ترجمات

قضية ريجيني: حدود الصراع بين الأجهزة السيادية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا

 

المصدر: صحيفة الجمهورية (LaRepubblica) الإيطالية، عدد 9 يونيو 2016.

بدأ ريجيني الاحتضار بعد وصوله إلى القاهرة بفترة وجيزة، وذلك في سبتمبر ٢٠١٥، عندما قام الأمن الوطني والمخابرات العامة الداخلية بفتح ملف له رقم 2915/01//333، وذلك على خلفية تهم بالتجسس والتآمر والإنتماء إلى شبكة داخلية إرهابية في مصر، تخطط للإطاحة بالسيسي.

وخلال مدة ٣ أشهر، كان ريجيني فريسة سهلة لأجهزة الدولة السيادية (المخابرات العامة، المخابرات الحربية) وهي أجهزة في صراع دائم بينها، للبحث عن مكانة متقدمة في سلم المراتب والتقرب من النظام، بداية من الاحتجاز والذي تم في مساء ٢٥ يناير 2016، عند مخرج محطة مترو محمد نجيب، ثم التعذيب بيد المخابرات الحربية، وفي النهاية انتهاك الجثة والتخلص منها بإلقائه شبه عاري على قارعة الطريق الصحراوي الممتد من بين القاهرة والإسكندرية، وبجواره شيء لم يتم ذكره حتى الآن، وهو غطاء للاستخدام العسكري (بطانية عسكرية)، وهو أثر تم تركه من جانب أحد ما داخل الأجهزة المصرية والذي قرر “الانتقام” في إشارة منه حول المسؤول عن جريمة القتل.

ولتجميع الصورة الجديدة، عادت جريدة “لاريبوبليكا” إلى مصر، وقامت بالحصول على أدلة جديدة من مصادر مخابراتية وتحقيقية. حيث حصلت على مستند باللغة العربية بتاريخ ٢٥ أبريل 2016، والذي تم إرساله إلى سفارتنا (الإيطالية) في سويسرا في بيرن، والذي أُرسل إلى نيابة روما في الأسابيع المنصرمة. وتعد هذه الوثيقة المجهولة هي الثانية من نوعها (الأولى تم إرسالها إلى جريدة لاريبوبليكا) والتي أمدت بمعلومات حول قضية ريجيني واردة من مؤسسات رئيسية تمثل السلطة التنفيذية في مصر، صوت من الداخل جاء ليكسر الصمت المريب من جانب النظام المصري، سردُ بدون ذكر أسماء، لكنه سردُ غني بالتفاصيل والذي بنت النيابة عليه تحقيقاتها.

ووفقا لرواية جريدة لاريبوبليكا هناك ثلاث خيوط موضوعية هي:

١-صورة تم التقاطها لريجيني خلال الجمعية العمومية للنقابات العمالية بتاريخ ١١ ديسمبر ٢٠١٥م.

٢-زيارة ضابط الأمن الوطني في نفس الشهر ديسمبر إلى منزل ريجيني في منطقة الدقي.

٣-مكالمة هاتفيه من نفس الضابط تلقاها زميل ريجيني في السكن بعد أيام قليلة من إلقاء القبض عليه.

ويواصل التقرير استعراض التفاصيل (وهو الأن في حوزة نيابة روما)، فيقول أنه في نهاية نوفمبر ٢٠١٥، تقريباً، قام عميد الأمن الوطني الذي يباشر التحريات حول ريجيني بتقديم معلومات جديدة للواء صلاح حجازي رئيس الأمن الوطني مفادها أن جوليو على إتصال بشاب مصري يدعى وليد، وهو أحد الشباب المنتمين إلى “الاشتراكيين الثوريين” والسبب في الاهتمام الزائد من قبل المخابرات أن وليد لم يكن شاباً عادياً بل كانت تجمعه صلة قرابة من الجنرال صلاح حجازي (قرابة من الدرجة الثانية).

وفي ١٩ ديسمبر ٢٠١٥ تم نقل الجنرال صلاح حجازي من منصب رئيس الأمن الوطني وتعيين اللواء محمد شعراوي بدلا منه وذلك لسببين أولهما تقاعسه في إدارة ملف ريجيني وثانيهما سحب ملف ريجيني من عميد الأمن الوطني الذي اكتشف وجود اتصال بين ريجيني ووليد الشاب الذي يمتّ بصلة قرابة للواء صلاح حجازي.

وقام عميد الأمن الوطني على إثر ذلك بالشكوى للواء عباس كامل، وهو أحد الرجال ذوي النفوذ والزراع اليمنى القوية للسيسي ورئيس مكتبه، والذي ما كان منه إلا أن قام بسحب قضية ريجيني من الأمن الوطني وتحويلها للمخابرات الحربية، تحت قيادة اللواء محمد فرح الشحات وأصبح للملف يحمل رقماً جديداً هو M.1/25,2009/ وتحت إشراف قائد جديد للتحريات، هو الضابط جلال الدباغ المعروف باسم “الذباح” والذي جاء وصفه في التقرير بأنه رجل غضوب، متكبر، بارع في تطبيق كل ما هو جديد في مجال التعذيب، وحش آدمي.

وبدأ الذباح في العمل على ريجيني، والذي كان يجهل أنه مراقب، وفي تلك الأثناء اشتعل الصراع بين الأمن الوطني والمخابرات الحربية، واللذان تنازعا على الشاب الباحث كما لو كان غنيمة، ودخل أيضا وزير الداخلية مجدي عبدالغفار في الصراع المحموم، وذلك عن طريق إرسال خطاب إلى السيسي (تضمن التقرير فحوى الرسالة) يشكو فيه من تحويل القضية غير القانوني، والمهانة التي تعرض لها الأمن الوطني جراء هذا النقل، وعن عمله ونجاحه في إماطة اللثام عن الشاب الإيطالي والشبكة التآمرية المرتبطة به، مطالبا بعودة القضية من جديد للأمن الوطني.

نعرف أن جوليو قتل في ال ٤٨ ساعة التي سبقت العثور عليه، ظهر يوم ٣ فبراير، ولكن السؤال هنا لماذا تَرَكُوا الجثة للعثور عليها؟

يواصل التقرير ويقدم إجابة منطقية، ففي فجر ٣ فبراير 2016، قامت المخابرات الحربية بتسليم جثمان ريجيني إلى الأمن الوطني، وأمرته بالإسراع في دفن الجثة مع متعلقاته الشخصية في منطقة ٦ أكتوبر، وهي منطقة تُستخدم من جانب الشرطة المصرية في إخفاء المحجوزين بشكل غير قانوني والمجهولين”، ولكن لم يتم تنفيذ الأوامر كما أرادت المخابرات الحربية.

ففي ذلك الصباح، وفجرا، تواصل مسؤول الأمن الوطني في منطقة ٦ أكتوبر هاتفيا باللواء الشعراوي، وأبلغه بالذي حدث وبالأوامر التي تلقاها، اعترض اللواء الشعراوي وأمر ضابطه بأن يتخلص بسرعة من الجثة وأن يتركها في مكان مكشوف، في طريق من الطرق الصحراوية بالقرب من المبنى الذي تم فيه تسليم الجثة من المخابرات الحربية، وأن يحفظ المتعلقات الشخصية لريجيني ويتوجه لمكتبه على الفور ليسلمه إياها. وهو نفسه الشعراوي الذي سوف يخطر بعد ذلك وزير الداخلية عبد الغفّار بأنه حفظ المتعلقات الشخصية لريجيني في خزانه الأمن الوطني”.

وَمِمَّا يوحي بتطابق رواية التقرير المجهول مع ما عاينته جريدة “لاريبوبليكا” على أرض الواقع أن المسافة بين المركز ونقطة العثور على جثة ريجيني لا تتجاوز ٢ كيلو متر، أيضا هناك معلومة أخرى تُضفي نوعاً من الصلابة على الرواية وهي أنه في صباح ٣ فبراير، وعند العثور على الجثة، ذُكر في محضر معاينة الشرطة المصرية بأنه تم العثور على “غطاء يستخدم في العادة من جانب العسكريين” بجوار الجثة (بطانية جيش)، مما يوحي بأن من تخلص من جثة ريجيني كانت لديه النية في ترك آثار تؤدي إلى الوصول إلى قاتليه.

لم تنته قصة جوليو بموته، بل إنها بدأت، فقد قام السيسي في ١٤ مارس 2016، بعمل لقاء صحفي مع رئيس تحرير ونائب رئيس تحرير جريدة لاريبوبليكا، وألزم نفسه وبلده بالبحث عن الحقيقة في قضية ريجيني، ثم بعد ذلك وقبل مرور ٥ أيام، وفي ١٩ مارس قام رئيس مكتب السيسي اللواء عباس كامل بإبلاغ وزير الداخلية مجدي عبد الغفّار بقرار إقالته من منصبه هو واللواء محمد الشعراوي رئيس جهاز الأمن الوطني وبأنهم يجب عليهم دفع الثمن نتيجة عدم إطاعتهم للأوامر في دفن الجثة، وبأنهم سوف يكونوا كبش فداء سياسي سوف يقدم لتهدئة الرأي العام في إيطاليا وأوروبا.

وفي هذا اليوم، وليس من قبيل المصادفة، أعلنت جميع وكالات الأنباء الغربية بأن ثمة تعديل وزاري وشيك، لكن في القاهرة أعلن وزير الداخلية تحديه للقرار ولعباس كامل وقال له “إذا كُنتُم رجال فافعلوا، اطردوني إن استطعتم، سوف أتوجه الآن فوراً إلى مكتبي وسأنتظر أن يتم إخطاري رسمياً”. وفي اليوم التالي 20 مارس 2016 توجه عباس كامل مسرعا إلى مكتب وزير الداخلية، واعتذر عما حدث في الليلة السابقة، وأبلغه ببقائه في منصبه مع اللواء الشعراوي، بعد ذلك بأربعة أيام وفي ٢٤ مارس تم تصفية ٥ أشخاص مصريين أبرياء والإعلان عن أنهم من تورطوا في قتل ريجيني (1).

———————————-

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق