دراساتخرائط قوىأسيا وافريقيا

الجزء الأول: خرائط القوى السياسية التركية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

 (1) مقدمة:

تكتسب هذه الدراسة أهميتها العلمية من كون أغلب الدراسات التي تتناول القوى السياسية التركية، إما تركز على حالة الاستقطاب السياسي فقط، وإما أنها حتى وإن حاولت بحث التأثير بما يخدم الثورات فإن كل طرف يركز على المتوافق معه أيديولوجيًا، دون البحث في الخريطة الكلية والسياسات العامة الرسمية، وسبل التأثير غير الرسمية، والتي هي الحاجة الحقيقية لدول الثورات.

أما الأهمية العملية، فتتمثل في حاجة دول الثورات للبحث في كيفية التفاعل مع نماذج لها عدد من السمات أهمها: وجود المشترك الحضاري معها (مثل تركيا)، أيضًا هناك حاجة لدراسات تتخطى التناول المجرد لأهمية التفاعل والتأثير والتأثر بما يخدم دول الثورات، بحثًا عن دراسات أكثر عمقًا تركز على الأبعاد التطبيقية وبرامج تنفيذ.

تقسيم الدراسة:

تنقسم الدراسة إلى تمهيد وثلاثة أجزاء:

تمهيد: التطورات الدستورية في النظام التركي

الجزء الأول:ويتناول خريطة للقوى السياسية الرسمية، مثل: مجلس الوزراء الذي قاد عملية التغيير في تركيا على المستوى الرسمي، والبرلمان الذي خاض عمليات تغيير تشريعي عدلت من موازين القوى في الداخل التركي، والإدارة المحلية والبلديات التي تعد الجانب الأكثر بروزًا في الخبرة التركية، وكذلك المؤسستين القضائية والعسكرية، في ضوء كل من: وضعها القانوني والدستوري، وممارساتها الفعلية. وسيجري الرصد وفق مدخل وظيفي لتصنيف تلك المؤسسات.

الجزء الثاني:ويتناول خريطة القوى السياسية غير الرسمية بتركيا، مثل الأحزاب وجماعات الضغط.

الجزء الثالث:ويتناول مستويات وآليات وبرامج وإمكانيات التفاعل مع هذه القوى

تمهيد: الدساتير التركية والتطورات السياسية:

بعد الحرب العالمية الأولي وتأسيس الدولة التركية، لم يكتفِ مصطفى كمال أتاتورك بدستور عام 1921 إذ شرع العمل بدستور جديد وخصوصاً بعد 29 أكتوبر عام 1923، عندما أعلن المجلس الوطني التركي الكبير قيام الجمهورية التركية، وانتخب مصطفى كمال أول رئيس لها بعد أربعة أشهر من إعلان الجمهورية، فقد شكل لجنة لغرض وضع دستور جديد من أحد عشر عضواً من نواب المجلس برئاسة النائب يونس ندا والتي قامت بدراسة مسودة دستور أعدت من قبل ثلاثة خبراء في القانون. على أن يؤخذ بنظر الاعتبار التطور التاريخي للدساتير التركية وهذا يعني أنّ دستور 1924 يعد مكملاً أو امتداداً  لقانون التشكيلات الأساسية. وهو بدوره مقتبس من دستور1876 العثماني.

وفي تاريخ 4 أبريل 1924 أقر المجلس دستوراً كاملاً مؤلفاً من 105 مادة، وتم تعديل هذا الدستور عدة مرات ففي تاريخ 10 أبريل من عام 1928 جرى تعديل المواد 2 – 16 و26 – 38، وكذلك في 10 ديسمبر 1931 عدلت المادة 95 الخاصة بالموازنة، وفي 5 يناير 1934 عدلت المادتان العاشرة والحادية عشرة الخاصة بحق المرأة في الانتخاب ورفع سن المنتخب من الجنسين إلى عمر الثانية والعشرين، وفي تاريخ 5 فبراير 1937 عدلت المادة الثانية للمرة الثانية، وكذلك المادتان 74-75، وفي تاريخ 29 نوفمبر 1937 عدلت المواد 24-49 و50-61.

وقد تضمن الدستور صلاحيات واضحة لرئيس الجمهورية بعكس دستور 1921، والذي لم يحدد مهام رئيس الجمهورية بصورة قطعية وثابتة. حيث حدد هذا الدستور الصلاحيات التشريعية والتنفيذية للرئيس، فقد نصت المادة 35 على الصلاحيات التشريعية لرئيس الجمهورية باعتباره هو المسؤول على المصادقة على القوانين التي يقررها المجلس الوطني التركي ويعلنها في غضون عشرة أيام، وله الحق في إعادة القوانين التي لايوافق عليها وأيضا في غضون عشرة أيام مع وجوب بيان أسباب الرفض على المصادقة على القانون المذكور، لكن في حالة إصدار المجلس على القانون المرسل يترتب على رئيس الجمهورية المصادقة عليه وإصداره.

أما المادة 36 من الدستور والذي ينص على أن رئيس الجمهورية هو المكلف بإلقاء خطاب افتتاح المجلس الوطني الكبيروالذي حدد في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر في الاجتماع الدوري السنوي ويتضمن الخطاب سردا لمجمل الفعاليات الحكومية وأنشطتها وكذلك توجيهاته حول البرنامج الحكومي للسنة المقبلة.

أما نص المادة 40 من الدستور فيأكد ان القيادة العليا للبلد هي للمجلس الوطني التركي الكبير ممثلا برئيس الجمهورية المنتخب من قبل النواب أنفسهم، وهو بدوره الذي يكلف عضوا من داخل المجلس لرئاسة مجلس الوزراء. أما الصلاحيات الاخرى للرئيس فهو الذي يختار السفراء والممثلين الرسمين لدى الدول الأجنبية وكذلك هو الذي يوافق ويتسلم أوراق اعتماد  السفراء والممثلين للدول الأجنبية في تركيا.

دستور 1945:

في يناير من عام 1945 عرض الدستور من جديد على المجلس الوطني التركي الكبير فأقر الصيغة الجديدة وأبطل ما قبلها من نصوص، وقد احتوى هذا الدستور بعد إقراره من قبل المجلس الوطني وإذاعته في يناير 1945م على الأبواب الآتية:الأحكام الأساسية، المجلس (المجلس الوطني التركي الكبير)، رئيس الجمهورية، مجلس الوزراء والوزراء، القضاء، الديوان العالي، حقوق المواطن التركي العامة، مواد متفرقة، الموظفون، المالية، ضوابط متعلقة بالدستور.

ووتميز الدستور الجديد باتباعه النمط الديمقراطي الليبرالي الغربي وقد رتب بعناية فائقة كي يتفادى وضع سلطة كبيرة في الجهاز التنفيذي للحكومة وتركيز السلطة الحقيقة في المجلس الوطني، واستمر العمل بهذا الدستور حتى عام 1961 ومنذ نشأته وحتى وفاة مصطفى أتاتورك عام 1938 الذي كان مهيمنا على السلطة التشريعية الممثلة بالبرلمان والسلطة التنفيذية المتمثلة بمجلس الوزراء، ولم تكن هناك أية عقبة أمام أتاتورك في سَنِّ ما يراه مناسبا من القوانين والقرارات في الميدانين العسكري والسياسي. إلا أنّه بعد وفاته أصبحت المؤسسة العسكرية سلطة ثالثة في البلاد، وخصوصا أنّ رتبة قائد العسكر فوزي شاقماق كانت أعلى من رتبة رئيس الدولة عصمت إينونو.

ولهذا نرى أنّ الدستور الذي أُعِدّ بعناية لغرض تركيز السلطة الحقيقية في المجلس الوطني كان غير ملائماً للفترة التي تلته، لأنه أفرز تعارض في صلاحيات السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، وبرزت أولى حالات الاستعانة بالمؤسسة العسكرية كظهير لبعض أعضاء المؤسسة السياسية، في تجاوز واضح للنصوص الدستورية الذي كان قد منع تدخل الجيش في كافة الأمور السياسية.

كما أنّ المادة 102 الخاصة بالتعديلات الدستورية قد أعطت لأعضاء البرلمان حق الطلب على تعديل المواد الدستورية بصورة مباشرة. وهذه الطريقة في التعديل لازمت الدساتير التركية اللاحقة بينما طريقة نشوء الدساتير التركية كانت تتم بواسطة خبراء قانونين مختصين ثم يتم مناقشتها وبالتالي يتم التصويت عليها داخل المجلس الوطني وتعرض على الاستفتاء ثم التصديق عليها من قبل رئيس الجمهورية(2).

دستور 1962:

تم إعداد هذا الدستور من قبل مجلس الوحدة القومي بالاشتراك مع مجلس شبه تمثيلي يتسم بطبيعة نخبوية لم ينتخب أعضاؤها عن طريق الاقتراع العام وإنما تم اختيارهم من قبل مجالس علمية وثقافية، وأيضًا من قبل جمعيات حقوقية وسياسية أكاديمية. تم تكليف الدكتور صادق سامي أونر رئيس جامعة إسطنبول لترأس لجنة كتابة مسودة الدستور الذي جرى الاستفتاء عليه في 9 يوليو 1961 بنسبة 61.7 بالمئة لصالح الدستور. وهذا الدستور الجديد أطول من الدساتير التي سبقته، وحجمه مُتناسب مع دساتير العالم، ويتكون من 157 مادة أساسية و11 مادة مؤقتة، ويتضمن جزءًا خاصًا بالمقدمة. وهو ضمن الدستور، ويوجز التوجه الديمقراطي والاجتماعي لعموم مواد الدستور. أما الاختلاف الآخر بينه و بين الدساتير الأخرى فهو وجود هوامش توضح موضوع المواد والارتباط بينها. وهذا لا يقع ضمن نص الدستور.

وفيه تم حذف مبدأي الدولية والانقلابية من المادة الثانية من الدستور فأصبحت تحتوي فقط أربع مبادئ هي الجمهورية والقومية والعلمانية والشعبية، وتم السماح بتشكيل أحزاب سياسية وكذلك السماح بالإضراب وإعطاء الحرية للصحافة وحرية استقلال الجامعات، وأصبح المجلس الوطني التركي مؤلفًا من مجلسين مجلس النواب ومجلس الشيوخ.

وتم إقرار إنشاء المحكمة الدستورية من خمسة عشر عضوًا وخمسة أعضاء احتياط ويشترط في هذا العضو أن يكون قد أتم الأربعين من عمره وأن يكون قد زاول مهنة المحاماة خلال خمسة عشر عامًا، أو قام بتدريس القانون أو الاقتصاد أو العلوم السياسية بالجامعة لمدة خمس سنوات على الأقل، أو كان رئيسًا أو عضوًا أو مقررًا أو مدعيًا عامًا أمام محكمة النقض أو مجلس الدولة أو محكمة النقض العسكرية أو ديوان المحاسبة.

ونصت المادة 143 على تشكيل مجلس القضاء الأعلى الذي يتكون من 18 قاضيًا أصليًا وخمسة قضاة احتياط، وينتخب ستة من هؤلاء الأعضاء من قبل محكمه النقض وستة آخرون يختارهم قضاة الدرجة الأولى من بينهم بالاقتراع السري، وينتخب كل من أعضاء مجلس الأمة ومجلس الشيوخ بالأغلبية المطلقة وبالاقتراع السري ثلاثة أعضاء من بين من تولوا منصب القضاء في المحاكم العليا، وينتخب بهذه الطريقة عضوان احتياط من قبل الدوائر المجتمعة لمحكمة النقض وينتخب مجلس القضاء الأعلى رئيسه من بين أعضائه بالأغلبية المطلقة.

أما وظائف واختصاصات مجلس القضاء الأعلى فهي في نص المادة 144: “يختص مجلس القضاء الأعلى في الفصل بكل ما يتعلق بأهلية القضاة ويصدر قرارإعفاء القاضي من وظيفته لأي سبب من الأسباب فالأغلبية المطلقة للجمعية العمومية ويجوز لوزير العدل إذا رأى ضرورة لذلك أن يطلب من مجلس القضاء الأعلى اتخاذ الإجراءات التأديبية ضد أحد القضاة، وتشترط موافقة مجلس القضاء الأعلى لإلغاء محكمة أو وظيفة من وظائف القضاء أو تعديل اختصاصات إحدى المحاكم، ويتولى الرقابة على القضاة أعضاء من درجة أعلى يعينهم مجلس القضاء الأعلى في حالات معينة.

6- تأسيس مجلس الأمن القومي وفق المادة 111 من الدستور الذي يترأسه رئيس الجمهورية وينوب عنه في غيابه رئيس الوزراء ويضم رئيس الأركان العامة وقادة الأسلحة الثلاثة ووزراء الدفاع والداخلية والخارجية والقائد العام لقوات الأمن (الجندرمة) ويمكن دعوة آخرين من الوزراء أو غيرهم لحضور بعض اجتماعاته طبقًا لجدول أعماله. ويختص المجلس بالمهام التالية، بحث الشؤون المتعلقة بالأمن القومي للدولة، والتنسيق بين الأركان العامة ووزارة الدفاع والمؤسسات العسكرية الأخرى، وتقديم التوصيات المتعلقة بالأمن القومي إلى مجلس الوزراء، تقديم المقترحات والتوجيهات المباشرة إلى المعنيين لغرض صيانة امن البلاد الداخلي والخارجي.

وبحكم الدستور أصبحت المؤسسة العسكرية تدار من قبل مجلس الأمن القومي، والذي يضم بالإضافة إلى رئيس الأركان العامة للجيش قادة القوات البرية والبحرية والجوية وقائد الجندرمة ورئيس جهاز المخابرات العامة والمخابرات العسكرية، ويترأس المجلس رئيس الجمهورية وينوب عنه رئيس الوزراء.

وهذا التشكيل وبالإضافة إلى المادة الدستورية والقانونية الملحق بعمل مجلس الأمن القومي قد حوله إلى مجلس مهيمن ومراقب للمؤسسة الحكومية والسياسية وليس العكس كما هو معمول به في البلدان الأخرى. هذه الصلاحيات التي مُنحت له جعلته حرًا في التدخل الفوري المباشر في الشؤون السياسية إذا ما قدر قادة المجلس أن الحكومة أو زعماء الأحزاب قد سلكوا طريقا غير طريق الأتاتوركية وفلسفتها.

من ناحية أخرى اكتسبت القوات المسلحة خصوصية واضحة عندما وضعت تشريعات جديدة عملت على تحسين الوضع الاقتصادي للعسكريين حيث تمت المصادقة على قانون تأسيس جمعية الجيش للتعاون المتبادل حيث تستثمر 20 بالمئة من راتب الضابط في جميع فروع الاقتصاد عن طريق هيئة مختصة تتولى إدارة شؤونها مرتبطة بوزارة الدفاع وتسمى هذه الجمعية بـ (اوياك) اختصارًا وأصبحت اوياك من أوسع الجمعيات المختلطة التكوين ووصفت بأنها القطاع الثالث.

وقد أسهمت اوياك في العديد من الشركات والمصانع ومنها الأسهم الكبيرة في شركة صناعة المكائن التركية ومصانع البتروكيمياويات ومعامل الاسمنت وحتى شركة سيارات رينو الفرنسية. كان الهدف المعلن لمؤسسة اوياك هو حماية أفراد القوات المسلحة ورعايتهم وذلك لغرض تحسين وضعهم الاجتماعي والاقتصادي وأسست أسواق الجيش على غرار حوانيت الجيش البريطانية والأمريكية. تقوم بتوفير السلع للقوات المسلحة بأسعار منخفضة.

وتقع السُلطة التنفيذية مثلما تضمن الدستور في يد مجلس الوزراء المُشكل من رئيس الجمهورية ووزراء الحكومة ورئيسها. فطبقًا للدستور و للقوانين تقع السُلطة التنفيذية في يد رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء. ينتخب مجلس الشعب التركي رئيس الجمهورية من بين أعضائه المُتجاوزين سن الأربعين والمُتعلِمين تعليمًا عاليًا، بتصويت سري، ولمدة سبعة أعوام، وبموافقة أغلبية أعضاء المجلس أي الثلثين، فإذا لم يُمكن تحقيق هذه الأغلبية في التصويت الأول أو الثاني يُكتفَى بها في التصويتات اللاحقة فقط. أمَّا مجلس الوزراء فيتشكل من الوزراء ورئيسهم. يُعيِّن رئيس الجمهورية رئيس الوزراء من بين أعضاء البرلمان التركي. ويختار رئيس الحكومة الوزراء من بين مَن يحظون بالكفاءة الانتخابية من أعضاء مجلس الشعب أو ممثلي الأمة ثم يعينهم رئيس الجمهورية وذلك بمُقتضى المادة رقم 102 من الدستور. وبهذا الشكل يجب أن يحصل مجلس الوزراء على تصويت الثقة من مجلس الشعب.

أما المستحدث من الهيئات العليا فهو تأسيس محكمة دستورية وظيفتها جعل القوانين متوافقة مع نصوص المواد الدستورية وكذلك التأكد من الإجراءات الإدارية داخل المجلس عند سن القوانين ونسبة التصويت وكلا حسب نوعية القوانين(3).

دستور 1982:

شهدت تركيا أزمة رئاسية عندما اقتربت ولاية قورتورك من نهايتها في أبريل عام 1980 ووسط دوامة من العنف السياسي والوضع الاقتصادي المتردي وتفاقم وزيادة المتطرفين من الأحزاب اليمينية واليسارية بعد عودة رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة التركية من اجتماعات حلف شمال الأطلسي في 13 أيار/ مايو 1980 أصر على ضرورة توصل البرلمانيين إلى انتخاب رئيس جديد للبلاد وذلك من خلال تصريحه لوسائل الإعلام التركية. ثم أرسل إلى الجيش التركي في 30 أغسطس أنه ليس بالإمكان تأمين النظام والهدوء بواسطة حكام الولايات.

وبسبب عدم حصول الموافقة على أي مرشح من المرشحين فقد وجه الجنرال كنعان إيفرين رئيس أركان الجيش إنذاراً في يوليو عام 1980 دعا فيه المجلس الوطني ومن خلاله الأحزاب التركية المتمثلة فيه أن تنظر بجدية وبشكل سريع في حل أزمة الرئاسة. وإزاء ذلك توصل المجلس الوطني إلى قرار يقضي بتعيين إحسان صبري رئيسًا للجمهورية وكالة (وكان يشغل منصب رئيس مجلس الشيوخ) لحين التوصل إلى قرارها في هذا الصدد.

في 1982، استبعد مجلس الأمن القومي جميع مساهمات المجتمع المدني في وضع دستور 1982. حيث تم إغلاق جميع الأحزاب السياسية، ولم يتم تأهيل أي من أعضاء الأحزاب السياسية (اعتبارا من 11 سبتمبر 1980) لعضوية المجلس الاستشاري. بالإضافة إلى هذا، كانت سلطات المجلسين اللذيّن تتكون منهما الجمعية التأسيسة للدستور غير متكافئة إلى درجة كبيرة. كان لمجلس الأمن القومي القول الفصل في المشروع الذي أعده مجلس الشورى، مع عدم وجود آلية لتسوية الخلافات في الرأي بين الهيئتين. ولعب المجلس الاستشاري الذي يتألف بمعظمه من البيروقراطيين دورا استشاريا فقط.

إن الطريقة التي وُضع بها دستور عام 1982، حددت محتواه، فهي تعكس بوضوح العقلية الاستبدادية، الدولتية، الوصائية لمؤسسيه. وبموجب النسخة الأصلية من الدستور، تم حظر جميع منظمات المجتمع المدني بخلاف الأحزاب السياسية من المشاركة في الأنشطة السياسية. ومُنعت النقابات العمالية والجمعيات التطوعية والمؤسسات والمنظمات المهنية العامة والجمعيات التعاونية من أن تقوم بدعم، أو أن تتلقي دعما من الأحزاب السياسية، أو أن تنخرط في عمل مشترك فيما بينها. ألغيت هذه القيود بالتعديل الدستوري لعام 1995.

كما وضع المؤسسون العسكريون لدستور 1982 قيودا على أنشطة الأحزاب السياسية من خلال وضع قائمة طويلة من المحظورات الحزبية الغامضة في الدستور، بل ووضعوا قيودا أكثر قسوة في قانون الأحزاب السياسية. وهكذا، حظرت المحكمة الدستورية 25 حزبا سياسيا حتى الآن (منها 6 أحزاب بموجب دستور عام 1961، و19 حزبا بموجب دستور 1982)، ومُنع الكثير من قادة هذه الأحزاب وأعضائها من ممارسة أي نشاط سياسي لمدة خمس سنوات من تاريخ حكم المحكمة بالحظر(4).

إن الجمع بين الاستفتاء على الدستور مع انتخاب رئيس الجمهورية المقبل أعطى الجنرال كنعان إفرين (المرشح الوحيد) إمكانية ممارسة صلاحيات وصائية على الحكومة المنتخبة لمدة سبع سنوات (1982-1989). وكان كثيرا ما يصف نفسه بأنه “الضامن” للدستور. وعزز هذا الدور الوصائي السلطات الواسعة الممنوحة للرئيس بموجب الدستور.

كان مجلس الأمن القومي معزز الصلاحيات هو مؤسسة وصائية أخرى بموجب الدستور، حيث يعطي النص الأصلي للدستور الأعضاء العسكريين أغلبية في المجلس، وينص على أن يعطي مجلس الوزراء أولوية للنظر في قرارات مجلس الأمن القومي، مما يجعل هذه القرارات ملزمة إن لم يكن من الناحية النظرية، فعلي الأقل في الممارسة العملية.

المؤسسة الوصائية الثالثة كانت هي مجلس التعليم العالي (YÖK)، والتي أنشئت لتنظيم الجامعات وإبقائها تحت الانضباط الصارم للدولة التي يهيمن عليها الجيش العلماني. حيث مُنح رئيس الجمهورية سلطة تعيين رئيس مجلس إدارة وبعض أعضاء مجلس التعليم العالي ورؤساء الجامعات.

كما مُنح رئيس الجمهورية سلطات واسعة لحرية التصرف فيما يتعلق بالسلطة القضائية مثل تعيين: قضاة المحكمة الدستورية (ثلاثة منهم تعيينا مباشرا، وثمانية بالاختيار من بين ثلاثة مرشحين ترشحهم المحاكم العليا الأخرى ومجلس التعليم العالي)، وربع أعضاء مجلس الدولة (أعلى محكمة إدارية)، وأعضاء المجلس الأعلى للقضاة والمدعيين العامين (من بين ثلاثة مرشحين ترشحهم المحكمتين العاليتين)، ورئيس الإدعاء العام في محكمة النقض (المحكمة العليا)، ونائبه من خمسة مرشحين ترشحهم محكمة النقض. وهكذا كان ينظر للقضاء على أنه مؤسسة وصائية أخرى، أنشأت لحماية قيم نخب الدولة ضد ما تتخذه الحكومات المنتخبة من إجراءات.

وحصل الجيش على صلاحيات وامتيازات وحصانات مهمة ثمنا لتخليه عن السلطة لصالح المؤسسات المدنية المنتخبة (ضمانات الخروج كما تسمى عادة). بالإضافة إلى مجلس الأمن القومي سابق الذكر، تم استثناء الجيش من مراجعة ديوان المحاسبة، والمجلس الأعلى للرقابة، كما أن قرارات المجلس العسكري الأعلى بشأن التعيينات والترقيات وحالات الطرد من الخدمة العسكرية كانت مغلقة أمام المراجعة القضائية. كما تم استثناء القوانين ومراسيم تعديل القوانين (الأحكام القضائية) التي يصدرها نظام مجلس الأمن القومي (1980-1983) من إعادة المحكمة الدستورية للنظر فيها. وعلاوة على هذا، فإن القانون الخاص بالأمانة العامة لمجلس الأمن القومي تشترط أن يكون الأمين العام عسكريا رفيع المستوى، ويمنح الأمانة العامة سلطات تنفيذية واسعة.

في السنوات التالية، قامت معظم الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني الرائدة مثل: نقابة المحاميين التركية (TBB)، واتحاد الغرف التركية للتجارة والصناعة (TOBB)، وجمعية رجال الأعمال والصناعيين الأتراك (TÜSİAD) باقتراح مشروعات دستور جديدة تماما أو على الأقل تغييرات جذرية في الدستور، ومنذ عام 1987، خضع الدستور لسبعة عشر تعديلا(5).

فقد خضعت المادة 118 من الدستور والخاصة بتشكيل وظائف مجلس الأمن القومي إلى تعديل دستوري عام 2001، بحيث زاد التعديل من عدد المدنيين داخل المجلس، من خلال إضافة وزير العدل ونواب رئيس الوزراء إلى قائمة أعضائه كما ألغى النص السابق بضرورة وجوب اهتمام مجلس الوزراء بقرارات مجلس الأمن القومي، بحيث أصبح النص بعد التعديل على أن يقيم مجلس الوزراء القرارات التي يصدرها مجلس الأمن القومي في مجال الإجراءات الضرورية من أجل الحفاظ على استقلال الدولة ووحدتها، وتكمن أهمية هذا التعديل في إضعاف دور المجلس في الحياة السياسية من خلال إلغاء إلزام مجلس الوزراء بالاهتمام بقرارات المجلس.

هذا التعديل جاء ضمن مجموعة كبيرة من التعديلات الدستورية في السابع عشر من أكتوبر عام 2001، والتي جاءت كجزء من الجهود المبذولة على طريق الوفاء بمتطلبات الإصلاح السياسي التي طالب الاتحاد الأوروبي بها لتقدم تركيا على طريق الانضمام إليه، حيث كان أحد أهم أوجه الانتقاد الموجه لتركيا من جانب الاتحاد الأوروبي ما يتصل بدور الجيش التركي في النظام السياسي.

ولم يقتصر التعديل على زيادة عدد المدنيين في المجلس أو الإضعاف من دوره بل امتد إلى أوجه أخرى من القصور الديمقراطي الذي شاب تنظيم الدستور لموقع الجيش في الحياة السياسية مثل وجود رئيس الأركان ضمن قائمة الجهات التي ترشح أعضاء المجلس العلى للجامعات فقد حذف تعديل أجرى على المادة 131 في الثاني والعشرين من مايو عام 2004 وجود رئيس الأركان ضمن هذه الجهات، كما ألغى تعديل آخر على المادة 160 في نفس التاريخ، الوضع القانوني الخاص لأملاك الدولة في حيازة القوات المسلحة التركية وخضوع الرقابة عليها للقانون الخاص.

كما امتد التعديل إلى مواد القانون المتعلقة بالجيش فمن خلال جملة من التعديلات القانونية الممررة في الثامن من أغسطس عام 2003، أصبح من الممكن لمدني يعينه رئيس الجمهورية من ضمن قائمة يعدها رئيس الوزراء تقلد منصب سكرتير عام مجلس الأمن القومي، والذي كان لا يتقلده إلا جنرال عسكري قبل التعديل. كما باعد التعديل بين اجتماعات مجلس الأمن القومي التي كانت تنعقد مرة كل شهر لتصبح مرة كل شهرين، كما لم يعد تقرير المجلس يرفع إلى الوزارة وإنما إلى نائب رئيس الوزراء.

ولكن هذه التعديلات الدستورية والقانونية أيضا لم تحسم بعض المسائل المتعلقة بموقع الجيش في الدستور مثل قضية عدم إخضاع المؤسسة العسكرية ورئيس الأركان إلى اختصاص وزارة الدفاع الوطني في الدستور أو ترك تحديد مهام رئيس الأركان إلى القانون أو تنظيم القانون الخاص للجرائم التي على أساسها يمثل المدنيون أمام المحاكم العسكرية أو ذلك المتعلق بعمل مؤسسات التعليم العالي التابعة للقوات المسلحة. كما تُعتبر مسألة غموض مفاهيم العلمانية والأمن القومي وما شابهها من قيم وعدم تعريفها تعريفا دقيقا ولو في ديباجة الدستور خللا كبيرا في بنية الدستور ومدى اعتباره يؤسس لدولة ديمقراطية لأنه يفتح الباب أمام تدخل الجيش في الحياة السياسية6.

الجزء الأول: خريطة المؤسسات السياسية الرسمية التركية:

سيتم رسم هذه الخريطة للمؤسسات وظيفيًا (قانونيًا، وعمليًا)، فالوظائف والمؤسسات في تركيا في وضعها الراهن ليست منفصلة عن الخلفية الفكرية للحزب الحاكم “العدالة والتنمية”، والذي استطاع استيعاب المعادلة بين الديمقراطية والأصول الثقافية والإنسانية للمجتمع التركي، وهو ما عُرف بـ “الديمقراطية المحافظة”7، ولمدخل الوظائف أهمية خاصة في الحالة التركية، لأن ما وصلت إليه تركيا ارتبط بقدرة العدالة والتنمية على إعادة تعريف علاقة ووظائف المؤسسات بالمجال العام، وربط كل ما تقوم بها بالإرادة الشعبية8.

أولاً: مؤسسة الرئاسة:

بحسب دستور 1982 (الذي تم وضعه بعد الانقلاب العسكري الذي قام به الجنرال كنعان إيفرين عام 1980، ونصّب إيفرين نفسه في تلك الفترة رئيسًا للبلاد) يتمتع رئيس الجمهورية بصلاحيات تنفيذية وتشريعية وقضائية واسعة، وينص دستور عام 1982 وفق المادة 8 على أن السلطة التنفيذية تُمارَس وتنفذ من قبل رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء.

حيث يُعد رئيس الجمهورية مسؤولا عن ضمان تطبيق الدستور واتساق وانتظام المهام التنفيذية للجهات الحكومية. ولرئيس الجمهورية أن يترأس جلسات مجلس الوزراء، كما يمثل منصب القائد العام للقوات المسلحة التركية نيابة عن المجلس الوطني، وله صلاحية اتخاذ القرار باستخدام تلك القوات، ويعين رئيس الأركان العامة، ويعلن قانون الأحكام العرفية، وحالة الطوارئ.

كما أنه يصدر قرارات لها قوة القانون بما يتمشى مع قرارات مجلس الوزراء، ويعين أعضاء المجلس الاستشاري للدولة ورئيسه ويبلغ المجلس نفسه بإجراء الاستطلاعات والتحقيقات والتفتيش، فضلا عن تعيين أعضاء مجلس التعليم العالي ورؤساء الجامعات. ويصدر رئيس الجمهورية بموجب المادة (104) من دستور 1982 قرار تعيين أعضاء المحكمة الدستورية و25 % من أعضاء مجلس الدولة، ورئيس الادعاء العام ونائبه في محكمة الاستئناف العليا وكذلك أعضاء محكمة الاستئناف العسكرية العليا وأعضاء المحكمة الإدارية العسكرية العليا فضلا عن أعضاء المجلس الأعلى للقضاء ووكلاء النيابة10.

كما يحظى رئيس الجمهورية بصلاحياتٍ تشريعية، فهو يستدعي البرلمان للانعقاد عند الضرورة، ويدعو إلى إجراء انتخابات جديدة للمجلس نفسه، ويضع القوانين ويعيدها إلى البرلمان لإعادة النظر فيها. ويلجأ الرئيس إلى المحكمة الدستورية بخصوص الإلغاء الجزئي أو الكلي لأحكام قوانين معينة أو قرارات لها قوة القانون.

وهنا، لابد من الإشارة إلى أن هذه الصلاحيات المتنوعة لا يمكن اعتمادها صلاحياتٍ شكلية، بل حدت بالبعض أحيانًا إلى اعتبار النظام التركي نظامًا مختلطًا، لكن طريقة انتخاب الرئيس من قبل المجلس الوطني (البرلمان) فرضت على الرئيس نوعاً من الحد على بعض هذه السلطات كونه ينتخب من داخل البرلمان –وهو ما تغير فيما بعد.

لكن بشكل عام، فقد بقي النظام السياسي برلمانيًا، حيث يقوم الشعب باختيار ممثليه الذين يقومون بدورهم باختيار رئيس للجمهورية في وقت يعرض فيه رئيس الحكومة حكومته على البرلمان لنيل الثقة. ويكون دور رئيس الجمهورية في النظام البرلماني رمزيًا، ولا يستخدم بعض الصلاحيات المنصوص عليها إلا في الحالات القصوى والاستثنائية11.

وفي العام 2007، أُدخلت بعض التعديلات على بعض مواد الدستور من بينها تعديلات تنص على انتخاب رئيس الجمهورية من قبل الشعب مباشرة لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة. (وقد كان هدف أردوغان حينها تحويل النظام السياسي إلى نظام رئاسي لكنه لم يستطع تحقيق ذلك إلى الآن، نظرًا لمصاعب عدة واجهته، بينما نتائج الانتخابات النيابية المبكرة التي أجريت في بدايات نوفمبر 2015، والتي جاءت في صالح حزب العدالة والتنمية من شأنها دعم مشروع الحزب باتجاه نظام رئاسي) 12.

وكان هذا التعديل الدستوري يعني أنه ليس من قوة تستطيع أن تتحكم بميول خمسين مليون ناخب. وهذا تطور إيجابي جدًا في الديمقراطيات، بحيث تكون الكلمة الأخيرة في كل شيء للشعب وليس للغرف المغلقة (حتى وإن كان برلمانًا منتخبًا)، وأجهزة الاستخبارات13.

وقد أدى هذا التعديل الدستوري إلى إضفاء مزيدٍ من القوة الشعبية لمنصب رئيس الجمهورية نتيجة تصويت الشعب على اختياره، فقد أصبح يمتلك قاعدة شعبية كبيرة نتيجة حصوله على نسبة الأغلبية من أصوات الناخبين الأتراك، في خطوة تشير إلى مدى قوته بوصفه شخصاً14.

ورغم كون ذلك يعد أمرًا إيجابيًا إلا أنه عقب انتخاب أردوغان رئيساً لتركيا باقتراع شعبي مباشر في أغسطس 2014 وتأكيده على أنه لن يكتفي بدور رمزي وبأنه سيكون رئيسًا نشطًا. ومع رئاسة أردوغان للحكومة عدة مرات، أصبح لدينا نظام سياسي غير واضح المعالم.

لكن عمليًا، أصبح النظام السياسي الآن قريبًا من النظام شبه الرئاسي، ودون أن ينص الدستور على ذلك صراحة. هذه الحالة من الجمع بين نظام برلماني وبين رئيس منتخب من قبل الشعب مباشرة بصلاحيات واسعة ومفعّلة، يخلق وضعًا من عدم التوازن بين السلطات ومن التضارب في الصلاحيات أيضًا. ونصبح هنا أمام أحد اتجاهين.

وقد تمّ تجاوز هذه المعضلة إلى الآن، وهو ما يرجع لكون رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة من نفس الخط السياسي (حزب العدالة والتنمية). لكن هذه المعادلة غير مستقرة، ولا يمكن أن تصمد لفترات طويلة، فكون الاثنان لهما التوجه ذاته، ربما يتغير في مراحل لاحقة، كما أن الوضع الراهن يقوض، وفق كثيرين، من عملية الفصل بين السلطات15.

وبشكل عام وظيفيًا، يمكن تقسيم أنماط الرؤساء بتركيا إلى أنماطٍ ثلاثة16:

الأول: الرئيس السلبي: حين تتدخل هيئات سياسية في الشأن السياسي بشكل واضح (المؤسسة العسكرية)، ويحتل الأمن محل السياسة. وحينها يتراجع دور الرئيس خاصة بسبب ما يكون من انسجام بين البرلمان (الذي كان مخولا به انتخاب الرئيس) والمؤسسة العسكرية.

الثاني: رئيس الوضع الراهن: وذلك حين تتقدم السياسة على الأمن، وذلك مثل حالة الرئيس التاسع سليمان ديميريل.

الثالث: الرئيس الإصلاحي: وذلك في مراحل التحول السياسية والاجتماعية، مثل تورجورت أوزال، الذي حدثت في عهده تحولات داخلية وخارجية.

ثانياً: مجلس الوزراء:

على المستوى القانوني، يُكلف رئيس الجمهورية أكبر الأحزاب التي فازت في الانتخابات البرلمانية بتشكيل الحكومة، التي يجب أن تأخذ الثقة من البرلمان، وبذلك تناط السلطات التنفيذية بالحكومة، الأمر الذي تصبح بموجبه الحكومة مسؤولة عن صياغة السياسات الداخلية والخارجية للدولة وتنفيذها. فكل ما يتعلق بتنفيذ وصياغة السياسات الاقتصادية والاجتماعية والمالية والدفاعية والأمنية والسياسة الخارجية هي من اختصاص الحكومة التركية، والوزارة المختصة، بعد إقرارها من البرلمان.

كما يترأس رئيس الوزراء جلسات مجلس الأمن القومي التركي، ويعد مسؤولاً أمام البرلمان عن تنفيذ السياسات الداخلية والخارجية.

ووظيفيًا، فقد أدار مجلس الوزراء في عهد العدالة والتنمية عددًا من السياسات التي يمكن وصفها بالسياسات المظلة في تركيا، سواء سياسيًا أواقتصاديًا أو ثقافيًا، ومثل ما يتصل بالأقليات مثالا على هذه السياسات المظلة بأبعادها المختلفة. ونشير بشكل خاص إلى “سياسة الانفتاح الديمقراطي” التي انتهجتها حكومات العدالة والتنمية مع الأقليات المختلفة (حيث تطوير أوضاعها السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية)، فتغلبت حتى على بعض القصور الدستوري في هذا الشأن، وإن لم تنته المشكلات تمامًا بالطبع(17(.

ورغم ما تمتعت به حكومات العدالة والتنمية من سرعة الأداء، والمرونة، وتنوع الأدوات، إلا أنه وجهت لها بعض الانتقادات مثل ما يخص أنه فى اكتوبر عام 2014 أصدر البرلمان قانون يجعل للحكومة صلاحيات على المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين, وأصدر الاتحاد الاوروبى تقرير تنتقض فيه إجراءات الحكومة في تركيا(18(.

ويمكن القول إن إشكالية الموازنة بين الفاعلية في الأداء واحترام الفصل بين السلطات بشكلٍ دقيق، من أهم الإشكاليات التي تواجه العمل التنفيذي في تركيا.

ثالثاً: البلديات:

بدأ التقدم في تركيا من المحليات، لقد تحقق ذلك عبر تطوير المؤسسة البلدية ذاتها، من خلال طبقة عنيت بالعدل الاجتماعي، وقدمت نموذجًا له جذور ومرجعية دينية ضاربة بجذورها في أعماق المجتمع التركي وهو في الوقت ذاته متصالحا مع المعاصرة. وتعد مدينة إسطنبول، البالغ تعداد سكانها 14 مليون نسمة، نموذجا، إذ تم تطويرها بشكل أحيا تاريخها وطورها في الآن ذاته.

وقد تم تطوير المحليات على أكثر من مستوى، إذ شرعت الحكومة التركية في السنوات الأخيرة بإجراء إصلاحات للإدارات المحلية، بهدف تعزيز الديمقراطية المحلية، وإعادة تقسيم المهام بين الإدارات المركزية والمحلية من جديد، وإعادة تعريف الإدارة المحلية من الأساس باعتبارها كيان مستقل إدارياً ومالياً، والعمل على تقديم الخدمات المحلية للمواطنين في أقرب مكان لهم. ونتيجة لهذه الإصلاحات، باتت الإدارات المحلية أكثر قوة من حيث الاستقلال الإداري والمادي. وهنا، تحققت إمكانية قيام البلديات والإدارات الخاصة في المحافظات بمهامهم بشكل أكثر نفعاً وتأثيراً، وقد كان لخبرة حزب الرفاه مكانًا مهمًا في هذا المسار.

وفي عهد العدالة والتنمية تم تعديل القوانين الأساسية فيما يخص البلديات والإدارات الخاصة في المحافظات، بهدف إرساء الديمقراطية واللامركزية، وفيما يلي أهم تلك التجديدات:

هيكليًا:بموجب قانون البلديات الكبرى رقم 5216 تم توسيع حدود البلديات الكبرى وفقاً لعدد سكانها، وانتهى بذلك الخلط في المهام والسلطات بين بلديات المدن الكبرى، وبلديات الأحياء الكبرى، وفي إطار هذا القانون أيضاً تم السماح لبلديات المدن الكبرى بعمل رقابة على خطط البناء وممارسات التشييد الخاصة ببلديات الأحياء، وذلك بهدف منع التمدد العشوائي الغير منظم، وإقامة العشوائيات.

ولأول مرة تم بموجب قانون وحدات الإدارة المحلية رقم 5355 تم إضفاء الصفة القانونية على وحدات الإدارة المحلية التي تكونت من أجل التنفيذ المشترك لبعض الخدمات المحلية من قبل الإدارات المحلية، كما أضيفت الصفة القانونية على “وحدات نقل الخدمات للقرى”، وجرى إعداد بنية تحتية مؤسسية بهدف تنفيذ مشروعات “دعم البنية التحتية للقرى” التي تهدف إلى ضمان وصول خدمات البنية الأساسية وعلى رأسها المواصلات ومياه الشرب إلى المواطنين في المناطق الريفية.

وهدفت مجمل التغييرات الهيكلية إلى تعزيز الديمقراطية في تركيا على المستوى المحلي، وضمان كفاءة الأداء في خدمات البلدية، وتقديم خدمات أكثر جودة، وقد وصل عدد البلديات الكبرى إلى 29 بلدية، في حين كان عددها قبل ذلك 16 بلدية فقط، أيضًا تم توسيع مجالات مهام ومسؤوليات البلديات الكبرى بشكل يتضمن الحدود الإقليمية للمحافظات، ونتيجة لهذا فقد تحولت البلدات والقرى إلى أحياء(19(.

ماليًا: صدر قانون تخصيص حصة من عائدات ضريبة الموازنة العامة إلى الإدارات الخاصة في المحافظات والبلديات. وتم بموجب هذا القانون زيادة إجمالي المبالغ المخصصة للإدارات المحلية من الموازنة العامة، كما عُدل نظام توزيع هذه المبالغ على الإدارات المحلية، ففي حين كانت المخصصات المالية تقدر بـ 4.7 مليار ليرة تركية في عام 2002م، فقد وصل هذا المبلغ إلى 27 مليار و713 مليون ليرة تركية في عام 2012م.

ولعل من أهم ما جاء فى قانون المحليات فى تركيا هو إمكانية دخول الهيئات الإدارية المحلية فى شراكة، بإذن من مجلس الوزراء بغرض أداء خدمات عامة. وفى هذا السياق، نجد بلدية إسطنبول تؤسس شركات مملوكة لها بأسهم لصالح المواطنين وذلك بتشريعات من البرلمان، حيث أُسست شركات فى شتى المجالات: النقل البرى والبحرى، والماء والصرف الصحى، والأنظمة الذكية، والقمامة وعملية تدويرها بالكامل، وشركة بيت التكنولوجيا (تقدم خبرتها للبلدية)، وبناء المدن الجديدة (وإحلال العشوائيات) لميسورى الحال والفقراء… إلخ.

وفى الوقت نفسه تراعى الشركات فى تطورها الاستراتيجية الاقتصادية التركية العامة للتوسع الاقتصادى حتى في خارج تركيا، حيث تراعى المجالات الحيوية التى تتحرك فيها تركيا: أوروبا وجمهوريات آسيا السوفيتية السابقة والمنطقة العربية.. كذلك تم وضع خطط طويلة الأمد تمتد إلى منتصف القرن الحالى(20(.

وظيفيًا:بموجب قانون البلديات رقم 5393 أُعِيد تعريف مهام البلديات وسلطاتها ومسؤولياتها وأجهزتها، كما قُلصت السلطة الوصائية المفروضة على قرارات مجالس البلديات، وتم إعادة تنظيم جميع الاحتياجات ذات الطابع المحلي والمشترك الموجدة داخل حدود البلدية باعتبارها إحدى مهام البلديات، كما تم إضفاء الصفة القانونية على “مجالس المدن” بهدف ضمان المشاركة في تقديم خدمات البلدية، كما تم السماح للبلديات بتشغيل المتخصصين بعقود عمل، وإقامة المشروعات الخدمية المشتركة بالتعاون مع المؤسسات المهنية العامة ومؤسسات المجتمع المدني، والهيئات الدولية.

وبموجب قانون الإدارات الخاصة في المحافظات رقم 5302، تمت إعادة تعريف مهام الإدارات الخاصة في المحافظات وسلطاتها ومسؤولياتها وأجهزتها. وقد نص هذا القانون على أن الإدارات الخاصة في المحافظات تقوم بتنفيذ الكثير من المهام ذات الطابع المحلي والمشترك المتعلقة بالخطة البيئية للمحافظة، والأشغال العامة والإسكان والثقافة والفن، والسياحة، والخدمات، والمساعدات الاجتماعية، والتعليم، بالإضافة إلى مهامها المتعلقة بالبنية التحتية الريفية الواقعة خارج حدود البلدية، كما تم تقليص السلطة الوصائية المفروضة على قرارات مجلس إدارة المحافظات، وتم إقرار مبدأ تقديم الخدمات للمواطنين بأفضل الأساليب، وكان الهدف من هذه الإجراءات هو أن يسود مفهوم أكثر ديمقراطية واهتماماً بالمواطن في الإدارات الخاصة بالمحافظات(21.(

رابعاً: المؤسسة التشريعية

على المستوى الدستوري، خول الدستور التركي لمجلس الأمة التركي (البرلمان) الذي يتم انتخاب أعضائه من قبل الشعب مباشرة كل أربع سنوات مهام السلطة التشريعية، وطبقاَ للدستور فإن مهام وسلطات مجلس الأمة التركي يمكن حصرها على نحو التالي: سن وتغيير وإلغاء القوانين، ومراقبة مجلس الوزراء والوزراء، والسماح لمجلس الوزراء بإصدار المراسيم فيما يخص مسائل معينة، ومناقشة مشاريع قانون الميزانية والحسابات المؤكدة والموافقة عليها، والقرار بشأن طباعة العملة، والقرار بشأن إعلان حرب، والموافقة على تصديق الاتفاقات الدولية، والقرار بشأن إعلان العفو العام والخاص، وتعديل الدستور، والموافقة على خطط التنمية، وإعداد النظام الداخلي للبرلمان، وإقرار المراسيم والتعديل أو الرفض، وتصديق قرار حالة الطوارئ أو الأحكام العرفية وتمديد المدة والإزالة التي لا تتجاوز أربعة أشهر في كل مرة.

وكذلك تصديق المراسيم التي يصدرها مجلس الوزراء، الذي يجتمع برئاسة الرئيس في حالة الطوارئ أو الأحكام العرفية، وانتخاب رئيس البرلمان وأعضاء مكتب البرلمان، وانتخاب أعضاء المحكمة الدستورية، وانتخاب أعضاء المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون، وانتخاب رئيس ديوان المحاسبات العالي وأعضائه، وانتخاب رئيس المفتشين العام، واتخاذ قرار لإجراء تجديد الانتخابات البرلمانية قبل انتهاء المدة، وإعطاء الثقة لمجلس الوزراء في مرحلة التأسيس والتوظيف.

ويملك البرلمان حق تقديم رئيس الجمهورية أمام المحكمة العليا بتهمة الخيانة العظمى للبلاد، وإزالة الحصانة عن النواب، واتخاذ قرار لإسقاط العضوية البرلمانية، اتخاذ قرار إرسال القوات المسلحة الى الدول الأجنبية والسماح بوجود القوات المسلحة الأجنبية في تركيا.

وعلى مستوى الممارسة، قد شهد البرلمان التركي في عهد العدالة والتنمية نقلة نوعية على مستوى الممارسة، حيث تمتع باستقلال حقيقي عن المؤسسة العسكرية، بخلاف فترات سابقة (كما سبقت الإشارة، حيث التقارب بين البرلمان والجيش إبان فترات الانقلابات العسكرية)، وقام بدور فعال في العديد من القضايا الداخلية والخارجية، سواء عبر قرارات تصويتية أو تشريعات، ومثال ذلك رفضه المشاركة في حرب العراق.

لكن رغم ما يتمتع به البرلمان التركي من قوة، نظرًا لطبيعة النظام البرلماني، إلا أن هناك مشكلة بهذا النظام تتعدد مظاهرها(22(: تكرار ظاهرة الحكومات الائتلافية، وهو أمر يفرض اللجوء إليه في بعض الأحيان النظام الانتخابي، والانتخابات المبكرة، وليس انتخابات 2015 ببعيدة.

خامساً: المؤسسات الأمنية:

تأتي أهمية تناول المؤسسات الأمنية في تركيا عند رسم خريطة الفاعلين السياسيين؛ لما لها من أثر في الحياة السياسية التركية، أما المؤسسة العسكرية (الجيش) فمن المعروف قيامه بالعديد من الانقلابات التي عرقلت المسيرة السياسية الديمقراطية في تركيا، فضلا عما كان من سيطرة الطابع العسكري على مجلس الأمن القومي، أما المؤسسة الأمنية الداخلية، فأيضًا عانت الضعف في فترات سابقة، ما أضفى حالة من عدم الاستقرار العام، التي أثرت وتأثرت بالحياة السياسية.

1- المؤسسة العسكرية:

يمكن القول إن المؤسسة العسكرية هي من صمم الدولة التركية، فقد عرفت تركيا الانقلابات العسكرية منذ عام 1908 بالانقلاب على السلطان عبد الحميد الثاني، وسيطرة ضباط جمعية الاتحاد والترقي على الحكم، ثم إعلان مصطفى كمال أتاتورك سقوط الخلافة. والعسكر هم من وضعوا الدساتير بداية من عام 1924، ثم عام 1961، ثم انتهاءً بدستور 1982، والذي يستمر العمل به في تركيا حتى اليوم، مع إجراء بعض التعديلات، تلك الدساتير التي أسست علمانية الدولة.

وطوال تلك العقود ما إن تصل سلطة مدنية إلى الحكم تهدد الأسس العلمانية التي قامت عليها الجمهورية التركية، حتى يقوم الجيش بالانقلاب عليها، وعلى هذا الأساس كانت سلسلة انقلابات (1960 – 1971- 1980)، وصولا إلى الانقلاب ضد حكومة نجم الدين أربكان عام 1997 (.(وعقب فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية عام 2002م اختلفت الأمور، لتبدأ المؤسسة العسكرية في فقد زمام السلطة تدريجيًّا، لتعود إلى ثكناتها حتى اليوم، حتى يمكن القول إن تركيا تعيش حالة متوازنة بدرجة كبيرة في علاقاتها المدنية العسكرية(24.(

ويمكن الحديث عن أكثر من مستوى لتطوير المؤسسة العسكرية:

(أ) المستوى القانوني:

بدأت مرحلة تاريخية جديدة منذ اجتماع المجلس الأوروبي في هلسنكي الفنلندية عام 1999(25( وما تلاها من مرحلة جديدة لمسيرة المساعي التركية للانضمام للاتحاد الأوربي26. ولما كان الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي “مطلب قومي أتاتوركي” في الأساس ثم هو مطلب النُخب العلمانية بمختلف أطيافها – وإن اختلفت درجة الاهتمام مع الوقت، فضلا عن كونه أيضًا مطلب شعبي من أجل حياة اقتصادية أكثر رفاهية، ورغم أن المؤسسة العسكرية كانت تدرك تمامًا أن انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي يُعَد سحبًا لكافة سلطاتها السياسية ولقوتها الاقتصادية الخاصة، ويعني أيضًا إعادة تنظيم وضعيتها الدستورية وما تسيطر عليه من مؤسسات وفق المعايير الأوروبية. غير أنها لم يكن باستطاعتها الجهر بمعارضتها لمطلب قومي أتاتوركي، وبالتالي فهي لن تقف حائلاً أمام الإصلاحات التي سيقوم بها حزب العدالة والتنمية الذي وصل للحكم عام 2002 وفق متطلبات برنامج الإصلاح الأوروبي27.

لكن ما سبق لا ينفي اتخاذ خطوات سابقة على حكم العدالة والتنمية، ففي عام 2001، وقبل وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة بعام، جرت تعديلات دستورية شملت 37 مادة، كان من ضمنها المادة 118 الخاصة بمجلس الأمن القومي، حيث أدرجت عضوية وزير العدل ونائبي رئيس الوزراء، وبه صارت المقاعد المدنية داخل المجلس أكثر من المقاعد العسكرية.

وقد أُجريت تعديلات في 2004 أبعدت العسكريين عن عضوية مجالس التعليم، واتحاد ‏الإذاعة والتلفزيون، كما سمحت برفع دعاوى قضائية لاستجواب الجنرالات ومقاضاتهم، ‏كما حدث أخيرًا مع قضية «المطرقة» المعروفة بـ “أرجنيكون” (وهي منظمة انقلابية لها أعضاء في مؤسسات مختلفة)، والتي يحاكم فيها ‏‏250 عسكريًّا منهم (173) ضابطًا في الخدمة، و(77) متقاعدون، بعضهم برتبة ‏جنرال، وهذه القضية تحديدًا هي التي دفعت رئيس الأركان «أشيك كوشنير» وأربعة ‏من كبار قادة الجيش -بما فيهم قادة القوات البحرية والبرية- إلى الاستقالة، والتي وضحت في الرسالة الوداعية لكوشنير بقوله: “إنه من ‏المستحيل الاستمرار في منصبه، لأنه غير قادر على الدفاع عن حقوق القادة ‏العسكريين الذين تم اعتقالهم”(28.(

وصارت المؤسسة العسكرية تحت الرقابة إما بصورة مباشرة من خلال الرقابة الكاملة من ديوان المحاسبة، أو الترصد تجاه أي محاولة للانقلاب. وفي المقابل لم يعد الجيش يُعلق بأي تصريحات على الأزمات والاضطرابات السياسية، ففي الأزمات الأخيرة التي شهدتها تركيا، سواء أحداث تقسيم أو مجمل الاحتجاجات ضد أردوغان، وما يتعلق بأزمة الفساد الأخيرة، أو الأزمة مع حركة فتح الله كولن كان موقف الجيش هو “الحياد”. وأمام بعض أو التوقعات بانقلاب الجيش على حكومة أردوغان، كانت تصريحات الجيش التي تؤكد بأنه لن ينقلب ضد حكومة مدنية”(29.(

(ب) التطوير الوظيفي التسليحي:

شهدت الصناعات الحربية التركية تطورًا ملحوظًا، على سبيل المثال: صناعة الغواصات والطائرات بدون طيار. ومؤخرًا كانت تصريحات مسئولين أتراك بأن جيش تركيا الجديدة سيكون بحلول العام 2023 عبارة عن قوات عسكرية تتمتع بالقدرة الكبيرة على الردع، قوات تتسم بنوع لا نظير له من التفوق، بحيث يصبح الجيش يولي أهمية للعمليات المختلطة، ويستخدم القوات التقليدية إلى جانب استخدام القدرات المختلفة في مجالات الفضاء، والعمليات الخاصة، والحرب الإلكترونية وغيرها، والهدف من هذه الجهود أن يصبح الجيش على أتم الاستعداد للحرب في أي وقت، ولديه سرعة كبيرة في ردة الفعل، مجهزًا بأفضل التجهيزات الحديثة( (30.

(ج) المستوى الهيكلي:

أصدر المجلس العسكري الأعلى في تركيا قرارا باستبدال معظم قادة الجيش التركي، وشملت الإقالات قادة كان من المفترض أن تنتهي فترتهم في ٢٠١٥، جاءت من المجلس العسكري الذي يترأسه رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان عقب تعديلات في لائحة الجيش التركي.

وكان ذلك ارتباطًا بتعديلات قانونية للائحة الداخلية للجيش التركي، وتحديدًا (المادة ٣٥) التي أُقرت بواسطة قادة انقلاب عام ١٩٦٠ الذي أطاح برئيس الوزراء عدنان مندريس وأدى إلى إعدامه لاحقا، وهي مادة رئيسية اعتمد عليها الجيش التركي في شرعنة انقلاباته العسكرية. تلك المادة تبرر للجيش التدخل ضد أي حكومة أو كيان داخل تركيا يتعدى على القيم الكمالية العلمانية للدولة التركية( (31.

2ـ جهاز الاستخبارات:

تأسس جهاز الاستخبارات التركي عام 1965، ويرمز اختصاراً لوكالة الاستخبارات التركية بـ (MIT). وتضطلع الاستخبارات التركية بمهمة كبرى هي – كغيرها من أجهزة الاستخبارات – التنبؤ بأية مخاطر أو تهديدات من الممكن أن تواجه البلاد، ويندرج ضمن هذه المهمة الكبرى عددٌ من المهام المنبثقة عنها أبرزها: جمع المعلومات الاستخبارية عن مختلف التهديدات الداخلية والخارجية التي تعرض سلامة وأمن الدولة التركية وشعبها، وتقديم المعلومات الاستخبارية لرئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ومجلس الأمن القومي، واعتراض عمليات التجسس والاستخبارات المضادة، والحفاظ على أمن الاتصالات الرسمية”(32.(

وقد خضع جهاز الاستخبارات التركي عام 2009 لإعادة بناء شاملة وتنظيفه من بقايا الدولة العميقة، كما شكل تعيين “هاكان فيدان” على رأس جهاز المخابرات التركية نقلة نوعية في عمل الجهاز بعد أن اخترق خارجياً وداخلياً لسنوات طويلة. فمباشرة بعد وقوع أحداث سفينة مرمرة عام 2010، تم تعيين “هاكان فيدان” (الذي تصفه وسائل الإعلام بأنه رجل المهمات الصعبة، وأكثر المقربين من أردوغان) على رأس جهاز الاستخبارات خلفا لسلفه “أمير تانير” الذي كان متهماً بالتعاون مع الموساد الإسرائيلي، ولكن جماعة فتح الله كولن، ولأسباب غير معلنة في ذلك الوقت، رفضت “هاكان فيدان”، ووظفت كل قوتها للإطاحة به.

3ـ مجلس الأمن القومي:

وصل الحزب الديموقراطي للسلطة في 22 مايو 1950 لرئاسة الدولة بجلال بايار ضابط حرب الاستقلال ورئيس الوزراء السابق ورئاسة الوزراء لعدنان مندريس. وفي هذه الأثناء حدث الخلاف بين الجيش والحكومة، وتشابك هذا مع اضطرابات  اقتصادية، ذلك حتى انتهى الأمر بانقلاب27 مايو 1960. وهنا تقرر تأسيس مجلس (مجلس الأمن القومي) يتم تثبيته بالدستور بحيث يكون وسيلة لمزيد من تأسيس دور الجيش في الحياة السياسية وذلك في عام 1960 ذاته وتم ترسيخه بالدستور عام 1961. وفي عام 1980 ومع انقلاب الجنرال كنعان إيفرين تم رفع مستوى المجلس ليكون صاحب القرار الحاسم والمرجعية الأساسية بالحكم عبر تمدد سلطاته وقوته وأعضائه العسكريين على حساب المدنيين.

ورغم رئاسة رئيس الجمهورية للمجلس، إلا أن قوة تأثير القادة العسكريين كانت هي المتغلّبة.. ولهذا استثمر الجيش من خلال المجلس، وبما مُنح للمجلس ‏من صلاحيات تنفيذية ورقابية على الهيئات الدستورية، وغير ذلك من أدوارًا تنفيذية ورقابية، بما جعله يطغى في دوره على مجلس الوزراء، ويهيمن على ‏الشأن السياسي.‏

وفي مرحلة أخرى فاصلة،نجد أنه مع تشكيل حزب الرفاه بزعامة نجم الدين أربكان حكومته الائتلافية عام 1996 تكررت التوترات مع المؤسسة العسكرية ونفذ الجيش انقلابًا هادئً أجبر أربكان على الاستقالة بفعل ضغوط مجلس الأمن القومي.

وكانت تقارير الأداء التي أعدها الاتحاد الأوروبي منذ عام 1998 حتى عام 2001 قد ركزت على توجيه النقد للدور البالغ الذي يلعبه الجيش في الحياة السياسية من خلال مجلس الأمن القومي تحديدًا. واتصالا بذلك، فإن المذكرة الأوروبية لعام 2002 قد طالبت بوجوب إعادة تنظيم “مجلس الأمن القومي” دستوريًّا وفق المعايير الأوروبية وتحويله إلى مؤسسة استشارية في خدمة الحكومة( (33.

ورغم أن المسار الأوروبي كان عاملا أساسيًا في إعادة صياغة دور وتشكيل مجلس الأمن القومي التركي، إلا أن هناك عوامل أخرى يجدر الإشارة إليها، ألا وهي: انتهاء الحرب الباردة وبروز قضايا أمنية ذات طبيعة مختلفة، فضلا عن ظهور موجة جديدة للتحول الديمقراطي. الاضطرابات الاقتصادية التي دفعت الشعب للمطالبة برؤية جديدة. – ظهور وجهة نظر بالجيش التركي تؤيد تلك الأفكار (34(.

أيضًا مثلت رؤية العدالة والتنمية للأمن القومي ببعديه الداخلي والخارجي دافعًا للتغيير، فعلى الصعيد الداخلي، كانت سياسة الانفتاح الديمقراطي في التعامل مع مشكلات الأقليات وعدم الاقتصار على الحلول الأمنية، وهو ما عبر عنه أحمد داوود أوغلو بمبدأ الموازنة بين الحرية والأمن كمحرك، أيضًا السياسة الخارجية التي نظر لها أوغلو أيضًا عبر مبدأ تصفير المشكلات مع دول الجوار. وبالتالي، فإن الرؤية لمفهوم الأمن القومي ومصادر التهديد وإدارة التفاعل معها قد حدث بها تغير، وهو ما يجب أن يكون له انعكاساته على المؤسسات المعنية وعلى رأسها مجلس الأمن القومي. وفيما يلي ستتطرق إلى انعكاسات ما سبق من تطورات في مراحل مختلفة على التطور الدستوري والقانوني لمجلس الأمن القومي.

وفيما يتصل بمجلس الأمن القومي بشكل مباشر، فقد جرت تعديلات دستورية في 30 أكتوبر 2001 شملت (37) مادة دستورية كان من ضمنها المادة (118) الخاصة بمجلس الأمن القومي تحديدًا؛ فوسعت التعديلات من عدد أعضاء المجلس؛ حيث تم إدراج عضوية وزير العدل ونائبي رئيس الوزراء، وهي إضافة رجحت كفة المقاعد المدنية داخل المجلس من الناحية العددية. كما شملت التعديلات طبيعة قرارات مجلس الأمن الوطني؛ فتم إلغاء نص “يراعي مجلس الوزراء قرارات المجلس بعين الاعتبار الأولى”، وتحول إلى “يقوم مجلس الوزراء بتقييم قرارات مجلس الأمن القومي”.

‏أيضًا، نجد المادة (4) من ‏قانون مجلس الأمن القومي عُدِّلت لتقتصر مهامه على “رسم سياسة الأمن الوطني، ‏وتطبيقها، وإعلام مجلس الوزراء بها، والانتظار لما يُسند إليه من مهام لتنفيذها ‏ومتابعتها”، وهو ما يعني أن المجلس تحوّل إلى جهاز استشاري فقط لا غير.‏

كما عُدلت المادة (15) ولم يعد تعيين أمين عام المجلس من القوات المسلحة، بل ‏سُمح لشخصيات مدنية تولّي المنصب، وهو ما حدث في عام 2004، حينما عُيّن “‏محمد بوجان” في منصب أمين عام مجلس الأمن القومي كأول شخصية مدنية تتولاه. ‏وبتعديل المادة الخامسة أيضًا أصبح انعقاد المجلس الدوري مرة كل شهرين بدلا من مرة كل شهر. كما أن التعديل الذي جرى على المادتين (4) و(13)، وكذلك إلغاء المواد أرقام 9 و14 و19 من القانون ذاته قد قلَّص بشكل واضح من سلطات المجلس وأمينه العام، فقد سُحب من الأمانة العامة للمجلس حقها في الحصول على المعلومات والوثائق السرية بكل درجاتها عند طلبها من الوزارات والمؤسسات العامة والهيئات ورجال القانون(35 (.

ومع ذلك، يمكن القول إنه مازال المجلس يمارس نفوذا بالدولة عبر العديد من الوسائل غير المباشرة، وبحسب المفوضية الأوروبية مازال الوضع غير مرضي عنه أوروبياً.

ويمكن القول: إن الإدارة السياسية لحزب العدالة والتنمية في شؤون السياسة الداخلية والخارجية وبناء اقتصاد قوي ساهم في تبلور رؤية مختلفة للأمن تجعله أوسع من المؤسسات التقليدية، كان لها تأثيرها الإيجابي في تعزيز الديمقراطية وحماية الحريات وحقوق الإنسان، كما أن المؤسسة العسكرية ذاتها لم تعد تشعر بذات القلق من الإدارة السياسية القائمة تجاه مبادئ الجمهورية36.

وفي هذا السياق، يمكن التطرق إلى مثالين يوضحان تفاعل مجلس الأمن القومي التركي مع القضايا، وإلى أي مدى اقترن التطور الدستوري والقانوني بتطور في الرؤية:

المثال الأول: قائمة التهديدات:‏ ف”الكتاب الأحمر” هو وثيقة أمنية يجرى تجديدها كل 5 سنوات لتحديد عناصر تهديد الأمن القومي داخليا وخارجيا واستراتيجيات الدفاع في تركيا. ويتم وضعه من قبل قيادة الأركان، ويُجري مجلس الأمن القومي المصادقة النهائية عليه. وتم استحداث وثيقة أمنية عام 2005 عندما بدأت تركيا محادثات الانضمام إلى الاتحاد الاوروبي. ورغم أن هذه الوثيقة حافظت طويلا على بند يصنف “التيارات الرجعية والإسلامية” كتهديد للنظام37، فقد انعكست فيها توجهات حزب العدالة والتنمية داخليًا وخارجيًا، إذ أقر مجلس الأمن القومي التركي تعديلات على تلك الوثيقة، نصت على حذف تصنيف خطر “التيارات الرجعية والإسلامية” على النظام واستبداله بخطر “التنظيمات الدينية المتطرفة، كما تم رفع إيران من قائمة تهديد النظام، إلا أنه تم ادخال اسمها في قائمة التهديد النووي إلى جانب إسرائيل، وأضيف عدم الاستقرار في العراق وخصوصًا التهديد القادم من شماله إلى قائمة التهديدات الخارجية. وفي بند التهديدات الداخلية تمت إضافة الانقلابات العسكرية والعصابات السرية، والتأكيد على تهديد حزب العمال الكردستاني المحظور الذي ينفذ هجمات على الأراضي التركية.

المثال الثاني: الرؤية المستقبلية: يبرز في هذا الصدد ما صرح به “جنكيز ياويللي أوغلو” عضو لجنة التحقيق في الانقلابات العسكرية ونائب حزب العدالة والتنمية عن محافظة إسكي شهير، من أن مجلس الأمن القومي التركي قد أدار العملية السياسية ووضع الدساتير والقوانين منذ انقلاب 1960، وأنه بذلك كان يعتبر مجلسًا لإدارة الشئون السياسية لتركيا. وقال إن جهود انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي قد يسرت تعديل وضعيته القانونية والدستورية منذ بداية الألفية الجديدة، وحولته تدريجيًا إلى مجلس خاضع للسلطة المدنية وذا أكثرية مدنية. غير أن “ياويللي أوغلو” اقترح أن يعود دور مجلس الأمن القومي التركي إلى ما كان عليه الوضع في عام 1933 تحت مسمى “مجلس الدفاع الأعلى”، بحيث يعنى فقط بالشئون الخارجية وتهديدات الأمن القومي التركي من الخارج(38).

الأمن الداخلي:

شهد الأمن الداخلي في عهد العدالة والتنمية تقدمًا لا يمكن إنكاره، ولعل في إسطنبول المثال الأبرز على هذا، تلك المدينة التي طالما عاثت فيها عصابات المافيا فسادًا، حتى كان الخوف رفيق من يسير في شوارعها، هي الآن أصبحت من أكثر المدن أمنًا سواء لسكانها أو للسائحين. ورغم ذلك، فمع تتابع المستجدات داخليًا وخارجيًا،اعترفت الحكومة التركية مؤخرًا بالحاجة إلى رؤية أكثر عمقًا للأمن، وذلك من خلال تصريح أصدره “بولنت آرينتش” نائب رئيس الوزراء، وقرار اتخذه المجلس الوزاري، جاء فيهما أن المنظومة الأمنية الداخلية في تركيا تحتاج لبرنامج إصلاح وإعادة هيكلة شاملة حتى تكون قادرة في المستقبل على مواجهة التحديات الأمنية الشبيهة بالتي واجهتها على إثر أزمة مدينة عين العرب السورية المعروفة لدى الأكراد بكوباني.

وقال “بولنت آرينتش” إن المجلس الوزاري قرر وضع خطة شاملة لإصلاح المنظومة الأمنية الداخلية، وأن الذين سيضعون هذه الخطة سيدرسون المنظومات الأمنية في الدول الأوروبية وخاصة المنظومة الأمنية الألمانية.

وتواجه تركيا تحديات أمنية داخلية كبيرة، أخطرها في المحافظات الشرقية الجنوبية، حيث توجد خلايا قديمة لحزب العمال الكردستاني الذي كانت له أنشطة عسكرية كثيفة.ومن التحديات الأخرى التي تواجهها المنظومة الأمنية التركية الداخلية؛ ما يقال بشأن قيام جماعة فتح الله كولن باختراق الجهاز الأمني عبر آلاف المنتمين للجماعة والذين يقدمون ولاءهم للجماعة على ولائهم لمسؤوليهم. ومن التعديلات التي طالما تم السعي إليها نقل تبعية “قيادة الأمن العام” من رئاسة الأركان حاليًا إلى وزارة الداخلية؛ لتتحول تدريجيًا إلى مؤسسة مدنية لا علاقة لها بالجيش تقوم بحفظ الأمن والنظام العام تحت مظلة وزارة الداخلية39.

وهذا على نحو يعكس تطور رؤية الأمن القومي، سواء من حيث المضمون أو الآليات، ولعل الفترة المقبلة ستشهد تبلور هذه الرؤى بشكل أوضح، خاصة في ظل العملية الجارية لإعداد دستور جديد للجمهورية التركية، وعلى نحو يسهم في ضمان الاستقرار السياسي.

خامساً: المؤسسة القضائية:

تنبع ضرورة تناول المؤسسة القضائية عند تناول خريطة الفاعلين السياسيين في تركيا، لما لعبته من دور سياسي في مراحل مختلفة، دور كان أهم ملامحه الانحياز للعسكر والعلمانية. ومن أشهر الأحكام المسيسة للقضاء التركي نفي بديع الزمان النورسي، والإعدام لعدنان مندريس، جزاء من يحاول من الرموز الدينية والروحية والقيادات السياسية الخروج على الثوابت العلمانية. هذا فضلا عن تورط أعضاء من السلطة القضائية في تنظيم الأرجنيكون الانقلابي”(40.(

وتمارس السلطة القضائية في تركيا من خلال محاكم وجهات قضائية عليا نيابة عن الشعب التركي. يستند القسم القضائي في الدستور إلى مبدأ سلطة القانون، إذ تم تأسيس السلطة القضائية وفقًا لمبادئ استقلال المحاكم وتأمين مدة تولي القضاة لمناصبهم. وعلى المستوى القانوني، يجب أن تنصاع الجهات التشريعية والتنفيذية لأحكام المحاكم، ولا يمكنها تغيير أو تأخير تطبيق هذه الأحكام. وبشكل عملي، تبنى الدستور التركي النظام القضائي ثلاثي الجهات وتبعًا لذلك، انقسم النظام القضائي إلى القضاء الإداري والقضاء القانوني والقضاء الخاص. وقد نص القسم القضائي في الدستور على المحاكم العليا التالية: المحكمة الدستورية، ومحكمة الاستئناف العليا، ومحكمة الاستئناف العسكرية العليا، والمحكمة العسكرية الإدارية العليا، ومحكمة النزاعات القضائية.

وقد حدث إصلاح قضائي على أكثر من صعيد:

1- بالنظر إلى ما يتصل بحرية التعبير والصحافة والنشر قبل عام 2012م، يُرصد الكثير من الشكاوى والانتقادات؛ بسبب عقوبات وقف النشر المدرجة ضمن المادة السادسة من قانون مكافحة الإرهاب، ما أدى إلى صدور قرارات ضد هذه الإنتهاكات من قبل المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وبموجب القانون الصادر عام 2012م تم إلغاء عقوبات وقف النشر في المستقبل، وتم إلغاء قرارات المصادرة بشأن الصحف المطبوعة حتى 31 ديسمبر عام 2011م، كما تم تأجيل الدعاوى والعقوبات المتعلقة بالجرائم المرتكبة عن طريق الصحافة والنشر.

2- العدالة الناجزة: تم النظر في عناصر “جريمة التأثير على المسار القضائي”، إذ كانت تنتشر بعض الشكاوى المتعلقة باستغراق المحاكمات لفترات طويلة، لذا بعد إعادة النظر في هذه المسألة استحدثت إمكانية تأجيل جرائم الإرهاب البسيطة وتحويلها إلى غرامات جنائية، وتم رفع حد حظر الإعتقال إلى عامين، وتم توسيع نطاق تطبيق الرقابة العدلية بهدف تقليل العناء والمشقة التي تنتج عن الإعتقال، كما استحدثت “قاعدة المحاكمة دون إحتجاز” بالنسبة للجرائم التي يصل الحد الأقصى للعقوبة فيها حتى عامين.

3- تفعيل “قاضي الحريات”: وهذا في إطار الحزمة القضائية الثالثة لإصدار قرارات القيام بإجراءات مثل: الاعتقال والتحري والتنصت على المكالمات، بهدف تعزيز حقوق المتهم وحق الدفاع، كما تم رهن البت في الإعتراضات على هذا النوع من قرارات قضاة الحريات بقضاة آخرين مكلفين بهذه المهمة، وأصبح من الضروري إصدار مبررات لقرارات الاعتقال بأسباب جوهرية، وتم تقليص مدة الاعتقال(41.(

وجرت تعديلات أيضاً بخصوص القانون الخاص بتوسيع نطاق تطبيق الحرية المراقبة التي تعد كنظام بديل للعقوبة والتنفيذ حيث يتضمن تطبيق العقوبات والتدابير البديلة التي تصدرها المحاكم بدلاً من عقوبة الحبس بشأن المجرمين والمدانين(42(.

1ـ المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين:

يُعد المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين ذو سلطة أحادية، يختص بجميع الحقوق الشخصية منذ بداية التعيين وحتى التقاعد لجميع القضاة والمدعين العامين في محاكم الدرجة الأولى من القضاء العدلي والإداري، وقد تعرض المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين في السنوات الأخيرة إلى الكثير من الإنتقادات بسبب تدخلاته في عملية التقاضي، حيث يختار بموجب سلطاته جميع أعضاء المحكمة العليا وثلاثة أرباع أعضاء مجلس الدولة، لذا يكاد يكون هو صاحب الكلمة العليا في تشكيل القضاء العالي بسبب صلاحياته الواسعة، لذلك شهدت الأعوام الأخيرة تغييراً مهماً بموجب التعديلات الدستورية عام 2010م، حيث نصت التعديلات على أن يتكون المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين من اثنين وعشرين عضواً أصلياً وسبعة عشر عضواً احتياطياً وإضافة للسبعة أعضاء الموجودين في المجلس، استحدثت قاعدة اختيار ثلاثة أعضاء من بين القضاة والمدعين العامين بمحاكم الدرجة الأولى بالقضاء العدلي، وعضواً واحداً من بين أعضاء أكاديمية العدل التركية، وكذلك اختيار أربع أعضاء من بين أعضاء هيئة التدريس المتخصصين في القانون والمحامين من قبل رئيس الجمهورية.

في حين كان يتكون فيما مضى من سبعة أعضاء هم وزير العدل ومستشار وزارة العدل وثلاثة أعضاء من المحكمة العليا وعضوين من مجلس الدولة، لذا أصبح المجلس بتشكيله الجديد أكثر ديمقراطية وتعددية، ومن التجديدات المهمة التي أُجريت على المجلس أنه بات بإمكانه مباشرة أعماله دون مشاركة مستشار وزارة العدل.

إلا أنه رغم هذه التعديلات الإيجابية، ثمة قصور مهم في تشكيل المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين، وهو استمرار عدم الإعتراف بأي سلطة للبرلمان في اختيار أعضاء المجلس، في حين أنه لا توجد أي دولة في أوروبا لا يختار البرلمان فيها أعضاء مجالسها العليا.

2ـ المحكمة الدستورية:

تغيرت بنية المحكمة الدستورية بعد التعديلات الدستورية عام 2010م، فأصبحت مكونة من سبعة عشرة عضواً أصلياً، في حين كانت تتكون من أحد عشر عضواً أصلياً وأربع أعضاء احتياطيين، واعتبر إلغاء العضوية الاحتياطية قراراً مصيباً، لأنه لم يكن بالإمكان أن ينضم الأعضاء الأصليون في المحكمة الدستورية إلى هيئة المحكمة في حال وجود أعضاء احتياطيين أكثر أقدمية، وبموجب هذه التعديلات أيضاً تم استبدال قاعدة بقاء الأعضاء حتى سن الخامسة والستين بتحديد المدة الوظيفية باثني عشر عاماً.

وحسب التعديلات الدستورية عام 2010م، أصبح البرلمان يختار عضوين من بين ثلاثة مرشحين من قبل الجمعية العامة لديوان المحاسبات، وعضواً واحداً من بين ثلاثة مرشحين مقدمين من قبل رؤساء نقابات المحامين. أما رئيس الجمهورية فيختار بشكل مباشر أربعة أعضاء من بين كبار الإداريين، والمحامين المستقلين، ومقرري المحكمة الدستورية الذين عملوا على الأقل لخمس سنوات مع قضاة الدرجة الأولى والمدعين العامين، كما يختار رئيس الجمهورية أيضاً ثلاثة أعضاء من بين ترشيحات المحكمة العليا، وعضوين من بين ترشيحات مجلس الدولة، وعضواً واحداً من بين الترشيحات المقدمة من المحكمة العسكرية العليا، والمحكمة الإدارية العسكرية العليا، وكذلك ثلاثة أعضاء من قبل مؤسسات التعليم العالي.

بهذا تم القضاء على ثقل القضاء الأعلى في تشكيل المحكمة، وبذلك أيضاً لن يكون رئيس الجمهورية هو صاحب الكلمة العليا في تحديد جميع أعضاء المحكمة، وهو أمر يصب في صالح الفصل بين السلطات. لكن مع ذلك فإن اختيار رئيس الجمهورية لأربعة عشر عضواً من مجموع سبعة عشر عضواً يؤكد استمرار تأثير رئيس الجمهورية بشكل كبير في تشكيل المحكمة الدستورية، وزيادة أعضاء هيئة التدريس إلى ثلاثة يعد إيجابياً من ناحية الرقابة التي تقوم بها المحكمة الدستورية(43(.

الجزء الثاني: المؤسسات السياسية غير الرسمية:

شهدت العقود الأخيرة دوراً متزايداً للفواعل غير الرسمية كالأحزاب السياسية وجماعات الضغط ومنظمات المجتمع المدني المحلية والدولية في رسم وتطوير بعض السياسات العامة وأداء الوظائف، وهو ما سيتم تناوله على النحو التالي:

أولاً: الأحزاب السياسية العلمانية:

1ـ الأحزاب الكمالية:

كان حزب “الشعب الجمهوري” الممثل الأساس والوحيد لفترة طويلة عن هذا التوجه. وقد كانت الآثار واضحة في مجالات التعليم والفكر والقوانين بعد ذلك. وتتسم الكمالية بتبني نمط متشدد من العلمانية، لا يقوم على مجرد فصل الدين عن السياسة، وإنما العمل على الحد من مساحته إلى أقصى حد، بل وحبذا لو محوه تمامًا. وتقوم الكمالية على مبدأ التوجه صوب الغرب. وليس المقصود بالغرب هنا كمنطقة جيوسياسية وإنما كحضارة مؤسسة على كلٍ من الرأسمالية وأولوية العلمانية، ما أدى إلى سيطرة اقتراب ضيق على السياسات التركية يتجاهل خصوصية الهوية التركية المركبة. وبالرغم من ذلك، فهذه النخبة لم تستطع أن تجعل أوروبا تقبل تركيا وثقافتها. وفي الوقت ذاته استمرت النخب العلمانية تنظر إلى الدوائر الأخرى للسياسة التركية في العالم العربي وإيران وأفريقيا وآسيا كمجرد ساحة خلفية لا يأتي منها سوى المشكلات(44). وتعتمد الاستراتيجية الأساسية لموقع الكمالية في المعارضة على اتهام الحكومة باتباع سياسات تمثل خطرًا على أساس الدولة العلماني.

2ـ الأحزاب السياسية القومية:

وترى التركيز على القومية التركية، ولكن على نحوٍ يتسع عن حدود الرؤية الكمالية، إذ تعمل على تعزيز التعاون مع الأمة التركية خارج حدود دولة تركيا. وقد ارتفعت وتيرة هذا الخطاب بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وظهور الجمهوريات الجديدة (ذات القومية التركية). وتدعم هذا الخطاب لمواجهة حزب العمال الكردستاني والذي يرى أنه يمثل القومية الكردية والمطالبة بحقوقها في تركيا. ومن ثم، فإن هذا التوجه يأخذ منحى متحفظًا تجاه مسألة الانضمام للاتحاد الأوروبي، لا سيما وأن معايير كوبنهاجن تقضي بإعطاء مزيدًا من الحقوق والحريات للقومية الكردية داخل تركيا وغيرها من القوميات بشكلٍ عام. ويمثل حزبُ الحركة القومية اليمينَ القومي في تركيا، بينما يمثل الحزبُ الديمقراطي اليساري اليسارَ القومي، والذي قاوم الإصلاحات الأوروبية خلال الحكومة الائتلافية في الفترة من (1999- 2002)(45).

واتساقًا مع ما سبق، فإن سلاح المعارضة الرئيس لهذا الاتجاه، اتهام الحكومة باتباع سياسات تمثل خطرًا على الهوية القومية التركية، على خلفية سياسات الانفتاح الديمقراطي المتبعة مع الأقليات، وبخاصة القومية الكردية.

3- الأحزاب ذات الجذور الإسلامية:

نشأت هذه الأحزاب في ثوبها الجديد في تركيا في بداية القرن الرابع عشر الهجري لمواجهة ما طرأ من تغيرات في المجتمع، وحاولت في هذا الصدد النفاذ إلي الشعب التركي في كافة مناحي حياته الثقافية والاجتماعية والسياسية(46). ويمكن في هذا الإطار الحديث عن تيارين، التيار الإسلامي التقليدي، والتيار الإسلامي المعاصر (المتحول أغلبه عن العلمانية لاسيما الماركسية).

حيث تحولت رموز الفكر العلماني واليساري منه تحديدًا إلى الإسلام وإطاره المرجعي، في وقت تنامت فيه الصحوة الإسلامية على مستوى متسع وكذلك دراستها، وهذا بحثًا عن مشروع نهضوي بديل. وشهدت الأحزاب الإسلامية في تطورها أكثر من مرحلة بداية من الأحزاب التي أسسها “أربكان” والتي اتخذت السمت الإسلامي المباشر، وصولاً للأحزاب التي تبنت سمت الديمراطية المحافظة التي يمثلها حزب العدالة والتنمية.

ومن أهم مراحل التطور ما ارتبط بظروف ما بعد الحرب الباردة التي ساهمت في بروز التوجه الإسلامي في المجتمع التركي ليفوز حزب الرفاه ذو التوجه الإسلامي في انتخابات 1996 ويشكل حكومة ائتلافية.

وقد أجبرت حكومة أربكان على الاستقاله بذريعة مخالفتها لعلمنة الدولة، وأعلن الجيش مذكرة جاء فيها إغلاق قسم من دور القرآن وتجميد نشاط أعضاء حزب الرفاه، الذي بعد حظره تم تأسيس حزب الفضيلة كمسمى جديد له.

إلا أنه على إثر ما سبق من خبرات للتيار الإسلامي من صدام مع المؤسسات العلمانية بالدولة، خرج حزب العدالة والتنمية عن حزب الفضيلة ليعبر عن تيار أكثر مرونة، وفي هذا الإطار أسس رجب طيب أردغان وآخرون هذا الحزب 2001 ليفوز  في انتخابات 2002. وأهم ما ميز هذا الحزب الحرص على الاستفادة من دروس الماضي، فلم يعرف نفسه كحزب إسلامي وإنما كحزب ديمقراطي محافظ، سعيًا للموازنة بين هوية المجتمع الثقافية وسلطة الدولة(47). ولكن مع ذلك، اصطدم الحزب بهذه المؤسسات الرسمية وكاد الحزب أن يحظر في 2008 إلا أن المحكمة الدستورية اكتفت بقرارات تحذيرية.

وأهم ما يميز التيار الإسلامي في تركيا هو تنوع روافده، ففي إطاره يوجد: حزب السعادة (مسمي جديد لحزب الفضيلة) وحزب العدالة والتنمية (الديمقراطي المحافظ)، هذا إلى جانب استناد هذا التوجه إلى قواعد ومؤسسات اجتماعية راسخة.(48)

ثانياً: الكيانات المدنية ذات التأثير السياسي:

مؤسسات المجتمع المدني التركي هي في جانب كبير منها انعكاس لما سبق رصده من تيارات سياسية، فمنها ما هو ذو طابع إسلامي، وما هو ذو طابع علماني. وتتمثل أهم مظاهرها في:

1- المؤسسات الوقفية:

التي تتصدر قائمة مؤسسات المجتمع المدني في تركيا، ولها دورها الحيوي في خدمة المجتمع التركي في مختلف العهود. ومن أهم المجالات التي تعمل فيها المؤسسات الوقفية: التربية والتعليم، والثقافة والفنون، والرياضة والصحة، والتضامن الاجتماعي، والتكنولوجيا، والبحث العلمي، الإعلام، والبيئة(49).

2- الجماعات الدعوية:

تتسم خريطة الجماعات الإصلاحية الدعوية التركية بالتنوع، ومن أكثر الجماعات شهرة في تركيا:

(أ) السليمانيون: التي عملت على الحفاظ علي العلوم الإسلامية والحروف العربية وتحفيظ القرآن الكريم. وقد أيدت الحركة الحزب الديمقراطي وحزب العدالة حتى انقلاب عام 1980، كما ساندت حزب الرفاه في الانتخابات المحلية عام 1994، أي أن هناك أثرً كبير لها في العمل السياسي وإن كان غير مباشر حيث يأتي عن طريق التصويت، وقد أصبحت هذه الحركة الآن أكثر انفتاحاً نتيجة ما مرَّ بها من تحولات.

(ب) النورسيون أو جماعة النور:وينتمون إلى “بديع الزمان سعيد النورسي”، وهو مفكر له مكانة مهمة في مجال الإيمان والعقيدة والدعوة الإسلامية. وقد عاصر كيانين مختلفين هما؛ الدولة العثمانية والجمهورية التركية، وانتقد السياسات الحكومية العلمانية إزاء معاني التحديث(50).

وتفرعت حركة النور إلى عدة مجموعات، مجموعة “الجيل الجديد أو آسيا الجديدة”، ومجموعة “وقف الزهراء”، ومجموعة “شورى”، مجموعة “فتح الله جولنً”، والأخيرة تعد أكبر مجموعات جماعة النور(51).وهي من أكثر الجماعات تأثيرًا على المستوى السياسي، سواء حين تقاربها مع العدالة والتنمية، أو حين معارضتها له. ومؤخرًا برزت بعض التكوينات الصغيرة إلى ساحة العمل السياسي، مثل جماعة “إسماعيل باشا”، التي أبدت تأييدها لحزب العدالة والتنمية إبان انتخابات 2015.

ويمكن إجمال  التأثير السياسي للجماعات الدعوية في الحشد للتصويت، والدعم المالي، والمساعدة في تنفيذ السياسات، خاصة ذات الطبيعة الاجتماعية أو الاقتصادية، وهو ما تتميز به الحالة التركية.

(ج) ولا يجب إغفال الطرق الصوفية، وأثرها السياسي، وإن كان تأثيرها يبدو غير مباشر في كثير من الأحيان. ومن أهم نقاط التأثير التأسيس القيمي للأفراد، حتى أن نسبة كبيرة من السياسيين الأتراك ينتمون للطرق الصوفية، ومن أهم الطرق في هذا السياق، الطريقة النقشبندية، وقد وصل التأثير القيمي السياسي للنقشبندية إلى وصف النموذج التركي بالنموذج النقشبندي(52).

3- جمعيات رجال الأعمال:

ومن أهمها: التوسياد (الجمعية التركية لرجال الصناعة والأعمال) ذات التوجه العلماني، والموصياد (جمعية رجال الأعمال الأتراك المستقلين)، ذات التوجه الإسلامي. كما أن لأصحاب المهن تنظيماتهم الخاصة: مثل جمعيات الأطباء، والمهندسين، والمعلمين، والمحامين، والزراعيين، وغرف التجارة والصناعة (53). ويتمثل التأثير السياسي لهذه الكيانات في: دعم هذا الطرف أو ذاك سواء ماديًا أو إعلاميًا، التأثير في الحركة السياسية الخارجية بما يحقق مكاسب اقتصادية.

الجزء الثالث: آليات التفاعل مع القوى السياسية التركية:

شهدت تركيا خلال العقد الماضي عملية انتقال كبرى، أقرب إلى الثورة السلمية منها إلى التطور السياسي التقليدي في دولة ديمقراطية. كما أنه ثمة تشابه كبير بين سياق تركيا التاريخي الحديث، والعالم العربي بما في ذلك دول الثورات، وليس هناك ما يمنع استلهام ما بات يعرف بالتجربة التركية، بهذه الدرجة أو تلك، أو إيجاد صيغ للتأثير في السياسة التركية ونقل الخبرة بشكل عملي.

ومن هنا تأتي أهمية البحث في آليات التفاعل مع القوى السياسية التركية، وذلك على النحو التالي:

1ـ هناك أهمية كبيرة للاستفادة من الجاليات العربية المنتمية لدول الثورات بتركيا، وخاصة الجاليات المصرية والسورية واليمنية وأيضاً الليبية، بجانب الاستفادة من الوجود العراقي الكبير وبشكل واضح بتركيا، وتعزيز دور جمعيات الصداقة المشتركة بين تركيا وهذه الدول، ووسائل الإعلام العربية التي بدأت تتواجد في تركيا خلال الفترة الماضية، أخذًا في الاعتبار أن تلك المؤسسات تحتاج إلى دعم وتأهيل أولا، والمراكز البحثية المنتمية لدول الثورات، والتي بدأت تتأسس في تركيا مؤخرًا.

بحيث تشارك هذه الجمعيات والمراكز (على الصعيد التنفيذي والمستوى الكلي لرسم السياسات العامة)، في تنظيم دورات تقوم عليها مراكز البحث (الرسمية التركية، أو العربية في تركيا، فضلا عن مراكز البحث بدول الثورات)، على أن تسعي من خلا هذه الدورات إلى تدريس المبادئ الأساسية للسياسة العامة التركية، وذلك بما يحقق أمرين: الاستفادة من الخبرة التركية، ومعرفة مداخل وكيفية التأثير في صانع القرار التركي.

2ـ الشق المتصل بالتأثير في صانع القرار التركي، حيث يمثل المجتمع المدني مدخل مهم لإحداث تأثير سياسي، وعليه يتوجب إدراك أهمية هذا الأمر، وتوظيفه بما يخدم مصالح دولها. فعلى سبيل المثال، في هذا السياق قد يكون من المفيد تأسيس المزيد من جمعيات الصداقة، لتسهم في إحداث التأثير في السياسات التركية، عبر المجتمع المدني.

3- التوأمة: ولعل المستوى المتعلق بالمحليات من أكثر الملفات بحاجة لتلك الفكرة، حيث تفتقد دول الثورات لأي خبرة حقيقية فيما يتصل بالمحليات، ومسألة التوأمة بين المحليات في تركيا والدول العربية عامة ليست جديدة تمامًا، إلا أنها لم تعمم بالشكل الكافي أو تفعل على النحو اللازم.ونذكر على سبيل المثال: التوأمة بين البلديات التركية والسودانية54.

وهناك مستويان للتوأمة، الأول: التوأمة على المستوى الكلي،أي البحث المشترك فيما تحتاجه المؤسسة البلدية في دول الثورات، بما يحقق اللامركزية المتوازنة، بين المركز والأطراف، وتوفير المخصصات المالية اللازمة للتطوير، وربما يأتي دور وسائل التأثير من جاليات وغيرها في العمل باتجاه الحصول على منح تركية كدفعة لتطوير المحليات بدول الثورات، خاصة وأن المحليات التركية لها دور بارز على صعيد الفاعلية التركية الخارجية.

والمستوي الثاني: التوأمة في مجال المشروعات، فعلى سبيل المثال، ومن الخبرات التي تواجه حالات ملحة في دول الثورات، ولابد أـن تكون لها أولوية في التعاون قضيتي القمامة والمرور55، وهما من أهم المجالات الجديرة بالتوأمة بين تركيا ودول الثورات العربية

4- برامج استطلاع تجارب:رغم أهمية استطلاع التجارب على كافة المستويات، إلا أنها أكثر أهمية وملاءمة على المستوى العمراني التنفيذي، ذلك أخذًا في الاعتبار أننا لا نعني بمثل هذه البرامج الاستطلاعية مجرد الذهاب لتركيا لمشاهدة بعض تجاربها، وإنما هذا الاستطلاع لابد أن يكون أكثر حيوية، بمعنى أن يكون استطلاعي (بمعنى مطالعة التجارب)،تدريبي (بحيث يذهب المختصون للتدريب بالعمل التنفيذي للتجارب محل الاستطلاع)، تشاركي (كأن يتم نقل ما هو مناسب من التجربة محل الاستطلاع في الدولة المعنية بمشاركة تركية، أو أن تقام وترسم سياسات مشتركة في إطار التجربة محل الاهتمام).

5- الخبرات التشريعيًة: للاستفادة من المؤسسة التشريعية التركية والتأثير فيها بما يخدم دول الثورات، يمكن العمل على أكثر من مستوى:تكوين ما يشبه جماعات ضغط عربية، مهمتها التأثير في البرلمان التركي وقراراته، بما يخدم دول الثورات، (على سبيل المثال القرارات المتصلة بالمواقف التركية السياسية الخارجية، سواء اتصل الأمر بعلاقات ثنائية أو مواقف في محافل دولية، والقرارات التي تخدم العلاقات الاقتصادية مع دول الثورات) ولعل الجاليات العربية بتركيا يمكن أن تساهم في القيام بمثل هذا الدور.

ويمكن الاستفادة كذلك من الخبرات التشريعية التركية من خلال إرسال بعثات من البرلمانيين العرب الجدد بدول الثورات للتعرف على الخبرة البرلمانية التركية، وكذلك دراسة القضايا المشتركة، وتطوير ما سبق إلى “ملتقى برلماني عربي –تركي”، يكون له ميثاق قانوني محدد، ولقاءات دورية واستثنائية، عامة ونوعية، ويمكن الاسترشاد بتجارب مشابهة مثل: برلمان الدول الناطقة بالتركية، والتواصل بشأن الاستفادة من الإدارة التركية للعملية الانتخابية البرلمانية، وكيف تدار.

6- التنسيق الاستراتيجي: من خلال تفعيل مجالس التعاون الاستراتيجي المؤسسة بين تركيا والدول العربية، وهي مجالس متعددة الأبعاد ما بين سياسي واقتصادي وأمني، وذلك التفعيل قد يجد طريقه من خلال تشكيل مجلس واسع للتعاون الاستراتيجي بين تركيا ودول الثورات، وتكوين مجموعة لإدارة الأزمات.

7ـ التعاون الأمني:يمكن العمل باتجاه ما يخدم المجال الأمني في دول الثورات في إطار ما يلي56: تشكيل لجنة تقييم مشتركة بين تركيا و دول الثورات، بحيث تقيم أداء المؤسسات الأمنية في كل دولة، وذلك وفق تحديد مسبق دقيق لحاجات أمنها القومي ومراعاة احتياجات مواطنيها، ووضع أسس للإصلاح الأمني في المراحل الانتقالية، استرشادًا ببدايات الإصلاح الأمني في تركيا، ووضع بروتوكولات بين المؤسسات الأمنية التركية، ونظيرتها في دول الثورات، وإرسال العاملين في القطاعات الأمنية العربية للتدرب في تركيا.

8ـ التعاون الفكرى: تمر دول الثورات بمرحلة تعمل خلالها على إعادة صياغة مفهومها للأمن القومي، وما يتصل به من مؤسسات، ويمكن تبادل الخبرات الأكاديمية، حول ما استجد على مفهوم الأمن ذاته، إذ أدركت قطاعات الأمن التركية ما فرضته الظروف والمتغيرات من قضايا جديدة، وطرق معالجة تختلف عما اعتادت عليه، وهي الأمور التي لم تتمكن دول الثورات من استيعابها، وتأسيس لجان مشتركة لبحث الخبرة التركية في إدارة العلاقات المدنية العسكرية، وتأسيس “هيئة مشتركة لإدارة الجودة الشاملة”، يكون على الجانب التركي مسئولية تقديم الخبرات، وصوغ المعايير.

9ـ التعاون القضائي:تقييم حال القضاء التركي، إبان عصور الانقلابات، بحيث يتم تلافي ما شابه من سلبيات، وعيوب، وتكوين لجنة مشتركة لتحقيق العدالة الناجزة، إذ طالما عانى مواطنو دول الثورات تأخر النظر والقضاء في شكواهم، وعقد اتفاقات وبروتوكولات ثنائية في مجالات التطوير القضائي، وربما يتم العمل على تأسيس هيئات قضائية ومحاكم مشتركة، والاستفادة من خبرة العدالة الانتقالية في تركيا، حيث محاكمة مدبري الانقلابات، وإن كانت خبرة ذو طبيعة مختلفة، ومحدودة إلى حدٍ ما.

10ـ التعاون الحزبي:يمكن في البداية تعزيز العلاقات والروابط مع حزب العدالة والتنمية بشكل أساسي، وذلك لاعتبارين: لكونه الحزب الحاكم والأكثر نجاحًا، بجانب مواقفه المؤيدة للثورات، كما تتميز تجربة حزب العدالة والتنمية التركي كحزب بالعديد من السمات الجديرة بالتواصل للاستفادة منها، والخبرة في إعداد الكوادر، ولاسيما الكوادر الشبابية، وتنسيق دورات تدريبية مشتركة (علمًا أن حزب العدالة والتنمية قد عقد أكثر من ملتقى شبابي دُعي إليه الشباب من دول الثورات).هذا بجانب العمل على الاستفادة من الخبرة المؤسسية للحزب، حيث تميز بناء العدالة والتنمية منذ تأسيسه بالمتانة المؤسسية، التي مكنته من اجتياز العديد من الأزمات التي مر بها.

11ـ التعاون مع الجماعات السياسية والدينية:التعرف على فنون التواصل مع المجتمع، والتأثير فيه قيميًا وسياسيًا، ويجدر بالطرق الصوفية بدول الثورات التواصل مع الطرق الصوفية بتركيا، على نحو يطور وعيها السياسي، ويمكن أن يكون من المجدي تأسيس اتحادات بين الطرق الصوفية على الجانبين.

12 التعاون الإعلامي:يمكن التعاون مع المؤسسات الإعلامية المؤيدة للثورات من خلال تخصيص برامج للتعبير عن الثورات ومشكلاتها (مثلا: شراء ساعات إعلامية بالإعلام التركي)، والتواصل مع المؤسسات الإعلامية العربية التي بدأت تتواجد بتركيا، لحشد مزيد من الدعم السياسي للثورات، والتعاون على مستوى الوسائط الإعلامية المتاحة بالقنوات التكنولوجية الحديثة، وذلك لإيصال الرؤية السياسية للثورات لأكبر قطاع من الشعب التركي، بما يدحض الأصوات السياسية الرافضة لتأييد الثورات بتركيا.

13ـ التعاون مع جمعيات رجال الأعمال:على القوى السياسية بدول الثورات التواصل مع جمعيات رجال الأعمال بتركيا، توضيحًا لما ينتظرهم من فرص استثمارية بتلك الدول. بما فيه الجمعيات ذات التوجهات السياسية الرافضة للمواقف الرسمية من الثورات، عملا على تغيير مواقف تلك الجمعيات وما تُعبر عنه من توجهات سياسية، وتنظيم ملتقيات بين رجال الأعمال بتركيا ودول الثورات، للاستفادة من خبرات رجال الأعمال الأتراك، واعتبارهم نافذة على السوق العالمي، والحث على دعم اللاجئين السوريين، سواء بشكل مباشر، أو عبر دعم  جهود الحكومة التركية في هذا الإطار.

خاتمة:

تتميز الحالة التركية بعدد من المميزات التي يمكن الاستفادة منها في دول الثورات، منها: أنها تتشارك وتلك الدول في المرجعية الحضارية ذاتها، ومرت بمرحلة تحول في فترة قريبة من تفجر الثورات، وإن اختلفت في الديناميات والكيفيات. لينتهي الأمر إلى عملية ديمقراطية مستقرة نسبيًا، وإن كانت مازالت تواجهها التحديات.

وأول ما يجب إدراكه جيدًا قبل البحث في تلك التجربة أن استمرار العملية الديمقراطية باعتبارها المسار الوحيد للانتقال والتعبير السياسي كان هو الضمانة الأساسية مهما واجهت البلاد من كبوات، لتعود تركيا مرة أخرى مع العدالة والتنمية إلى ذاتها الحضارية، داخليًا وخارجيًا.

وأن الوصول لتلك النتائج كان عبر رحلة مع مؤسسات الدولة التركية (خاصة ذات الطبيعة السياسية)، تلك المؤسسات التي عرقلت في كثير من الأحيان إعادة بناء تركيا إذا ما كان هذا البناء خارج نطاق العلمانية الكمالية، رغم ما أصابها من جمود فكري وحركي.

وبالتالي، فعند البحث في كيفية التأثير في السياسة التركية والاستفادة منها بما يخدم دول الثورات، لابد من رسم خريطة لتلك المؤسسات السياسية أولا. لمعرفة ما مر بها من تطور وإصلاح وظيفي وتشريعي، حتى تأتي سياسات التأثير بناءً على وعي متكامل، بما تحتاج دول الثورات، وبما يمكن لتركيا تقديمه.

إلا أن تناول المؤسسات السياسية التركية استوجب تناولا مختلفًا، وذلك على وجهين: أولا، إن فاعلية المجتمع التركي وحيويته فرضت عدم الاقتصار على المؤسسات الرسمية، وإنما أيضًا المؤسسات غير الرسمية ذات الطبيعة السياسية، بل إنه لم يقتصر البحث على المؤسسات السياسية بمعناها المباشر، وإنما تم تناول المؤسسات ذات التأثير السياسي، وإن لم تكن مؤسسات سياسية في الأساس، وهذا سواء على مستوى المؤسسات الرسمية أو غير الرسمية. فرسميًا تم التطرق إلى المؤسستين القضائية والعسكرية، لما لعبته من دور سياسي، خاصة إبان الانقلابات العسكرية. وعلى المستوى غير الرسمي، تم رصد الجماعات وجمعيات رجال الأعمال على سبيل المثال، لما لتلك الكيانات من تأثيرات سياسية على أكثر من جانب، سواء الحشد الانتخابي أو التأثير في رسم السياسات ولعب دور في تنفيذها.

وعليه، كان البحث في كيفية التأثير بهذه المؤسسات بما يخدم دول الثورات، من خلال برامج تركزت حول المستويات الآتية: التعاون القانوني، والتعاون المالي، وتحديدًا الحصول على منح، والتدريب، واستطلاع التجارب، والمشاركة في السياسات، والمشروعات. ذلك بحيث تنتقي كل دولة ما يناسبها، بحسب حاجتها، والمرحلة التي تمر بها ثورتها، وبما لا يتعارض والمصالح التركية، في إطار من التنسيق والتعاون المشترك.

———————————

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

(2) محمد حسن القدو، التطور التاريخي للدساتير التركية، ترك برس، الجزء الثاني، 2 أبريل 2015

(3) محمد حسن القدو، التطور التاريخي للدساتير التركية، ترك برس، الجزء الثالث، 9 سبتمبر 2015

(4) إرغـُن أوزبودُن، تركيا ورحلة البحث عن دستور جديد، مجلة رؤية تركية

(5) إرغـُن أوزبودُن، تركيا ورحلة البحث عن دستور جديد، مجلة رؤية تركية

(6) عمر سمير، المؤسسة العسكرية والتحول الديمقراطي في تركيا 1981 – 2011، موقع فكر، ١٥يناير ٢٠١٥.

(7) Bilal sambur, The Great Transformation of Political Islam in Turkey: The Case of Justice and Development Party and Erdogan, link

(8) نبي ميش، علي أصلان، سياسة أردوغان والنظام السياسي التركي الجديد، رؤية تركية، ربيع 2015، ص133)145.

(9) علي حسين باكير، شكل النظام السياسي التركي ما بعد الانتخابات البرلمانية 2015، تركيا بوست، 16 مايو 2015. وأنظر أيضاً: مهام رئيس الجمهورية حسب الدستور التركي الحالي، 10 سبتمبر 2015، الرابط

(10) انظر: أرجون أوزبودون، تركيا بين النظام الرئاسي والنظام البرلماني، شئون تركية، العدد 1، صيف 2015، ص13.

الموقف التركي من قضايا الأمة بحث منشور على الرابط

(11) علي حسين باكير، شكل النظام السياسي التركي ما بعد الانتخابات البرلمانية 2015، مرجع سابق. وأيضاً: أرجون أوزبودون، تركيا بين النظام الرئاسي والنظام البرلماني، مرجع سابق، ص14.

(12) المرجع السابق.

(13) محمد نور الدين، تغييرات بنيوية في النظام السياسي التركي، 5 يوليو 2014، الشرق

(14) الموقف التركي من قضايا الأمة، مرجع سابق.

(15) Peri Uran,Turkey’s Hasty Constitutional Amendment Devoid of Rational Basis: From a Political Crisis to a Governmental System Change, link

وأيضاً: علي حسين باكير، شكل النظام السياسي التركي ما بعد الانتخابات البرلمانية 2015، مرجع سابق.

(16) نبي ميش، علي أصلان، سياسة أردوغان والنظام السياسي التركي الجديد، مرجع سابق،  ص133)145.

(17) TURKEY , by International Religious Freedom Report for 2011, link

(18) Hikmet Kocamaner, How New Is Erdoğan’s “New Turkey? Middle East Brief, No 91, April 2015.

(19) سمير مرقس، تركيا الجديدة: المحليات والشركات، 16 نوفمبر 2011، الرابط

(20) المرجع السابق.

(21) انظر: مسيرة تركيا خلال 12 عام: الحلقة الثانية والعشرين: تعزيز الإدارات المحلية وتعزيز الديمقراطية محلياً، 15يونيو 2015، الرابط

(22) See: MehMet Turhan, )parliamentarism or presedentalism? constitutional choices for Turkey, Turkish Public Administration Annual, Vol 15) 16, 1989) 1990.

Presidentialism vs. Parliamentarism in Turkey, Policy Brief, 1)2, July 2012.  Ozbudun Ergun,)

(23) أحمد محمود، عرض كتاب: التجربة التركية من أتاتورك إلى أردوغان، الرابط

(24) منة الله جلال، كيف استطاعت تركيا ترويض المؤسسة العسكرية؟، 30 أغسطس 2014، الرابط

(25) انظر: محمود عرفات، حول مجلس الأمن القومي التركي، 12 يوليو 2011، الرابط

(26) لمزيد من التفاصيل حول السياق التاريخي انظر: عبد الوهاب قصاب، المؤسسة العسكرية التركية… مرحلة تبدل الأدوار، في: مجموعة مؤلفين، العرب وتركيا… تحديات الحاضر ورهانات المستقبل، الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012.

(27) للمزيد عن توجهات المؤسسة العسكرية تجاه الاتحاد الأوربي: أرسل أدينلي، نيهات على أوزكان، دوغان أكياز، مسيرة العسكريين الأتراك نحو الاتحاد الأوربي، ترجمة: حمدي أو كيلة، الثقافة العالمية، مارس)أبريل 2008. والمقال نشر في Foreign Affair عدد يناير/فبراير 2006. وحول المسار إلى أوربا بشكل عام انظر:

Bülent Aras, Bülent Gokay, Turkey after Copenhagen: Walking a Tightrope, Journal of Southern Europe and the Balkans, Volume 5, Number 2, August 2003

(28) منة الله جلال، كيف استطاعت تركيا ترويض المؤسسة العسكرية؟، مرجع سابق.

(29) المرجع السابق.

(30) بولنت أرانديتش، رفع كفاءة الجيش التركي أولوية قصوى لأردوغان وداود أوغلو، عربي 21، انظر أيضًا: طارق عبد الجليل، الساسة والعسكر في تركيا: واقع العلاقة ومآلها، 16 أكتوبر 2012، الجزيرة للدراسات

(31) تركيا: تغييرات في بنية الجيش تدعم مدنية الدولة، 4 أغسطس 2013، الرابط.

(32) الموقف التركي من قضايا الأمة، مرجع سابق.

(33) Ayse AslıhanÇelenk, Democratization of the National Security Discourse and the Political Parties in Turkey, link

وانظر أيضًا: د. طارق عبد الجليل، الساسة والعسكر في تركيا: واقع العلاقة ومآلها، مرجع سابق.

(34) محمود عرفات، حول مجلس الأمن القومي التركي، مرجع سابق.

(35)بشأن تعديل المادة (4)، فقد كانت تُكلف المجلس وأمانته العامة بمهام المتابعة والتقييم الدائم لعناصر القوى الوطنية، وكذلك متابعة أوضاع الدولة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتقنية انطلاقًا من أن المجلس هو الحامي للنظام الدستوري، والقائم على توجيه القيم الوطنية نحو المبادئ الأتاتوركية؛ فاقتصرت المادة الرابعة بعد تعديلها على أن مهمة المجلس هي رسم وتطبيق سياسة الأمن الوطني، وأن يقوم مجلس الأمن الوطني بإخبار مجلس الوزراء بآرائه ثم ينتظر ما يسند إليه من مهام ليقوم بتنفيذها ومتابعتها.

كما أن المادة رقم (13) التي تحدد مهام الأمانة العامة لمجلس الأمن القومي قد تم تعديلها أيضًا على نحو جعلها تفقد دورها الرقابي ومبادرتها في إعداد قرارات المجلس ووضع الخطط والمشروعات للوزارات والهيئات والمؤسسات؛ لتصبح مهمة الأمانة العامة للمجلس الأمن قاصرة فقط على “تنفيذ ما يكلفها به المجلس من مهام.”

(36) عبدالرحمن سعد العرابي، العسكر في تركيا!!، صحيفة المدينة، 03/08/ 2011‏

(37) طلعت أتيلا، الكتاب الأحمر، صحيفة جونش التركية، ترجمة وتحرير ترك برس، 5/11/2014.

(38) موقع أخبار العالم، الرابط

39) طارق عبد الجليل، الساسة والعسكر في تركيا: واقع العلاقة ومآلها، مرجع سابق.

(40) أحمد محمود، عرض كتاب من أتاتورك إلى أردوغان، مرجع سابق.

(41) مسيرة تركيا خلال 12 عام: الحلقة الثامنة: دخول الديمقراطية إلى سلك القضاء، 9 مارس 2015، المصدر

(42) يشمل هذا النظام مراقبة المتهمين والمجرمين والمدانين داخل المجتمع، وتعقبهم وإصلاحهم، وتنفذ في إطار الحرية المراقبة تدابير مثل التشغيل مجاناً في عمل مفيد للمجتمع، وعدم الإبتعاد عن المنزل، وقد أجريت تعديلات في عام 2012م بهذا الخصوص تهدف إلى تهيئة المتهم للحياة الإجتماعية.

(43) الموقف التركي من قضايا الأمة، مرجع سابق.

(44) Ihsan Dağı, Turkey: Between Democracy and Militarism, Ankara: orionkitabevi, 2008, P.105.

(45) Mesut Özcan, Harmonizing Foreign Policy, Harmonizing Foreign Policy.. Turkey, The Eu and The Middle East, Ashgate, 2008. P. 88)89.

(46) أنظر: سهيل ضابان، تطور الأوضاع الثقافية في تركيا من عهد التنظيمات ألي عهد الجمهورية، مرجع سابق، ص325. وعبد الحليم غزالي، الإسلاميون الجدد والعلمانية الأصولية في تركيا… ظلال الثورة الصامتة، القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2007.

(47) لمزيد من التفاصيل حول التيار المحافظ بتركيا: مصطفى تكين، “التيار المحافظ” في تركيا بين النظرية والتطبيق، شئون تركية، العدد 1، صيف 2015.

(48) محمد تلجي، أزمة الهوية في تركيا.. طرق جديدة للمعالجة، في: محمد عبد العاطي (محرر)، تركيا بين تحديات الداخل ورهانات الخارج،على:www.aljazeera.net.

(49) إبراهيم البيومي غانم، مؤسسات المجتمع المدني في تركيا: نموذج للصراع والتعاون بين خبرتين حضاريتين، في: نادية مصطفى، باكينام الشرقاوي (تنسيق علمي وإشراف)، أسامة مجاهد (تحرير)، تركيا جسر بين حضارتين (على ضوء مساعي انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي)، القاهرة: مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقاقات، إسطنبول: منتدى أبانت، 2012، ص235-239.

(50) مقابلة مع بيرول بشكان الأستاذ بجامعة جورج تاون بالولايات المتحدة الأمريكية، أنقرة، ديسمبر 2010ـ أيضًا انظر على سبيل المثال:

Kemal H.Karpat, Elites and Religion from Ottoman Empire To Turkish Republic, Istanbul: Timas Publications, 2010 , P.256.

(51) على بولاج، الدين في تركيا والتغيرات الاجتماعية وفتح الله كولن، نادية مصطفى، باكينام الشرقاوي،إبراهيم البيومي غانم (محررون)، أعمال مؤتمر: مستقبل الإصلاح في العالم الإسلامي: خبرات مقارنة مع حركة فتح الله كولن، القاهرة: مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات، مجلة حراء، 2011، ص 43)74.

(52) ممدوح الشيخ، النقشبندية والسياسة في تركيا: من الإسلام الليبرالي إلى الليبرالية النقشبندية، شئون تركية، العدد 1، صيف 2015.

(53) إبراهيم البيومي غانم، مؤسسات المجتمع المدني في تركي، مرجع سابق، ص235-239.

(54) مشروع توأمة بين البلديات التركية وولايات سودانية، 3 مايو 2012. المصدر

(55) سمير مرقس مرجع سابق.

(56) صلاح حافظ، محمد عبد العال، رشا عبد الواحد، المؤسسة الأمنية (الشرطة) في مصر وتحديات الإصلاح، المؤتمر المصري، القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، يوليو 2013.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *