تقارير

قناة البحر الميت: الأبعاد والتداعيات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

مقدمة:

وقعت السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني مؤخراً؛ إتفاقا برعاية أمريكية حول حصة الفلسطينيين من المرحلة الأولي من مشروع ربط البحر الأحمر بالبحر الميت، وذلك يوم الخميس الموافق 6-7-2017م1، وقد جاء الإتفاق بوساطة مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لعملية السلام في الشرق الأوسط “جيسون غرينبلات”2. علما أن هذا الإتفاق جاء إستكمالاً لما تم الإتفاق عليه سابقاً بين المملكة الأردنية والكيان الصهيوني بشأن المشروع نفسه في فبراير من عام 2015م3.

وقد كانت البدايات الأولي لفكرة ربط البحر الأحمر بالميت على شكل قناة؛ إلا أن معيقات إستراتيجية عدة حالت دون ذلك. مما أدى إلى إستبدال فكرة القناة بفكرة أخرى وهي ربط البحر الأحمر بالبحر الميت عبر مشروع نفق وأنابيب 4.

أولاً: نشأة الفكرة وتطورها:

بدأت فكرة ربط البحر الأحمر بالبحر الميت منذ الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882م. وسيطرتها على قناة السويس. فقد قامت بريطانيا بإرسال حاكمها العسكري في السودان، الجنرال “تشارلز غوردون”، إلى فلسطين لدراسة فكرة تقدم بها الخبير السياسي الأمريكي “وليام آلن”. القاضية بتوصيل البحر الاحمر بالبحر الميت. وبالفعل، قدم “غوردون” أفكاراً مهمه حول المشروع، لكن الحماس البريطاني للفكرة تراجع، مما دفع ببعض العلماء والمنظرين السياسيين الصهاينة لإلتقاط الفكرة والعمل على تطويرها.

فقد قام المهندس السويسري “ماكس بوركارت”، الذي اعتنق اليهودية واتخذ له إسم “إبراهام بن إبراهام”، بتعديل وتطوير ما طرحه “آلن وغوردون” ليتلاءم مع الحلم الصهيوني في فلسطين، فقد أرسل “بوركارت” إلى “تيودر هيرتزل” نتائج أبحاثه التي تضمنت مخططا موجزاً للمشاريع، اقترح فيه شق قناة من خليج حيفا إلى غور بيسان، ومن ثم السير بمحاذاة نهر الأردن، وصولا إلى البحر الميت. بهدف استغلال فارق الإرتفاع 400م، ـ ما بين سطح البحر المتوسط والبحر الميت لتوليد الطاقة5.

وقد قام “تيودور هيرتزل” بعرض هذا المشروع في كتابه “الأرض القديمة – الجديدة” الذي صدر عام 1902م، حيث أشار فيه إلى التصاميم المتعلقة بمشروع قناة البحار الذي أرسلها إليه “بوركات” 6. وفي خمسينيات القرن العشرين، قام الأكاديمي الصهيوني البروفيسور “والتر لودرميلك”، وهو خبيرٌ في التربة الزراعية، بتقديم إقتراح لإنشاء مسار ثان مختلف على البحر المتوسط يصل ما بين حيفا والبحر الميت.

وفي عام 1977 م، قامت الحكومة الصهيونية بتشكيل لجنة تخطيط لدراسة ثلاثة اقتراحات لربط البحرين الميت والمتوسط، واقتراح آخر بربط البحر الأحمر بالبحر الميت عند إيلات7. وفي الثمانينيات تولت شركة هارزا الأمريكية، بتمويل من البنك الدولي للإنشاء والتعمير، بدراسة المشروع بمختلف مقترحاته، واستمرَّت هذه الشركة في إجراء دراساتها حتى 1996م، إلا أن النتائج كانت سلبية حول مدى إمكانية ربط البحر الأحمر بالبحر الميت عبر قناة 8. لذلك بدأ البحث عن بديل لمشروع قناة تربط بين البحر الأحمر في البحر الميت وكانت النتيجة مشروع انابيب وقنوات هو الأفضل.

ثانياً: طبيعة المشروع:

الاتفاق المعلن حول المشروع يشير إلى ضخ حوالي 200 مليون متر مكعب في السنة من خلال أنبوب يبلغ طوله 180 كم، نحو 80 مليون متر مكعب من المياه تتم تحليتها في منشأة تقام في العقبة، تحصل حكومة العدو منها على ما بين 30 و50 مليون متر مكعب لصالح مدينة ايلات والعربة. ويحصل الجانب الأردني على 30 مليون متر مكعب لاحتياجاتهم في الجنوب، و50 مليون متر مكعب لصالح بحيرة طبريا9 بهدف إنشاء ثلاث بحيرات صناعية سياحية. تستخدم أيضا كمزارع سمكية. وتقدر تكلفة مد الأنبوب ما بين 250 و400 مليون دولار، ستتم من تبرعات دول مانحة، وقد أبدى البنك الدولي استعداده لتقديم قرض لذلك10.

وتنقسم التفاصيل الإنشائية إلى ثلاثة أقسام هي:

1-بناء خط أنابيب طوله 180كم على الجانب الأردني مكون من أنفاق وأقنية ومواسير مختلفة الأحجام والأقطار. حيث سيتم رفع المياه إلى هذا الخط من محطة الضخ على إرتفاع 125م وهو مستوى إرتفاع الأنابيب ولتنساب بعد ذلك المياه في الأنابيب بشكل طبيعي حتى تصل إلى شاطئ البحر الميت الجنوبي على إرتفاع 107م فوق مستوى سطح البحر.

2-إنشاء محطة التحلية بقدرة استيعابية 850 مليون م3 سنويا، وإنشاء محطة لتوليد الطاقة الكهرومائية للاستفادة من الارتفاع الشاهق لسقوط المياه والبالغ 507م،

3-إنشاء ناقل المياه العذبة لتوزيع المياه على الأطراف الثلاثة “الأردن – الكيان الصهيوني – الأراضي الفلسطينية المحتلة”11.

ثالثاً: أهمية المشروع وأبعاده الاستراتيجية

من المتوقع أن يحقق مشروع أنابيب المياه الواصل بين البحر الأحمر والبحر الميت مكاسب إقتصادية وسياسية وعسكرية،12وهي:

1- سيدخل الكيان الصهيوني عن طريق المشروع الجديد إلى مجال صناعة تحلية مياه البحر المالحة، ومع معاناة الأردن من شح مصادر المياه المتاحة، كواحدةٍ من أسوأ بلدان العالم في مجال الفقر المائي13، فإن الكيان الصهيوني سوف يضمن عن طريق استثماراته في هذا المجال، ووجود عمل دائم له في الأردن ومناطق السلطة الفلسطينية14.

2- استغلال فارق الارتفاع بين البحر الأحمر والبحر الميت؛ لتوليد الكهرباء وزيادة قدرة الكيان الصهيوني على إنتاج الكهرباء15 بحوالي 25% من قدرتها الحالية، مع توفير كمية من المياه المحلاة تساوي 57% من استهلاك الكيان الصهيوني من المياه. مما يجعل لديها فائض لتصدير الكهرباء الأردن والاراضي الفلسطينية كخطوة أولى وربما مصر والسعودية وجنوب سوريا في خطوة لاحقة 16.

3- سوف يحصل الكيان الصهيوني من خلال مشروع مياه البحرين على نوعية معينة من المياه اللازمة لتبريد المفاعلات النووية، وتُعَرف بالمياه الثقيلة، وسوف يحصل عليها الكيان الصهيوني مجانًا. وهو أيضا أمر شديد الإلحاح بالنسبة للكيان الصهيوني الذي ينوي إقامة عدد من المفاعلات النووية في صحراء النقب، لاستبداله بمفاعل ديمونة الذي بلغ عمره الافتراضي منذ عقود، فديمونة الفرنسي الأصل عمره الافتراضي هو 20 عامًا فقط، بينما بدأ تشغيله في العام 1963م، وطيلة العقود الماضية، وقعت فيه تشققات وتسربات إشعاعية أصابت أكثر من 120 عاملاً في المفاعل بأمراض سرطانية. وفي هذا فإنه من المقرر إقامة مفاعلَيْن نوويَّيْن إضافيين في النقب17.

4- سيساهم المشروع في توسيع صهيوني في بناء المستوطنات في الضفة الغربية نتيجة لتوفير المياه العذبة اللازمة لإقامة مستوطنات جديدة، وإعادة توزيع المستوطنين الموجودين بالفعل لتقليل المخاطر المترتبة على أي هجوم صاروخي على الكيان الصهيوني من خلال توسيع العمق الإستراتيحي لهم من خلال المستوطنات.

5-خطوة عملية نوعية وهامة في مسار التطبيع الصهيوني العربي، وذلك نتيجة لربط الاقتصادَيْن الأردني والفلسطيني بالاقتصاد الصهيوني، وجعلهما يدوران في فلكه، باعتباره أقوى منهما.

6-هذا المشروع ربما يكون مقدمة لمشاريع اقتصادية كبري بين الكيان الصهيوني والدول العربية، مما يؤدي إلى زيادة التطبيع وعلانيته. أهمها مشروع خطة سكة حديد يمتد من الكيان الصهيوني إلى العراق والخليج العربي، وإنشاء منظومة للنقل الإقليمي يكون محورها الأساسي الكيان الصهيوني، ويتضمن هذا المشروع جوانب متعلقة بالنقل البحري؛ حيث سيتم تحويل ميناءَيْ حيفا وأسدود إلى بوابة رئيسية للعبور التجاري والسياحي ونقل الأفراد إلى مناطق الشرق الأوسط المختلفة18.

وهو ما قد يعد تهديدا حقيقيا لقناة السويس المصرية. خاصة في ظل التوجه الصهيوني إلى تزايد حجم تجارته مع الصين وأسيا؛ والتي من المتوقع أن تصل إلى 30% خلال 2030م من مجمله حجم تجارته العالمي؛ فبدلا من أن يقوم الكيان الصهيوني بدفع رسوم عبور تجارته لقناة السويس يفكر في إنشاء خط السكة الحديدية لتقليل التكلفة.

7-تحسين صورة الكيان الصهيوني في العالم، وإظهارها في صورة المتعاون مع الدول المحيطة بها.

8- يعد هذا المشروع من الناحية العسكرية حاجز صد أمني خط دفاع عن الكيان الصهيوني بعرض من ٣-٥ كم” حيث سيقوم الكيان الصهيوني بإخلاء المنطقة الحدودية المحاذية لخط سير المشروع ” من العقبة (إيلات) وحتى مدينة أريحا التاريخية، لذا فإن هذا المشروع سيمر عبر إرث تاريخي وحضاري آخر وهو وادي عربة وصحراء النقب مما يعني تدمير هذه البيئة إضافة إلى تهجير آلاف العائلات البدوية في النقب وتحديدا قري العراقيب19

خاتمة

على الرغم من الوصول إلى التصور الذي سيكون عليه الرابط بين البحر الأحمر والبحر الميت، بين كل من الأردن والكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية، إلا أن المشروع لن يتم تنفيذه خلال فتره زمنية قصيرة، خاصة في ظل الظروف السياسية المتقلبة في المنطقة. لكن ما يمكن تأكيده أن الخطوات العملية للمشروع قد بدأت بالفعل20.

———————————–

الهامش

(1)  تايمز اوف اسرائيل، “إسرائيل والفلسطينيون يتوصلون إلى اتفاقية مياه هامة للضفة الغربية وقطاع غزة”، تاريخ الزيارة 18-7-2017م،الرابط.

(2) موقع الجزيرة، “إسرائيل تبيع السلطة مياه المتوسط”، تاريخ الزيارة 19-7-2017م، الرابط.

(3) موقع الجزيرة، “الأردن وإسرائيل يوقعان اتفاق قناة البحرين”، تاريخ الزيارة 18-7-2017م، الرابط.

(4) راشيل عيناف، “أمام مشروع القناة الكثر من المعضلات”، تاريخ الزيارة 19-7-2017م، موقع تيفهاف للدراسات البيئية ، الرابط.

(5) رامي اريئيلي، “ماهو قناة البحر الميت”، تاريخ الزيارة 19-7-2017م، موقع ستو العبري للدراسات ، الرابط.

(6) جوناثان ، واخرون ، “انقاذ البحر الميت من الصرف الصحي”، موقع وايزمن ، تاريخ الزيارة 19-7-2017م، الرابط.

(7) رامي اريئيلي، “ماهو قناة البحر الميت”، تاريخ الزيارة 19-7-2017م، موقع ستو العبري للدراسات ، مرجع سبق ذكره.

(8) موقع المعرفة ، “قناة البحرين”، تاريخ الزيارة 18-7-2017م، الرابط.

(9) موقع القدس العربي ، “اتفاق بين الاردن واسرائيل لتنفيذ ربط البحر الاحمر بالبحر الميت”، تاريخ الزيارة 18-7-2017م، الرابط.

(10) فتحي خضيرات ، “قناة البحرين الميت و الأحمر” !، تاريخ الزيارة 19-7-2017م، وكالة معا الاخبارية الرابط.

(11) موقع سما الاخباري، “اتفاقية قناة البحرين وأبعادها الاستراتيجية”، تاريخ الزيارة 19-7-2017م، الرابط.

(12) موقع خليج أن لاين، “قناة البحرين.. إسرائيل تحقق حلم “هرتزل” والهدف: إخضاع المنطقة”، تاريخ الزيارة 19-7-2017م، الرابط.

(13)راشيل عيناف، “أمام مشروع القناة الكثر من المعضلات”، تاريخ الزيارة 19-7-2017م، موقع تيفهاف للدراسات البيئية ،مرجع سبق ذكره.

(14) موقع سبوتنك، “اتفاق فلسطيني إسرائيلي برعاية أميركية على مشروع  قناة البحرين”، تاريخ الزيارة 19-7-2017م، الرابط.

(15)راشيل عيناف، “أمام مشروع القناة الكثر من المعضلات”، تاريخ الزيارة 19-7-2017م، موقع تيفهاف للدراسات البيئية ، مرجع سبق ذكره.

(16)موقع المعرفة ، “قناة البحرين”، تاريخ الزيارة 18-7-2017م، مرجع سبق ذكره.

(17) موقع سما الاخباري، “اتفاقية قناة البحرين وأبعادها الاستراتيجية ” ، تاريخ الزيارة 19-7-2017م، مرجع سبق ذكره.

(18)موقع المعرفة ، “قناة البحرين”، تاريخ الزيارة 18-7-2017م،مرجع سبق ذكره.

(19)فتحي خضيرات، “قناة البحرين الميت والأحمر!”، تاريخ الزيارة 19-7-2017م، وكالة معا الاخبارية مرجع سبق ذكره.

(20) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *