قلم وميدان

حملة الاعتقالات في السعودية: ماذا بعد؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

في خطوة مفاجئة أجرت السلطات السعودية جملة من الاعتقالات بين دعاة ومفكرين، وفي مقدمتهم الشيخ سلمان العودة وشقيقه خالد العودة، وموسى الشريف، وفهد السنيدي، وعوض القرني، والداعية المعروفة رقية محارب. وقالت مصادر حقوقية وسياسية سعودية إن عدد المعتقلين قد وصل حتى الآن إلى 150 معتقلاً، وهو مرشح للازدياد، ولم تقتصر الاعتقالات على الدعاة فحسب، بل شملت الأمير عبد العزيز بن فهد، ابن الملك الراحل فهد بن عبد العزيز آل سعود، والشاعر المقرب من النظام زياد بن حجاب بن نحيت، ابن أمير قبيلة حرب إحدى أكبر قبائل المملكة عددًا.

ووجهت السلطات السعودية للمعتقلين اتهامات برفض طلب وُجه لهم من قبل الديوان الملكي بمهاجمة دولة قطر حيث تلقوا اتصالات من مستشار الديوان الملكي سعود القحطاني المقرب من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، بالإضافة للمدير الإعلامي في قناة العربية تركي الدخيل يطلبان منهم مهاجمة قطر فوراً فكان ردهم الرفض. وقال أحدهم “بكرة تتصالحوا ويسود وجهنا نحن”، فكان الرد العاجل هو اعتقالهم وتوجيه تهم تتعلق بالإرهاب بحقهم1.

 

المحور الأول: في التفسيرات

إن حملة الاعتقالات التي طالت علماء ومفكرين سعوديين من قبل السلطات السعودية لها أسباب عدة، منها:

أولاً: التوجه نحو تغيرات وتحولات جذرية في النظام السعودي، وذلك من أجل إتاحة الفرصة لولي العهد محمد بن سلمان لبسط نفوذه داخل الأراضي السعودية. هذا التغيير طال كافة المؤسسات السعودية، بدءاً بإعفاء الأمير محمد بن نايف من منصبه، مروراً باتخاذ قرارات عديدة تُنذر بتحول ملحوظ في القواعد الراسخة التي قامت عليها البنية السياسية والاجتماعية والدينية في المملكة العربية السعودية2.

ثانيا: تسير المملكة العربية السعودية، وفق محللين ومراقبين، على طريق العلمانية بشكلٍ مؤكد، خاصة في ظل حملات إعلامية على قنوات سعودية، ذات التوجه الجديد، تؤيد وتشرح فائدة الدساتير المدنية، والدولة المدنية؛ لذلك تحاول السلطات السعودية تهيئة الرأي العام السعودي لهذه النقلة التاريخية والسريعة، والتي قد تسحب البساط من المؤسسة الدينية تماماً.

ثالثا: تأتي الاعتقالات في الوقت الذي تم فيه طرح رؤية ولي العهد السعودي بن سلمان “السعودية 2030 “، التي تهدف إلى تقليل اعتماد المملكة على النفط الذي يُعتبر المورد الأول للاقتصاد السعودي، والبدء بالبحث عن مصادر أخرى لدعم الاقتصاد السعودي، إلى جانب التمهيد باعتماد المنهج الليبرالي في الحكم، سيما في ظل اعتبار النظام السعودي للمعتقلين الدعاة من المرجعيات القديمة التي تُعتبر، من وجهة نظره، عقبة في طريق النهضة والتنمية. 3

رابعاً: محاولة محمد بن سلمان وضع السعودية في صورة تُرضي الغرب، وتبرئة ساحة السعودية من اتهامها بأنها راعية للإرهاب قد دفعته لشن حملة اعتقالات طالت دعاة ومفكرين سعوديين قد لا يؤيدوا التوجه الجديد الذي يجري التحضير له، ومن هنا جاءت حملة الاعتقالات تحسباً لاعتراض قد يكون وفي هذا الخصوص يُشار إلى أن هناك ما يقرب من 30 ألف مواطن سعودي معتقل داخل السجون السعودية.

خامساً: إن الحديث عن قرب التوصل لاتفاق سلام بين السعودية و”إسرائيل”، يتم على أساسه تطبيع كامل ودائم بينهما يعتبر من الأسباب وراء حملة الاعتقالات تلك. وفي هذا الشأن، فإن سؤالاً يُطرح، وهو: هل يُمكن أن يتقبل المجتمع السعودي أي تقارب مع إسرائيل التي يرى فيها الكثير من العرب عدواً؟ نرى أن هناك تغيراً   ملموس في موقف الشارع السعودي إزاء إسرائيل حالياً، فلو نظرنا إلى التغريدات والتعليقات التي تظهر من أبناء المملكة، نجد أنهم يقولون “إن إسرائيل لم يسجل منها عدوان واحد على المملكة”، خاصة في ظل تزايد العداء والتنافس بين السعودية وإيران. 4

سادسا: تجسد أزمة قطر وموقف الرياض وأبو ظبي منها مساعي كلا الدولتين في الهرولة نحو العلمنة من أجل إرضاء الولايات المتحدة والغرب حتى ولو كان ذلك عبر الانقلاب على الثوابت والركائز الدينية، كما انكشفت تصريحات سفير الإمارات العتيبة عن نوايا هذا التغيير من دلالات، فالأزمة لم تكن قطر المعنية على الإطلاق ولا المطالب الـ13 التي تقدمت بها الدول الأربع ثم تراجعت عنها ثم أعادتها مرة أخرى، بل إن الهدف هو الداخل السعودي، “أي كل صوتٍ معارض، يمكن أن يرفض هذا الحصار الظالم، ولعل القائمة السوداء التي توعد بها المستشار في الديوان الملكي سعود القحطاني، خصوم حصار قطر تعني، بالدرجة الأولى، السعوديين المعارضين لهذا الحصار، وبالتحديد النخب التي اتخذت موقف الحياد، لأنها لا تريد أن تتورّط بهذه العبثية، ومن هنا، فإن تحييد هؤلاء مبكرًا سيسهل عملية التغلغل داخل المجتمع بأفكار العلمانية التي يُراد للسعودية أن تدخل حقلها5.

 

المحور الثاني: في السيناريوهات:

في ضوء ذلك، يرى العديد من المحللين والخبراء في الشأن السعودي أن هناك عدة سيناريوهات تفرض نفسها على مسار الأحداث وتطوراتها. ومن أبرز هذه السيناريوهات:

السيناريو الأول: احتمالية الصدام بين الوهابية التي تُشكل مرجعاً أساسياً في المجتمع السعودي وبين الفكر الليبرالي المتنامي حديثاً في هذه الدولة الخليجية6.

السيناريو الثاني: استنفار أمني و”قبضة حديدة” من قبل السلطات السعودية، في خطوة استباقية، قبل التنصيب الفعلي لمحمد بن سلمان ملكاً للسعودية، يضمن عدم خروج معارضة من شخصيات بارزة في فترة تسلمه العرش، ومرور هذه الفترة بهدوءٍ.

السيناريو الثالث: احتمالية انقسام سياسي داخل الأسرة الحاكمة بعد عزل الأمير محمد بن نايف ولي العهد السابق لصالح ابن عمه محمد بن سلمان، الذي كان ولي العهد في وقت لم تكن هناك أي صورة عن كيفية انتقال الحكم من أبناء المؤسس عبد العزيز آل سعود إلى أحفاده، ورجحت تقارير غربية خضوعه للإقامة الجبرية كما غابت صورة محمد بن سلمان في مجلس عمه الأمير أحمد بن عبد العزيز وزير الداخلية السابق؛ الذي يعطي مؤشرا قويا على خلاف حاد حول ولاية عهد محمد بن سلمان وهذا لا يدعم ولايته فضلا عن توليته ملكاً.

السيناريو الرابع: حراك شعبي ضد سياسة تكميم الأفواه. وقد يقود هذا الحراك تحولات سياسية داخل المملكة، أو على أقل تقدير تقوية الأطراف المناوئة لولاية عهد محمد بن سلمان.

 

خاتمة:

في ضوء ما نراه من إجراءات وقرارات سريعة للنظام السعودي من اعتقال دعاة ومفكرين بمقابل ردود فعل خجولة من دعاة آخرين، نرى أن السيناريو الثاني هو المرجح لفرض نفسه حالياً، على الساحة السعودية، حيث ستستمر الاعتقالات، وستطال، أيضاً، حقوقيين وكتاب وشعراء كخطوات استباقية لمنع حق التعبير، على ضوء الدعوة لحراك ما سمي بـحراك 15 سبتمبر/ أيلول 2017 الذي لم يلق تأييد على المستوى المطلوب؛ ليكتفي أصحاب هذا الحراك بالتعبير عن مطالبهم بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي بأسماءٍ مستعارة، وكان في معظمهم ممن يعيشون خارج الأراضي السعودية. (7)

———————

الهامش

(1) الإنسان في السعودية، تاريخ النشر 16-9-2017م،تاريخ الزيارة 22-9-2017م، الرابط  أمنستي: تدهور حقوق

(2) وطن يغرد خارج السرب، أسباب حملة الاعتقالات الشعواء ضد الدعاة في السعودية، تاريخ النشر 13-9-2017م، تاريخ الزيارة 22-9-2017م، الرابط

(3)  أمنستي: لا معلومات عن عدد الدعاة والمعتقلين، تاريخ النشر 16-9-2017م، تاريخ الزيارة 22-9-2017م،الرابط

(4)بوابة الشرق الإلكترونية: التقارب السعودي الإسرائيلي تحالف بين أشرس عدوين، تاريخ المشر 19-6-2017 م، تاريخ الزيارة 23-9-2017 م، الرابط

(5)   نون بوست: السعودية نحو العلمانية .. ابن سلمان ينقض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تاريخ النشر 24-9-2017 م، تاريخ الزيارة 25-9-2017 م، الرابط.

(6) البلد للأنباء: لماذا عُزل الأمير محمد بن نايف؟ وما علاقة قطر بذلك؟ القصة التي لا يحب سماعها السعوديون، تاريخ النشر 7-7-2017م، تاريخ الزيارة 23-9-2017م، الرابط

(7) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

 

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق