fbpx
تحليلاتقلم وميدان

قراءة في استراتيجية مصر للتنمية 2030

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

أعلنت وزارة التخطيط المصرية ما أسمته “استراتيجية مصر للتنمية المستدامة ـ رؤية مصر2030″(1)، وتضع هذه الرؤية الملامح العامة لمستقبل مصر خلال الـ 14 عام المقبلة والتحديات التي تواجهها والأهداف التنموية في المجالات المختلفة. وتضمنت هذه الرؤية بعض الأهداف الاستراتيجية في مجالات الاقتصاد والتعليم والطاقة وكفاءة المؤسسات الحكومية والعدالة الاجتماعية والثقافة والابتكار والبحث العلمي والبيئة، والأمن القومي والسياسة الخارجية والداخلية، والتنمية العمرانية.

وتكمن أهمية هذه الاستراتيجية أنها صيغت من قبل الوزارة المسؤولة عن التخطيط في مصر وشارك في صياغتها عدد من الخبراء والعلماء والهيئات المتخصصة وشركات القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني. كما استفادت، حسب ما أعلن، من تجارب العديد من الدول مثل تركيا والهند والكويت وماليزيا وسنغافورة والإمارات وغيرها.

 

أولاً: مزايا هذه الرؤية:

أهم ميزة لهذه الرؤية أنها طرحت كنسخة للحوار المجتمعي مما يمكن لفريق التخطيط الاستفادة من النقاشات وآراء وخبرات المتخصصين وكافة أطياف المجتمع. فمن أهم أسباب نجاح الخطط الاستراتيجية إشراك أصحاب الشأن مثل الموظفين والزبائن والمواطنين والشركاء، كما أنها نجحت في وصف الوضع الصعب لمصر من خلال عدد كبير من المؤشرات الدولية تغطى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والعلمية.

على سبيل المثال، أشارت هذه الرؤية أن ترتيب مصر في مجال الحفاظ على المواهب والقدرات المبدعة هي 133 عالمياً، كما أن ترتيبها 117 في التنافسية و135 في سعادة المواطنين و130 في الهدر في الإنفاق الحكومي، وترتيبها في مجال المدفوعات غير الرسمية والرشاوى 101 وفى مؤشر عدم التحيز في القرارات الحكومية 80 وفى الابتكار 120 وفى مجال استخدام الحكومة للتكنولوجيا الحديثة كان ترتيب مصر رقم116. كما كان ترتيبها 127 في جودة مؤسسات البحث العلمي.

ومن مزاياها أيضاً أنها تضمنت بعض المقترحات والأفكار الطيبة في المجالات المختلفة. ففي مجال التعليم، على سبيل المثال، اقترحت تطوير نظام القبول بالجامعات الحكومية وربطه باحتياجات سوق العمل وأن يصل أعداد الطلاب غير المصريين إلى 5 % في الجامعات المصرية. كما نصحت بوضع نظام يسمح بالمرونة في عدد سنوات التعليم العالي وتبنى نظام يدعم التعليم مدى الحياة ووجود نظام قبول بالجامعات الحكومية مرتبط باحتياجات سوق العمل. ومن أهدافها الإيجابية بناء الشخصية المتكاملة لمواطن مبدع ومسئول ويقبل التعددية ويحترم الاختلاف. ومن الأفكار الطيبة التي شملتها هذه الرؤية فكرة إصدار وثيقة للأولويات القومية في مجال الابتكار والمعرفة والبحث العلمي. ومن المقترحات البناءة التي تضمنتها هذه الرؤية ويحتاجها الشعب المصري اقتراحها إنشاء آلية لمكافحة التمييز بأشكاله المختلف.

 

ثانياً: عيوب هذه الرؤية:

رغم هذه المزايا إلا أن هذه الاستراتيجية تشوبها كثير من العيوب ومنها:

1ـ الافتقار إلى أدبيات ونظريات التنمية:

غالبا ما تتناول استراتيجيات التنمية عدة عناصر أساسية في التنمية المستدامة(2)، وأهم هذه العناصر هو شرح كيفية تنمية واستغلال رأس المال البشرى ورصيد المجتمع من المعرفة لتحقيق كفاءات خاصة core competencies. كما يجب أن تعرض الاستراتيجية بدائل وأولويات للاستثمارات والنفقات العامة، وهو ما لم يتوفر في الاستراتيجية التي بين يدينا.

كما أنه من الشائع في مثل هذه الاستراتيجيات أن تكون تشاركية وتتبنى مبادرات وبرامج لها علاقة بظروف كل منطقة. ورغم إشراك عدد كبير من المؤسسات والهيئات والخبراء في صياغة هذه الرؤية إلا أن هناك غياب لكيانات مهمة مثل الأحزاب السياسية وعدم عرضها على مجلس الشعب والنقابات والجامعات والاتحادات العمالية. فمن أهم أسباب نجاح الاستراتيجيات التنموية وجود تعاون بين الهيئات الحكومية وممثلي الشعب ووحدات الحكم المحلى والمجتمع المدني والقطاع الخاص والجامعات والغرف التجارية والاتحادات العمالية وغيرها من الكيانات المهمة.

ومن المتغيرات التي يجب أن تناقشها الاستراتيجية أثر النمو السكاني والتغيرات الديموغرافية. فالنمو السكاني يدفع الطلب على الغذاء والعمل والبنية الأساسية والتعليم والصحة وغيرها. فرؤية مصر لــ 2030 لم تضع النمو السكاني وزيادة الطلب على الخدمات الحكومية والمرافق والغذاء في الحسبان. وغالباً ما تنقاس الاستراتيجيات كيفية الوصول إلى الأسواق العالمية والإقليمية سواء أسواق العمالة أو السياحة أو المواد الخام أو رؤوس الأموال أو المنتجات النهائية. وقد تجاهلت استراتيجية مصر لعام 2030 هذه الجزئية المهمة. كما أنها لم تشرح كيفية تحقيق مزايا تنافسية أو تنمية الكفاءات الأساسية في كل قطاع بهدف تحقيق ميزة تنافسية على مستوى الاقتصاد العالمي.

وتفصيلاً، لم تشرح ما هو قطاع الطاقة المتجددة الذي تتميز به مصر وكيفية تنميته وتحقيق طفرة فيه. فمصر تتمتع بمزايا نسبية في الطاقة الشمسية لوجود مساحات وساعة من الصحاري في مصر وارتفاع معدل سطوع الشمس وذلك مقارنة بالدول الأوربية مثلاً. كما أن الأهداف الاستراتيجية لقطاع الاقتصاد لم تتطرق إلى مناقشة كيفية تنمية قطاعات تتمتع مصر فيها بمزايا تنافسية على الصعيد الدولي والإقليمي مثل السياحة وقناة السويس وتحويلات العامليين في الخارج والقطاع الزراعي. فأي استراتيجية للتنمية في مصر لا تطرق لمثل هذه القطاعات الحيوية فهي استراتيجية معيبة.

2ـ ليست استراتيجية:

من عيوب هذا العمل أنه مجرد رؤية ومجموعة من الأهداف ولا يوجد آلية لتطبيقها، فمراحل التخطيط الاستراتيجي تشمل التحليل الاستراتيجي ثم مرحلة تحديد الأهداف ثم صياغة الخطة والمرحلة الأخيرة هي تنفيذ الخطة (3)، ففي المرحلة الأولى يتم تحليل الموارد والإمكانيات الداخلية وتحليل البيئة الخارجية. وفى هذه المرحلة يتم تحليل المخاطر والفرص وأماكن القوة والضعف فيما يعرف بتحليل SWOT كما يتم تحليل البيئة الاقتصادية والسياسية والقانونية والتقنية فيما يعرف بتحليل SPLET.

وهذه الوثيقة التي تشمل نتائج تحليل SWOT ولا SPLET ولا أي معلومات عن التحيل الاستراتيجي. فهي لم تشر إلى المخاطر التي تواجهها مصر مثل مخاطر سد النهضة وتحول السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح وتفاقم الهجمات الإرهابية وانهيار السياحة وتفاقم الدين العام الداخلي والخارجي. ومن الشائع في الخطط الاستراتيجية أن تناقش مثل هذه المخاطر والتحديات وتضع حلولاً لمواجهتها قبل الشروع في تحقيق أهداف تنموية طموحة.

ومن عيوب هذه الاستراتيجية عدم تبنيها لقيم معينة، فمن الشائع أن تتضمن الخطط الاستراتيجية مجموعة من القيم التي تصف المعايير والمبادئ التي تلبى طموح المواطنين وتشجعهم على التفاني والتآزر لتحقيق الرؤية. فالقيم التي تتبناها الشركات تشمل الأمانة والعدالة والنزاهة، والمهنية وغيرها. أما القيم التي تتبناها الولايات المتحدة الأمريكية فتشمل الديمقراطية والحرية والعلم، وتكافؤ الفرص، والمساواة، والعمل، وقبول الآخر، والرأسمالية، والاعتماد على النفس، والخصوصية. وما أحوجنا نحن المصريين إلى بعض القيم التي يتفق عليها الجميع وتوفر الحريات والحقوق الأساسية للمواطنين.

كما لم تشرح رؤية 2030 كيفية تحديد الخيارات المتاحة ومقارنتها ببعضها البعض وشرح آلية ومعايير اختيار بعضها دون الآخر. والأهم من ذلك غياب الآليات والسياسات والمبادرات اللازمة لتنفيذ الخطة أو تحقيق الأهداف الاستراتيجية. فمن السهل وضع أهداف لكن من الصعب توفير موارد وإمكانيات وآليات لتحقيقها. فكثير من الاستراتيجيات تفشل رغم توفير الميزانية والآليات اللازمة لتحقيق الأهداف فما بالك باستراتيجية لا يوجد فيها آلية لتحقيق الأهداف ولا طريقة للمراقبة والتحكم ولا الميزانية المطلوبة.

3ـ المبالغة في الأهداف:

من أهم عيوب هذه الرؤية المبالغة في الأهداف ولاسيما في ظل غياب وجود آليات وميزانية لتحقيق هذه الأهداف. فالأهداف الاستراتيجية يجب أن تكون ذكية SMART. أي يجب أن تكون محددة وقابلة للقياس ويمكن تحقيقها، وواقعية ومحددة بوقت معين. ويعتقد الخبراء التخطيط الاستراتيجي أن أهم أسباب فشل الخطط الاستخراجية هو المبالغة في الأهداف.

فهناك مبالغة كبيرة في كثير من الأهداف. فعلى سيل المثال، تهدف هذه الرؤية إلى أن تكون مصر من أكبر 30 دولة في العالم في حجم الاقتصاد والتنافسية والسعادة والأسواق المالية وفى ذلك مبالغة شديدة. ومن الأهداف المبالغ فيها والتي يصعب تحقيقها أيضاً هدف وصول نسبة الشيكات والمدفوعات إلكترونية إلى 100%بحلول 2020.

وهناك هدف آخر مبالغ فيه وهو “تقديم كافة الخدمات الحكومية عن طريق الإنترنت والهاتف ومقدمي الخدمة بحلول عام 2020. وكذلك هدف أن تكون مصر ضمن أفضل 50 دولة في جودة التعليم العالي والتدريب في مؤشراتالتنافسية العالمية بحلول عام 2018. كما تهدف أن تنضم 10 جامعات مصرية إلى قائمة أفضل 500 جامعة على مستوى العالم بحلول عام 2018. هل يعقل أن نحقق مثل هذه الأهداف الطموحة في أقل من ثلاث سنوات وفى هذه الظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة؟

كما أن هناك عدد كبير من الأهداف غير محددة وغير واقعية ويصعب قياسها. فمثلاً، فيما يخص الشفافية والخدمات الحكومية، تهدف هذه الرؤية إلى زيادة الخدمات الحكومية التي تقدم عن طريق أساليب جديدة بنسبة 20%. فلم يذكر فريق صياغة الاستراتيجية هذه الخدمات ولم يحددوا تلك الأساليب الجديدة. ومن الأهداف الغامضة والغير محددة هدف إنشاء “خريطة عمرانية ديناميكية مترابطة”.

4ـ لا علاقة لها بما يسمي “مشروعات قومية”:

من أهم عيوب هذه الاستراتيجية أنها لا علاقة لها بالمشروعات التي يطرحها النظام الحالي، فعلى سبيل المثال، لم تتضمن مشروع استصلاح مليون ونصف مليون فدان ولا مشروع العاصمة الجديدة ولا تطوير شبكة الطرق. كما أنها لم تتطرق إلى عدد من المشروعات التنموية التي ذكرها أركان النظام مثل مشاريع الاستزراع السمكي وبناء بعض المطارات والموانئ وتنمية سيناء والمدينة المليونية شرق بورسعيد. ويدل هذه على عدم وجود تنسيق بين رئاسة الجمهورية ووزارة التخطيط، كما يلقي هذا ظلالا من الشك حول جدية ومصداقية هذه الخطط أصلا.

وذكرت الاستراتيجية ظهور لاعبين جدد على الساحة الدولية مثل البرازيل وجنوب أفريقيا وروسيا والهند والصين. لكنها تجاهلت الفاعليين الدوليين المؤثرين على الوضع المصري وهم دول الخليج تحديداً وإيران وإثيوبيا وتركيا ودولة جنوب السودان وليبيا وقطاع غزة. فسيطرة إيران على سوريا سيمكنها هي والعراق من مد خطوط لنقل البترول والغاز عبر سوريا مما يزيد الوضع سوءاً بالنسبة لقناة السويس.

 

خاتمة:

خلاصة القول إن الوثيقة التي بين يدينا هي مجرد رؤية أو حلم يتضمن مجموعة من الأهداف والمؤشرات اللازمة لقياس هذه الأهداف وليست استراتيجية بالمفهوم المتعارف عليه في أدبيات التخطيط الاستراتيجي والتي تشمل التحليل الاستراتيجي وصياغة الرؤية والرسالة والأهداف، وصياغة الخطة وتنفيذ الخطة والمراقبة والتحكم، ومن غير المنتظر في ظل البيئة السياسية والإقتصادية والإجتماعية السائدة أن تتحقق الأهداف والأحلام الواردة في هذه الوثيقة.

———————————————-

الهامش

(1) وزارة التخطيط المصرية، استراتيجية مصر للتنمية المستدامة (رؤية 2030)، الرابط، تاريخ الزيارة، 6 مارس 2016.

(2) المجلس الأسترالي للتجارة الإقليمية، إطار عام للتنمية الإقليمية، الرابط، تاريخ الزيارة، 4 مارس 2016.

(3) عبد الرحمن توفيق، التخطيط الاستراتيجي، هل يخلو المستقبل من المخاطر، مركز الخبرات المهنية للإدارة، القاهرة، مصر، 2013.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close