تقديراتفلسطين

دلالات الاستهداف الصهيوني لأنفاق غزة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا

 

مقدمة:

في 30 أكتوبر 2017، استهدفت قوات الإحتلال الصهيوني نفقاً يصل بين قطاع غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948م، وتحديداً في الشمال الشرقي لمدينة خانيونس. وذلك من خلال استخدامها أسلحة سامة فتاكة لأول مرة. فأثناء الغارات الصهيونية فقدت حركة الجهاد الإسلامي (صاحبه النفق) الإتصال مع مقاتليها المتواجدين في داخل النفق. ليهرع عدد من “المرابطين” التابعين لكتائب القسام وحركة الجهاد الإسلامي لإنقاذ العالقين في النفق إلا أن الغاز السام كان قادراً على أن يفتك بهم. فإستشهد 7 مقاومين خمسة منهم تابعين لسرايا القدس – الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، وإثنان من كتائب القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس. وإصابة ما يقارب عشرون شخصا، ولا يزال البحث جاريا عن مقاتلين مفقودين في النفق وفي الغالب هم في عداد الشهداء. لتخرج جماهير قطاع غزة غاضبة في الشوارع مطالبة بالإنتقام.

إستهداف النفق في هذا التوقيت، وبنوعية السلاح، وحجم المذبحة التى ارتكبت، وضعت كافة قوى المقاومة الفلسطينية والسلطة الفلسطينية الوطنية والنظام المصري “الراعي للمصالحة” في مأزق كبير.

ويحاول هذا التقدير الإجابة على التساؤلات الآتية، ماذا يريد الكيان الصهيوني من هذه العملية؟ وكيف ستتعامل المقاومة الفلسطينية مع هذه الأزمة؟ وما هو دور مصر بالتحديد؟ وأين السلطة الفلسطينية من كل ذلك؟

 

أولاً: أسباب الاستهداف الصهيوني

هناك العديد من الاعتبارات التي شكلت دوافع لهذا الاستهداف، من بينها:

1: موقف الحكومة الصهيونية من المصالحة:

من المؤكد أن الحكومة الصهيونية لها موقفها من المصالحة الفلسطينية التى ترعاها مصر مؤخراً، خصوصا وأن ملامح جديتها كبيرة هذه المره، ومختلفة عن الإتفاقيات السابقة. لذا تحاول الحكومة الصهيونية إلى:

  • إفشال المصالحة لأن استمرار الانقسام الفلسطيني السياسي إلى جانب الانقسام الجغرافي بين قطاع غزة والضفة الغربية مصلحة صهيونية استراتيجية من الدرجة الأولي. لكن هذا الهدف يتعارض مع الرأى القائل أن عملية المصالحة تستهدف تحقيق تنازلات من الطرف الفلسطيني، فكيف يكون الكيان الصهيوني يسعى الى إفشالها؟
  • الاستفادة من أجواء المصالحة لفرض وقائع ومعادلات جديدة في المواجهة، بعد استشعاره أن أيدي المقاومة مكبلة.
  • محاولة الكيان الصهيوني وضع سلاح المقاومة الفلسطينية على طاولة (المصالحة)، وأن لا يستثني منها. خصوصا وأن موقف حركة حماس والجهاد الإسلامي من سلاح المقاومة لا يزال يرفض المساس به.
  • فحص قدرات الدور المصري في قطاع غزة، وتحديداً قدرتها على لجم المقاومة، خاصة مع وجود رغبة صهيونية لمواجهة حزب الله في جبهتها الشمالية وهي تخشي من انفجار الأوضاع في غزة بنفس التوقيت.

2: دوافع شخصية مرتبطة برئيس الوزرا ء نتياهو:

والتى تتمثل في رغبتة التخلص من أعباء التهم التى تلاحقة والمتعلقة بالفساد، من خلال تصدير الأزمة للخارج1.

 

ثانياً: الموقف الفلسطيني من استهداف النفق

1: موقف السلطة الفلسطينية:

بعيداً عن موقف السلطة الفلسطينية من حادثة استهداف النفق والمتمثل في (الصمت) إلا أنه بات من الواضح أن السلطة الفلسطينية تعلم تماما طبيعة الأوضاع وصعوبتها في قطاع غزة، إلا أن هذا الموقف عليه الكثير من علامات الاستفهام، فكيف تكون السلطة الفلسطينية هي الحكومة الرسمية والمسئولة عن قطاع غزة، وكيف لا يكون لها موقفا رسميا ضد القصف؟ وهذا ما قد يفسر تباطؤ السلطة الفلسطينية من تسلم مسئولياتها في القطاع؛ وذلك لعدة أسباب، منها أن السلطة الفلسطينة لها موقف مسبق من قضية سلاح المقاومة وتعلم أن هذه المسألة في غاية الحساسية لدى أذرع المقاومة الفلسطينية وشرائح المجتمع الغزي عموما، كما أن السلطة تعلم ثقل المهام التى تنتظرها فهي مطالبة بمعالجة آثار ثلاثة حروب وإحدى عشر سنة من الحصار، كما تخشى أن تستلم إدارة قطاع غزة؛ لتبدأ بعدها حربا جديدة بين المقاومة الفلسطينية والكيان الصهيوني مما يجعلها في ورطة سياسية وإقتصادية كبيرة.

2: موقف فصائل المقاومة الفلسطينية:

(أ) حركة حماس:

وفقا للتصريحات الرسمية رأت حماس أن الغرض الصهيوني من الاستهداف الأخير وبهذا التوقيت، قد يكون إفشال المصالحة الفلسطينية لذا فإنها ترى أن الإصرار على المصالحة هي وسيلة من وسائل الرد على الصهاينة 2.

والأخذ بالموقف المصري القاضي على تفويت الفرصة على الكيان الصهيوني وعدم الإنجرار للحرب، وما لها من آثار سلبية على الشعب الفلسطيني في غزة لم يتعافى منها بعد منذ حرب 2014م. هذا الموقف من الصعب القول أن كافة الأطراف في حماس تقبل به، إلا أنه ولغاية كتابة هذه السطور فإن هذا هو الرسمي. إلا أن هذا الموقف له جانب سلبي يتمثل في موقف الحاضنة الشعبية للمقاومة ورأى الشارع في هذا الموضوع 3.

(ب) حركة الجهاد الاسلامي:

ترى حركة الجهاد الإسلامي بأنها هي المستهدفة من خلال هذه الضربة، وأن الخسائر كانت في صفوف أبنائها، لذا وضح عليها الرغبة في الانتقام. إلا أن الجهود المصرية والحمساوية تحاول أن تُهدئ من اندفاعهم للحرب. وتفويت الفرصة. فكان رد الحركة غير واضح وأقرب للصمت. حالة الصمت المتواجدة الآن في الجهاد الإسلامي قد يفهم منه حالة من الارباك في اتخاذ القرار عند قيادات الجهاد الاسلامي نتيجة عدة أمور؛ إنها ترغب بوجود موقف فلسطيني مقاوم موحد ضد الكيان الصهيوني وتحديداً حركة حماس من جانب. ومن جانب آخر ترغب في عدم الالتزام بطلبات المصرية وأن تنتقم لدماء شهدائها حين الإنتهاء من البحث عن المفقودين.

 

ثالثاً: الموقف المصري

السلطات المصرية تعلم تماما، أن إندلاع حرب في هذا التوقيت بالذات بين الكيان الصهيوني وفصائل المقاومة الفلسطينية، يعني أن المصالحة دخلت في حالة “صعبة” وانها أصبحت أقرب للفشل، مما قد يشعرها بالحرج الشديد ويطرح العديد من الإشكاليات: أنه في حال اندلعت الحرب بين غزة وكيان الصهيوني، ماذا سيكون الموقف المصري الرسمي أمام القوى الإقليمية والدولية بعد فشلها في مصالحة فلسطينية سخرت لها كافة الجهود لإنجاحها؟ كما أن التدخل الصهيوني في إفشال المصالحة الفلسطينية، ليتبعها بعد ذلك حربا مدمرة ستزهق به الآف الأرواح من الفلسطينيين، ماذا سيكون الموقف المصري من الكيان الصهيوني بعد أن أفشل جهودها؟ وما شكل العلاقة بينهما؟ وما مستقبل العلاقات بين مصر وحركة حماس في حال اندلعت الحرب؟ هل ستعود العلاقات إلى مربع “الصفر” بعد ما شهدته من تطور كبير؟ وفي أي مربع سيقف النظام المصري إذا حدث إعتداء جديد على غزة؟ وما أثر ذلك على الوضع الداخلى في مصر؟

 

رابعاً: الأزمة إلى أين؟

في ضوء هذه التساؤلات نجد أنفسنا أمام سيناريوهين:

السيناريو الأول: لا حرب قادمة:

هذا السيناريو هو المفضل لكل من دولة (مصر) التى تسعى “للحفاظ على جهودها في المصالحة ” ودورها في القضية الفلسطينية؛ و(السلطة الفلسطينية) التى لا تؤمن بالحروب والمقاومة المسلحة كطريق لإنتزاع الحقوق الفلسطينية من الكيان الصهيوني. وربما موقف حركة حماس الحالى يتجه إلى هذا السيناريو على أمل ان تتخلص من أعباء قطاع غزة، ولتنطلق هي في علاقاتها الخارجية لتحقيق مكاسب سياسية في المستقبل القريب. كما أن هناك شريحة كبيرة من سكان قطاع غزة ترفض الحرب وترغب في تحسن الأوضاع الاقتصادية والحياتية لهم. والملفت هنا أن الكيان الصهيوني ربما يفضل هذا السيناريو أيضا، فهو يرغب بأن يغتال قيادي هنا، أو يقصف هدفا هناك، ويحقق مكاسب جديدة في ظل حرص الطرف الآخر على عدم الدخول في الحرب.

السيناريو الثاني: نشوب الحرب:

هذا السيناريو مطروح وبق نتيجة للعديد من العوامل أهمها:

  • أن الكيان الصهيوني يمتلك رؤية استراتيجية مفادها إما انقسام فلسطيني، يخدم مصالحه؛ أو القضاء على المقاومة الفلسطينية. وهذا يعني أن الكيان الصهيوني في حال رأى أن المصالحة الفلسطينية لن تحقق له مطامعه. ربما سيلجأ الى الخطة الثانية “القضاء على المقاومة”. خاصة وأن مبرراته السابقة – أنه على استعداد للقضاء على المقاومة مقابل أن تستلم السلطة ذلك – أصبح واقعا. فقطاع غزة سيصبح تحت سيطرة السلطة الفلسطينية في الأيام القادمة.
  •  في حال تكرار مثل هذه الحوادث من قبل الكيان الصهيوني معتقداً أنه في حال إغتال قيادي فلسطيني، وهدفا للمقاومة، سيمر دون عقوبة من المقاومة فهو واهم. فالوسطاء المصريين أو حتى السلطة الفلسطينية دورهم لا يزال في طور التكوين، ولم يصلا بعد الى مرحلة التأثير الكبير. وبالتالى في حال أقدم الكيان الصهيوني على أي خطأ قادم، فإنه ربما سيكون بمثابة الإعلان الرسمي لبدأ الحرب. خصوصا وأن الشارع الفلسطيني في غزة، وعلى الرغم من رفضه للحروب، إلا أنه في حال أعاد الكيان الصهيوني هجوما جديدا فإنه سيكون مع أي حرب ضد الكيان الصهيوني.

 

ختاماً:

يبقى السيناريو الثاني هو الأقرب للواقع (الحرب)، وان ما يجري الآن من جهود مصرية لتهدئه فصائل المقاومة الفلسطينية هي محاولة لتأجيل الحرب لا أكثر. فقرار الحرب يبقى صهيونيا خالصا، فإذا رأت دولة الكيان الصهيوني أن الحرب واجبه؛ فإنها ستفعلها ولن تلقى بالاً للموقف المصري ولا غيره من المواقف. فقبل أيام كانت هناك محاولة فاشلة لإغتيال توفيق أبو نعيم المسئول الأمني الأول لحكومة حماس في غزة. والأن سبعة شهداء وخمسة مفقودين وعشرون إصابة. فبالنسبة للكيان الصهيوني بديل حماس قد تسلم الأمور في قطاع غزة قبل الحرب لا بعدها. ومن هنا فإن سيناريو الحرب قادمة؛ ربما ستكون بعد إنتهاء البحث عن مفقودين؛ أو بعد توجيه المقاومة ضربة انتقامية للكيان الصهيوني سواء في غزة أو الضفة الغربية أو الداخل المحتل؛ أو من خلال جريمة أخرى يرتكبها الكيان الصهيوني داخل قطاع غزة في قادم الأيام (4)

—————————-

الهامش

(1)  روسيا اليوم ، ” الفساد يهدد نتنياهو وقد يودي به من الحكومة إلى السجن”، تاريخ النشر 2-1-2017م، الرابط.

(2)  المركز الفلسطيني للاعلام ، ” غزة تشيع شهداء النفق السبعة”، تاريخ النشر 31-10-2017م، الرابط.

(3)  مركز رؤية للتنمية السياسية ، ” نتائج استطلاع: رأي الجمهور الفلسطيني في أبرز التطورات السياسية والأطراف الفلسطينية الفاعلة”، تاريخ النشر 18-10-2017م، الرابط.

(4) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية “.

 

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق