محفوظ.

ثمة ما قد يستغرب ههنا؛ إذ كيف لهؤلاء تسجيل وصايا مبكرة كتلك التي بثت في الإصدار؟

المحتمل هنا أن يتوقع التنظيم ملاحقات واغتيالات شبه مؤكده تلت عمليات ما قام بها هؤلاء، قد تكون بالتحديد عملية اغتيال عادل رجائي.

نشر الإصدار بعد ذلك تسجيلات لعمليات تصنيع متفجرات في شقة ما، تم تظليل أماكن النوافذ فيها لمنع التتبع من خلال ما قد يظهر من مبان أو علامات حول الشقة، كما ظهر فيها أعضاء التنظيم بملابس زرقاء موحدة، من دون تظليل للوجوه، حيث كانوا هم ذات الأشخاص الأربعة الذين ظهروا في الإصدار منددا بفقدهم، إلا من شخص واحد تم تظليله وذلك في حلقة لهؤلاء الخمسة في صحراء ما، يظهرون فيها وهم يرددون أدعية أو يقرؤون القرآن. وخُتم الإصدار بالتوعد بالمزيد من العمليات ضد النظام.

من المهم الإشارة إلى أنه لا يبدو أن من ظهروا في الإصدار، وبالتحديد الأربعة المذكورين، على درجة من اللياقة البدنية والإعداد البدني الجيد، وهو ما قد يبرر سهولة الإيقاع بهم واحتمال صعوبة إمكان تفاديهم عقبات الأعمال التي تتطلب جهدًا بدنيًا عاليًا في المطاردات والمواجهات.

إصدار «قاتلوهم»35:

استهل الإصدار بالآية الكريمة: «قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ» (التوبة: ١٤)، وفي هذا دلالة، تقوى بصورة أكثر بعد ذلك، على التوجه الأكثر للمعاني الجهادية لدى إصدارات حسم، حيث يتبع تلاوة الآية مشاهد لشهداء رابعة ومعتقليهم، وإشارة لتهجير أهالي سيناء، وصور لضباط شرطة شاركوا في قتل المتظاهرين، وصورة للمستشار شعبان الشامي رئيس محكمة الاستئناف والمشهور بـ«قاضي الإعدامات»، وفي الخلفية نشيد لحركة حماس معروف بعنوان “لا نجوت إن نجا”.

وفي عرض لمعسكرات التدريب، وتحت مسؤولية ما أسمته الحركة: «الجهاز العسكري: إدارة التدريب»، استعرض الإصدار لقطات لتدريبات لأفراد التنظيم، حيث تظهر مختلف أوجه التدريب النظري داخل قاعة صغيرة بها ما يزيد عن الثلاثين شخصًا، ومحاضر يشرح شيئا ما في منطقة صحراوية مستخدمًا جهاز بروجيكتور ولاب توب بجوارهما عددًا من الكتب، يلبسون جميعًا زيًا موحدًا من حيث الألوان والخامات فيما يظهر، ولكن بدون ارتدائهم أحذية، ولا يحتفظ أحد منهم بسلاحه الرشاش فيما يظهر إلا الثلاثة الذين في الصف الأول أمام المحاضر. ثم تليها لقطات لتدريب عملي على فك وتركيب البنادق الرشاشة، ثم لقطات تدريب ميداني لعدد مقارب للعدد الذي كان في المحاضرة، ويظهر فيها المحاضر هو المدرب الميداني أيضًا. بينما تظهر لقطات أكثر تطورًا من حيث المستوى التكتيكي التدريبي في محاكاة لفنيات معينة في الهجوم والانسحاب، باستخدام دُشَم رملية ومنصات تنشين مصنوعة، وفي تشكيلات يظهر أنها أكثر تنظيمًا من لواء الثورة.

ثم تظهر مشاهد يظهر فيها عدد من الأفراد في صحراء يرتدون تمويهات عشبية كتلك التي يستخدمها قناصة الجيوش النظامية، لكن من دون أن يظهر التسجيل هل يحملون بنادق قنص أم لا، والذي يبدو أنهم لا يحملونها، وإلا فكان متوقع أن يستعرض التنظيم تسلحيه منها.

وتحت إشراف «الجهاز العسكري: إدارة العمليات»؛ ينتقل الإصدار لسرد معلومات مكانية وزمانية وجغرافية للعمليات التي قام بها، مرفقًا إياها بصور للذين استهدفوا، وفي الخلفية ذات النشيد السابق. ثم تحت مسمى «تم السماح بالنشر» من إدارة العمليات التابعة للتنظيم، وتحت كود: OPS20160908 ؛ ينشر الإصدار عملية تصفية أمين شرطة مباحث صلاح حسن عبد العال، ذاكرًا تفاصيله كاملة من رقم بطاقته الشخصية وصورتها، وصور لكل بطاقاته التعريفية الخاصة بالشرطة، ومعلومات سكنه وسيارته.

ثم ينشر الإصدار صور فقط لمهام رصد وتنفيذ عمليات اغتيال النائب العام المساعد «زكريا عبد العزيز»، والتي فشلت في اغتياله، ثم صور رصد واغتيال أمين شرطة أمن وطني جمال الديب، ثم محاولة اغتيال المستشار أحمد أبو الفتوح، وصور رصد واستهداف تمركز أمني في شارع الهرم بمحافظة الجيزة.

ويختم الإصدار بكلمات تندد وتتوعد بالانتقام وبمزيد من العمليات، وفي الخلفية صورة أحد أفراد التنظيم الذي قتلته أجهزة الأمن، وهو محمد دشيشة الذي قتل في ١٧ ديسمبر ٢٠١٧م.

إصدار «أزيز الرصاص»36:

استهل هذا الإصدار أيضًا بالآية الكريمة في سورة التوبة ذاتها التي بدأ بها إصدار «قاتلوهم»، ثم ثنى بنشيد فيه معان التأسف والتوجع من كثرة أوجه ضعف الأمة الإسلامية، وهو نشيد معروف بعنوان «أوجعيني يا جراحي»، ويبدو أن حسم تختار أناشيد استخدمها الجهاديون كثيرًا من قبل في تسجيلاتهم، لكنها تنتقي تلك التي لا تتضمن مفردات تميز التيارات الجهادية التقليدية والمغالية.

يستعرض الإصدار بعد ذلك مأساة حقيقية وواقعية من تسريبات سجلتها كاميرات هواتف داخل سجون ومعتقلات النظام المصري القمعي، حيث مشاهد حقيقية لتعذيب وأحوال احتجاز غير إنسانية بالمرة، ومشاهد لأشخاص يلفظون أنفاسهم الأخيرة من جراء التعذيب الوحشي الذي يطال بعض المعتقلين السياسيين في أقسام الشرطة.

يبني الإصدار سبب نفرة قطاع داخل الحركة سمي «صقور حسم» ردًا على سلسلة الانتهاكات والأعمال الإجرامية التي يقوم بها النظام المصري، والشرطة بالتحديد، حيث تنسب العملية التي يبثها الإصدار ل«صقور حسم»، والذي يبدو أنها مجموعة من ذوي التدريب المتقدم، أو أشبه بالقوات الخاصة أو الصاعقة في الجيوش النظامية، حيث قامت بهجوم مسلح على دوريتي شرطة في الأول من مايو ٢٠١٧م، في مدينة نصر بمحافظة القاهرة، وتسببت في مقتل عدد من ضباط وأفراد الشرطة، وبث الإصدار العملية كاملة بأكثر من كاميرا وزاوية تصوير(ثلاث كاميرات كما يوضح الإصدار)، ونفذت العملية الساعة الحادية عشر مساءً.

قبيل بث تصوير العملية؛ صاحب الإعلان عن «صقور حسم» نشيد جهادي معروف بـ«نحن في الحرب أسود لا نهاب»، ويبدو أن اختياره ارتبط بصورة أساسية بكلمات دالة على الصقور، حيث يتضمن النشيد كلمات:

نحن في الحرب أسود لا نهاب … وصقور ساميات في السماء

صهوات الخيل كانت مهدنا … وعليها قد توارثنا الإباء

وظهر أيضًا في هذا الإصدار شعار جديد، بالإضافة شعار حسم، شعار لـ «صقور حسم» على شكل صقر بداخله جملتان؛ الأولى: نخبة القوات الخاصة، والثانية: بسواعدنا نحمي ثورتنا.

استعرض الإصدار بعد انتهاء عرض تصوير العملية ما غنمه أفراد صقور حسم من بنادق آلية وستر واقية ومخازن رصاص، ثم عرض لصور الضباط الذين قتلوا، ثم نفي لاستهداف الشرطة لأي من منفذي العملية لاحقًا، حيث أعلنت الداخلية تصفيتها لمنفذي الهجوم.

يبدو من خلال الإصدارات الأربعة التي بين أيدينا حتى الآن أن التنظيمين يبثان رسائل ضمنية للنظام، كما يفعل بالمثل النظام ضدهم، حيث دائما ما تحوي هذه الإصدارات ما يؤكد على تماسك التنظيم وقوته وسلامة مقاتليه، ويجدد بث رسائل الصمود والثبات ومواصلة المواجهة وتصعيدها، كما يتكرر دومًا التذكير بجرائم النظام ودمويته وبغيه، وذلك لتجديد بواعث المقاومة والمواجهة لدى محبيهم والمتعاطفين معهم، فضلًا عن رسائل التخويف والإرهاب للـ«المواطنين الشرفاء» و«المخبرين المتبرعين»، حيث تكثر عمليات التبليغ والتخابر مع الأجهزة الأمنية بسببهم، وهو ما يستدعي ردعًا وتخويفًا لهم.

بالنسبة للبيانات المكتوبة؛ مثل بيان حسم الإنجليزي تطورًا نوعيًا في رصد ومتابعة المؤسسات الأمريكية الرسمية، وهو ما يدلل على وعي فريق عمل المتابعة الإعلامية والرصد المعلوماتي والصحفي. بينما يحوي البيان إحدى رسالتين؛ الأولى طمأنة “تخديرية” للرأي العام الغربي من جانب الحركات الجديدة من كونها لا تسعى ولا تستهدف أهدافًا غربية، وليس الغرب حاليًا طرفًا في الصراع الراهن مع النظام الانقلابي المصري، بينما قد تكون الرسالة الثانية أنها بالفعل كانت بصدد توسيع دائرة الأهداف النكائية بدخول العنصر الغربي فيه بنوك الأهداف، وهو أمر غير مستبعد في ظل التطور التقني والاستخباراتي الهائل التي تعمل من خلاله أجهزة المخابرات الأمريكية، والتي قد تكون حصلت على إشارات أو معلومات تدفعها لإطلاق هذا التحذير، خاصة وأن الحركات الناشئة لاتزال في طورها البدائي أو المتوسط من حيث الخبرات التقنية وإجراءات تأمين الاجتماعات وترتيب العمليات ومهارات الأمن الشخصي، فضلًا عن تشكل بنية تنظيمية محكمة تمنع حدوث اختراقات أو عمليات تجسس ضدها.

 

خاتمة

يظل العمل على تحليل خطاب حركتي لواء الثورة وحسم، في ظل واقع متغير وقلق في كل لحظة، أمر قد يعتريه الكثير من الافتراضات والاحتمالات، إلا أننا حين نتعامل مع ظواهر اجتماعية وسياسية راهنة ينبغي أن نتعاطى معها ونتفاعل مع نتائجها وآثارها أولًا بأول وفق رؤية واستراتيجية تتقصد البناء والتراكم المعرفي والمعلوماتي، حتى مع فرض أن جزء من هذه التراكمات ينقض ويهمل مع مرور الزمن، ومع تبين بعض ما كان غائبًا من حقائق وقتها.

إن التفكير في العمل المقاوم العنيف في مصر بالتحديد يحتاج لعدة محددات وظروف ليست بالسهلة ولا المتوفرة في البيئة الاجتماعية والجغرافية المصرية37، وذلك لتتزحزح دولة يوليو العسكرية التي يرسخ نظام السيسي الآن جذورها السلطوية بصورة جنونية ومتسارعة. ولا يتصور مواجهة هذا المشروع الذي يسير على قدم وساق، وبدعم إقليمي ودولي مستميت، بعدة مقاومة بدائية أو متوسطة، كما أن الارتكاز على نموذج «حماس» واستلهامه كونه نموذج مقاومة عصامية وفرت وأوجدت الكثير من مقومات وموارد التسلح والمناورة السياسية واللعب على التوازنات الإقليمية؛ هو في الحقيقة بعيد عن كل المحددات والظروف الموجودة في مصر، ولا يمكن استحضاره إلا في بعض الأمور البنائية التربوية مثلًا، أو في الاستفادة منه في أنماط العمل الأمني والاستخباري والمعلوماتي والاقتصادي لتنظيمات تعتبر كـ«فاعل عنيف من غير الدول»، بينما يتعذر جدًا تكرار النموذج من حيث التطبيق والممارسة والبناء، خاصة مع ضخامة دولة بحجم مصر، وقوة أجهزتها الأمنية المتماهية بصورة كبيرة مع قريناتها الصهيونية والغربية، ونشوء «عقيدة المعركة الصفرية» لدى جهازي الداخلية والدفاع مع الإسلاميين، بدعم أمني ومالي خليجي وغربي.

لكننا على الجانب الآخر لا يمكننا الجزم بفشل حل المواجهة والتدرج في عسكرة الثورة، خاصة وأن الحالة السورية وما آلت إليه حاليًا مثلت الجانب السلبي لمحاولة القوى الإقليمية والدولية مسك العصا من المنتصف، بينما لم تفكر في خواء الحلول العلمانية والليبرالية التلفيقية التي سعت ولازالت تسعى لفرضها على الشعب السوري كبديل للأسد، وثبت بصورة قاطعة أن الإسلاميين بشتى تنوعاتهم هم الأقدر على الفعل والتأثير على الأرض، ولا حل إلا بوجودهم في المعادلة. لذا فإن المتوقع أن يهرب الجميع من احتمال «سورنة» الحالة المصرية على فرض احتمال ذلك، خاصة وأن التماس مع إسرائيل سيكون ملتهبًا بصورة أكبر، وهو مرتبك أصلا بوجود الجهاديين وبقوة في شمال سيناء، فضلًا عن خوف الخليج والغرب من احتمالات نزوح ملايين من المصريين لهم في حال اشتداد الوضع، فهذه كلها أمور أرى أن الخليج والغرب سيحرص على تجنبها تمامًا مهما كلفه الأمر، وهذه نقطة وهذا تصور له من الوجاهة لمن اختار المواجهة المسلحة مع النظام المصري.

يبقى أحد أهم العوائق التي تواجه هؤلاء؛ إذ الأعداد المنتظمة والقريبة من التنظيمين ليست بالكبيرة، على فرض كونها بالمئات، إلا أنها تواجه بعنف وبطش أمني شديد ودموي، وحركة التصفيات ضدهما منذ أكثر من عام تشتد وتترسخ حتى باتت عقيدة أمنية يعمل من خلالها جهاز الشرطة المصري بكل أريحية، وبدعم إعلامي صارخ وواضح. كما أنه من الملاحظ أن عددًا من الأخطاء التي يقع فيها أفراد التنظيمين توقع بعدد كبير من المنفذين أو المخططين للعمليات، حيث نلاحظ في عدد من إصداراتهم، وتفريغ تسجيلات الكاميرات التي تذيعها وزارة الداخلية قبيل تنفيذ عمليات اللواء أو حسم؛ نجد عوزًا في جوانب تكتيكية كالأخذ في الاعتبار انتشار كاميرات المراقبة في كل المحال والشوارع ومحطات الوقود والبنوك وغيرها، كما أنهم يقعون في أخطاء الكشف عن الأذرع أو العيون أو البنية الجسدية للأفراد الذين يشاركون في الإصدارات في بعض الأحيان، إذ أن تقدم تقنيات الأجهزة الأمنية المصرية وكثرة العاملين والمتعاونين معها يجعل من السهل العمل على تفريغات الكاميرات واستخدام تكنولوجيا زيادة وضوح إصدارات التنظيمين، وتقريب ملامح الوجه وبصمات العين مثلا، وبالتالي مطابقتها مع مئات من المشتبه بهم وخلق خيوط تتبع ورصد لأفراد التنظيم. ومع بعض فنون التعذيب والضغط النفسي والبدني مع أي شخص يعتقل؛ تنفتح ثغرات داخل التنظيم ويقع أفراده واحدًا تلو الآخر، إلا إذا بنى التنظيم مجموعاته على اللامركزية الكاملة، وهذا صعب جدًا في تنظيم لايزال يؤسس لبناه التنظيمية والإدارية والحركية38.

إن مهمة البحث الأهم كانت لتسجيل لحظات مهمة من تاريخ مصر الحديث، وفي زاوية ضيقة وصغيرة جدًا، كثيرًا ما يفوتنا تسجيلها ورصدها وتقرير حقائقها، بينما ندع التاريخ يكتب بأيدي غيرها، بل وبأيدي عدونا، وهي أحد أهم أدوار مراكز البحث والتفكير و«صناعة الوعي والقرار» (39).

——————————-

الهامش

1  يحاكم الآن في المحاكم المصرية ٤٤ متهم في قضية «تنظيم أجناد مصر»، وهذا العدد سببه من وجهة نظري أنه كثيرًا ما يتوسع الأمن المصري في عمليات الاعتقال المتعلقة بالمجموعات العنيفة ليحكم قبضته على المنتمين والمتعاطفين معها.

2  انظر فيديو «الحياة قصاص» الذي أصدرته مجموعة «أجناد مصر».

3  انظر إنفوجراف أعده المرصد العربي للحقوق والحربات يرصد فيه عمليات المقاومة الشعبية حتى ٢٥ يناير ٢٠١٥م على الرابط:

4  أصدرت محكمة جنايات القاهرة الحكم يوم السبت ٢٢ يونيو ٢٠١٧م، بعد قرارها في جلسة سابقة بإحالة ٣٠ متهما إلى مفتي البلاد، لاستطلاع الرأي الشرعي في شأن إصدار حكم بإعدامهم . حضر ١٥ المحاكمة من بين الثلاثين المحكوم عليهم بينما حُكم على الآخرين غيابيا . كما عاقبت المحكمة ١٥ متهما بالسجن المؤبد، ٢٥ عاما، والسجن ١٥ عاما على ثمانية متهمين، والسجن عشر سنوات على ١٥ متهما . وبلغ عدد المتهمين في تلك القضية ٦٧ شخصا.

الجدير بالذكر أن اعترافات المتهمين في القضية أخذت تحت التعذيب الشديد وفق ما ذكره بعض المتهمين فيما أذيع من محاكماتهم، كما أن التدقيق في طبيعة الإعداد والتنسيق والتجهيز لعملية بهذا الحجم لا يمكن بحال ولا لأي خبير في الحركات الإسلامية العنيفة أن يصدق الرواية الأمنية المتهافتة، إذ يظل التنظيم المتهم بتنفيذ العملية بلا اسم ولا مرجعية واضحة لتيارات العنف المعروفة، ولا يمكن بهذه السهولة اعتبار مجموعات العمل النوعي هي التي تطورت بين يوم وليلة بهذه الصورة المذهلة لتنتقل من استهداف منشآت عامة وسيارات شرطية بعبوات بدائية الصنع إلى عبوات شديدة الانفجار وتنظيم وتجهيز دقيق لاغتيال النائب العام المصري، بل وبالتعاون مع عنصر مخابراتي من جهاز المخابرات الخاص بحركة «حماس» في غزة، وسفر المنفذين لمدة ثلاثة أشهر لغزة للتدريب ثم عودتهم للتنفيذ !!

5  هذا الإعلان لم يعد موجودًا على صفحتهم حاليا، لكن نشر ثم أزيل وذلك وفق عدد ممن نقل المنشور، وفي هذا دلالة على ما ذهبنا إليه من كونهم حاولوا اقتناص الحدث فقط.

6  نشرت الحركة ذلك على موقعها الرسمي على شكل إنفوجراف على الرابط:

7  انظر الموقع الرسمي لحركة سواعد مصر «حسم»: الرابط

8  السابق.

9  السابق.

10  سيأتي بيان تحليل هذا البيان لاحقًا.

11  انظر البيان على موقع السفارة الأمريكية بالقاهرة: الرابط

12  ينشط إعلام الصفحتين على «فيسبوك» و«تليجرام».

13  لم تظهر حتى الآن دراسات معمقة في بنية العمل المقاوم الجديد في مصر، لا في الأكاديميا الغربية ولا العربية.

14  تقوم أطروحة الدمج والاعتدال على فكرة بسيطة مفادها أنه كلما زاد دمج الحركات والأحزاب الأيديولوجية المتشددة والمعارضة للدولة anti-establishment movementsفي العملية السياسية كلما جرى تهذيب وترشيد وعقلنة خطابها الأيديولوجي وسلوكها السياسي بحيث يصبحان أكثر واقعية وبراجماتية واحتراما لقواعد اللعبة السياسية الديمقراطية. وقد أثبت هذه الأطروحة نجاعتها في حالات أخرى مشابهة كان أهمها ما حدث لكثير من الأحزاب الاشتراكية واليسارية والدينية بعد الحرب العالمية الثانية في ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والتي أدى دمجها في العملية السياسية إلى ترشيد وعقلنة خطابها وسلوكها السياسي. كذلك نجحت هذه الأطروحة في بلاد إسلامية أخرى مثل تركيا التي شهدت أحزابها وتياراتها الإسلامية دمجا تدريجيا منذ سبعينيات القرن الماضي إلى أن وصلوا للحكم عام ٢٠٠٢ تحت قيادة حزب «العدالة والتنمية» التركي بعد أن قام الإسلاميون الأتراك بتطوير خطابهم وأطروحاتهم الفكرية والأيديولوجية وأصبحوا حزبا محافظا ثقافيا واجتماعيا أكثر منه حزبا دينيا أصوليا. وبناء على هذه التجارب والخبرات كان من المنطقي أن يقوم بعض الباحثين بعمل مقاربات مشابهة للأحزاب والحركات الإسلامية العربية واختبار مدى إمكانية تطبيق أطروحة الدمج والاعتدال عليها . (انظر مقال «الإسلاميون وإشكالية الدمج والاعتدال»، د.خليل العناني، جريدة «الشروق» المصرية، السبت ١١ مايو ٢٠١٣م).

15 انظر صفحة «إعلام المقاومة» على الفيسبوك، والمعبرة بصورة غير رسمية عن حركتي «لواء الثورة» و«حسم».

16 انظر حساب «إعلام المقاومة» على الآسك: http://ask.fm/Qawem_Media

17 السابق.

18  الموقع الرسمي للحركة: الرابط

19  انظر حساب «إعلام المقاومة» على الآسك: الرابط

20  لست هنا أناقش صواب التأصيل من عدمه، لكنني أصفه وأحلل سياقه الفكري والإعلامي.

21  «حوار مع المتحدث باسم لواء الثورة»، نشر على صفحة إعلامية موسومة بـ«ق-Qaaf » على الفيسبوك بتاريخ ١ أغسطس ٢٠١٧م.

22  لاحظ هنا فكرة التأكيد على عدم الاهتمام بتنزيل التكفير على الأعيان، لكنها هنا تطورت بصورة ما إلى تقرير كفر الفعل المجيز للمواجهة مع من ينتسبون للطائفة الواقعة فيه، وهنا تطور التأصيل الشرعي نحو الخطاب العقدي الجهادي نوعًا ما، لكنه دون الولوج في جدالات تقرير كفر الأعيان، حيث قرر هنا المتحدث باسم اللواء أن علة المواجهة مع النظام هو «ظهور عمل الكفر لا كفر الأفراد»، وهي إشكالية عقدية لغوية مزدوجة تتعلق بانسحاب وصف الفعل على كل فاعل له، بيد أن التنظيم إلى الآن لم يختبر اختبارًا حقيقيًا في هذا السياق الجدلي الذي صحّر العقل الفكري والشرعي للكثير من التيارات الجهادية والسلفية= =والحقيقة أن صغر حجم التنظيم وإكراهات العمل العنيف والسري لاتزال تجعلهم في فسحة من الولوج لهذه الجدليات، ويبقى الوقت والحركة على الأرض هي العوامل التي تقرر تسرب هذه الجدليات إلى فضاءاتهم الفكرية أو لا.

23  البيان منشور على الموقع الرسمي للحركة.

24  نشر البيان على صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بالحركة القديمة قبل إيقافها، كما أنها منشورة على صفحة «إعلام المقاومة» على الفيسبوك والتليجرام.

25  نشر البيان على الموقع الرسمي للحركة في ٢٥ مايو ٢٠١٧م.

26  انظر البيان على موقع السفارة الأمريكية بالقاهرة: الرابط

27  موقع حركة حسم الرسمي.

28  مستفاد من مقال تحليلي بعنوان: “Disenfranchised Muslim Brotherhood militant groups ”

منشور على موقع : Security-Max الرابط

29  نشرت الحركة ذلك على موقعها الرسمي على شكل إنفوجراف على الرابط

30  شوهدت في بعض الضبطيات، لكن لا يمكن الجزم بكونها بالفعل أحراز تم ضبطها مع عناصر من التنظيم، أم أنها ملفقة لهم، وحتى مع فرض وجودها لدى أفراد من أحد التنظيمين؛ يظل وجودها نادر وشبه معدوم.

31  معلومات خاصة بالباحث

32  الإصدار الأول للواء الثورة، ولأن طبيعة هذه الإصدارات أنها تُتتبع من الأجهزة الأمنية ويتم حذفها من الإنترنت؛ فيتعذر اعتماد رابط لها كمرجعية هنا، لكن الإصدار موجود على الشبكة بروابط مختلفة.

33  بات من المعروف أن تقنيات تغيير الصوت ليست بالناجزة في تشويش الأجهزة الأمنية، حيث أذاعت وزارة الداخلية فيديو يوضح الصوت الحقيقي لتالي بيان تأسيس حركة العقاب الثوري بعد معالجة تغييرات الصوت التقليدية، وهي إشارة مهمة لمستويات التطور التقني الذي ينبغي الوعي به داخل هذه التنظيمات. أنظر: رابط الكشف عن الصوت الحقيقي للمتحدث. رابط بيان تأسيس حركة العقاب الثوري بالصوت المشوش

34  الإصدار الثاني والأخير للواء الثورة حتى نشر هذه الورقة.

35  الإصدار الأول لحركة حسم، وروابطه المختلفة موجودة على موقعهم الرسمي.

36  الإصدار الثاني والأخير لحسم حتى تاريخ نشر الورقة.

37  تشير شهادات بعض الجهاديين القدامى في مصر، ومنهم أيمن الظواهري حسبما تذكر بعض المصادر الشفوية، أن العمل العنيف في مصر متعذر وصعب للغاية، وأن الظروف التي يتطلبها العمل المسلح، وكذلك السمات والخصائص التي ينبغي أن تتوفر بنسبة ما في بنية النظام الأمني المصر؛ كل ذلك يصعب من مهمة العمل المسلح في مصر بدرجة كبيرة، وهذه التصريحات تتناقلها بعض الروايات الجهادية مشافهة، وأنا هنا أذكرها على سبيل الاستئناس بها علي فرض صحتها.

38  بغض النظر عن كثير من القضايا والاعترافات الملفقة التي تعلنها وزارة الداخلية المصرية حول لواء الثورة وحسم والعلميات النوعية؛ إلا أن المتواتر عن عدد من المصادر أن مئات من المحسوبين على اللجان النوعية واللواء وحسم اعتقلوا، وهي أعداد تعتبر كبيرة ومؤثرة في بناء تنظيمات مسلحة بلا شك. ونلاحظ أن قدرات الأجهزة الأمنية المصرية تطورت جدًا في رصد وتحليل العمليات التي نفذتها اللواء وحسم مؤخرًا، بل واستعراض ذلك من خلال الإعلام الخاص المصري، ولينظر على سبيل المثال تقارير القنوات الفضائية المصرية الخاصة حول عملية كمين البدرشين في ١٤ يوليو الماضي، والتي استطاعت الداخلية تحديد هوية اثنين من المنفذين من أصل ثلاثة، ولم تعلن أي من اللواء أو حسم مسؤوليتها عن العملية بعد، لكنني لا أستبعد أن مجموعات اللواء وحسم قررت العمل بصورة لامركزية تامة لفترة من الزمن رجاء تقليل الخسائر البشرية التي تتكبدها منذ فترة، وللمحافظة على مجموعات تحكم وصناعة قرار مركزية بعيدة عن أي احتمال للمساس بها مهما اعتقلت أجهزة الأمن من أفراد، حيث تبقى القيادة والتخطيط في المركز بعيدة عن دوائر التنفيذ والعمل والحركة الميدانية، وهو ما يفسر تكرار حالات التصفية بعد الاعتقال في الآونة الأخيرة.

39 الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

 

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق