دراساتالخليجخرائط قوى

خريطة القوى السياسية في المملكة العربية السعودية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

مقدمة:

ثمة صعوبات تواجه الدارس للحالة السعودية بشكل عام في مقدمتها طبيعة النظام السياسي السائد والهيمنة بشكل تام على الشأن المجتمعي، وعدم توفر مساحات من مناخ الحرية الذي يمكن أن تعمل من خلاله مؤسسات صحفية وإعلامية ومراكز دراسات يمكنها أن توفر معلومات صحيحة وموثقة في إطار علمي توفر قدر من الصدقية الكافية للهيكل المعلوماتي الكافي لإجراء دراسات وبحوث موضوعية تتعلق بمجمل مفاصل الحالة السعودية.

يرتبط بما سبق غياب مؤسسات المجتمع المدني والقوى المجتمعية والسياسية التي تستطيع أن تنشر أدبياتها ورؤاها وتطرح أفكارها وتعرض لأطرها وتفاعلها المجتمعي وحضورها وتأثيرها. كل ذلك يزيد من إشكالية دراسة الواقع السعودي بشكل عام ويحيل في ذات الوقت إلى مقترح بأن تقوم جهات معنية بالشأن السعودي بحمل الهم المتعلق بكيفية تأسيس شبكة مؤسساتية تستطيع أن توفر البنية المعلوماتية لإمكانية التعاطي مع الحالة السعودية بحالة أكثر يسر وسهولة وأوقع من ناحية التوفر على فرص التوصل إلى نتائج أكثر موضوعية ومهنية.

يتصدى هذا الفصل لمعرفة الفاعلين الرسميين وغير الرسميين وحدود الحضور والتأثير وأنماط التفاعلات في الحالة السعودية ومستقبليات هذه القوى وموقفها من الحدث الإقليمي الأبرز ممثلا في انقلاب 30 يونيو وما خلفه من أثار وتداعيات. كما يسعي هذا الفصل إلى تناول الرؤى والمقترحات الخاصة بكيفية صياغة إستراتيجية فاعلة والتأسيس لخارطة مواقف ناجعة من أجل الإحاطة بمصفوفة هذه القوى والتعامل الفاعل مع ما ينجم عن شبكة تفاعلاتها من فرص وتحديات.

المبحث الأول

القوى السياسية الرسمية في المملكة العربية السعودية

ربما بشكل النظام السياسي السعودي حالة استثنائية في المنطقة ففي ظل التطورات التي عرفتها كل الدول العربية وباختلاف نظمها السياسية من ملكية إلى جمهورية عرفت هذه البلدان كيانات رسمية تحظي بالعلنية والمشروعية القانونية سواء أكان ذلك في شكل أحزاب سياسية أو كتل أو منابر أو تكتلات. كما عرفت هذه البلدان قدراً من المشاركة السياسية بغض النظر عن مستويات الشفافية ومقدار النزاهة ومدى الجدية في تلك الاستحقاقات. يظل النظام السعودي وحده المتفرد بحجب العلنية والمشروعية والقانونية عن كل القوى والتشكيلات ما يجعله بالأخير الإطار الرسمي الوحيد والحصري الذي يمكن الحديث عنه والحديث عن مكونات ومعادلات تأثير وأطراف هنا يرتبط بالتنويعات والمسام التي يمكن لبعض مكونات الجسم الرسمي أن تتنفس من خلالها قوى مجتمعية أو أطراف فاعلة في الحاضنة المجتمعية لا تجد مجالاً لتصريف طاقتها وقواها وفائض تأثيرها وإشعاعها المجتمعي إلا عبر بعض المساحات الاستيعابية التي توفرها بعض الأفنية الرسمية بشكل غير مباشر وعلني.

أولاً: العائلة ونظام الحكم

منذ إعلان تأسيس المملكة العربية السعودية في العام 1932 وعائلة الملك عبدالعزيز آل سعود تتولى مقاليد الأمور وتسيطر بشكل حصري على كل مفاصل السلطة. ولا يمكن طوال هذه العقود الحديث عن قدر من التطور السياسي المحدود في عملية تداول السلطة فقد ظلت هذه الآلية تقوم على التوريث وكل ما كان مستجدات ارتبط يشكل رئيس بعوامل الصراعات والتجاذبات داخل بيت العائلة. ومن ثمة يمكن القول إن كل بحث في استشراف المستقبل السعودي، وكل بناء تقدير موقف للسلوك السياسي السعودي مرتبط بالديناميات الناظمة لعمل وتفاعلات البيئة المحيطة بالعائلة على الصعيد المجتمعي والإقليمي والدولي.

لقد اتسم واقع الأسرة الحاكمة بشكل عام حتى سنوات مضت بقدر كبير من الاستقرار السياسي، إلا أن هذا الاستقرار لم يكن سلساً وراسخاً على الدوام فقد عرف نظام العائلة الصراعات السياسية منذ ستينيات القرن الماضي حيث جرت أول عملية إزاحة ملك وتنصيب آخر ومنذ تلك الواقعة سيطر جناح داخل العائلة على كل المقدرات واستقرت له الأمور بشكل كبير إلا أن السنوات الأخيرة وبسبب التغيرات في التركيبة البنيوية للعائلة واتساعها وعدم قدرة الجسم السياسي والمجتمعي على استيعاب مستلزماتها إضافة إلى الطموح السياسي المتصاعد لبعض الأجنحة جعل من مسألة الاستقرار حديث رغبوي للاستهلاك السياسي بعد أن بدا واضحا أن العائلة دخلت ومن الباب المفتوح عالم الصراعات السياسية.

وحسب ما هو شائع فإن العائلة الحاكمة خضعت لما يعرف بهيمنة الجناح السديري على مقاليد الأمور واستتباب الأمور له إلا أن عمليات التدافع داخل محاضن العائلة قادت إلى بروز مجموعات باتت تتنازع الحكم هي:

1-السديريون السبعة: وتجمعهم كان يضم : فهد، وسلطان، وعبدالرحمن، ونايف، وأحمد، وتركي، و سلمان، وقد صعد هذا الجناح بقوة لافتة على إثر انقلاب فيصل على سعود وإزاحته من ولاية الحكم عام 1962.

2-السديرون الداعمون: يضم هذا الجناح ثلاثة، هم: بدر، وعبدالإله، وعبدالمجيد.

3-الجناح السديري الثالث: يتشكل من ثلاثة: سعد ومساعد وعبدالمحسن وينتمون إلى أم واحدة: ، هي الجوهرة بنت سعد السديري.

4- جناح الملك عبدالله: يتكون من عدد كبير من الأمراء الساخطين على الجناح السديري، ويسيطر هذا الجناح على الحرس الوطني، بجانب استقطابه بعضاً من الأخوة المتحدرين من الجناح السديري الثالث. أما الأبناء المتحدرين من أمهات أخريات فهم قوى دعم لجناح الملك عبدالله، مثل ناصر وبدر وفواز من الأم بازة ونواف من الأم منابر.

5-الجناح الفيصلي: يضم ثمانية من أبناء الملك الفيصل.

6- جناح الأجيال الجديدة: يبلغ عدد أفراد العائلة الحاكمة-أي آل عبدالعزيز فقط-عشرة آلاف، من بينهم سبعة آلاف أمير بحسب التقديرات الغربية. (1)

إن الإحاطة المبدئية بحجم العائلة وما يدور بداخلها من صراعات لا يعد من قبيل الأمر الثانوي فهو بذاته يطرح تساؤلات أساسية منهجية حول آليات السيطرة على المجتمع، وكيفية إدارة الصراع والتنوعات داخل العائلة، ومدى تأثر القرار السياسي بهذه التركيبة وحساسيته للاستجابة للمتغيرات والضغوطات المنبعثة من الفضاءات المجتمعية والإقليمية والدولية.

ثانياً: هياكل النظام:

من حيث الشكل يبدو النظام السعودي رسمياً ككتلة مصمتة لا تتوفر على قدر من التنويعات والتباينات، لكن هذه الصورة ليست إطلاقية تماماً فهناك تكوينات وأقنية داخل الجسم الرسمي يمكن أن تستخدم كإطار حاضن لأفكار ورؤى مجتمعية، ومن خلال التراكم يمكن أن تكون في لحظة مراكمة تأثيرية أحد أدوات الضغط على مجمل الموقف الرسمي. هناك ثلاث كتل في هذا الصدد هي: مجلس الوزراء، مجلس الشورى، هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووزارة الأوقاف.

1ـ مجلس الوزراء:

لا يمكن القول إن مجلس الوزراء يمكن أن يكون أحد التكوينات الضاغطة بشكل مباشر داخل النظام السعودي، حيث تتحكم في مفاصله الأسرة الحاكمة عبر التحكم في الوزارات السيادية، وعملية اختيار وانتقاء باقي التشكيلة الحكومية. وفي ظل عدم تعادلية مركز القوى حتى الآن بين أجنحة الأسرة الحاكمة، وقيام المتغلب بفرض هيمنته لا يمكن أيضاً الحديث عن تنويعات جراء تعددية الرؤوس داخل جسم الأسرة الحاكمة. وربما يكون هذا الأمر وارد الحدوث إذا تصاعدت الحالة الصراعية داخل الأسرة الحاكمة وتقاربت الأوزان بحيث يصبح من الصعب على جناح بعينه الاستئثار وتهميش الآخرين. ما يمكن أن يستفاد من مجلس الوزراء السعي ما أمكن لإدماج عناصر داخل حصة التكنوقراط بحيث تمتلك من الدراية والدربة بإدارة دولاب الدولة ما يجعلها قادرة على نقل الخبرات وتوسيع نطاق الإمكانيات تهيئاً للحظة تاريخية ربما تنفتح فيها نوافذ للمشاركة بقدر أو آخر.

2ـ مجلس الشورى:

جاء الإقرار بتشكيل مجلس الشورى في فترة كانت تعج بالضغوط الخارجية على المملكة من أجل إدخال تحديثات وإصلاحات على النظام السعودي، كما ترافق ذلك مع مطالبات داخلية التفت حولها طيف متعدد المشارب الفكرية في الحاضنة المجتمعية. لم تكن الخطوة أكثر من محاولة التفافية كالعادة ذات طابع شكلاني من قبل النظام، لامتصاص تلك الضغوط. ظهرت نوايا القائمين جلية في طريقة تشكيل المجلس وصلاحياته وهم المحددان الرئيسيان للحكم على مقدار الجدية ومعيار الاختبار لرغبة النظام من عدمه، في تهيئة المناخ، وتوفير الأجواء الملائمة لقدر من المشاركة الحقيقية في صناعة القرار ومراقبته. كل ذلك تبدد حيث أصر النظام على الإمساك بكل المفاصل فجاءت طريقة تشكيل المجلس في الغالبية بالتعيين مما افقد المجلس أهم صفة كانبثاق مجتمعي وهو الصفة التمثيلية للمجتمع عبر الاختيار الشعبي الحر. لم يكتف النظام بتفريغ المجلس من أهم مضامينه الدالة على جدية الإصلاح والتغيير فاستلب منه أي قدرة على سن القوانين وهو ما يفترض بأي مجلس تمثيلي، واكتفى بمنحه دور المناقشة والاقتراحات.

بصيغته الحالية يمكن أن يستثمر المجلس من قبل القوى المجتمعية في محاولة الوصول إليه بكثافة نوعية والتدريب على مناقشة القضايا الهامة والمصيرية وتكوين اللجان وتشكيلها، حتى تتوفر نواة حقيقية لكتلة برلمانية فاعلة تستجيب للمستلزمات الظرفية التي قد تأتي بها المتغيرات. كما ينبغي استثمار ما يتولد من خبرات ونقلها لدائرة أوسع حتى تتسع شريحة من يملكون التأهيل والقدرات، وتصبح عملية الاختيار في المحكات تتسم بقدر من السهولة والمرونة.

3ـ هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووزارة الأوقاف:

تشترك الهيئة مع الوزارة في أنهما ينتميان إلى حقل واحد يتصل بالأخير بفكرة التوعية والإرشاد. ورغم ما للوزارة من أهمية في هذا السياق كونها معنية بالإشراف على المساجد، والتي تعتبر واحدة من أهم روافع التنشئة في المنظومة الإسلامية، وأحد أهم أدوات التأثير التفاعلي في المحيط الاجتماعي إذا استوفت الشروط اللازمة، إلا أن الجدل المجتمعي يركز بشكل كبيرة على الهيئة بحكم ما دار ويدور حولها من سجالات بين التيارات الفكرية المختلفة، ولكونها تتميز بقدر من التداخل المباشر والمحسوس مع النسيج المجتمعي. فيما يخص الوزارة فإن الجهد يستوجب أن يتوجه في ضرورة الارتباط بها وتكوين علاقات وثيقة ما أمكن مع القائمين عليها. وتكوين وصقل القدرات البشرية التي يمكنها العمل تحت هذه المظلة بكفاءة عالية واستثمار طاقاتها من خلال خطاب عصري ذكي يتمكن من ملامسة أشد القضايا حساسية وتكوين رأي عام حولها خاصة أن قابلية النظام للاستجابة للحس الشعبي تتزايد فرصها مع نظام يعاني من مناخ ضاغط على المستوى الإقليمي والدولي.

تمثل الهيئة الحالة الرمزية الأبرز لقياس سخونة السجال بين التيار الليبرالي والإسلامي من جهة، كما تعد واحدة من أهم المجسات لقياس مدى استقرار العلاقة التاريخية التي قامت عليها المملكة من خلال التعاضد والشراكة بين المؤسسة الدينية وبين أهل الحكم.

ومع الأخذ في الاعتبار الغايات السياسية، وأسلوب الاستفادة من الدين لمصالح سياسية، فإن الواقع التاريخي يؤكد أن التجربة السعودية والحركة الإصلاحية للشيخ محمد بن عبدالوهاب هي دولة الدعوة السلفية، التي من أبرز مقوماتها الدعوة بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاولة تجاوز هذه الأسس التاريخية بتعسف خطاب جديد، خط منهجي وسياسيي.

تركيز خطاب الصحوة للدفاع عن جهاز الحسبة، بدأ يظهر تياراً شعبياً يدافع عن الهيئة وجميع ما تقوم به. أما بالنسبة لخصوم هذا الجهاز، فربما أنه وعي تشكل مبكراً منذ الخمسينيات. لقد كانت هناك مطالبات من التيارات التقدمية بإلغاء الهيئة، حيث تأثر الطلاب السعوديون الدارسون بالجامعات العربية بالفكر الناصري. لكن ذلك لم يراكم بصورة تخلق وعياً محدد الملامح، وإنما ظلت أطروحات خصوم الجهاز انطباعية أكثر منها مؤسسة على مجموعة قيم متماسكة.

ترسم الصورة السابقة نظرة كلية حول طبيعة المناخ الذي تجري خلاله السجالات حول الهيئة، وما يسود من إقحام لعامل التوظيف السياسي، إلا أن هذا العرض لم يشر إلى طبيعة الموقف السلطوي من هذه السجالات وحدود انحيازاته، وطبيعة نظرته. ثمة آخرون يشيرون إلى موقف النظام، وأن بقاء الهيئة مستقرة محتفظة بالمبنى اللفظي هو أمر مقصود من قبل من بيدهم مقاليد الأمور. فلابد للهيئة وفق هؤلاء أن تظل حاملة لهذا الاسم المفعم بالدلالات. لكن هذا ليس كافياً فوجودها قائمة غير مجد ما لم يصحبه صخب وجدل للآخرين أن هذا الإفصاح ليس إلا نياشين يفاخر بها الملوك وولاة الأمر، يمنحهم الرضا عن الذات والشعور العميق بحفظ الأمانة، حتى وإن قامت الحكومة بالتوقيع على عشرات الاتفاقيات المتعلقة بحقوق الإنسان. (3)

لقد أصبحت الهيئة والموقف من قضاياها إضافة إلى هيئات أخرى مثل مجلس القضاء الأعلى تشكل المجس الذي يمكن من خلاله معرفة مقدار الاستمرارية والتغير، ودرجات وزوايا الابتعاد والاقتراب في علاقة الأسرة الحاكمة بالمكون الديني وخاصة الرسمي منه الذي نهضت على أساسه المملكة وتأسست.

لقد شكلت حزمة الإجراءات التي اتخذها الملك عبدالله في فبراير 2009 دلالة هامة على رؤية نظامه لتلك العلاقة. فرغم التعديلات الوزارية الهامة التي قام بها إلا أن التغييرات الأكثر دلالة طالت رموز المؤسسة الدينية، والتي كان يسود الاعتقاد بصعوبة المس بها. لكن هذا بدا غير صحيح فقد أقال الملك عبدالله “إبراهيم الغيث” رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والشيخ “صالح اللحيدان” رئيس مجلس القضاء الأعلى، كما أبعد وزير العدل الشيخ عبدالله بن محمد إبراهيم آل الشيخ، وهو من السلالة المباشرة للشيخ محمد بن عبدالوهاب.

ربما كانت الدلالة الأشد بروزاً في سياق تبيان وجهة نظر النظام السعودي لعلاقته بالمؤسسة الدينية إعلان الدكتور عبدالله التركي أحد أعضاء هيئة كبار العلماء في حوار تلفزيوني أن ولي الأمر-الحاكم في السعودية-لا يشمل الملك والحكومة فقط بل يتعداهما ليشمل أيضاء كبار العلماء. كتب الأمير تركي الفيصل مقالاً حول هذه التصريحات مبينا من وجهة نظره خللها، ثم أعقبه الأمير طلال بن عبدالعزيز بمقال آخر معتبراً أن ما للعلماء هو النصيحة والنصيحة فقط ولا شيء غيرها وأنهم لا يجب أن يعتبروا أنفسهم ضمن أولئك الذين يحكمون. لم يعقب د. التركي أو غيره من العلماء على المقال مما يعني موافقتهم، أو عدم قدرتهم على الوقوف أمام هذه الحدود المرسومة من قبل نظام الحكم ودوائره لدور المؤسسة الدينية بكل تكويناتها.

وعندما أعلن الملك عبدالله عن إحدى خططه في ديسمبر 2007، وهي تحديد العملية التي تنتقل بها السلطة الملكية، لم يكن ضمن هذه الالية الجديدة أي استخدام، أو ذكر للموافقة أو الاستشارة الدينية، وغاب اسم العلماء تماماً في قانون البيعة. (4)

لم يعد ثمة شك في أن وجهة نظر الطبقة الحاكمة في السعودية للمكون الديني تقوم على سياسات تتراوح بين الاحتواء والمواجهة والدمج والإقصاء حسب المتغيرات الظرفية وخارطة هذا المكون المتنوعة. سيظل المركب الرسمي حريصاً على نيل دعم المؤسسة التقليدية ممثلة في هيئة كبار العلماء، كما أنه سيظل محافظاً على التشكيلات الرسمية وفي مقدمتها الهيئة كجزء من الشرعية التاريخية والحفاظ على الصورة الذهنية مع العمل في ذات الوقت على محاولة تغيير الرؤى والأفكار وأليات العمل داخل هذه التشكيلات وخاصة الهيئة بما يعطى تحسينات للشكل العام للنظام بالخارج ومحاولة استمالة القوى غير الإسلامية في الداخل، وربما يبدو لافتاً في هذا السياق أن يخرج أحد رجال الهيئة في وسائل الإعلام ومع زوجته دون أن ترتدي النقاب. الأمر هنا لا يرتبط بكونها قناعة ذاتية يريد رجل الدين أن يرسلها بقدر ما هي رسالة تحمل أبعادا سياسية ومرامي تريد أجهزة ما أن تطرحها للفضاء العام الداخلي، والمحيط الخارجي.

في ظل تمدد النفوذ الإيراني وما يسببه من حرج للنظام، وفي ظل الصراع داخل أروقة العائلة من غير المتوقع أن يدخل النظام ولا حتى أحد أجنحته مهما كانت نافذة بالدخول في حالة صراعية مع المكون الديني بقدر ما سيعمل الجميع على احتواء ومنح مساحة أوسع من ناحية الشكل للمؤسسة التقليدية ومحاولة تخفيف حدة التوتر مع التيارات الإسلامية الأخرى دون إفساح المجال أمامها وغض الطرف عن نشاطها.

التقدير الذي يبدو مناسباً للتعاطي مع تلك الوضعية يتمثل في محاولة خلق حالة توافقية مع كل القوى إن أمكن لتحسين عملية التحاور والتفاوض غير المباشر والمعلن مع النظام وأدواته، وفي الحدود الدنيا محاولة خلق حالة توافقية داخل المكون الإسلامي تمنحه الرصيد اللازم لتحسين موقعه وتوفير الظرف الملائم لانتزاع أكبر المكاسب. ومما ينبغي العمل عليه في هذه الحالة محاولة بناء جسور ثقة وتفاهم مع مكونات المؤسسة التقليدية وتجنب الصدام معهم، وايصال الصورة لهم حول طبيعة التحديات الإقليمية والدولية والمخاطر المحدقة وضرورة ظهور التيار الإسلامي كقوة تتمتع بقدر كبير من التجانس رغم ما تتوفر عليه من تنويعات. كما ينبغي البحث في وضع خطط عملية لكيفية امتلاك وتأهيل العناصر البشرية القادرة على الالتحاق بتلك الهيئات وخاصة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتي يمكن لها من خلال دورها التاريخي والواقعي في التعامل المباشر والكثيف مع الجمهور، أن تكون منصة ورافعة للعمل العام من خلال نقل المفاهيم والأفكار والرؤى الصحيحة.

المبحث الثاني

القوى السياسية غير الرسمية

من ضمن خصوصيات الحالة السعودية أن كل القوى المجتمعية الحية وصاحبة الحضور والتأثير مع اختلاف أوزانها النسبية في الحالة السعودية تقع في مربع الحجب والحظر، وتمنع من حيازة صفة الرسمية والعمل تحت ظلال من المشروعية القانونية.

ونظراً لهذه الوضعية وهذا المناخ يجد الدارسون للحالة السعودية قدراً أكبر من الصعوبة في تحديد هذه القوى بشكل دقيق ورسم خارطتها بشكل تفصيلي والإحاطة الدقيقة بأحجامها وأوزانها في الحالة السعودية. فمن ناحية لا يوجد شكل رسمي للتأطير والهيراركية يمكن من خلاله معرفة أعداد المنتسبين المؤطرين، كما لا توجد استحقاقات تمثيلية وشفافة يمكن من خلالها معرفة أرصدة هذه القوى في الشارع السعودي من خلال بيانات ومعلومات رقمية دقيقة وموثقة.

في الإطار العام يمكن القول أن هناك داخل المكون السني تياران داخل الساحة السعودية، التيار الإسلامي بكل روافده وتنويعاته، والتيار الليبرالي مع قدر من التلوينات المحدودة داخله. وداخل الخارطة المذهبية يوجد الطيف الشيعي, ورغم أنه يمكن الحديث عن ألوان أخرى لكنها محدودة جدا ولا تشكل تأثيرا يمكن ملاحظته على خارطة الوجود العملي الملموس.

أنماط العلاقة والتفاعلات وحدود الفعل والتأثير وآليات الحضور والعمل بين هذه القوى يمكن تلمسها من خلال عدة اقترابات من بينها رؤية النظام الرسمي ونمط علاقته بالمجتمع بشكل عام وبهذه القوى كأحد التجليات المجتمعية. رؤية هذه القوى لذاتها وللفضاء الخارجي وطبيعة علاقتها بمجتمعها وللقوى القريبة منها والمغايرة لها في الساحة ومجالات عملها وآليات الاشتغال لديها.

أولاً: مؤسسات المجتمع المدني

لا يمكن الحديث عن مؤسسات عمل مدني بالمعنى الدقيق في الحالة السعودية، فالواقع السعودي يفتقد أهم مقوم لعمل تلك المؤسسات وهو الاستقلالية التامة عن النظام السياسي وتوفر أجواء من الحرية، وكلها مقومات تبدو غائبة بالكلية عن الواقع السعودي، حيث يخضع كل شيء للرقابة الحكومية ويخضع لإشرافها ويعمل تحت اشتراطاتها. بطبيعة الحال مؤسسات وهيئات للعمل الخيري لكنها تحت إشراف وخضوع للنظام وتغطي مجال بعينه لا يمكن أن تتخطاه أو تتجاوزه.

هناك من يلاحظ أن الحراك المدني في السعودية شهد تقدماً كبيراً خلال السنوات الأخيرة، وأن منظمات المجتمع المدني أصبحت تمارس أدواراً متعددة، بيد أن من يطرح تلك الفرضية يلقي باللائمة في تراجع عمل تلك المؤسسات على أداء القائمين عليها وانشغالهم بالصراع الإداري. لا توجد إحصاءات دقيقة حول مؤسسات المجتمع المدني، غير أن هناك من يقدر عدد الجمعيات المعنية بالعمل الخيري بقرابة الستمائة جمعية بحسب الرخص الممنوحة من وزارة الشؤون الاجتماعية.

ويرى البعض أن العشر سنوات الأخيرة شهدت حالة من الهوس لدى النخب السعودية، في الانجذاب إلى تشكيل مؤسسات المجتمع المدني كل حسب اختصاصه، في حين تكتفي شريحة منهم بالحصول على عضوية هذه الجهة كنوع من”البرستيج” والوجاهة الاجتماعية، واثبات الحضور الرمزي في مجال العمل العام(5).

ثانياً: شبكات التواصل الاجتماعي:

تزداد الوسائط الإعلامية وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي أهمية في ظل مجتمع يتسم بالجمود والانسداد السياسي ومجال العام، فعبر هذه الوسائل تستطيع القوى المجتمعية أن تجد نافذة للتواصل مع المجتمع ويعرض أنصارها لأفكارهم ورؤاهم، ومن الأهمية بمكان أن يشار إلى أن هذه السماحة ذاتها لا تبدو نسقاً مفتوحاً فالرقابة والسيطرة الحكومية، والضغوطات والملاحقات تظل حاضرة وتضع محددوية أيضاً بالنسبة لسقف هذه الوسائط. ورغم كل هذا تظل هذه الوسائط الآلية المتاحة أمام كل التكوينات والأفراد للتواصل والتفاعل المجتمعي وعرض الرؤى وقياس نبض شرائح من الجمهور السعودي، كما أن أدوات النظام تستخدمها لمعرفة الميول والاتجاهات ورصد ردود الأفعال المجتمعية ناهيك عن محاولة التوجيه والتأثير وخلق رأي عام مساند أو معارض حسب القضية المطروحة وموقف النظام.

يرى البعض أن شبكات التواصل لم تشكل حالة وعي إيجابي لصالح طموحات التغيير لدى الشعب السعودي، وبحسب هؤلاء فقد ازداد عدد مستخدمي الإنترنت في المملكة بنسبة 300 بالمائة، ووفقاً لدراسات حديثة فإن ثلث المواطنين السعوديين هم اليوم مستخدمين منتظمين للشبكات الاجتماعية، وعدد مستخدمي تويتر ويوتيوب في المملكة هو الأعلى في العالم.

وبحسب هؤلاء فإن بعض المناطق في العالم العربي تعد القوى المهيمنة التي تستخدم الشبكات الاجتماعية “قوه تغيير” تبحث عن تحدي البنية الاجتماعية والسياسية، وتمثل شريحة معينة من المجتمع المدني، والطبقة الوسطى. وفي المقابل، في المملكة العربية السعودية، فإن الاتجاه عكس ذلك، حيث يهيمن المحافظون، والقوى الراديكالية ورجال الدين، وأدوات النظام على الشبكات الاجتماعية ويستخدمونها لتلقين وتعبئة الجماهير. (6)

ثالثاً: القوى السياسية المعارضة:

بحكم أن النظام السياسي السعودي يتسم بالشمولية والمركزية الشديدة فإن جل القوى تكاد تقع في مربع المعارضة بشكل عام، بغض النظر عن اقتراب هذه القوة أو تلك منه في بعض المواقف ولأسباب ظرفية. ولا يطمس هذا التوصيف الاختلافات الكبيرة بين هذه القوى في رؤيتها للنظام ما بين من يؤمن بإمكانية وضرورة الوقوف عند إصلاحه وإحداث تغييرات به لا تصل إلى مستوى العصف به بالكلية، وبين من يؤمن بأن لا سبيل لأية إصلاحات أو تغييرات جوهرية دون تفكيك بنى هذا النظام والإطاحة به.

هناك من يرسم صورة تتسم بالتنوع والرحابة لطيف المعارضة والقوى السعودية وأوزانها فحركات المعارضة القومية والليبرالية تمثل أقلية بالنسبة إلى تيارات المعارضة الإسلامية، أما على صعيد التيارات الإسلامية، فيطرح راسم الخريطة تصوراً لافتاً لما يسميه المعارضة الإسلامية معتبراً أن الحركات الشيعية تشكل أغلبية بالنسبة إلى التيارات الإسلامية، نظراً إلى أنها تستند إلى تأييد نابع من استياء الأقلية الشيعية، إلى جانب أن هذه الحركات والتيارات لا تهدف في الأصل إلى الإطاحة بأسرة آل سعود. تصنف هذه الخارطة القوى السنية اعتباراً من عام 2004 إلى ما يلي:

-جماعات وهابية محافظة غير سياسية ولا تستخدم العنف، وهذه الجماعات متأصلة في المجتمع السعودي وفي أوساط العلماء.

-جماعات “إرهابية” تميل إلى استخدام العنف، وتجند الشباب، وتحظي بتأييد علني أو خفي من بعض العلماء.

-العلماء المستقلون الذين انبثقوا عن حركة الصحوة.

-انقسم الليبراليون أو الإسلاميون الجدد إلى فئة تطالب بالإصلاح السياسي، وأخرى تميل إلى الإصلاح الاجتماعي.

-الجماعات السنية المتمركزة خارج البلاد، مثل حركة الإصلاح الإسلامي في الجزيرة العربية بقيادة سعد الفقيه التي تدعو إلى عزل أسرة آل سعود بوسائل غير عنيفة.

-التيارات الأخرى، مثل الإخوان المسلمين. (7)

ويمكن القول أن العلاقة بين مكونات مصفوفة الخارطة السابقة لا تسير وفق آليات أو أنماط ثابت، وإن كان يغلب عليها وخاصة بين الكتل الكبرى الطابع الصراعي التنافسي باستثناءات قليلة ويغيب عنها  الطابع التنسيقي الجبهوي في غالب الفترات، ويمكن تلمس تفسيرات ذلك بالنظر إلى طبيعة التباينات الفكرية الحادة بينها رغم أنها بالأخير تواجه نظاماً يقصيها جميعاً ولا يوفر لأي منها الحد الأدنى من مستوى الحضور وإمكانية الفاعلية. ويرى عدالعزيز خضر أن هذه القوى وأنماط تفاعلاتها البينية وجدالاتها قادت إلى الإخفاق في إدارة الصراعات الفكرية، الأمر الذي أنتج بيئة عقيمة في حواراتها العلمية والثقافية. ولم تتشكل آلية في إدارة الصراعات والخلافات يمكن من خلالها تحقيق فدر من الحسم الفعال لقضايا تاريخية.

إن الكثير من المعارك الدينية والاجتماعية والثقافية يأتي حول قضايا معينة ذات سيناريوهات مكررة تعيد إنتاج نفسها  بين فترة وأخرى بصورة متقاربة. إن غياب العمل الحزبي وعدم وجود بدائل أديا إلى غموض مستمر في رؤية الصراع.

إن تقوبم موازين القوى في كل قضية يواجه بصعوبات متعددة حتى لمن يعيش داخل المجتمع. فكيف للمراقب من الخارج؟ وكثيراً ما نفاجأ بسوء الفهم والتقدير لطبيعة كل مشكلة دينية واجتماعية وسياسية ليس بسبب نقص المعلومات فقط، وإنما لعدم تصور السياق التاريخي والاجتماعي لكل حدث أو مسألة، وعدم وجود تيارات تعبر عن اتجاهها الفكري علانية من خلال مؤسسات وأحزاب ونقابات وصحف ومطبوعات تحت مسميات أيديولوجية بارزة، يضاف إلى ذلك النقص الملحوظ لمراكز الدراسات المستقلة التي تعنى بالشأن المحلي لفهم الحراك الاجتماعي والديني والسياسي. (8)

رابعاً: التيارات الإسلامية:

شكل المكون الديني عنصراً بارزاً في الحالة السعودية، فقد مكنت الدعوة الوهابية نظام الحكم من الاستقرار والاستمرار ووفرت له المشروعية الدينية في الوجدان الجمعي. وعلى تلك العلاقة التاريخية والمسحة الإسلامية هما ما جعلا التيارات الإسلامية تقف لفترات طويلة حذرة من إجراء اقترابات موضوعية حول النظام السعودي ومشروعية وجدوى ومخاطر التفكير في شؤونه ما بين الإصلاح والتغيير وفكرة الإزاحة.

وبصفة عامة لا يكاد يماري أحد حتى من بين القوى السعودية المخاصمة للتيارات الإسلامية على أن هذا التيار بتنويعاته هو التيار العريض داخل الساحة السعودية. ورغم عدم وجود أوعية مؤسسية وتجارب انتخابية وتشكيلات عمل أهلي نقابية يمكن من خلالها قياس الأوزان في شكل رقمي ومعادلة كمية إلا أن كل الشواهد والملاحظات داخل السياق المجتمعي وبناه المختلفة تشير إلى أن هذا التيار بتنوع كتله هو التيار صاحب الوزن الأكبر في الواقع السعودي.

التيار الأول: الإخوان المسلمون:

ربما كانت تجربة الإخوان المسلمين هى الأولى في الساحة السعودية من حيث وجود تيار إسلامي بالمعني الذي صار مستقراً الآن في أعراف وقواعد الأكاديميا. ورغم أن الإخوان المسلمون بالسعودية ومنذ البدايات راعوا حساسية الحالة السعودية لفكرة التنظيمات والتعددية والأبعاد الحركية إلا أن كل ذلك لم يمنعهم وخاصة في ظل اندماج مجموعات إخوان مصر داخل دولاب العمل الحكومي من التأثر بأفكارهم ورؤاهم وشق المجرى الذي تتابعت بين ضفتيه كل موجات التيار الإسلامي.

وضمن حالة الخصوصية للإخوان بالسعودية بدت افتراقات عن باقي التكوينات الإخوانية، إذ يذهب البعض في هذا السياق إلى أن الإخوان عملوا وفق إستراتيجية تناسب قوانين البلد لذا تم إعفاء إخوان السعودية من البيعة والارتباط التنظيمي المباشر. ووفق هذا الرأي أيضاً فإن إخوان السعودية من أكثر التيارات حساسية في الظهور والتصريح بالانتماء الإخواني. وينقسم إخوان السعودية حسب المناطق فهناك إخوان الحجاز، وإخوان المنطقة الوسطى، وإخوان المنطقة الشرقية. وبالأخير يطرح الكاتب السعودي خالد المشوح سؤالاً مؤداه : الفكر الإخواني مبني على المشاركة الشعبية والسياسية والاجتماعية الفاعلة، وهو الأمر الذي لا يمكن أن يوصف به إخوان السعودية. فهل هذا تكتيك سياسي أم إستراتيجية مغايرة؟ (9)

من زاوية التأثير التاريخي يرى كثير من المحللين أن الإخوان شكلوا الرافعة التى صعدت من خلالها كل تبديات الحالة الإسلامية بما فيها ظاهرة الصحوة. ووفق ما يرى الباحث الفرنسي ستيفان لاكروا فإن: “الصحوة حققت نجاحاً سريعاً في الاصطباغ بصبغة محلية عبر ضم عناصر أساسية من الثقافة السعودية، كانت نواتها عناصر من جماعة الإخوان الذين قدموا من خلفيات اجتماعية وسياسية غريبة بالكامل عن المجتمع السعودي. شهدت المملكة العربية السعودية في ستينيات القرن الماضي موجة عارمة من الأفكار والممارسات عمت المجال الديني، وهي أفكار الإخوان المسلمين وممارساتهم، وشهدت تأسيس منظمات كانت في خدمة هذه الأفكار والممارسات. عرفت هذه الحركة الاجتماعية باسم الصحوة، بيد أن المفهوم لم يكن سعودياً فقط، فهو مرتبط بالانبعاث الإسلامي الشامل الذي توطد في العالم الإسلامي ببروز الحركات الإسلامية وفي مقدمتها حركة الإخوان المسلمين”. (10)

تعرض الإخوان المسلمون إلى حملات ضغط شديدة ربما كانت أبرز محطاتها تصريحات وزير الداخلية الأسبق الأمير نايف بن عبدالعزيز الذي اتهم الإخوان بنكران الجميل، وأنهم تحولوا إلى عنصر تهديد للسعودية. كما ترافق ذلك مع قضايا ذات صبغة أمنية زجت من خلالها أجهزة الأمن المصرية بشخصيات سعودية متهمة إياها بالضلوع في تغذية ما يسمى بالتنظيم الدولى للإخوان المسلمين. وفي ظل تلك الضغوطات ثمة من يرى أن الوضع العام للإخوان بالسعودية آل إلى التراجع والانحسار، وأن صورة إخوان السعودية تبدو أكثر قتامة حيث يلحظ هؤلاء تراجع حضور الأسماء التي حاولت بعث ما اندثر، ووفق هؤلاء فإن جماعة الإخوان صارت إلى صورة شبيهة بجماعة التبليغ في السابق حيث تبدو كجسر يعبره المتدينون، وأصبح الإخوان محطة للانتقال إلى تيارات أخرى بسبب غياب الفاعلية. (11)

ينبغي الالتفات إلى صعوبة الجزم بموضوعية بعض التحليلات لتداخل الموقف الأيديولوجي لدى البعض مع مقتضيات المهنية وأحكام النظرة الموضوعية. بالأخير ما يمكن قوله أن وضعية الإخوان المسلمين بالسعودية في الفترة الأخيرة صارت مأزومة لجهة العلاقة مع نظام سياسي جهر بمناصبتها العداء وصنفها ضمن الحركات الإرهابية، إلا أن المستقبل ليس هناك ما يفيد بالجزم أنه سيكون على ذات المنوال، فكما أن هناك مكونات فاعلة داخل تركيبة الحكم على رأسها محمد بن نايف تتخذ موقفا للعداء للإخوان يبدو مبدئياً، فإن هناك أطرافا أخرى ربما يقف على راسها الملك الجديد لا تريد بمنطق الحساب السياسي للمكاسب والخسائر فتح الساحة الداخلية أمام التوترات خاصة في ظل التمدد الإيراني والحاجة إلى تمتين الجبهة الداخلية لدرء هذا الخطر، والتعاون مع قوى إقليمية تؤازر في مسعى تعديل موازين القوى وهناك تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة النظر في العلاقة مع التيارات الإسلامية المعتدلة وفي مقدمتها الإخوان باعتبارها الحركة الأكبر والأكثر انتشاراً بالمنطقة.

كما يمتلك الإخوان عناصر جذب أخرى تتمثل في خبرتهم في التعامل مع القوى المغايرة فكرياً ومذهبياً بقدر من المرونة وهو أمر هام في ظل بيئة سياسية يراد لها أن تبتعد عن التوتر والمشاحنات والتسعير خاصة المكون المذهبي، فرغم أن النظام السعودي معني بمواجهة التمدد الإيراني على الصعيد الإقليمي إلا أنه سيحاول جاهداً على الصعيد الداخلي التعامل مع القضية الشيعية بمنطق الاحتواء والتسكين حتى لا يستثمر الملف كأحد أدوات الضغط الخارجي.

التيار الثاني: السلفية:

تأسست المملكة على تشاركية جمعت مبادئ وأسس الدعوة الوهابية والبعد السياسي والتنفيذي ممثلاً في أسرة آل سعود. وحتى مع دخول تنويعات من مدارس إسلامية ذات مشارب فكرية مختلفة ظلت المحددات السلفية تضع بصمتها على كل تيار إسلامي سعودي. إلا أن ذلك لا يعني أن كل التيارات مندمجة بالكلية تحت المظلة السلفية، فكما أن هناك بعض المحددات السلفية في كل الطيف الإسلامي، فإن هناك افتراقات وتباينات كبيرة.

وتحت العباءة السلفية تبرز التيارات التالية:

1ـ السلفية العلمية:

بحكم التعريف الذي يرى أن السلفية العلمية تشتمل على معظم طلاب العمل الشرعي في المملكة العربية السعودية-وهو تعريف لا يبدو دقيقاً ويحتاج ضبط –إضافة إلى الهيئات الشرعية الرسمية، تبدو السلفية العلمية فئة حاضرة ومؤثرة، كما تبدو إلى حد كبير متجانسة وغير متلاحقة مع طروحات إسلامية أخرى. وهي تتصادم في غالب الأحوال مع الأطروحات الإسلامية خاصة تلك التي تتسم بالتوفر على الأبعاد السياسية والحركية.

ورغم الحديث عن الانتشار الكبير جدا لهذه المدرسة داخل الساحة السعودية، إلا أن البعض يتحدث عن تراجعات لدى السلفية العلمية بسبب حساسية هذا التيار واتجاهاته العلمية التقليدية، وعدم ضخ دماء جديدة فيه، يمكن أن تصله بالعالم الجديد وفهم المستجدات السياسية والاجتماعية، بالإضافة إلى نوعية سالبة أساءت إليه نتيجة مواقفها الفكرية الجامدة أو سوء تعاملها مع المخالف مما استعدى الكثيرين ضد هذا التيار.(12)

ويشكل هذا الاتجاه معضلة لنظام الحكم فرغم أنه يعتمد عليه بشكل تاريخي وفي إطار توظيفي إلا أن لا يملك من المرونة وسعة الأفكار والتجدد ما يجعله قادراً على البقاء طويلاً والمنافسة مع الاتجاهات الأخرى، كما أنه بصدر توترات للساحة الداخلية في أوقات لا تكون ملائمة أحياناً للنظام.

فيما يخص موقف هذا الاتجاه من الملف المصري فرغم أنه لا يمكن حصره في موقف مصمت خاصة أن هناك مؤيدون لهذا الاتجاه في القواعد الشعبية لم يرضوا بالضرورة عن الموقف الرسمي إلا انه على صعيد المواقف المعلنة خاصة من علماء الهيئات والمؤسسات التقليدية غلب عليها الارتباك جراء مراعاتها لموقف النظام، فقد أبدى البعض في البداية معارضته للإطاحة بنظام الدكتور مرسي، ثم علت الأصوات المبررة للموقف الانقلابي، وهي مواقف تضع هذا التيار بشكل عام في حرج خاصة أنها تتصادم والأدبيات الرائجة في المدونة الفقهية لهذا الاتجاه والتي ظل يعتبرها من الثوابت.

ومن البديهي في ظل مسلمة أن هذا الاتجاه يسير في ركاب النظام توقع أن يدور مع أي تحول وتطور في موقف النظام من الحالة المصرية، ربما تبدو العلاقة بالمكون الشيعي ورؤية النظام لها من أشد المناطق حساسية وانكشافاً لهذا الاتجاه ومن مساحات التعرية المتصاعدة له أمام الرأي العام.

2ـ السرورية:

حتى مطلع التسعينيات لم تكن الساحة السعودية قد عرفت بعد بشكل محدد واضح التيار السروري كأفكار ورؤى ورموز، ومع مطلع تلك الحقبة بدأ التيار السروري يعرف طريقه للواقع السعودي ويشغل مساحة من الاهتمام الإعلامي وعناية الكثير من مراكز الدراسات. التركيبة الفكرية للتيار السروري يعبر عنها بعبارات موجزة أحياناً، حيث ذلك الخليط بين المكون الحركي والتنظيمي للإخوان والمكون العقدي والفقهي للاتجاه السلفي. ويرى البعض أن السرورية تمتلك سمات خاصة بها، فهي ليست إعادة تأهيل للسلفية الجهادية فالسرورية ربما تتقاطع مع الجهادية لكونها جمعت بين الحركية والسلفية لكن لا يعني ذلك أنها نسخة مجهزة للجهادية فلدى السرورية رؤية دينية واضحة لكثير من الأمور وهو ما يجعل بعض القضايا الفكرية التي تعتمد عليها تيارات السلفية محسومة لديها وبعضها الآخر قابل للنقاش كالديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات ومفهوم الدولة والحاكم والمحكوم وغيرها.(13)

وكانت النقطة الأبرز في السجالات حول السرورية هي قضية التنظيم، وما إذا كانت السرورية كأحد التجليات الحركية للتيار الإسلامي تمتلك هذا البعد، وفي حواره مع قناة الحوار الفضائية في برنامج مراجعات أقر الشيخ محمد بن سرور بهذا الأمر وأن السرورية لها بناء تنظيمي. من زاوية الحضور والتأثير يلحظ القريبون من الحالة السعودية تراجع هذا التيار وخفوته، وربما يعود في أحد أبعاده إلى أن موضوع مجابهة النظام ولو بشكل غير عنيف ونقده ولو بشكل مستتر لم يعد على رأس أولويات المعبرين عن هذا التيار، كما أن بعض ممن يعتبروا من قياداته صار يطرح أفكاراً ورؤى مغايرة.

فيما يرتبط بالموقف من الحالة المصرية ورغم أنه من العسير نسبة مواقف معينة لهذا التيار بالنظر إلى المعبرين عنه لا يعترفون بحقيقة الانتساب إليه، إلا أنه من الملاحظ أن عديد من الرموز الذائعة الصيت والمشهور عنهم التعبير عن هذا التيار لم توقع على البيان الذي أصدره مجموعة من علماء السعودية لإدانة الانقلاب الذي جرى في مصر.

ربما يعود ذلك في أحد أسبابه إلى الموقف الذي آل إليه البعض من رموز هذا التيار من تجنب غضبة النظام، ومحاولة اتخاذ مواقف غير معاكسة له في كثير من المواقف. ولعل هذا يقود أيضاً إلى الحديث عن مستقبل هذا التيار الذي يبدو أنه سيعاني كثيراً، فمن الواضح أنه لا يملك مرونة الإخوان والخبرات التنظيمية لديهم، خاصة في مواجهة الأنظمة والحفاظ علي الكيانية وتوالد الكوادر. كما أنه لا يمتلك في ذات الوقت الصلابة الكافية لمواجهة المواقف السياسية ومعارضة النظام أحياناً وتحمل تبعات ذلك، ومن شأن ذلك أن يقود إلى حالة من الإرباك داخل قواعده واهتزاز صورته ومستوى القناعة به على الصعيد المجتمعي.

3ـ الجامية:

ينتسب هذا التيار إلى محمد أمان الجامي الذي يتحدر من أصول أثيوبية. تتمحور أفكار الجامية حول المولاة المطلقة لولي الأمر، وعدم جواز الخروج عليه ولو بالنصيحة العلنية التي يعتبرونها نوعاً من الخروج المنهي عنه، فالنصيحة لديهم ينبغي أن تكون سرية. يلخص المراقبون أبرز مقولات هذا التيار في التالي:

– رفض العمل السياسي والحزبي والانتخابات.

– الولاء المطلق والسمع والطاعة لولي الأمر وعدم الخروج عليه وتحريم الثورات والمظاهرات والعمل السياسي العام ضد النظام الحاكم.

– معادات التيارات الإسلامية الحركية (الجهادية)، فضلاً عن المحافظة مثل (الإخوان).

– عدم إعذار المفكرين والإصلاحيين في الخطأ أو تأويل في الوقت الذي يختلقون الأعذار للحكام.

– سعوا إلى الوشاية على الدعاة ورفع التقارير فيهم للحكام.

– الشدة على المخالف والتحذير منه علناً وإظهار البراءة من أخطائه وتصرفاته. (14)

من ناحية الموقف من الحالة المصرية، من البداهة وفق أدبيات هذا التيار وهو يحذو موقف النظام السياسي أن يكون مؤيداً لكل ما يصدر عن النظام. والموقف الواضح له عبر عنه أحد رموزه في مصر “محمد سعيد رسلان” الذي أيد كل ما جرى في مصر، معتبراً أن ولي الأمر هو من يحكم وتدين له السيطرة، رغم أن رسلان كان شديد الانتقاد لمرسي والإخوان وهم في موقع الحكم.

ويتحدث المتابعون للشأن السعودي عن تراجع للجامية في الواقع السعودي، وأن فترة الزخم الأكبر لها كانت في نهاية التسعينيات. لا تتوفر الجامية على مقومات الاستمراية والفاعلية، فهي تفتقد إلى الرؤى والأفكار التي تلبي المستجدات ولا تبدو سوى أداة استعمالية ظرفية من قبل النظام السياسي، ومن ثمة يصعب القول عن حضور فاعل ومستقل لها مستقبلياً.

4ـ تنظيم القاعدة والقوى الردايكالية:

رغم أن تنظيم القاعدة يعد عابراً للقطرية إلا أنه ارتبط في الأذهان بالسعودية نظراً لحيازة مؤسس التنظيم للجنسية السعودية، ولأن العدد الأكبر من منفذي هجمات سبتمبر كانوا يحملون الجنسية السعودية. لم يعلن التنظيم موقفاً صريحاً في البدايات من النظام السعودي وشرعيته، إلا أن أدبيات التنظيم صارت تتحدث عن شرعية النظام، واتخذت من قضايا الاستعانة بالقوات الأجنبية وموالاة غير المسلمين وما سموه باحتلال جزيرة العرب أدلة للقدح في شرعية النظام. كما اتخذ التنظيم من السعودية مسرحاً لعملياته.

تراجع تنظيم القاعدة بشكل عام وانحساره عن الوقع السعودي يعزوه بعض المحللين الغربيين إلى مجموعة عوامل: الأول، هو قدرة الدولة التي استطاعت بما تملكه من موارد غير محدودة وإستراتيجية فاعلة في مكافحة الإرهاب تعطيل الحملة العسكرية التي أطلقها تنظيم القاعدة في جزيرة العرب. والعامل الثاني، هو غياب الدعم الشعبي لمشروع التنظيم والاعتقاد العام بأن المسلحين عازمون على إشاعة الفوضى. والعامل الثالث، هو حرب العراق التي شطرت الحركة الجهادية السعودية وأضعفت جهود التعبئة التي بذلها التنظيم.(15)

التيار الثالث: الشيعة

يمثل الوجود الشيعي في المملكة أحد التحديات الكبرى، حيث تتفاوت الرؤى وتتباين الاتجاهات داخل المجتمع السعودي ونخبه وتياراته ما بين من يرى التعامل مع الملف على أساس قاعدة المواطنة، وبعض التيارات الإسلامية التي لا تخرج الشيعة من حيز “الإسلامية”، وبين قوى واتجاهات محافظة تتسم رؤيتها بالتشدد حيال الوجود الشيعي. من زاوية التعاطي الرسمي يمكن القول إن مواقف النظام اتسمت بالتنوع والاختلاف حسب السياق الظرفي والإقليمي  وبحسب درجات الحراك ونوعه في الصف الشيعي ذاته.

تقدر بعض الأوساط عدد الشيعة في المملكة بما نسبته 15 بالمائة من سكان المملكة، وهي نسبة لا يمكن بحال التحقق منها، ولا توجد إحصاءات دقيقة ذات طابع رسمي في هذا الصدد. يوجد الشيعة بعدد من مناطق المملكة وإن كان التمركز الرئيس لهم في المنطقة الشرقية.

شاركت بعض الرموز الشيعية في الحراك والعرائض الإصلاحية، وشارك بعضها في الحوارات الوطنية تحت مظلة النظام الحاكم. في ظل تصاعد الأوضاع الإقليمية والتمدد الإيراني وتزايد التطلعات الشيعية. يحاول النظام احتواء تلك الإشكالية من خلال إتباع سياسة العصا والجزرة، ولا يبدو لدى النظام من الرغبة والقدرة السياسية ما يكفي إلى سلوك النهج الأمني كحل استراتيجي للتعامل مع المسألة خاصة في ظل الضغط الخارجي.

ويشير البعض في هذا السياق إلى الدور الأمريكي، حيث هددت الحكومة الأمريكية وحدة الأراضي السعودية بتسريبها إلى الصحافة اقتراحات قدمتها المستشارة السياسية لتقسيم المملكة إلى دويلات متعددة. ولمواجهة هذا التحدي على مستويين يتعلق أحدهما بتجنيد وتعبئة أجيال أكثر حداثة داخل أنسجته حتى يحسن من صورته في الفضاء الخارجي كدولة عصرية وليست دولة من العصور الوسطى تضطهد الأقليات كما تظهر الصورة في كثير من الدوائر الغربية. على مستوى مواز حاول النظام إدماج الشيعة في حدود لا تضر بالتركيبة الاجتماعية وحلفائه وقاعدة دعمه في الداخل، يعمل النظام كما يقول البعض للحيلولة دون تحول الشيعة إلى طابور خامس ليس لصالح إيران كما يتوهم البعض وإنما لصالح الإدارة الأمريكية. (16)

من الطبيعي أن التطورات الإقليمية ستغذي التطلعات لدى المكون الشيعي وسترتفع مطالب بعض رموزه، ومن المهم في هذا السياق المساهمة في الاحتواء وتهدئة الساحة وسيظهر ذلك في إطار من قوة المجتمع قبل قوة النظام إذا توافقت التيارات المجتمعية على رؤية ومحددات مشتركة، وربما يكون للشرائح الإسلامية التي تملك حس اعتدالي وخبرة في التعامل مع مثل هذه الملفات دور كبير تحتاجه أطراف عديدة مرتبطة بالشأن السعودي.

تقييم التيارات السياسية ذات المرجعية الإسلامية:

فيما يتعلق بمكون التيار الإسلامي بشكل عام وتصاعد نجمه والذي اشتهر غالباً بصعود الصحوة، فإن التقديرات تختلف فثمة من رأي أن ظاهرة الصحوة وصعود الإسلاميين في تراجع وانحسار متوالي، وهناك من داخل مربع الإسلاميين أنفسهم ومن يتعاطفون معهم من يقر بحالة التراجع هذه ويعزوها إلى الأسباب التالية:

تعثر الصحوة في التسعينيات وبروز تيار العنف: شكلت الصحوة مظلة اجتماعية وفكرية ودعوية جامعة لشرائح واسعة من العلماء والدعاة والشباب وعموم الناس. لكن التصعيد وارتفاع نبرة الخطاب الدعوي عاد بكثير من الأضرار على الحالة الإسلامية. فخلو الساحة من قادة الصحوة في منتصف التسعينيات جعل الساحة مفتوحة لتيار العنف.

رحيل الرموز الكبرى: يدرك من عايش زمن الصحوة الإسلامية تأثير وجود عدد من العلماء وفاعليتهم التي شكلت عاملاً مهماً من عوامل قوة واجتماع كلمة الاتجاه الإسلامي وسطوة تأثيرها على المستويات الاجتماعية والفكرية والسياسية. غياب مثل هذه الرموز التي كانت تجتمع حولها أطياف الإسلاميين فتح المجال للقوى غير الإسلامية للمجاهرة والتحدي، وأضعف من تجانس الإسلاميين ووحدتهم.

ضعف الالتزام الأدبي لبعض الرموز الإسلامية تجاه أنصارهم والقاعدة الشعبية

الانفتاح المعلوماتي ونشوء جيل ما بعد الصحوة

غياب التخطيط الاستراتيجي للدعوة. (17)

ومستويات التراجع هذه لا تعدو أن تكون في نظر البعض محطات عارضة لا ينتظمها مسار خطي متصاعد لما قد يظنه البعض نهاية الحالة الإسلامية، حيث يوجد بين المحللين الغربيين أنفسهم من يقول بأن الإسلاميين السعوديين سيظلون لاعبين رئيسيين في اللعبة السياسية داخل المملكة. (18)

خامساً: التيارات الليبرالية:

برز الاتجاه الليبرالي وأخذ في الصعود منذ حقبة التسعينيات، ساهمت أحداث 11 سبتمبر في تحفيز الاتجاه الليبرالي في الظهور والتعبير عن أطروحاته بشكل أكثر جرأة معتمداً على المناخ الدولي المؤاتي ومستبطناً حالة الضعف التي اعترت النظام الرسمي السعودي إزاء الضغوطات الدولية. شن الليبراليون هجمات على الإسلاميين محملين إياهم جريرة العنف والتطرف، وما اعتبروه مس بمصالح المملكة عبر تعريضها لضغوطات المجتمع الدولي، كما أفسح النظام المجال أمام الاتجاه لتحسين صورته أمام العالم الخارجي، ولأن طروحات هذا الاتجاه تجد مقبولية من أركان النظام السعودي وإن لم يتم المجاهرة بذلك خاصة ما يتعلق ببعض القيم المتعلقة بالسياق المجتمعي.

غض النظام الطرف عن سيطرة الليبراليين على وسائل الإعلام خاصة الصحف والقنوات التلفزيونية التي تكاد تكون حكراً على الاتجاه الليبرالي. ورغم أن بعض مكونات هذا الاتجاه كانت تساهم في بعض الأحيان في التلاحم مع مطالب الإصلاح والتغيير، إلا أن القطاع العريض من هذا الاتجاه ظل على قناعته بأن الإسلاميين الخصم الرئيس والعدو الذي يجب انهاكه والتخلص منه، كما ارتبط هؤلاء بعلاقة وطيدة مع أركان السلطة وقدموا لها التبريرات في كثير من الأحيان وتقاعسوا عن خوض أي معركة جدية معها من أجل دفعها لسلوك طريق الإصلاح والتغيير.

وقد ظل الاتجاه الليبرالي يدور حول قضايا اجتماعية مكررة دون أن يتبنى مفاهيم وقضايا تخص جوهر التحديات التي تواجه المجتمع السعودي ومصيره المستقبلي. واحتلت قضايا المرأة، والهيئة وأخطاء الإسلاميين الشاغل الرئيس للاتجاه الليبرالي إلى الحد الذي توارت معه قضايا أخرى هامة ورئيسة وفي صلب الاهتمام المجتمعي مثل مشكلات التنمية وقضايا الشباب، وتكلس النظام وعدم رغبته في فتح النسق السياسي والاجتماعي أمام متطلبات الإصلاح والتغيير.

هناك من لا يجد فارقاً بين ليبراليي السعودية وبقية الاتجاهات المماثلة في دول الخليج حيث تتشارك هذه الاتجاهات في مجموعة من السمات:

يقوم بوظيفة دعائية تبشيرية للمشروع الليبرالي الغربي، فالمقولات والمسلمات والقضايا في الخطاب تشكل تيريراً  فكرياً وعقائدياً لمقولات وسياسات القوى الغربية.

يجعل من الليبرالية خطاباً إنسانياً عالمياً يملك في ذاته القدرة على المواءمة مع أي مجتمع، وليس أمام الإنسان في أي مكان من العالم إلا أن يرضخ لهذا النموذج.

نقد الواقع وتغيير خصائصه ومقوماته وأسسه، لهدف استيعاب النموذج الغربي فقط، دون نظرة علمية لفهم الواقع وقضاياه واحتياجاته.

نقد التراث والتيارات الدينية ويحاكمها بمعاييره، لتتحول الليبرالية إلى أداة مقدسة يتم بها الحكم على التراث. (19)

يغالي الاتجاه الليبرالي السعودي في نظرته لتأثيره في الواقع السعودي إلى الحد الذي يعتبر معه البعض أن مقولات بعض الاتجاهات الإسلامية حول ضرورة الحريات وأهميتها إنما جاءت بفعل الدفع الليبرالي. (20)

في الموقف من الربيع العربي بشكل عام والحالة المصرية بشكل خاص حدث قدر من التفاوت داخل الاتجاه الليبرالي، فالشخصيات الليبرالية التي تجعل من الإصلاح السياسي أولوية وضرورة ولو استدعى ذلك التحالف مع الإسلاميين رحبوا بالربيع العربي، وأيدوه باعتباره لحظة تاريخية لميلاد الحرية وسقوط الاستبداد، في حين كان زملاؤهم الآخرون المناوئون للحركة الإسلامية باستمرار، والمتمسكون بأولوية الإصلاح الثقافي يرون في الربيع العربي حالة من الفوضى المفتوحة، وأنها تشكل ربيعاً للجماعات الجهادية، وتمكيناً للحركات الإسلامية المتطرفة. كانت نقطة الخلاف البارزة بين الاتجاهين أيضاً في الموقف من وصول الحركات الإسلامية للحكم، بين من يقول إنهم جاءوا عبر صناديق الاقتراع، وهو تطور نوعي في فكر الحركات الإسلامية التي آمنت أخيراً بالديمقراطية، كما أنه يجب احترام حقوق الشعوب في اختيارها.

في الطرف المقابل تمسك آخرون بموقفهم الرافض لحكم الحركات الإسلامية، مؤكدين أن مبادئ تلك الحركات وتراثها يؤكد أنها ستنقلب على العملية الديمقراطية في حال وصولها للحكم.

وقد ساهم فوز الدكتور مرسي في إثارة ردود فعل ليبرالية نقدية متخوفة من تغول الحركات الإسلامية بالعالم العربي. (21)

في التحليل النهائي يبدو موقف الليبراليين السعوديين من الملف المصري كبقية الطيف الليبرالي خارج المملكة الاتجاه الغالب مؤيد لما جرى ويلتمس التبريرات ويعلق الجرس في رقبة الإسلاميين بدعوى أنهم جنحوا للاستئثار وتهميش الأخرين، ورغم أن الإسلاميين هم من تم الانقلاب عليهم عملياً إلا أن البعض يحاول محاكمة النوايا باعتبار أن الإسلاميين دوماً إنقلابيين محتملين.

فيما يخص مستقبل الاتجاه الليبرالي لا يبدو أنه صاحب حظوظ فالفجوة شاسعة بينهم وبين المجتمع، وما يراهن عليه هو قدرة الآلة الإعلامية الخاصة التي تعمل بشكل غير مباشر من خلال السينما والدراما والموسيقا- ام بي سي النموذج الأبرز- على تغيير المفاهيم وهز القناعات المجتمعية وهو تحد لا يستهان به ويجب التفكير بكيفية مواجهته في إطار خطة مدروسة وموضوعية.

في التحليل النهائي تبدو الليبرالية مولود يعمل في غير بيئته ولن يمتلك فرص التمدد والاستقرار داخل الرحم المجتمعي. وما من شك في أن الإرهاصات الأولية داخل النظام السياسي بعد تولي الملك سلمان تشير إلى أن تلك الحظوة التي كان يتمتع بها الاتجاه الليبرالي ومقدار التدليل الذي كان يتمتع به لن يكون مثلما كان عليه الحال في الفترات الأخيرة.

في إطار كيفية بناء موقف للتعامل مع هذا الاتجاه ينبغي مراعاة الاعتبارات التالية:

الفرز بين مكونات هذا الاتجاه وبناء جسور مع القوى والأشخاص التي تتمتع بقدر من الاعتدال والمرونة، وتحييد تلك العناصر التي تجنح للتشدد.

التأكيد على أن خوض معارك وصنع خصوم لن يفيد الإسلاميين وحتى لو أبدت السلطة محاولة للتقارب فعلى الإسلاميين أن يلتفتوا إلى كيفية إدارة هذه العلاقة وأن يستفيدوا من تجارب أخرى تم فيها توظيف تلك العلاقة لخدمة نظم الحكم والتي تمكنت بفضل تلك العلاقة من اجتياز تحديات مصيرية لها، ثم ما لبثت أن انقلبت على الإسلاميين وفي تجارب الإسلاميين باليمن والأردن نماذج دالة.

لا ينبغي للإسلاميين أن يسمحوا بأن يتم توظيفهم في صراعات القوى المتناطحة ويكونوا وقود المعارك. من الأجدى أن يجعل الإسلاميين من أنفسهم نقطة التوازن وبيضة القبان دون أن يهدروا طاقاتهم في خدمة أجندة أولويات الغير والعمل وفق الأولويات التي يصنعها.

——————————-

الهامش

(1) http://www.wikileaks-alarabia.com/2013/01/blog-post_3152.html

(2) عبدالعزيز خضر، السعودية..سيرة دولة ومجتمع (الشركة العربية للأبحاث والنشر: بيروت، ط 2)2011 ، ص 362

(3) منصور النقيدان، الملوك المحتسبون، كتاب المسبار (مركز المسبار:دبي، 2012) ط1 ، ص105

(4) -روبرت ليسي، المملكة من الداخل، كتاب المسبار (مركز المسبار:دبي، 2011)ط4، ص539

(5)http://classic.aawsat.com/details.asp?section=43&article=752044&issueno=12785

(6)http://www.observerme.com/modules.php?name=News&file=article&sid=47126

(7) – عبدالعزيز بن عثمان صقر، المعارضة السياسية في المملكة العربية السعودية، ضمن أعمال كتاب السعودية في الميزان، مرجع سابق، ص289

(8) عبدالعزيز خضر، السعودية .. سيرة دولة ومجتمع، مرجع سابق، ص273

-خالد المشوح، التيارات الدينية في السعودية (مركز الانتشار العربي :بيروت، 2012)ط2، ص117

(10) ستيفان لاكروا، زمن الصحوة (الشركة العربية للأبحاث والنشر:بيروت، 2012) ط1، ص56

(11) يوسف الديني، الإخوان المسلمون.. المشروعية المؤجلة، ورقة ضمن إعمال كتاب الإخوان في الخليج، كتاب المسبار(مركز المسبار:دبي،  2011)ط2، ص101

(12) -خالد المشوح ، التيارات الدينية في السعودية، مرجع سابق ص 22

(13)http://ar.wikipedia.org /

(14)http://www.islamist-movements.com/13327

(15) -توماس هيغهامر، الجهاد في السعودية(الشركة العربية للأبحاث والنشر:بيروت، 2013)ط1، ص302

(16) ايريس غلوزماير، الضوابط والتوازنات في النظام السعودي، ضمن أعمال كتاب السعودية في الميزان، مرجع سابق، ص226

(17) وليد بن عبدالله الهويريني، تحولات الإسلاميين من لهيب سبتمبر إلى ربيع الثورات، كتاب مجلة البيان، 1433ه ، ص19-32

(18) -ستيفان لاكروا، زمن الصحوة، مرجع سابق، ص 363

(19) وليد بن صالح الرميزان، الليبرالية في السعودية والخليج دراسة وصفية(روافد للطباعة والنشر:بيروت، 2009) ط1، ص199

(20) يقول أحد المحسوبين على الاتجاه الليبرالي في هذا الصدد: “رفع لواء حرية الرأي والتعبير مقبولاً ومفهوماً، من التيار الإسلاموي وأعوانه في السعودية إذ استذكرت مقولة لصادق جلال العظم مفادها أن مجرد رفع الإسلاميين لشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية يسجل لصالح الليبرالية بغض النظر عن نيات الإسلامويين من هذا الاستخدام”. أنظر: أحمد عدنان، السعودية البديلة، مرجع سابق، ص 76

(21) يتحدث عن ذلك بوضوح الكاتب مشاري الذايدي الذي قال في مقاله الربيع الإخواني: “هناك من يقول لك: حسناً، لندع الإسلاميين يجربون حظهم، فإما أن يتطوروا مثل إسلاميي تركيا، وهذا ما نريده، وإما أن يفشلوا، ويكفونا شرهم للأبد. في نظري هذه الحجة مضللة، لأنها مبنية على فرضية خاطئة، وهي أن الإسلاميين لم يجربوا الحكم في العالم العربي، والأن أتت فرصتهم. لكن الواقع يقول إنهم حكموا في السودان وإيران. . والأمر الأخر من يضمن أن الأصوليين السياسيين إذا ثبت فشلهم سيخرجون من الحكم بعد أن يمتلكوا أسباب القوة والهيمنة؟. لكن يختلف معه الدكتور تركي الحمد الذي راى حق التيارات جميعها في الوصول للسلطة مادامت تؤمن بمبادئ الديمقراطية، وللجميع الحق في تداول السلطة ولكن بشرط واحد هو الالتزام بمبادئ الديمقراطية وقواعد اللعبة السياسية، أنظر: عبدالله الرشيد، الليبراليون السعوديون بعد الربيع العربي وصعود الإسلاميين، النص متاح على الرابط.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *