قلم وميدان

قمة القدس: مؤشرات توتر تركي – سعودي

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

رغم التاريخ الطويل من العلاقات المضطربة بين الطرفين لأسباب عدة تتخطى مساحة هذا المقال، تقاربت تركيا والمملكة العربية السعودية في السنوات القليلة الأخيرة تحديداً بعد تولي الملك سلمان للعرش، بسبب المهددات المشتركة في المقام الأول وفي مقدمتها التمدد الإيراني في المنطقة. دفع هذا التقارب، الذي كان يمكن له أن يوازن نفوذ طهران في المنطقة لو فعِّل بالطريقة الأنسب، الكثيرين للحديث – مبالغةً – عن “محور” أو “تحالف” تركي – سعودي وأحياناً تركي – سعودي – قطري.

لكن، في حقيقة الأمر، كانت العوائق أمام إمكانية إنشاء حلف من هذا القبيل أكبر وأقوى من عوامل تشكله، سيما التناقض الواضح في فلسفة الحكم ونموذج العلاقة بين الدين والدولة والنظرة لمختلف تطورات المنطقة، فضلاً عن تردد الرياض الواضح في تعميق التعاون مع أنقرة.

ورغم عديد الإشارات السلبية الصادرة من المملكة أو وسائل الإعلام والشخصيات المحسوبة عليها، إلا أن تركيا أظهرت حرصاً شديداً على طيب العلاقة مع السعودية، حتى بعد الأزمة الخليجية التي اتخذت فيها موقفاً واضحاً وصريحاً إلى جانب قطر، لكن ليس على قاعدة استعداء الرياض.

فقد دعا الإعلام الدائر في فلك الأخيرة في تلك الفترة بوضوح لـ”دولة كردية في جنوب تركيا” ونادى بضرورة دعم الفصائل الكردية المسلحة في سوريا واستضاف بعض قياداتها بل وارتفعت أصوات سعودية نادت بدعم حزب العمال الكردستاني (PKK ) الذي يخوض حرباً انفصالية ضد تركيا منذ 1984 والمصنف على قوائمها للإرهاب، فضلاً عن تسريبات عن دور سعودي ضمني (يصعب التأكد من صحته) لتشجيع البارزاني على إجراء الاستفتاء في كردستان العراق.

كان يفترض بقرار ترمب المتعلق باعتبار القدس عاصمة للكيان الصهيوني أن يجمع الدول الإسلامية على قلب رجل واحد لمواجهته في قمة منظمة التعاون الإسلامي التي ترأسها تركيا في هذه الدورة، ولذ فقد اتجهت الأنظار – كما هي العادة – لتقييم مستوى تمثيل الدول المختلفة في القمة خصوصاً تلك الفاعلة والمؤثرة وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.

وفي مقابل مشاركة الملك سلمان بنفسه في القمة السابقة والاحتفاء التركي الخاص به، بما شمل كسر البروتوكول المعمول به بإعطائه كلمة في افتتاحها، حملت القمة الحالية وما تزامن معها من تطورات إشارات على زيادة في مستوى التوتر بين الطرفين، أهمها:

أولاً، مستوى التمثيل المتدني للسعودية في القمة، حيث مثلها وزير الدولة للشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد صالح بن عبدالعزيز بن مـحمـد آل الـشيخ، وهو تمثيل متدن جداً بالمقارنة مع القمة السابقة كما أنه لا يرقى لأهمية الحدث والقمة. ولعل قرار التمثيل المنخفض هذا مرتبط برغبة الرياض عدم التصعيد مع الولايات المتحدة ويؤكد ذلك التصريحات التي صدرت عن وزير خارجيتها البارحة حين اعتبر أن “الولايات المتحدة تسعى فعلاً للسلام بيين العرب وإسرائيل”. لكن السبب الأبرز لهذا التمثيل، فيما أعتقد، هو الفتور الذي تمر به العلاقات بين الطرفين، وعدم رضى الرياض عن المواقف التركية الأخيرة سيما في الأزمة الخليجية، وتوجسها من الدور التركي الرائد لقاطرة العمل الإسلامي الرسمي المشترك على مستوى قمة التعاون الإسلامي.

ثانياً، نشرت صحيفة عكاظ السعودية، قبل يومين من القمة، حواراً أجرته مع من أسمته “وزير خارجية” حزب العمال الكردستاني وهو توصيف يستعمل مع الدول وليس مع منظمة مصنفة على قوائم الإرهاب. الحوار الذي أجري في معسكرات الحزب في جبال قنديل في العراق، يقول فيه “الضيف” بوضوح – وفي عنوان الصحيفة – بأن “أولويتنا تركيا”. ومن المؤكد أن الرياض تدرك مدى حساسية هذا لملف تحديداً بالنسبة لأنقرة، كما أنه من  غير المتوقع أن يحصل تطور من هذا القبيل دون ضوء أخضر سياسي من الرياض.

ثالثاً، في المقابل، ورغم استمرار المستوى السياسي التركي في تجنب التوتر مع الرياض، ومن ذلك تصريح كبير مستشاري اردوغان للسياسة الخارجية ياسين أقطاي بأن بلاده “لا تنافس السعودية، بل تريد لها أن تلعب دوراً قيادياً”، إلا أن أوساط الإعلاميين والمحللين السياسيين الأتراك لم تخف تذمرها من الإشارات السعودية السلبية في الآونة الأخيرة، ولعل أحد أبرز الأمثلة على ذلك جملة “كما أن العالم أكبر من خمسة، فالعالم الإسلامي أكبر من السعودية” التي أطلقتها إعلامية تركية معروفة.

رابعاً، رأت بعض الأوساط في إطلاق الرئيس التركي لقب “حامي الحرم الشريف” على العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني رسالة ضمنية موجهة للسعودية التي يحمل ملكها لقب “خادم الحرمين الشريفين”. وبغض النظر أكان ذلك مقصوداً من اردوغان أم لا (وأعتقد أنه غير مقصود بهذا المعنى) إلا أن تفسير ذلك بهذه الطريقة من قبل كثيرين جدير بالتأمل ويبدو تعبيراً طبيعياً عن حالة التوتر التي تمر بها العلاقات بين البلدين.

أخيراً، تبدو الرياض بحاجة ماسة لمراجعة عميقة لمسار علاقاتها في العالم العربي والإقليم، إذ هي ترفع شعار مواجهة طهران بينما تدفع بسياساتها الكثير من الأطراف للتقارب والتعاون معها، وفي مقدمتهم تركيا وقطر، الأمر الذي يطرح علامات استفهام وجيهة على قدرتها على هذه المواجهة وفرص نجاحها فيها. ولعله من المفيد لها أن تفكر بتمعن بنصيحة فاتح القدس صلاح الدين الأيوبي التي كررها اردوغان في حديثه في افتتاح القمة، وهي أن “من ينشغلون بأصدقائهم، لن يستطيعوا هزيمة خصومهم”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

رأيان على “قمة القدس: مؤشرات توتر تركي – سعودي”

  1. د سعيد
    لماذا تجنب في التعليق علي القمة بان فلسطين عاصمتها أقدس ) الشرقية ) أليس ذلك بنكسة بل عبر عن ذلك دكتور الأقطش من رام الله علي الجزيرة بان القمة جاءت سلبيه وكأنها مكمل لقرار ترامب وكلامي بالطبع عن مافات هو اجمالي ويمكن ان تري ماقاله
    https://m.youtube.com/watch?v=5Cd_ax7FX6k
    ولست من اتباع بلحة أو ابن سلمان

  2. الاخ محمد
    مقالي لم يكن لتقييم مخرجات القمة
    ولذلك لم تجد فيه ما طلبت
    لكن على حسابي على الفيسبوك، وفِي البرامج الحوارية التي شاركت بها شرحت رايي باستفاضة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *