قلم وميدان

ما بعد حادث الواحات: خلاصات وتحديات

ما بعد حادث الواحات: خلاصات وتحديات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا

شهد المشهد المصري في النصف الثاني من شهر أكتوبر وبدايات نوفمبر 2017، عدداً من الأحداث الضخمة والمتلاحقة والتي بدا وكأنها قد اربكت النظام المصري، واربكت أيضاً كل من يتابع المشهد المصري ويحاول أن يجد تفسيراً للأحداث أو تحليلاً واقعياً لفهم وتصور واقع هذا المشهد. وقد دفعتني تلك الأحداث إلى التريث قليلاً حتى يهدأ الصخب المصاحب لها، ومن ثم محاولة تقديم قراءة كلية معمقة للمشهد المصري الراهن المتعلق بهذه الأحداث، بعيداً عن التفاصيل الكثيرة المرتبطة بها، الصحيح منها والمغلوط، تساعد في الوصول الى صورة أكثر وضوحاً وإتساقاً مع مجريات الأحداث الإقليمية والدولية.

فقد شهدت منطقة الواحات البحرية بمحافظة الجيزة في 20 أكتوبر الماضي، ما قيل أنه اشتباكات عنيفة بين قوات الأمن ومجموعة مسلحة، أسفرت عن مقتل 16 شرطيًا بحسب بيان وزارة الداخلية المصرية، في حين ذكرت بعض المواقع أعداداً مغايرة لبيان وزارة الداخلية تصل فيها أعداد القتلى الى 52 شرطياً(1) من صفوة القوات الخاصة وقوات مكافحة الإرهاب والأمن الوطني، وتسببت الحادثة في حالة تخبط واضحة داخل اجهزة النظام الأمنية وأذرعه الإعلامية.

وبعد مرور أكثر من ثمانية أيام على الحادث، وتحديداً في 28 أكتوبر، وفي ظل غياب معلومات رسمية دقيقة عن تفاصيل الحادث وطبيعة المجموعة المسلحة التي قامت بالهجوم على قوات الأمن، قام السيسي في خطوة مفاجئة وغير متوقعة بإقالة رئيس أركان القوات المسلحة الفريق محمود حجازي(2) وتعيينه مستشاراً للرئاسة للتخطيط الإستراتيجي وإدارة الأزمات، وتزامن مع إقالة “حجازي”، عدة إقالات أخرى طالت قيادات داخل وزارة الداخلية.

وبعد يومين فقط من إقالة رئيس الاركان محمود حجازي، تم الإعلان عن القضاء على المجموعة المسلحة التي شاركت في استهداف قوات الأمن في حادث الواحات وتحرير الضابط المختطف(3)، حيث أعلنت وزارة الدفاع في عدة فيديوهات توجيه ضربات عسكرية لمنفذي حادث الواحات وتحرير الضابط المختطف النقيب “محمد الحايس”. ولم تستطع أية جهة حتى تاريخه تقديم رواية متماسكة لتفاصيل الحادث وكيف تم وأعداد الضحايا، وعن كيفية القيام بعملية التحرير والملابسات المتعلقة بها.

وبغض النظر عن التفاصيل الكثيرة حول ملابسات تلك الأحداث، والسعي حول استكشاف تفاصيلها الحقيقية، يمكن أن نصل إلى عدة استنتاجات، بدت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، يمكن أن تساهم في القاء الضوء على المشهد الكلي الراهن في مصر:

أولاً: أيا كان ما قامت به قوات الجيش والأمن بعد حادث الواحات من ضربات جوية والقضاء على منفذي الحادث، إلا أن الواقع الذي لا يمكن تجاهله أن مجموعة صغيرة مسلحة، حديثة التكوين، استطاعت بسهولة الإيقاع بمجموعات مدربة من القوات الخاصه للشرطة، مرتين متتاليتين، وإحداث خسائر مروعه فيها، مما يعطي مؤشرات خطيرة على كفاءة هذه المجموعات وقدراتها وعلى مستقبل مثل هذه المواجهات .

ثانياً: حادث الواحات وقع على بعد 100 كم تقريباً من عمران العاصمة (مدينة 6 أكتوبر) وليس في أطراف بعيدة عن قبضة الأمن المصري، مما يدل على ارتفاع درجة الخطر وتصاعده وامتداده لدائرة تقترب من الداخل المصري بعد أن كانت مثل هذه المعارك محصورة تقريباً في شبه جزيرة سيناء.

ثالثاً: المجموعة التي قامت بتنفيذ حادث الواحات، يبدو أن لها امتدادات عبر الصحراء الغربية وحتى الداخل الليبي(4)، وهذا قد يشكل في المستقبل رافدا كبيرا لمثل هذه المجموعات، خاصة في ظل الثأرات الناتجه عن قصف المدنيين في مدينة درنة الليبية وارتفاع أعداد الضحايا من النساء والأطفال .

رابعاً: يبدو أن المجموعة التي قامت بتنفيذ حادث الواحات لها علاقه، أو على الأقل ارتباط فكري، بتنظيم القاعدة، مما يعطي للحادث زخما أكبر وبعدًا إقليميًا ودوليًا، وهو ما ظهر من بيان تبني العملية بواسطة مجموعة لم يُسمع عنها من قبل باسم “أنصار الإسلام” وخروجها من موقع مرتبط بتنظيم القاعدة(5).

خامساً: اتساع نطاق انضمام ضباط سابقين سواء من الجيش أو الشرطة، من ذوي الخبرة والتدريب العالي إلى المجموعات المسلحة الموجودة في الصحراء الغربية أو سيناء، طبقاً لما أعلنته البيانات الرسمية، مما يجعل العمليات أكثر فعالية وتأثيرا، فضلا عن زيادة جاذبية انضمام أفراد جدد من الجيش والشرطة لزملائهم في حالة إقتناعهم بمنهجهم .

سادساً: المواجهات العسكريه أصبحت قوية ومتسعة على نطاق جغرافي واسع من شبه جزيرة سيناء شرقاً إلى الصحراء الغربية غرباً، مع امتدادات محتمله في ليبيا بل وحتى الصحراء الكبرى في دوائر نفوذ مجموعات تنتمي إلى القاعدة تنظيمياً أو فكرياً على الأقل .

سابعاً: نظرا لتدني قدرات القوات المصريه في المواجهات مع المجموعات المسلحة وحروب العصابات، فإنها لم تستطع حسم المعارك إلا في وجود دعم أجنبي، روسي وفرنسي في الصحراء الغربية (أو إسرائيلي أيضاً في سيناء) طبقاً لما صرحت به مصادر عسكرية مقربة من النظام(6)، وهذا يفتح بابا واسعا للتدخل العسكري الأجنبي في مصر لاحقاً بشكل أكبر .

ثامناً: نظراً لما سبق، يبدو أن الثقة الدولية قد انخفضت في مدى قدرة السيسي في السيطرة على الأوضاع الأمنية، خاصة في ظل تواتر التقارير عن الانتهاكات الجسيمه لحقوق الإنسان، مما دعا أمريكا على سبيل المثال إلى وضع مصر ضمن قائمة 11 دوله تضمنها قرار الرئيس ترامب التنفيذي حول تشديد إجراءات اللجوء والهجرة للدول ذات المخاطر المرتفعه، وهذا بالطبع له دلالة كبيرة، فضلاً عن استمرار التحذيرات لسائحي العديد من الدول بتجنب السفر إلى مصر.

تاسعاً: تأتي كل هذه المتغيرات في وقت يحاول السيسي فيه أن يستجمع جميع السلطات و يتخلص من أي شخص قد يشكل عليه تهديداً، وصولاً إلى إقالة أقرب معاونيه الفريق حجازي، فضلاً عن تبرم قطاعات واسعة من المجتمع من سوء الأحوال المعيشية والأزمات الإقتصادية، وهي أجواء تزيد من التحديات التي تواجه السيسي، في الوقت الذي يسعى فيه إلى فترة رئاسة ثانية تبدأ من منتصف العام القادم.

 

خاتمة:

في ضوء ما سبق، وأمام تعاظم التحديات التى تواجه الوطن، يجب على جميع القوى الوطنية متحدة؛ العمل على استعادة المسار الديمقراطي المستقر، لتجنب الانزلاق إلى تداعيات خطيرة من الصعب تجاوزها، ليس فقط على صعيد الفشل في إدارة الدولة، ولكن بتحول أجزاء كبيرة منها بالتدريج إلى ساحات حروب.

كما يجب أيضاً على المجتمع الدولي أن يُدرك مخاطر استمرار دعمه حكماً دكتاتورياً كالقائم في مصر، مما قد يُساعد على تفجير الأوضاع في المنطقه بأسرها، بالنظر إلى كل عوامل عدم الاستقرار الأخرى المتزايدة في المنطقة، وما تشهده من تغيرات جوهرية وصراعات لم يتم حسمها(1 ).

——————–

الهامش

( 1 ) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية “.

 

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق