ترجمات

في إسرائيل أخطار تلوح في الأفق

التهديدات التي واجهتها إسرائيل في الماضي تطل برأسها من جديد

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

جاكوب ل. شابيرو – جيوبوليتيكال فيوتشرز – على الرابط

أدت الحرب على الدولة الإسلامية في سوريا والعراق (داعش) إلى تعليق عدد من القضايا التي كانت تشغل منطقة الشرق الأوسط قبل ذلك. ولكن أما وقد هُزمت داعش الآن، وفي غياب العدو المشترك للتحالف المناهض لها، فقد فَقَدَ التحالف الهدف المشترك الذي كان يجمع أعضاءه على حرب ذلك التنظيم الإرهابي. وعادت المخاوف التي كانت تهيمن على المنطقة قبل ظهور داعش لتطل برأسها من جديد. وهذا يعني أن إسرائيل، التي بقيت في معظم الوقت على هامش الأحداث في سوريا والعراق، ستصبح من الآن فصاعداً لاعبا نشطا في الأحداث القادمة أكثر من أي وقت مضى.

ومن المعروف أن إسرائيل كانت ترى أن أي طرف سيخرج منتصرا في الحرب داخل سوريا، سيكون بالتأكيد عدواً لإسرائيل؛ فكلهم عندها في ذلك سواء. ولكن إسرائيل، في الحقيقة، هي من فضلت بقاء نظام الأسد عن وجود الدولة الإسلامية في سوريا. ورغم ذلك، فلا زالت إسرائيل تعتبر الأسد عدواً لها؛ وكلما زاد النظام هناك من قوته، كلما كانت سوريا أكثر خطراً عليها.

 

السيناريو الكابوس

تغير الموقف الاستراتيجي لإسرائيل في الشرق الأوسط في عام 2011 عندما اندلعت الحرب الأهلية السورية. ففي ذلك الوقت، كان هناك قدر كبير من عدم الاستقرار على جميع حدود إسرائيل، وخاصة على الحدود مع مصر. وكانت مصر قد وقعت حينئذ في حالة من الفوضى. ولكن على الرغم من تولي الإخوان المسلمين السلطة هناك فيما بعد لفترة وجيزة، إلا أن الجيش المصري لم يتخلى يوماً عن السيطرة على الوضع في البلاد. لذلك كان على إسرائيل أن تبدأ في التفكير في أسوأ السيناريوهات: حكومة معادية في بلد كان يوماً ما يُشكل أخطر تهديد لوجود إسرائيل، خصوصاً في العقود التي تلت عام 1948.

ومن شأن العودة إلى القتال مع مصر أن تشكل تهديدا خطيرا لإسرائيل. لكن خوف الحكومة الإسرائيلية الأكبر لم يكن من تعرضها لغزو من طرف عدو واحد؛ فلديها الجغرافيا العسكرية المتميزة لمقاومة أي غزو قادم من أيٍ من بلدان المنطقة. لكن السيناريو الكابوس بالنسبة لإسرائيل كان احتمالية تعرضها لغزو يتم تنسيقه جيداً من قبل قوى متعددة. (لو كان تحالف الدول العربية الذي هاجم إسرائيل في عام 1948 أفضل تنسيقا، لربما كان بإمكانه هزيمة إسرائيل). وبالتالي كانت الحرب الأهلية في سوريا هي بارقة الأمل بالنسبة للإسرائيليين بعد اندلاع الانتفاضة في مصر. ففي الوقت الذي كانت فيه إسرائيل ترتعد خوفاً من عودة ’شياطين‘ الماضي إلى مصر، فَقَدَ أعداؤها في الشمال (السوريون) قوتهم فجأة. (ربما يشير الكاتب إلى الإخوان الذين كانت لهم مواجهات كبيرة مع اليهود في فلسطين عام 1948)

وقد تبين بعد ذلك أن ما حدث كان نعمة لإسرائيل، خاصة بعد أن استبدل العسكر في مصر محمد مرسي، الزعيم الذي ينتمي للإخوان المسلمين، بعبد الفتاح السيسي، الذي يحكم مصر حالياً. كانت سوريا تتمزق، وكان نظام الأسد مشغولا بالقتال من أجل البقاء، وليست لديه أي إمكانية لتحدي إسرائيل. كان حزب الله، الذي يعتبر نظام الأسد حليفاً له وخاض حربا مع إسرائيل عام 2006، مشغولا أيضاً في سوريا. والأهم من ذلك بالنسبة لإسرائيل، أنه تم إحباط استراتيجية إيران لإنشاء هلال نفوذ يمتد حتى البحر الأبيض المتوسط ​​ولو بشكل مؤقت.

وعلى الرغم من أن إسرائيل كانت أكثر أمنا في ذلك الوقت مما كانت عليه في أي وقت مضى، ولم تواجه أي تهديدات مباشرة على حدودها بينما كان القتال عى أشُده في سوريا، إلا أن هذا لا يعني أن إسرائيل لم تكن مهتمة بمن ستكون له الغلبة في دمشق. لكن السيناريو الأفضل بالنسبة لإسرائيل كان استمرار حرب أهلية موجهة لفترة طويلة بحيث تؤدي إلى إضعاف جميع الأطراف. وهذا ما حدث تماماً على مدار السنوات الماضية. وكانت إسرائيل تتدخل بين حين وآخر للحيلولة دون وصول أنواع معينة من الأسلحة، مثل الصواريخ المضادة للطائرات أو تلك المضادة للسفن، إلى أيدي حزب الله. وفيما عدا ذلك كانت إسرائيل – التي كان عليها في الماضي أن تتحرك بشكل استباقي لضمان بقائها – كانت في معظم الأحيان تجلس على مقاعد المتفرجين أثناء تلك الحرب.

نعم، كان لهذه السلبية معنى ومنطق أثناء اشتعال الحرب. لكن الصراع الآن آخذ في التراجع، ويجب على إسرائيل أن تدرس خياراتها جيداً. في هذا السياق، يجب أن نفهم هوس وسائل الإعلام مؤخرا بالصداقة الناشئة بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية. فقد كان لسعي كل من إسرائيل والمملكة العربية السعودية في الوقت الراهن لإيجاد قضية مشتركة تجمعهما معاً مغزى مهماً: انها قاعدة قديمة أن “عدو عدوي يكون صديقي”. فإيران تُشكل تهديدا لكلا البلدين، وقد أعطى الاتفاق النووي الإيراني كلاً من إسرائيل والمملكة العربية السعودية، وهما أقدم حليفين للولايات المتحدة وأجدرهم ثقة على المستوى الإقليمي، أن المصالح الأميركية – وليس المصالح الإسرائيلية أو السعودية – هي ما ستحدد سياسة الولايات المتحدة المستقبلية في الشرق الأوسط. إن الكشف عن تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون من وراء الكواليس بين السعوديين والإسرائيليين ليس إفشاءً لسر بقدر ما هو إقرار بأمر واقع.

إلا أن هناك حدودا لما يمكن أن تقدمه المملكة العربية السعودية لإسرائيل. وقد أثير الكثير حول إمكانية أن تكون المملكة العربية السعودية على استعداد للاعتراف بإسرائيل – واقناع دول عربية أخرى بأن تفعل الشيء نفسه – مقابل توجيه إسرائيل ضربة لحزب الله في لبنان. ويُعتبر هذا نوعاً من التفكير الجيوسياسي التبسيطي الذي يُسمي التحليل بغير اسمه الحقيقي. فالمملكة العربية السعودية لا تستطيع أن تقدم لإسرائيل إلا القليل جدا في هذه المرحلة: فمصر والأردن تعترفان بالفعل بإسرائيل، وسوريا بعيدة عن دائرة تأثير الرياض، وتُعتبر لبنان الآن أيضا خارج سيطرة السعودية، ودول الخليج كذلك لم تعد خاضعة لنفوذ السعودية بعد أن قطعت الرياض العلاقات مع قطر، ويتردد كذلك أنها تواجه مشكلة مع الكويت في الوقت الراهن. لذلك فليس من المعقول أن تخاطر إسرائيل بأمنها من أجل الحصول على اعتراف من بعض دول الخليج.

المخاوف أقرب إليك

وتُعتبر المسألة الوحيدة التي يمكن أن تساعد فيها المملكة العربية السعودية إسرائيل أقرب كثيراً إلى دائرة نفوذ المملكة، وهي الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الذي لا ينتهي. فمنذ انهيار مفاوضات كامب ديفيد عام 2000، رسمت إسرائيل مسارها الخاص في الضفة الغربية وقطاع غزة. وانسحبت إسرائيل من المناطق الفلسطينية التي كانت إما غير مهمة بالنسبة لها أو لا يمكن الدفاع عنها. وقد واصلت بناء المستوطنات في الضفة الغربية، وخلقت العديد من “الحقائق على أرض الواقع” خلال العقد والنصف الماضي. و شنت إسرائيل حروبا مصغرة ضد حماس في قطاع غزة، وكأنها تعتبر قطاع غزة حديقة متضخمة كثيفة العشب تتطلب صيانة بين حين وآخر. واستطاعت إسرائيل أن تقوم بتنفيذ هذه السياسة نظراً لثبات بيئتها الاستراتيجية نسبيا.

لكن هذه الحالة لم تعد موجودة الآن. فالقضية الفلسطينية في حد ذاتها لا تمثل تهديدا خطيرا لإسرائيل، ولكنها يمكن أن تصبح تهديداً إذا ثارت الأراضي الفلسطينية في نفس الوقت الذي قد تواجه فيه إسرائيل غزواً أجنبياً. لم تكن إسرائيل مجبرة أن تفكر في هذه الإشكاليات على مدى عقود، ولكن لم يعد لها في الوقت الحاضر مثل هذا الترف. إن انتصار الأسد، وصعود إيران في المنطقة، وتشتت واشنطن، وعدم استقرار مصر، وحتى الإشارات التركية المتزايدة التي تؤكد حنينها للمجد العثماني القديم – كل هذه تهديدات محتملة يجب على إسرائيل أن تستعد لمواجهتها. فإسرائيل لا تريد ان تندلع انتفاضة فلسطينية جديدة في الوقت الذي تواجه فيه البلاد تهديدات خطيرة، ولا تريد أيضاً ان تتمكن قوة اجنبية من استخدام الفلسطينيين من أجل إلهاء اسرائيل عن اولوياتها الاقليمية.

والسؤال المطروح الآن هو: هل تملك المملكة العربية السعودية ما يكفي من النفوذ لدفع الفلسطينيين بقوة في اتجاه توقيع اتفاق سلام يتيح لإسرائيل إغلاق هذا الملف، ولو بشكل مؤقت؟ في الحقيقة، التوقيت للقيام بذلك منطقي جداً الآن: فإسرائيل الآن في وضع قوة، وربما لن تتوفر لها مثل هذه الحالة أبداً بعد ذلك. ويتلخص الأمر في الضغط على الفلسطينيين لقبول صفقة تمنحهم جزءا صغيرا من البلد الذي كانوا يحلمون بالعودة إليه على مدى أجيال. وتُعتبر المساعي المصرية الأخيرة للتوصل إلى اتفاق مصالحة بين كل من حركتي فتح وحماس في الأراضي الفلسطينية هي الخطوة الأولى في هذه العملية. ومع ذلك، فهناك طريق طويل علينا أن نفطعه لتحقيق ذلك، وليس من الواضح إذا كان لدى السعودية أومصر ما يكفي من النفوذ للمساعدة على إنجاز ذلك. فقد ترغب ايران التى كانت تدعم حركة حماس فى الماضى وتدعم حاليا جماعة الجهاد الاسلامى، في أن تُفسد هذه الخطة.

إذا كانت إسرائيل قوية وآمنة نسبيا الآن، فقد لا تبقى على هذا النحو في المستقبل. والعلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وإن كانت لا تزال قوية، فهي ليست كما كانت عليه في السابق. أما روسيا كلاعب في المنطقة فلا تستطيع في الحقيقة أن تساعد إسرائيلفي شيئ. وأما تركيا فقوتها واستقلالية سياساتها في تصاعد ملحوظ. أما إيران وسوريا ولبنان فهم جميعا أعداء لإسرائيل. ولا يمكن لإسرائيل أن تفترض أن تظل مصر والأردن في بيت الطاعة إلى الأبد. لذا يجب على إسرائيل من الآن أن تبدأ في إدارة لعبة شديدة الحساسية، ولكن الشروع في مثل هذه اللعبة لن يكون سهلا إذا كانت تواجه صراعا مستمرا في الداخل. إذا كان لدى المملكة العربية السعودية القدرة على القيام بدور في ذلك، فستكون إسرائيل على استعداد لرد الجميل لها. ولكن لا يمكن تصور أن الأمر سيكون بهذه البساطة. فعلاقة واحدة (مع السعودية) لن تحل جميع مشاكل إسرائيل. وعلى الرغم من الوضع القوي لإسرائيل في الوقت الحاضر، لكن الأخطار تلوح لها في الأفق على كل حال.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق