ترجمات

لماذا تنجح المقاومة المدنية؟ تجربة الفلبين

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

دراسة موسعة، يقوم المعهد المصري للدراسات بترجمتها حصرياً، ونشرها في حلقات، بعنوان: المنطق الاستراتيجي للكفاح السلمي، إعداد: ماريا ج. ستيفان وإريكا تشينويث

 

تمهيد

قدمت حركة “قوة الشعب” التي أطاحت بالدكتاتور الفلبيني فرديناند ماركوس في عام 1986 نموذجاً ناجحاً مغايراً للانتفاضة الفاشلة للمعارضة البورمية بعد ذلك ببضع سنوات. وعلى الرغم من الدراسات العلمية التي تنبأت بأن الإطاحة بنظام ماركوس ستكون عنيفة: إما عن طريق تمرد شيوعي أو انقلاب عسكري، ألا أن أياً من ذلك لم يحدث. وبدلا منه، فإن تحالفا عريضا من السياسيين المعارضين والعمال والطلاب ورجال الأعمال وقادة الكنيسة الكاثوليكية، وآخرون قاموا بإسقاط نظام كانت شرعيته تضعف بالفعل بسبب الفساد واسع النطاق وسوء الإدارة الاقتصادية والاعتماد على القمع العنيف.

وبعد ان أُعيد انتخابه رئيسا للبلاد عام 1969، أعلن ماركوس الأحكام العرفية فى عام 1972، متعللاً بالتهديدات التى يمثلها المتمردون الشيوعيون والانفصاليون المسلمون في الجنوب كمبررً لذلك. وبدعم من الولايات المتحدة، عزز ماركوس السلطة التنفيذية وجمع كذلك ثروة كبيرة من خلال مركزية الحكومة، واحتكارات الدولة، وفرض الوصاية، بالإضافة إلى المساعدات التي كان يتلقاها من الولايات المتحدة، والقروض التي حصل عليها من المؤسسات المالية الدولية. واتهم ماركوس المعارضة السياسية بالتحالف مع الشيوعيين، واستولى على ممتلكاتهم، وسجن الكثير منهم. وتم إسكات زعماء المعارضة الرئيسيين أو استغلاهم، ودخلت الأحزاب السياسية المعارضة في حالة فوضى.

 

أولاً: السياق والأحداث

اكتسبت المعارضة الثورية بقيادة الحزب الشيوعي في الفلبين وجيشها الشعبي الجديد مزيداً من القوة في أواخر السبعينات. وكان جيش الشعب الجديد قد استُلهم من الأيديولوجيات الماركسية اللينينية الماوية وسعى إلى تحقيق ثورة مسلحة للوصول إلى السلطة. وأدت الهجمات العسكرية التي قامت بها الدولة على جيش الشعب الجديد إلى انتشاره في جميع مناطق البلاد على شكل مقاومة مسلحة بأسلوب حرب العصابات.

وفي سعي منه لتهدئة إدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، وافق ماركوس على إجراء إصلاحات معتدلة في أواخر السبعينيات، بما في ذلك إجراء انتخابات برلمانية عام 1978.

وشارك في الانتخابات زعيم المعارضة الفلبينية الأبرز والسياسي المنفى خارج البلاد، السناتور بينينو أكينو الابن، مما أدى إلى تحقيق مكاسب ضئيلة للمعارضة. وعلى الرغم من أن الإقبال الضخم على الناخبين شجع أعضاء المعارضة (باستثناء الحزب الشيوعي الفلبيني) على المشاركة في الانتخابات، إلا أن بعض أعضاء المعارضة المحبَطين اتجهوا إلى ارتكاب أعمال عنفية مثل إشعال الحرائق والقصف وحرب العصابات. وقامت الحكومة باستهداف هؤلاء المعارضين من خلال الاعتقالات التي أوصلتهم إلى حالة تشبه الشلل ولم يحصلوا على أي تنازلات من ماركوس جراء فشلهم الذريع، وبالإضافة إلى ذلك وضعتهم الحكومة الأمريكية على القائمة السوداء وصنفتهم على أنهم منظمة إرهابية.

أدى اغتيال أكينو في عام 1983 إلى اندلاع انتفاضة شعبية.. أكينو، الذي كان منفياً إلى الولايات المتحدة منذ عام 1980، كان على اتصال مع المعارضة داخل الفلبين في الوقت الذي كان يضغط على الحكومة الأميركية لوقف دعمها لماركوس. وبحلول عام 1983، وأثناء مرض ماركوس، قرر أكينو العودة إلى الفلبين، حيث كان الاضطراب الداخلي يتزايد في البلاد خصوصاً بعد الأزمة المالية التي حدثت عام 1979، ووسط تصاعد التمرد الشيوعي (بالإضافة إلى توفر أدلة على انتهاكات النظام لحقوق الإنسان أثناء مواجهته لأعمال المقاومة)، بالإضافة إلى تنافس النخب المدنية والعسكرية على السلطة. وعلى الرغم من أنه يأمل في التفاوض على نقل السلطة مع ماركوس، فإن هذا لم يحدث وتم اغتياله. اثار اغتيال اكينو فى مطار مانيلا الدولى بتواطؤ عسكري غضبا محليا ودوليا.

بعد اغتيال أكينو، حاول ماركوس تقسيم المعارضة من جديد من خلال الانتخابات البرلمانية عام 1984. وبينما انضم بعض السياسيين المعتدلين إلى مقاطعة يقودها الشيوعيون للانتخابات، شارك آخرون (بدعم من كورازون أكينو أرملة “كوري أكينو”) وحصلوا على ثلث المقاعد المتنافس عليها على الرغم من العنف، والغش الحكومي واسع النطاق، والفرص المحدودة للوصول إلى وسائل الإعلام.

ولمواجهته قلاقل داخلية كبيرة، دعا ماركوس في أواخر عام 1985 إلى إجراء انتخابات مبكرة على أن تكون في فبراير 1986. ولثقته بأنه سيفوز (أو أنه سيكون قادرا على إجراء الانتخابات بنجاح) وإيمانه أنه يمكن أن يخيف المعارضة التي تبدو منقسمة، مضى ماركوس قُدماً في الانتخابات. ولكن بحلول عام 1986، أصبحت المعارضة في وضع أفضل لتحدي الديكتاتور في صناديق الاقتراع. وكانت المعارضة الاصلاحية قد اتحدت عام 1985 تحت راية المعارضة الديمقراطية القومية المتحدة (اليونيدو)، واختارت كوري اكينو مرشحاً للرئاسة. وفي الفترة التي سبقت الانتخابات، دعا أكينو إلى الالتزام بعدم ممارسة العنف، وأوضح كذلك أنه لن يتم التسامح مع التعامل العنيف ضد المعارضين. كما شدد أيضاً زعماء الكنائس على ضرورة الالتزام بذلك.

وعلى الرغم من أن ماركوس كان يسيطر على وسائل الإعلام، فإن راديو وصحيفة “فيريتاس” المملوكتان للكنيسة وفرتا تغطية كبيرة لحملة المعارضة الانتخابية “يونيدو”. وفي الوقت نفسه أصدر رئيس الأساقفة خايمي سين رسالة رعوية تدعو السكان إلى التصويت للمرشحين الصادقين والذين يحترمون حقوق الإنسان. ودعا مؤتمر الأساقفة الكاثوليك في الفلبين السكان إلى استخدام المقاومة اللاعنفية في حال تمت سرقة الانتخابات وتزويرها، في حين قامت الحركة الوطنية للانتخابات الحرة بتدريب 500.000 متطوع لمراقبة الانتخابات.

عندما أعلن ماركوس نفسه الفائز بالرئاسة في انتخابات عام 1986 على الرغم من نفي مراقبي الانتخابات لذلك، قاد كوري أكينو تجمعاً من 2مليون فلبيني وأعلن الفوز لنفسه و “الشعب”. أدان “أكينو” “ماركوس” وأعلن انطلاق حملة للعصيان المدني اللاعنفي أسماها “انتصار الشعب”. وفي اليوم الذي أعقب تنصيب ماركوس، شارك الفلبينيون في إضراب عام، وقاطعوا وسائل الإعلام الحكومية وكثيرمن البنوك التي كانت تسيطر عليها الدولة والأعمال التجارية التابعة لها، وغير ذلك من الأنشطة اللاعنفية.

عندما رأى الملايين من الأميركيين على أجهزة التلفزيون الخاصة بهم مئات الآلاف من الفلبينيين، بما في ذلك الراهبات الكاثوليك، يواجهون الدبابات، أصبح من المستحيل سياسيا على الحكومة الأميركية أن تحافظ على دعمها لنظام ماركوس آنذاك. وقد شعرت إدارة الرئيس رونالد ريغان بالحرج من دعم ماركوس فأشادت بحركة المعارضة. وفي 25 فبراير تم تشكيل حكومة موازية وأدى كوري أكينو اليمين كرئيس للبلاد. وفى ذلك المساء نقلت المروحيات العسكرية الامريكية ماركوس وثلاثين من افراد عائلته والوفد المرافق له الى قاعدة جوية امريكية مجاورة حيث استقلوا طائرات نفاثة نقلتهم إلى هاواي. تولى أكينو منصب الرئيس. وعلى الرغم من وجود مشاكل تتعلق بتوطيد الديمقراطية في الفلبين منذ عام 1986، إلا أن حملة القوى الشعبية أزالت بنجاح دكتاتورية ماركوس.

 

ثانياً: العوامل الدولية

لم تفرض أي دولة رسميا عقوبات على الفلبين نتيجة ما قام به ماركوس. بيد أن اغتيال أكينو دفع وزارة الخارجية الأمريكية إلى مساعدة المعتدلين في المعارضة والضغط على ماركوس للإصلاحات، ثم بعد ذلك ضمان الولايات المتحدة خروجه الآمن من السلطة. ووافق ماركوس على ترك السلطة فقط بعد أن أوضحت الحكومة الأمريكية أنها لن توفر له الكميات الهائلة من المساعدات العسكرية والاقتصادية التي كانت تُبقي نظامه في السلطة -وهذا نموذج رئيسي يوضح كيف أن الانتفاضة اللاعنفية يمكن أن تتسبب في فرض عقوبات فعالة على النظام من جهات أجنبية فاعلة، حتى لو لم تكن هذه الجزاءات مسجلة في لائحة عقوبات رسمية من الأمم المتحدة أو أي هيئة دولية أخرى.

 

ثالثاً: العوامل المحلية

لم تنجح حرب العصابات التي كانت تهدف إلى إسقاط نظام ماركوس في إحداث انشقاقات بين قوات الأمن. وبدون ضمان السلامة الشخصية، فمن غير المحتمل أن تتعاطف قوات الأمن مع الحركات العنيفة مثل جيش الشعب الجديد والحزب الشيوعي الفلبيني. ولذلك، فإنه ليس من المستغرب أن ينجح ماركوس في قيادة قوات الأمن للقضاء على هذه الحركات، وأدى ذلك إلى انتهاكات كبيرة لحقوق الإنسان وسط المسلحين والمدنيين في القرى المجاورة.

غير أنه في خضم العصيان المدني اللاعنفي، كان أعضاء الجيش الساخطين، الذين شكلوا في السابق حركة إصلاح داخل القوات المسلحة بقيادة الجنرال خوان بونس إنريلي، قد خططوا لهجوم على قصر مالاكانانغ لإجبار ماركوس على ترك منصبه. وعندما اكتشف النظام خطة إنريلي، قام الضباط والجنود المتآمرون بتحصين أنفسهم في معسكرين خارج مانيلا. وانضم الجنرال فيدل راموس إلى الجنرال إنريلي، وأعلن انشقاقه عن نظام ماركوس ودعمه لأكينو. وفي تحول ملحوظ للأحداث، دعا المطران سين السكان لدعم المنشقين العسكريين. وقد تجمع عشرات الالاف من المؤيدين للديمقراطية ورفضوا مغادرة القواعد العسكرية حيث كان المنشقون محاصرين بينما شكل مئات الالاف من الراهبات غير المسلحات والكهنة والمدنيين كدروع بشرية بين دبابات ماركوس والمنشقين. وفي هذه المواجهة المتلفزة دوليا، تراجعت القوات الحكومية في نهاية المطاف، وتلا ذلك تمرد على نطاق واسع بين الجنود والضباط في أنحاء البلاد.

أدت الطبيعة الشعبية لمقاومة المعارضة إلى شرعنة الانشقاق بين قوات الأمن. وعندما لم يعد بإمكان النظام الاعتماد على قطاعات رئيسية من جيشه، والحفاظ على الاقتصاد، واسترضاء الكنيسة القوية، أو الحفاظ على الدعم الاقتصادي والعسكري للحكومة الأمريكية، والمؤسسات المالية الدولية الأخرى، اضطر ماركوس لقبول الهزيمة.

على الرغم من أن الحزب الشيوعي الفلبيني المسلح كان مؤيَدا من الكنيسة (وخاصة من صغار الكهنة)، وكان له تواجد كبير بين السكان، وشكل تحالفات بين الحين والآخر مع المعارضة السياسية الإصلاحية، إلا أنه في نهاية المطاف تم تهميش الحزب الشيوعي الفلبيني بسبب اعتماده على الكفاح المسلح والأيديولوجية المتشددة، وإصراره على الحكم التحزبي، وقراره بمقاطعة الانتخابات.

وترتب على قمع ماركوس للمعارضة اللاعنفية آثار عكسية. فاغتيال بينينو أكينو في عام 1983 جعله شهيدا لوقوفه ضد ماركوس. وتجمع ما يقرب من مليوني فلبيني من جميع الطبقات الاجتماعية الاقتصادية ليشهدوا جنازته. ثم بدأت الكنيسة الكاثوليكية، التي شاركت في “التعاون الحاسم” مع نظام ماركوس خلال فترة الأحكام العرفية (على الرغم من أن بعض قيادات الكنيسة عارضت ماركوس منذ البداية) – بدأت الكنيسة تشجب انتهاكات النظام لحقوق الإنسان. ونظم تجمع اعمال ماكاتى القوي مظاهرات ومسيرات اسبوعية ضد ماركوس فى المناطق التجارية فى مانيلا.

وفي الوقت نفسه، واصلت المقاومة اللاعنفية التي تشمل جميع المكونات المجتمعية تحدي قبضة ماركوس القوية على السلطة باستخدام وسائل غير مؤسسية. لم تكن “لاكبايان” (مسيرات الحرية الشعبية)، والمظاهرات الجماهيرية التي أصبحت تعرف بعد ذلك باسم “برلمانات في الشوارع”، و “ولجانج بيان” (ضربات الشعب) سوى عدد قليل من التكتيكات اللاعنفية المستخدمة خلال هذه المرحلة التصعيدية من النضال. وفي عام 1984 أغلقت الإضرابات الشعبية المدن، ولا سيما قطاع النقل. وفي الوقت نفسه، سار الفلاحون إلى المناطق الحضرية ودخلوا في اعتصامات. وقد نشط مسؤولو الكنيسة في جمع المعارضين السياسيين غير الشيوعيين وأعضاء مجتمع الأعمال. وتحالفت العناصر الأكثر تقدمية للكنيسة مع التجمعات الشعبية وجماعات المسيحيين في المناطق الريفية، تعزيزاً لجهود الكنيسة في التعبئة، ودرءاً لاحتمالات تجنيد أفراد في المقاومة المسلحة.

وعلى غرار ما حدث في تيمور الشرقية، فإن التغطية الإعلامية لقمع الدولة للحملات غير العنيفة كان له آثار عكسية ضد النظام، مما أدى إلى التعبئة الجماهيرية وتحولات في الولاء داخل المؤسسات المدنية والأجهزة الأمنية، والضغط الدولي على النظام للتنازل والاعتراف بالهزيمة. (1)

—————————–

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية “.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق