تقاريرسيناء

سيناء ـ أبعاد الصراع بين داعش والقبائل

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

تجددت الاشتباكات خلال الأسابيع القليلة الماضية بين مسلحي تنظيم ولاية سيناء – المعروف سابقاً بأنصار بيت المقدس والذي أعلن ولائه لتنظيم داعش في عام 2014 – وقبيلة الترابين بجنوب مدينة رفح، بعد استهداف المسلحين لشاحنة سجائر – يوم الأحد 17 أبريل 2017 –  تعود ملكيتها لأحد أفراد قبيلة الترابين، وهي في طريقها لغزة، وتبع ذلك اختطاف أفراد متبادل من الطرفين، وتفجير مقر قبلي للترابين بقذيفة آر بي جي، تبع ذلك قيام قبيلة الترابين بحشد مسلحين لحصار سوق البرث لتتبع عناصر الولاية، ثم استهداف مسلحي الولاية تجمع للقبيلة بسيارة مفخخة.

بداية، لم تكن هذه الاشتباكات الأولى من نوعها، فمنذ عامين تقريبا حدث اشتباك مماثل في سوق البرث والخاضع للترابيين قبلياً –يقع السوق في قرية البرث، التي تفصل بين قبيلتي السواركة والترابين، حيث قَتل فيها المسلحين أحد أبناء القبيلة. كانت الحُجة أن القتيل يعمل مع الأمن، وهو أمر حذر منه التنظيم وتوعد من يقوم به بالقتل، لترد القبيلة بقتل أحد المسلحين، ومنع مرور ما يخصهم، وأوقفت السوق إلى أن تم الصلح بينهما، لتعود الأوضاع للهدوء. لاحقاً، حدثت اشتباكات شبيهة عقب إعلان بعض رموز قبيلة الترابين الحرب على المسلحين، والدعوة لتسليح أفرادها، لمساعدة قوات الأمن في حربها، لتصبح أخبار القتل والخطف المتبادل أمرًا اعتياديا بين الطرفين على مدار العامين الماضيين. ويمكننا قراءة أبعاد الصراع بين القبائل والمسلحين في سيناء عبر ثلاثة مكونات تحكم تفاعلات المشهد الحالي.

الصراعات القبلية-القبلية

جغرافيًا لكل قبيلة حدودها، والتي تم التوافق عليها بعد صراعات طويلة عرفت بـ حرب التياها والترابين في عام 1813م، ودارت حول حدود القبائل ومناطق نفوذها، لينتهي الأمر بصلح عقد في الرابع من فبراير عام 1889، لايزال ساري إلى الآن. ورغم العلاقات الهادئة على السطح بين مكونات المشهد القبلي في سيناء، إلا أن هناك صدامات تحت السطح، سواء بين المكونات الصوفية والسلفية من جانب وبين من يقود المبادرة والسيطرة على المشهد السيناوي من جانب القبائل هناك، وهذا امتداد للنزاعات القبلية المتوارثة بين أبرز قبيلتين هناك، الترابين والسواركة، حول من يقود، وهو في جوهره تاريخي، بل يمتد الأمر إلى تنافس بين أبناء القبيلة الواحدة.

بدا هذا في عدة مناسبات، مثل مؤتمر اتحاد قبائل سيناء في مايو 2015، والذي لم ينجح في أن يعبر عن الجميع، كذلك الموقف من دعوات تسليح أبناء القبائل لدعم الجيش في مواجهاته، والتي لم تكن في جوهرها دعوة مُعبرة عن واقع محلي أكثر من كونها تعبير عن مصالح شخصية للداعين لها، والتي تحرص على تصدر المشهد اعتمادًا على صلاتها بمُختلف أجهزة الدولة، والمصالح المتبادلة المتحققة من ذلك.

تُحيلنا هذه الوقائع المتعلقة بالصراع القبلي-القبلي لأحد أزمات المشهد الداخلي في سيناء، والمرتبط بتآكل دور القبيلة. كان من تداعيات مجمل سياسات الأنظمة الحاكمة المتعاقبة تجاه سيناء الأثر السلبي على مكانة شيوخ القبائل وأدوارهم، حيث تآكل تأثيرهم سواء على أبناء قبائلهم أو على مجتمعهم المحيط. فبعد أن كانت الزعامة قيادة طبيعية تأتي نتاج قرار داخلي للقبيلة، يَخضع لأعراف مُتوارثة في اختيار شَيخها، أصبح شيوخ القبائل موظفين يتم تعيينهم بموافقه أمنية، بغض النظر عن كونهم يتمتعون بقبول داخلي من عدمه. وانعكس هذا سلباً على موقع القبيلة، والتي أصبحت أحد أدوات الدولة في السيطرة، من خلال محاولات اللعب في التوازنات المحلية بتقديم قبيلة أو – أفراد منها – ومنحها امتيازات لولائها والتضييق على أخرى.

العلاقة القبلية مع التنظيمات المسلحة

هناك جانبان لهذه العلاقة المركبة، أولهما هناك مساحات تَلاقي تحكُمها المُعايشة والمَصلحة المُتبادلة، خاصة المصالح المالية، بين مكونات المشهد السيناوي (القبائل والجماعات المسلحة هناك وعلى رأسها تنظيم ولاية سيناء)، من خلال الممرات التجارية غير الشرعية، والتي تتم عبر الأنفاق الحدودية في رفح، ويحكم هذه العلاقة اتفاق ضمني بين الجميع، خاصة في ظل غياب التنمية الحكومية للمنطقة، كذلك غياب فُرص عمل بَديلة تستوعب السكان المحليين، هذا يدفع لوجود “تنسيق” مع المسلحين، خاصة تنظيم ولاية سيناء، والذي يتحكم في هذه الممرات التجارية بدرجة كبيرة. على سبيل المثال عندما توترت علاقة التنظيم بحركة حماس، بعد تقارب الحركة مع النظام المصري مؤخراً، منع دخول البضائع لقطاع غزة عبر الأنفاق، الأمر الذي أدى إلى صدامات مع العناصر القبيلة التي تستفيد من هذه التجارة.

الجانب الثاني لهذه العلاقة المركبة هو رؤية الجماعات المسلحة للقبيلة كبنية اجتماعية، على الرغم من أنها تسعى للاستفادة من فكرة القبيلة في حد ذاتها، لا ترى هذه الجماعاتٍ أي وزن لمنصب شيخ القبيلة عموماً، باعتباره مخالفًا لشروط الإمارة، ويرون هذا النمط القيادي أحد صور الجاهلية المُتوارثة، إضافة إلى تَخوينه باعتباره عميلاً للأمن الذي عَيَّنه.

ونتيجة لذلك يسعى تنظيم ولاية سيناء باستمرار إلى بسط سطوته على المجتمع المحلي في سيناء عبر عدد من الأمور:

  • فرض الإتاوات على السكان المحليين لإخضاعهم، قَبِل البعض دفعها تَجنبًا للسلامة، بينما رفضت قبيلة الترابين، لتحدث اشتباكات عنيفة بينهما، نتج عنها قتل واحتجاز متبادل.
  • استهداف القيادات القبلية للحط من هيبتهم من جانب، ولجذب المزيد من الرافضين لهذه الرموز إلى صفوفهم من جانب آخر. فقد استهدف التنظيم منزلي رَمزين قَبيليين بَارزين هما عبد المجيد المنيعى من قبيلة السواركة، وإبراهيم العرجانى من قبيلة الترابين، انتقامًا لتعاونهما مع قوات الجيش.

إن سعي ولاية سيناء لجذب أنصار لها من مختلف القبائل يعود لأمرين؛ الأول الاستفادة من فكرة القبيلة وتوفيرها الحماية القبلية لأعضائها؛ ثانيًا منع وجود تحالف قبلي حقيقي يهدد وجودها، فلا يمكن لقبيلة أن تهاجم مكانًا خاضعًا لقبيلة أخرى؛ فنجد مثلا أن قبيلة كبيرة كالسواركة أبرز قيادات ولاية سيناء منها مثل توفيق ومحمد فريج زيادة وشادي المنيعي وأحمد زايد الجهيني، إضافة إلى كل من أحمد وكمال علام من عائلة الفواخرية، وغيرهم من باقي القبائل، بل نجد من الترابيين قياديين أيضا منهم سلامة أبو أذان -والذي قتل في مواجهات حدثت مؤخرا – إضافة إلى عشرات الداعمين للتنظيم من القبيلة.

الموقف من الدولة

يعتبر الغضب هو موقف الجميع من ممارسات الدولة في سيناء، خاصة بسبب إطالة أمد الصراع المسلح، وما رافقه من تدهور الأوضاع العامة في تلك المنطقة الغائبة عن خريطة التنمية منذ عقود، إضافة إلى تراث قديم ومستمر من التخوين الذي يَناله السكان من قِبل الأنظمة المتعاقبة، بالتشكيك في ولاءهم للدولة المصرية؛ كل هذه الأمور دفعت باتجاه نمو سوقًا للتجارة غير المشروعة عبر الأنفاق، التي أصبحت مَصدر دَخل كثير من الأهالي، بحيث تم خلق مُجتمعًا مُوازيًا، هو قوام حياة كل من البدوي والمسلح، يقوم على المصلحة المتبادلة.

وفي سياق الصراع ضد الجماعات المسلحة، ذكَّت بعض قطاعات الدولة من دعوة الترابين للحرب على الجماعات الإرهابية في سيناء منذ عامين، وكانت الترابين قد أكدت في أخذ بيانها -حينئذ- طابعا ذاتياً “ما نقوم به هو فقط مجرد الدفاع عن بيوتنا وشرفنا وعرضنا”. وإن أخذ هذا البيان بعداً وطنيا بدعم القوات المسلحة، وعدم تركها بمفردها في مواجهة المسلحين. ويمكن التأكيد على وجود تعاون وتنسيق غير مكتوب بين الدولة وقبيلة الترابين في هذا السياق، وذلك بالمشاركة في حملات أمنية ومواجهات ضد المسلحين، في ظل موقف الترابين العام المعادي للتيارات الإسلامية، وذلك حسبما تؤكد مصادر محلية.

نخلص مما سبق إلى عدة استنتاجات، بالنظر إلى واقع القبائل، وعلى الرغم من الخلافات القبلية البينية -خاصة الترابين من جانب والسواركة والرميلات من جانب آخر-  إلا أن هناك خُطوطًا عُليا تَحكم استمرار العلاقة بينهم بصورتها القائمة منذ ما يقرب من قرن ونصف قرن، بحيث تحول دون العودة للاقتتال تحت أي مبرر، وإن كان هناك من أبناء القبائل المستفيد من وجود مثل هذا الصراع.

فيما يخص مُسلحي ولاية سيناء، يظل تواجدهم مرتبط بسياقات محلية، حيث يستفيد التنظيم من تواجده داخل القبائل المختلفة ومن الأعراف القبلية، والتي لم تُؤثر في مُنتميه دَعوات بعض القبائل للجميع بتنفيذ عقوبة التشميس -أي نزع الحماية القَبلية عن أي مُنتمي للتنظيم. أيضا تَمُده كلًا من حَالة المَظلومية المُتزايدة والرغبة في الانتقام بأسباب البقاء، كذلك يستفيد من الرُؤية السلبية للبدوي من قبل أنظمة الحكم المُتعاقبة، وغياب الثقة به وبولائه للوطن (1).

——————————

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

 

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *