تقاريرحركات اسلامية

شباب الإخوان ـ شمولية الإسلام ومحدودية التطبيق

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا

 

مقدمة:

نقترب من مرور سبع سنوات على ذكرى خروج الجماهير -تجاوبا مع دعوات وتحركات شبابية- في يناير ٢٠١١؛ لتنادي بإسقاط النظام، وترغب في بناء نظام جديد؛ يحقق الحرية والكرامة والعدالة. لكننا لا نجد دراسات معمقة ووافية تتعلق بالشباب المصري -سواء انتمى إلى تيار سياسي منظم أو لم ينتم- ممن شاركوا في التفاعلات العملية بعد ٢٥ يناير ٢٠١١ وحتى الآن.

بعض هذه التفاعلات كانت داخل تيارات وحركات وأحزاب وجماعات كانت قائمة قبل ٢٠١١ وتطورت تفاعلاتها بعد ذلك، وبعضها كانت تحاول بناء أطر جديدة لتيارت أو حركات أو حملات أو أحزاب تحاول استيعاب المتغيرات الجديدة وتواكب مطالب وطموحات وآمال الناس.

وقد آن الأوان أن نكون أكثر شجاعة في الحديث عن أنفسنا، وأن يبادر الشباب من مختلف التيارات والاتجاهات لدراسة الأفكار والاتجاهات والتفاعلات والتجارب المختلفة التي مرّوا بها، بدل أن تترك هذه الخبرات تذروها الأحداث وتمحوها آثار القمع والاستبداد.

تأتي محاولة الكتابة عن شباب الإخوان المسلمين في سلسلة متتابعة كمحاولة لاستثارة آخرين -من مختلف التيارات والأفكار السياسية-؛ للكتابة وإلقاء الضوء عن التكوين والتطلعات والاتجاهات والتفاعلات والخبرات المختلفة التي مثلّت زخمًا ووهجًا مندفعا حينًا، أو ألمًا وتراجعًا وانحسارًا حينًا آخر، أو ربما اختلفت أشكال التفاعلات والاستجابات وانتقلت من طور لآخر.

ستحاول هذه الورقة الإجابة عن سؤال: “ما هو تكوين شباب جماعة الإخوان المسلمين؟ وما أثر فكرة شمولية الإسلام على هذا التكوين وعلى الاستعداد والجاهزية لأي تغيير سياسي؟”.

 

شباب الإخوان بين شمولية الإسلام ومحدودية التطبيق

ينظر تنظيم الإخوان المسلمين لعملية تكوين أفراده الفكرية والثقافية على أنها عملية تغيير شاملة، ويطلق عليها التربية، وهي ليست مجرد تعليم أو تثقيف، بل عملية مستمرة تهدف إلى غرس الأفكار والمفاهيم الإسلامية؛ وصولا إلى تغيير شامل للسلوك، كما يعبر بذلك مصطفى الطحان أحد أعضاء الجماعة في كتابه “حسن البنا” متحدثا فيه عن التربية داخل الإخوان وأصولها ومناهجها وأهدافها ووسائلها، فيقول عن التربية: “هناك فرق بين توضيح المفاهيم والتزود بالمعارف وبين التربية عليها وتحويلها إلى سلوكيات واقعية، ولذا فإن التربية على ذلك تحتاج إلى سنوات طويلة وحركة واسعة وأداء عملي سلوكي شاق، والتربية يسبقها تعريف ويتبعها تنفيذ “ (1 ) .

فهي منهج خاص ليس للتوجيه أو التثقيف ولكنه منهج متكامل لإحداث تغيير سلوكي عبر جهد طويل متواصل ومستمر.

 

مرتكزات التكوين الداخلي:

ترتكز جماعة الإخوان المسلمين على أساسين رئيسيين: فكرة الشمولية والحركة، يقول حسن البنا: “نحن نعتقد أن أحكام الإسلام وتعاليمه شاملة تنتظم شؤون الناس في الدنيا والآخرة، وأن الذين يظنون أن هذه التعاليم إنما تتناول الناحية العبادية أو الروحية دون غيرها من النواحي مخطئون في هذا الظن” ( 2) ، ويقول أيضا: “كان من نتيجة هذا الفهم العام الشامل للإسلام عند الإخوان المسلمين أن شملت فكرتهم كل نواحي الإصلاح في الأمة، وتمثلت فيها كل عناصر غيرها من الأفكار الإصلاحية، وأصبح كل مصلح مخلص غيور يجد فيها أمنيته، والتقت عندها آمال محبي الإصلاح الذين عرفوها وفهموا مراميها” (3 ) .

يقول المستشار طارق البشري: “أن الحلقة الرئيسة في فكر حسن البنا وموقفه هي شمول الإسلام… فشمول الإسلام خاصة أصيلة فيه وهي ملاصقة له لا تبارحه أو لا يصير الإسلام إسلاما بغيرها، … فكما أن الأفغاني يعتبر مقدما للفكرة الإسلامية المجاهدة لاحتلال الأجنبي ديار الإسلام والمقاومة لتبعية هذه الديار للقوى الاوروبية الغربية الكبرى، وكما أنا محمد عبده يعتبر مقدما لفكرة التجديد في الفقه الإسلامي والتفسير، فإن حسن البنا يعتبر مقدما لفكرة شمول الإسلام ولارتباط الفكر بالعمل والدعوة بالتنظيم الحركي والدين بالسياسة… فحسن البنا صنع حركة إسلامية أكثر مما صنع فكرا مجردا “ ( 4) .

حدد حسن البنا غايات ومراتب سبعة تعبر عن أهداف الجماعة الكبرى، وصفها بقوله: “مراتب العمل المطلوبة من الأخ الصادق:١-إصلاح نفسه ٢-وتكوين بيت مسلم ٣-وإرشاد المجتمع ٤-وتحرير الوطن بتخليصه من كل سلطان أجنبي ٥-وإصلاح الحكومة حتى تكون إسلامية بحق ٦-إعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية ٧-أستاذية العالم “ ( 5) .

من هذه الغايات يمكننا إدراك ما يستمده نظام التكوين الداخلي من أهمية نظرا لأهمية الأهداف الطموحة وعظمها.

 

وسائل التربية وأهدافها:

يحدد كتاب وسائل التربية عند الإخوان المسلمين –وهو أحد الكتب التي يتداولها مسئولو العمل التربوي داخل الجماعة لشرح وسائل التربية عند الجماعة- سبع وسائل هامة للتربية يعتمد عليها الإخوان المسلمون وهي: الأسرة والكتيبة والرحلة والمخيم أو المعسكر والندوة والدورة والمؤتمر.

لكن بالنظر إلى الضربات الأمنية التي تمر بها جماعة الإخوان المسلمين عبر الحقب المختلفة والتي تؤثر على تنفيذ برامجها الداخلية، والتي تحتاج مناخا يسوده قدر من حرية الحركة وسهولة الاتصال والتواصل بين الأعضاء والقيادات والرموز والكوادر، يمكننا القول إن فاعلية هذه الوسائل ستكون محل نظر، وستحتل الأسرة دورا هاما ورئيسا في التكوين الداخلي للأعضاء.

 

الأسرة:

هي مجموعة مكونة من عدد من الأعضاء يرتبطون معا برباط تنظيمي وتربوي واحد ويلتقون بشكل دوري –غالبا أسبوعي-، لها مسئول يتصل بالقيادة والمسئولين عن المجموعات التربوية الأخرى، ويشرف على تحقق الأهداف التربوية داخل الأسرة وخارجها، وتحتاج قدرا كبيرا من التآلف والتفاهم والتكافل بين أفرادها لتحقيق النتائج السلوكية المرجوة.

من الملاحظات الهامة أن إقرار جماعة الإخوان المسلمين لنظام الأسر كان مصاحبا لأجواء من التوتر والقلق مع حكومة النحاس باشا التي ضغطت على حسن البنا لسحب ترشحه من البرلمان وأصدرت قرارا في فبراير عام ١٩٤٣ بغلق جميع شعب الإخوان المسلمين في المحافظات، إلا المركز العام الذي وُضع تحت المراقبة، يقول علي عبد الحليم محمود: “في عام ١٩٤٣ عقد الإخوان  اجتماعا ضخما ضم المسئولين من الإخوان  في القطر المصري كله بعد قرار رئيس الوزراء بإعادة فتح شعب الإخوان وكان أهم ما في هذا الاجتماع … تقرير نظام الأسر -التي سميت حينها بالأسر التعاونية-“ ( 6) .

من هنا يبدو هناك تعلق قديم بين نظام الأسر وبين الضغوط الأمنية، ويبدو أن الأسرة ستكون الوسيلة الأبرز التي يعتمد عليها الإخوان المسلمين في تكوينهم الداخلي، خاصة في حال تعرضت الجماعة للضغوط والضربات الأمنية، يقول حسام تمام: “فالأسرة  درع حصينة لكل واحد من أعضائها، وهى من العضو بمثابة الأهل والعشيرة” (7 ) ، كما يذكر أيضا: “ينتظم الأخ في أسرة تجمعه بأفراده وتربطه بصلات تنظيمية واجتماعية تملأ عليه حياته بحيث لا يستطيع أن يفلت منها ويفكر في الإفلات” ( 8) .

عن الأهداف التربوية العامة أو الخاصة والاهتمام بالشأن العام:

سنجد في الحديث النظري عن الأهداف التربوية العامة أهدافا تتعلق بتكوين شخصية المسلم تكوينًا متكاملا يلبي مطالب المعاد والمعاش، ويتناول العقيدة والعبادة، وكذلك توثيق الروابط بين أعضاء الجماعة اجتماعيا وتنظيميا، والعمل على زيادة الوعي بالتيارات الموالية للعمل الإسلامي أو المعادية له، والإسهام في إطلاق قوى الخير والصلاح في الشخصية وتوظيفها، ومقاومة عناصر التخاذل والسلبية في شخصية الفرد، وتحقيق معنى الاعتزاز بالإسلام والالتزام بآدابه وأخلاقه، وتحقيق الانتماء للجماعة والالتزام بأهدافها، وتدارس المشكلات والمعوقات التي تعترض عمل الفرد من أجل الإسلام وتشخيص ذلك بدقة ورسم خطوط علاجها بوضوح ( 9) .

ومن الأهداف الخاصة مد الجماعة  بالعناصر القيادية الصالحة، وتدريب هذه العناصر القيادية على متطلبات المجال القيادي وفق برامج مكثفة ومؤهلة لنوع القيادة (10 ) ، وانطلاقا من الغايات الكبرى التي تحدث عنها حسن البنا، أو من الأهداف العامة أو الخاصة لنظام التربية والأسر، تخرج حاجات وكفايات كثيرة ومتعددة المجالات، تتطلب برامج للتدريب والتثقيف، فتشمل مثلا مجالات الإدارة والخطابة والاتصال وكتابة البحوث العلمية الاجتماعية والسياسية، وكتابة المقال والتحليل السياسي، ومجالات التعليم والتربية، والخدمة الاجتماعية وحتى بعض الحرف والمهن، والرياضة إلخ ( 11) .

 

السياسة والشأن العام:

لا تنفصل السياسة والاهتمام بالشأن العام عن فكرة الإخوان المسلمين بل هي جزء أصيل منها، فكثير من كتابات ورسائل وخطابات حسن البنا مفعمة بالاهتمام السياسي. فتجد الحديث عن نظام الحكم والنظام النيابي والانتخابات والإصلاحات والحكومة ومشاكل الاقتصاد إلخ.

فعن الحكومة يقول حسن البنا: ” والحكومة في الإسلام تقوم على قاعدة معروفة مقررة، هي الهيكل الأساسي لنظام الحكم الإسلامي، فهي تقوم على مسؤولية الحاكم ووحدة الأمة واحترام إرادتها ولا عبرة بعد ذلك بالأسماء والأشكال” ( 12) .

وعن النظام النيابي يقول: “وعلى هذا فليس في قواعد هذا النظام النيابي ما يتنافى مع القواعد التي وضعها الإسلام لنظام الحكم، وهو بهذا الاعتبار ليس بعيداً عن النظام الإسلامي ولا غريبا عنه” (13 ) ، لكنه يقرر مع هذا ما فيه من قصور فيقول: “ومع أن النظام النيابي والدستور المصري في قواعدهما الأساسية لا يتنافيان مع ما وضعه الإسلام في نظام الحكم، فإننا نصرح بأن هناك قصورا في عبارات الدستور، وسوءاً في التطبيق، وتقصيرا في حماية القواعد الأساسية التي جاء بها الإسلام وقام عليها الدستور” (14 ) .

كما عبر حسن البنا عن مطالب محددة للحكومة الإسلامية التي يريدها قائلا: “نريد الحكومة الإسلامية الصالحة، والأمة العزيزة الحرة في الداخل والخارج، وذلك بما يأتي :

  • تعديل الدستور المصري.
  •  تعديل المعاهدة المصرية الإنجليزية تعديلاً يحقق سيادة البلاد واستقلالها التام في الداخل والخارج فورًا.
  •  مساعدة الأمم العربية والإسلامية بكل الوسائل على استكمال استقلالها وحريتها تمهيدًا لعودة الخلافة.
  • المشاركة في حفظ السلام العام بنشر الدعوة الإسلامية في كل جهات العالم، وإبلاغها للأمم جميعًا في كل مكان .
  •  تقوية الجيش في كل وحداته وأسلحته الجوية والبرية والبحرية، مع إنشاء المصانع والمدارس اللازمة لذلك” (15 ) .

وفي حديث تحت عنوان منهاجنا الاقتصادي يقول: “نريد الاستغناء بمواردنا، وتوفير الراحة ووسائل العيش لكل الطبقات، وتحقيق المشروعات الضرورية للأمة الناهضة، وتعويد الشعب الاقتصاد بكل شيء” (16 ) ، وذكر من هذه المطالب تعديل نظام الضرائب وتأسيس شركات وطنية لتحل محل الأجنبية وتأسيس المصانع المصرية وتشجيع منتجاتها.

غير أننا نلاحظ في مجمل خطابات حسن البنا المتعلقة بالسياسة والشأن العام أنها إما تتعلق بمطالب جزئية، أو تتعلق بمقاصد وغايات ومبادئ إسلامية عامة، فلا يمكن وصف الخطاب السياسي العام على أنه برنامج متكامل، وتصور واضح للحكم والنظام الاقتصادي والعلاقات الخارجية، ولكنه معبر عن الغايات والأهداف والمبادئ وبعض المطالب التفصيلية، دون تصور كامل شامل.

لم ينقطع الاهتمام بالسياسية والشأن العام بموت حسن البنا، فدائما ما تحرص جماعة الإخوان المسلمين على تبيان رأيها ومواقفها السياسية مثل ما يتعلق بمشاركة المرأة مثلا في العمل السياسي (17 ) ، أو عن القبول بتعدد الأحزاب ( 18) ، أو بالحديث العصري عن الخلافة (19 ) .

لكن بنظرة معمقة في هذا الاهتمام السياسي يقول الباحث حسام تمام عن مواقف الجماعة المعلنة من القضايا السياسية أنها: “غالبا ما تكون حسما تحت حرج اللحظة وضغط الخصم” (20 ) .

 

هل كان تنظيم الإخوان وتكوينهم الداخلي يحقق فعلا معنى الشمول؟

تحفل خطابات الجماعة وحديث أعضائها وبالطبع أدبيات مؤسسها بالحديث عن شمولية الإسلام، وأنه نظام شامل ينظم كل مجالات الحياة، لكن –بغض النظر عن مناقشة هذه الفكرة فليس هذا موضعها- البحث في التطبيقات العملية لمآلات نمط العملية التكوينية داخل نظام الأسر وقسم التربية ربما يعكس صورة مخالفة عن الحديث النظري المستمر عن فكرة شمولية الإسلام.

فإذا كانت غايات جماعة الإخوان المسلمين تتعلق بالوصول إلى أستاذية العالم، وهو تعبير يحمل بداخله دلالات كبيرة تتعلق بالتميز الحضاري وريادة البشرية وأستاذية العالم –حسب وصف حسن البنا- وهو ما يستحق النظر والبحث هل كانت هذه الفكرة تنعكس على برامج التكوين الداخلية، فبالتأكيد الريادة الحضارية لن تأتي بالحديث المستمر عنها فحسب، فعالم أحادي أو ثنائي أو متعدد الأقطاب يتطلب تميزا وتفوقا قيميا وفكريا وعلميا وتكنولوجيا في مجالات لا حصر لها، ويتطلب عقولا ريادية مجدّدة وملهمة في مجالات أساسية كثيرة.

وإذا أردنا النظر والتقييم الموضوعي للتكوين الداخلي لشباب الجماعة فلا يجب الاكتفاء بالحديث عن السياق الأمني الضاغط، ما دامت حالة التشبع بالعاطفة الإسلامية وفكرة الشمول والغايات الكبرى مستمرة ولم تتغير.

لقد كان البعض ينتقد الجماعة على التمسك بفكرة الشمولية وأنها سببا في أزمات كثيرة، غير أن النظر بدقة -بغض النظر عن تقييمها- يستحق أن نتحقق أولا هل كان تنظيم جماعة الإخوان المسلمين تنظيما شاملا؟

في دراسة سابقة للباحث وجد أن الكتب التي يتذكرها أغلب شباب الجماعة ودرسوها داخل نظام الأسر منحصرة في: كتب ذات طبيعة شرعية، أو حركية، أو شرعية بإسقاطات حركية، ومن أبرز هذه الكتب التي تم ذكرها فقه السنة لسيد سابق، وفقه السيرة للغزالي، ورياض الصالحين والأربعين النووية للإمام النووي، وفقه السيرة للبوطي، وجامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي، ومختصر منهاج القاصدين لابن قدامة، وكتاب الرسائل لحسن البنا، وفي ظلال القرآن لسيد قطب، وبين القيادة والجندية لمصطفى مشهور، وماذا يعني انتمائي للإسلام لفتحي يكن، وأصول الدعوة لعبد الكريم زيدان، والمنهج الحركي للسيرة النبوية لمنير الغضبان، كما أن القراءات الإضافية كانت في الغالب للشيخ محمد الغزالي أو يوسف القرضاوي أو محمد قطب أو محمد أحمد الراشد أو سعيد حوى إلخ. (21 )

وكانت المعاني والأهداف والقيم التي يتم التركيز عليها داخل الجماعة ويتذكرها شباب الجماعة بوضوح محصورة في: معان وأهداف تتعلق بفكرة شمولية الإسلام كفكرة مركزية للجماعة، أو معان وأهداف تتعلق بالجوانب التعبدية الإيمانية مثل: الإخلاص والربانية وأداء الفرائض والنوافل، أو معان وأهداف تتعلق بالجوانب السلوكية والأخلاقية مثل: حسن الخلق والأخوة الإسلامية وحرمة المال العام، ومعاني وأهداف تتعلق بالجوانب الحركية والتنظيمية مثل: وجوب العمل الجماعي وضوابطه والثقة في القيادة والطاعة والجندية والذاتية. (22 )

لا تعكس هذه الثقافة وهذه الأهداف والمعاني استعدادا حقيقيا للغايات الكبرى للجماعة، ولا الأهداف الكبرى التي تحدث عنها حسن البنا، أو التي سُجّلت في الكتب التي دونها أعضاء بالجماعة عن أهداف نظام التربية، فالأهداف العامة لمرحلة العضو العامل بالجماعة في عام ٢٠١١–باختصار-:

  • أن يتزود بالعلم النافع، وينقسم إلى قسمين: الأول ما يتعلق بالعلم الشرعي، فيشمل القرآن والحديث والسيرة والفقه والعقيدة، والثاني ما يتعلق بالواقع، ويشمل واقع الجماعة وواقع التنظيمات والحركات المناهضة للعمل الإسلامي والحركات الإسلامية الموازية في الأقطار المختلفة ودراسة الدولة العثمانية.
  • أن يثبت أمام العقبات وأن يكون قادراً على اجتيازها.
  • أن يستكمل أخلاق المؤمنين.
  • أن يكون ملتزماً مستقيماً يحاسب نفسه على كل عمل ويقومها متى وجد فيها اعوجاجاً.
  • أن يتحقق بالأركان ويلتزم بالواجبات.
  • أن يكون مهموماً بدعوته مشغولاً بفكره وقلبه في كيفية انتشارها ونجاحها وانتصارها.
  • أن يتدرب على تحمل المسئوليات في الأعمال التي يكلف بها.
  • أن يمارس الشورى بشكل عملي صحيح.
  • أن يتزود بالعلم النافع في مجال علم التنفيذ (قيام الدولة على عهد الرسول- الرجال ذوي التأثير في المجتمعات). ( 23)

يتضح لنا مما سبق الفجوة الكبيرة بين فكرة شمولية الإسلام والنمط العملي للتكوين داخل الجماعة فيما يتعلق بالجانب السياسي أو الجاهزية والاستعداد للتغيير، فهناك غياب واضح لأي هدف سياسي محدد يتعلق بالشأن العام، وهناك غياب للتصور الحضاري وتقدير الحاجات والكفايات المناسبة المطلوب تحقيقها في أعضاء الجماعة وتكون متناسبة مع الغايات الكبرى ومع تفسير فكرة شمولية الإسلام والسعي لإقامة نموذج فريد للدولة الإسلامية واستعادة الكيان الدولي للأمم الإسلامية وتحقيق أستاذية العالم بتعبير حسن البنا.

لذا يمكننا الحكم بانكماش وانحسار مجالات الاهتمام التربوي التي لم تصبح شاملة بالمفهوم التطبيقي العملي، كما أنها لم تصبح معبرة عن الغايات والمراتب السبعة الكبرى التي ذكرها حسن البنا، ولا عن المجالات الكثيرة التي عددها علي عبد الحليم محمود في كتاب وسائل التربية، بل يبدو هناك انكفاء على فكرة إصلاح الفرد ونشر فكرة شمولية الإسلام في المجتمع، والحفاظ على تماسك التنظيم، مع تأجيل التفكير في الغايات الكبرى الأخرى مثل تحرير الوطن من كل سلطان أجنبي أو إقامة الدولة الإسلامية والخلافة وأستاذية العالم إلى مراحل لاحقة وأجل غير مسمى.

 

التربية بعد عام ١٩٥٣:

من الأمور اللافتة للنظر هو التفات قسم التربية والقائمين على نظام الأسر لهذه الإشكالات منذ عهد مبكر جدا في عام ١٩٥٣- ١٩٥٤، ففي رسالة من نظام الأسر بالجماعة بعنوان “نحو جيل مسلم” جاء فيها عن هدف الجماعة: “تعلمون أيها الإخوة أن هدف الإخوان تكوين جيل من المسلمين يفهم الإسلام فهما صحيحا، ويعيش به، ويجاهد فيه، ويجمع العقول والقلوب عليه، ويقيم حضارة تستند إلى أسسه وتحقق أهدافه” (24 ) ، وعند الحديث عن الثقافة الإسلامية تمت الإشارة لهذه الإشكالية المتعلقة بأهمية وجود عقلية الريادة: “استطاع الإخوان أن يقوموا بقسط كبير في تدعيم الاتجاه الإسلامي، وأوجدوا صحافة إسلامية ومؤلفات إسلامية، وعقولا تجعل الإسلام محور تفكيرها، صحيح أن هذه العقول لم تتجمع في مدرسة فكرية اتضحت مناهجها، وأن عددا كبيرا من الذين يعملون بإخلاص في هذا الميدان لا زالوا شبابا محتاجين إلى صقل وطول تمرّس ورعاية، ولكن الذي لا ريب فيه أن بذورا كريمة ألقيت في الأرض الطيبة” ( 25) .

وهو إدراك واضح أن الهدف من الصحافة والمؤلفات الإسلامية ليس الدعوة فقط ولكنه أيضا الوصول إلى إنضاج مدارس ومناهج فكرية واضحة.

وبشكل أكثر وضوحا ذكرت الرسالة أن غالب ما ارتكز عليه الإخوان هو قضايا كلية وليس برامج ومشاريع وتفاصيل محددة “ويمكن أيها الإخوة أن تستحضروا في أذهانكم ما تسمعونه في الاجتماعات والحفلات والكثير مما تقرؤون في الرسائل المختصرة التي بين أيديكم، فستجدونها جميعا قضايا كلية لا تتدخل في التفاصيل إلا بقدر محدود. والطابع الغالب على الفترة التي مضت من حياة الإخوان كان جمع الناس على هذه الكليات… وليس من المعقول أن تظل الجماعة حية في هذه الدائرة المحدودة… لذلك لابد من أن تتخذ كل الأسباب الممكنة حتى تخطو الجماعة هذه الخطوة، فتنتقل من الحديث عن الكليات والعموميات إلى الدخول في التفاصيل، وليس الأمر يسيرا يستطيع أن يقول من شاء ما شاء.. فلا بد من دراسة عميقة سليمة لمصادر الإسلام من الكتاب والسنة وهدى سلفنا الصالحين، ومن دراسة عميقة للمجتمعات الإسلامية ومشكلاتها، وتكوين شخصيات لا تستهدف إلا ما عند الله، وهذه الشخصيات تستطيع تشخيص المرض وتحديد الدواء، ثم الإشراف على العلاج، وإعلانه بين الناس” ( 26) .

وبينت الرسالة أنه لا يوجد نموذج عملي معاصر للدولة الإسلامية المنشودة، وما دام هذا النموذج غائبا “فلا أقل من أن نقيم في عالم الفكر صور الإسلام الذي نريد، ونحاول أن نجمع الناس على تصور عقلي، ونقدم لهم كتابةً حلول مشكلاتهم… فإذا عجزنا عن إقامة هذه الصورة الفكرية، فنحن عن التطبيق أعجز، ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه” (27 ) .

وفي ختام هذه الرسالة وفي حالة أقرب لاستشراف المستقبل يحيطها بعض القلق عن مستقبل التكوين داخل الجماعة “وأحس إحساسا –يصل في نفسي إلى مرتبة اليقين- أن هذه الخطوة (يقصد الانتقال العملي لتطبيقات فكرة الإخوان من الكليات والعموميات إلى التفصيل) من أقسى الامتحانات التي تواجه الجماعة، وبها سيتقرر في وضوح ما إذا كنا نستطيع أن نحتفظ بشباب الإخوان للإسلام أم سيتسرب هذ الشباب كالماء من بين أصابع الجماعة” (28 ) .

تتطابق هذه التخوفات القديمة مع ملاحظات حديثة للباحث حسام تمام أن جماعة الإخوان المسلمين “تمارس فعلا سياسيا -ينتمي إلى لحظة الدولة الوطنية الحديثة التي نعيش في ظلها-، فيما ما زالت أطرها الفكرية والتربوية عاكفة على تداول أفكار ونظريات سياسية عتيقة تنتمي إلى ما قبل ظهور الدولة القومية” (29 ) ، ويلحق بها ما أشار إليه الدكتور عصام العريان  بحديثه عن الآثار الجانبية للحملات الأمنية على الجماعة ومنها “الالتزام بمناهج تثقيفية محددة رغبة في التسهيل على الأفراد فإذا بها تدفعهم إلى التبسيط والكسل المعرفي والقعود عن التحصيل وضعف الهمة في الدرس وذلك إنما هو ثمرة المناخ العام الذي أفسد الشباب وأفسد العمليات التعليمية والتربوية التثقيفية العامة وما أفراد الإخوان إلا نتاج المجتمع الحالي، فنادراً الآن أن تجد شاباً مثقفاً قارئاً ذو عقل متفتح وقدرة على التمييز بين الآراء” (30 ) .

 

ختامًا:

نخلص في ختام هذه الورقة إلى أن الأهداف والغايات الكبرى التي ذكرها حسن البنا في رسائله لا تنعكس على برامج الجماعة التثقيفية والتكوينية، كما أنه غلبت فكرة تماسك التنظيم على تطويره وعلى العمل على إعداد كوادر المستقبل، فالجماعة حافظت على فكرة شمولية الإسلام –نظريا- في أوقات الاستهداف والضغط الأمني والجمود السياسي، وظلت عالة على أدبيات البنا دون الاهتمام بالتقدم خطوات نحو الكوادر والمؤسسات والمشاريع المطلوبة لتحقيق هذه الفكرة الشاملة، فكأن الجماعة أجلّت هذا الاهتمام لمرحلة لاحقة لم تأت بعد.

ربما يحتاج شباب الجماعة الآن للنظر بعمق لإشارات القلق التي عبّرت عنها رسالة نظام الأسر عام ١٩٥٣ وبين ما آلت إليه الأوضاع التكوينية الداخلية، حيث بقت الفكرة الإخوانية ترتكز على عموميات وكليات ولا تتقدم نحو الريادة المنهجية والعلمية فكريا أو عمليا، صحيح أن هناك تبريرات تتعلق بتتابع الضربات الأمنية وما وصلت له الجماعة والحالة السياسية بشكل عام -خاصة في عهد مبارك- من حالة جمود تام، كما عبر بذلك نائب مسئول قسم الطلاب بجماعة الإخوان المسلمين التابع لمكتب الإرشاد: “أن الجماعة منذ عام ١٩٩٥ قد دخلت في حالة من التجمد القسري (الجبس على حد وصفه) بسبب الضغوط والضربات الأمنية الشديدة التي فرضها نظام مبارك، وأن قسم الطلاب قد أعد دراسة قدمها لمكتب الإرشاد بعد خلع مبارك مباشرة تتحدث عما أصاب الجماعة من تجميد منذ عام ١٩٩٧ وحتى عام ٢٠١١ في القطاع الشبابي خصوصا والجماعة عموما، وأن القطاع الشبابي لم يجد فرصته في العطاء وحمل عبء العمل والمسئولية كما كان الحال قبل عام ١٩٩٧” (31 ) ، غير أن نجاح الأجهزة الأمنية -عبر أزمنة وأنظمة مختلفة- في فرض حالة الجمود الفكري والسياسي والحركي لا يعد مبررا ليظل العقل الإخواني يراوح مكانه ويبدأ دائما من نقطة البداية، محتفظا بنفس شعاراته وأهدافه وغاياته العظيمة والطموحة جداً( ( 32) ).

(1 ) مصطفى الطحان، الإمام حسن البنا، الكويت، مركز الدراسات الإسلامية ٢٠٠٨، ص١١٣، وتأتي أهمية الكتاب أنه كتب من عضو من أعضاء الجماعة، وقدّم له الأستاذ محمد مهدي عاكف المرشد السابق للجماعة المتوفى سبتمبر ٢٠١٧.

(2 ) حسن البنا، مجموعة رسائل الإمام البنا رسالة المؤتمر الخامس، القاهرة دار التوزيع ٢٠٠٦، ص ٣٣٤

( 3)  المرجع نفسه، ص٣٣٦

( 4) طارق البشري، الملامح العامة في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، القاهرة، دار الشروق ١٩٩٦، ص٢٥ بتصرف

( 5) حسن البنا، مجموعة رسائل الإمام البنا رسالة التعاليم، القاهرة، دار التوزيع ٢٠٠٦، ص٢٧٨ – ٢٨٠ بتصرف

(6 ) علي عبد الحليم محمود، وسائل التربية عند الإخوان المسلمين، المنصورة دار الوفاء١٩٩٠، ص١٢٣

( 7) حسام تمام، الإخوان المسلمون سنوات ما قبل الثورة، القاهرة دار الشروق ٢٠١٣، ص١١٤

(8 ) المرجع نفسه، ص٤٨

( 9) علي عبد الحليم محمود، وسائل التربية عند الإخوان المسلمين، المنصورة دار الوفاء ١٩٩٠، ص١٢٥-١٢٨ بتصرف

(10 )  المرجع نفسه، ص١٥٢ بتصرف

(11 )  المرجع نفسه، ص١٧٩ بتصرف

( 12) حسن البنا، مجموعة رسائل الإمام البنا رسالة نظام الحكم، القاهرة دار التوزيع ٢٠٠٦، ص٦٥٤

(13 ) المرجع نفسه، ص ٦٥٩

(14 ) المرجع نفسه، ص٦٥٩

(15 ) المرجع نفسه رسالة المنهج، ص٢٦١

(16 ) المرجع نفسه رسالة المنهج، ص٢٦٦

( 17) مصطفى الطحان، الإمام حسن البنا، الكويت مركز الدراسات الإسلامية ٢٠٠٨، ص١٤٣

(18 ) المرجع نفسه، ص١٥٨

( 19) المرجع نفسه، ص١٦٤

(20 ) حسام تمام، تحولات الإخوان المسلمين تفكك الأيدولوجيا ونهاية التنظيم، القاهرة مكتبة مدبولي ٢٠١٠، ص٧

(21 )  ياسر فتحي، بحث اتجاهات شباب جماعة الإخوان المسلمين في مصر، مؤتمر الجيل والانتقال الديمقراطي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تونس سبتمبر ٢٠١٧

(22 )  المرجع نفسه

(23 ) منشور تنظيمي حصل عليه الباحث خلال مقابلة أجراها مع أحد مسئولي لجنة التربية في عام ٢٠١٢ بجماعة الإخوان بإحدى محافظات مصر، يونيو ٢٠١٧.

( 24)  محاضرة ألقيت في المركز العام لجماعة الإخوان بالقاهرة في أكتوبر ١٩٥٣، اطلع عليها الباحث من نسخة قديمة مطبوعة بتاريخ أغسطس ١٩٥٤ لدى أحد أعضاء الجماعة تحت عنوان “نحو جيل مسلم” بتوقيع نظام الأسر

(25 )  المرجع نفسه

(26 )  المرجع نفسه

(27 )  المرجع نفسه

(28 )  محاضرة ألقيت في المركز العام لجماعة الإخوان بالقاهرة في أكتوبر ١٩٥٣، اطلع عليها الباحث من نسخة قديمة مطبوعة بتاريخ أغسطس ١٩٥٤ لدى أحد أعضاء الجماعة تحت عنوان “نحو جيل مسلم” بتوقيع نظام الأسر

(29 )  حسام تمام، تحولات الإخوان المسلمين تفكك الأيدولوجيا ونهاية التنظيم، القاهرة مكتبة مدبولي ٢٠١٠، ص٧

(30 )  عصام العريان، مقالة الآثار الجانبية للحملة البوليسية، موقع إسلام أون لاين، أكتوبر ٢٠٠٩ يحتفظ الباحث بنسخة كاملة منها

(31 )  نائب مسئول قسم الطلاب بجماعة الإخوان المسلمين التابع لمكتب الإرشاد، مقابلة أجراها الباحث يونيو ٢٠١٧.

(32) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية “.

 

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق