دراسات

مداخل الفكر السياسي الإسلامي

أسس الفكر السياسي الإسلامي: الجزء الثاني

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تمهيد

تشتمل خريطة الفكر السياسي الإسلامي على عدد من المداخل الرئيسة التي تمثل المسارات الأساسية للكتابة التراثية في السياسة من منظور إسلامي، وتعتبر أساسات للعديد من خطوط التأليف المعاصر. وقد اشتهر في كل مدخل منها مجموعة من الكتب والكاتبين نطل على بعض من أهمها:

أولاً: المدخل الفلسفي (نموذج الفارابي في آراء أهل المدينة الفاضلة).

الفلسفة السياسية عبارة عن ممارسة تأملية عميقة في الواقع السياسي وأصوله، ومحاولة لسبر غور الظاهرة السياسية العامة وما تحتها من جزئيات. وقد كانت أوائل الكتابات السياسية القديمة ذات منزع فلسفي سواء منها ما ورد عن فلاسفة الشرق في مصر والصين والهند وفارس والعراق، أو ما اشتهر من فلسفة الإغريق والرومان.

ويعد أبو نصر محمد بن محمد الفارابي (ت:329هـ) من أبرز فلاسفة الحضارة الإسلامية الذي أسهموا في الفكر السياسي، وتجلت في كتابته خصائص الطريقة الفلسفية في تناول المجال السياسي. ولد الفارابي بمدينة تدعى فاراب في بلاد ما وراء النهر وإليها ينسب، ونشأ في بغداد حيث كان أبوه يعمل جنديًّا. وفي بغداد درس الفارابي العربية والفلسفة والمنطق والطب، ثم انتقل إلى دمشق فحلب؛ ليستقر في بلاط سيف الدولة الحمداني. اشتهر الفارابي بفيلسوف المسلمين وبالمعلم الثاني لنبوغه في علوم اليونان وبخاصة الفلسفة والمنطق ولكثرة شروحه لكتب أرسطو الذي عرفه فلاسفة العرب بالمعلم الأول، لكنه اشتهر أيضًا في الموسيقى: صناعة للآلات (مثل القانون) وتأليفًا وأداءً للألحان، وأجاد لغاتٍ عدة.

نقل الفارابي الكثير من كتابات أفلاطون وأرسطو واقتدى بهما في الأسلوب وفي أكثر أفكاره وراكم عليها، وقد استعار الفارابي أسلوب التجريد منهما لكي يرسم صورة الدولة في عصره، ويوجهها إلى غاية (السعادة) من طريق (الفضيلة). فكما فعل أفلاطون يعبر الفارابي عن الدولة باسم “المدينة”، ويعتبرها وحدة بناء “الأمة” التي هي بدورها وحدة بناء المعمورة. ويشيد معمارًا متكاملاً للدولة يتألف من:

  1.  مثالٍ أو ناموس مرجعي أشبه بالشريعة التي يأتي بها نبي (أو الحكمة التي يُلهمها فيلسوف) وهو واضع النواميس؛ ومن ثم فالنبوة هي الرئاسة الأولى المؤسِّسة للدولة. وإدراج النبوة هنا من أمارات اعتماد الفارابي على مصادر حضارته الإسلامية وعدم اكتفائه بما تعلمه عن اليونانيين، لكن مفهومه للنبوة اعتورته بعض المشكلات من مثل القول بأنها مقام يمكن أن يُكتسب بالرياضة الروحية والنفسية. لكن الشيء المهم في هذا الصدد هو اشتراك المدخل الفلسفي مع سائر مداخل الفكر السياسي الإسلامي في التأكيد على أهمية الإطار المرجعي (أي الدستور) في تأسيس الدولة، وتصنيف الدول والأمم على حسب موقعها من المرجعية المثلى (الشريعة) بين: أمة فاضلة حققت الفضيلة حيث جمعت بين المعرفة بالشريعة والإيمان بها والتبني لها والالتزام بتطبيقها، وأمم من دون ذلك لم تحقق الفضيلة: فإما جهلت من الأصل، وإما عرفت وبدلت، وإما اتبعت غير الهدى فضلت، وإما عرفت ولم تلتزم ففسقت.
    ومن هنا انقسمت الأمم عند الفارابي إلى قسمين كبيرين: فاضلة وجاهلية (أو جاهلة باعتبار المعرفة تستلزم العمل بمقتضاها)، ثم تنقسم الجاهلية بين أربع: جاهلة وضالة ومبدلة وفاسقة على نحو ما سيتبين.
  2.  والمكون الثاني للدولة: طبقة رئاسية فُطرت على طباع القيادة، يؤسسها واضع النواميس، ويقودها فيما بعده عضو رئيس، أهم خصائصه أنه يقتفي أثر المؤسس الأول، (فيما يقارب تعبير الفقهاء عن الإمامة بأنها خلافة عن النبوة). واتفق الفيلسوف في هذا أيضًا مع سائر مفكري الإسلام الذين أوجبوا الإمامة بالنقل وأيدوا ذلك العقل والواقع. وتختلف الرؤى في توصيف الرئيس عند الفارابي، فتارة تراه أشبه بإمام المسلمين المستقيم على منهاج النبوة؛ أي الخليفة الراشد الجامع لفضيلتي العلم والعمل، وتارة أخرى تراه أشبه بالحاكم الأفلاطوني؛ أي الفيلسوف.
    والذي يترجح عندنا أن الفارابي لم يكتف بنقل النموذج الأفلاطوني (وإن بدت كثير من مقولاته كذلك لا سيما تسميته الرئيس بالفيلسوف وتأكيده أنهما بمعنى واحد وتسويته الفيلسوف بواضع النواميس وحديثه عن الفطر الجاهزة باعتبارها شرائط منتهية وناجزة). فارتباطه بالمعين الإسلامي يتضح حين يصرح بأن الفيلسوف لا تكفيه حكمته الفلسفية لكي يضطلع بمنصب الرئاسة العليا، حيث تعوزه قدرات عملية ومهارات سلوكية وقيم روحانية، ويشترط فيه مواصفات أقرب إلى شروط الماوردي في أحكامه السلطانية (من العلم والعدل وسداد الرأي وسلامة الأعضاء والشجاعة)، وحين يجعل الحاكم تابعًا للمؤسِّس الأول الذي هو غالبًا نبي مرسل، وحين يطعّم رؤيته بجانب صوفي روحاني لا تجده واضحًا عند اليونانيين.
  3.  وجمهور عامل: مفطور على الخدمة بدرجاتها، وليس له من متطلبات القيادة العليا ما يؤهله لها. إن استطالة حديث الفارابي عن فطر رئاسة وفطر خدمة قد يحمل على أنه عنصرية أو طبقية أرستقراطية جامدة، وقد ينظر إلى رؤيته على أن يوتوبية تخيلية أو تفكير بالتمني، ولكن يمكن أن يحمل هذا التصنيف على أنه ينبه إلى مراعاة الاستعدادات والقابليات فيمن يشغل المناصب وتسند إليه الوظائف، وأن المشكلة تكمن في طريقة تعبير الفلاسفة عن تنظيراتهم حيث يتداخل الوصف والتقرير مع الطلب والتوجيه.
    فالفارابي –في مقام الأخلاق- يقرر بإطلاقٍ وتعميمٍ قوييْن أن الأخلاق مكتسبة تمامًا ليس منها شيء مفروضًا على الإنسان؛ وذلك في الأخلاق الحميدة والذميمة سواء؛ ومن ثم فالمجال مفتوح للترقي والانتقال بين المقامات الرأسية والأحوال الأفقية. ومن ثم فالطبقات إنما هي طوائف ووظائف، وكلها مهمة ولكن بعضها أهم من بعض: فأهم الأعمال -عنده- ما تعلق بأمر الدين (الروح) ثم الحكمة (المعرفة) ثم السياسة؛ لذا فالطبقة الأولى تتكون من الشرعيين والحكماء والساسة، ثم الخطباء والشعراء والكتبة، ثم المجاهدون ثم المهنيون ثم الماليون.
  4.  والمكون الرابع والجوهري للدولة هو: مقصد أعلى: وهو “السعادة” أو “السعادة القصوى”. فالإنسان الفرد، والاجتماع الإنساني ومنه السياسي -مهما كان- يرمي إلى نيل ما يحب ودفع ما يكره، وما يحبه هو الخير، وأعلى الخير هو السعادة. ويبدو أن هذا ليس موضع اختلاف بين الناس، ويتفق فيه الواجب مع الواقع. إنما يقع الاختلاف في: تعيين السعادة وتحديد حقيقتها، فهناك السعادة الحقيقية وهناك السعادات الزائفة، ومن الزيف جعلُ السعادة الصغيرة أو التي هي خطوة ووسيلة في مقام السعادة الكبرى النهائية. والسعادة النهائية لدى الفارابي هي سعادة الروح بترقيها إلى مقام سماوي بحيث تنفصل عن الجسد وطينيته وتصبح جوهرًا خالصًا مثل الملائكة والعقول السماوية وبالأخص ما أسماه –نقلاً عن أرسطو- بالعقل الفعال. (وهاهنا تلبيسات ومفاهيم مغلوطة اتبع فيها الفارابي تعبيرات أرسطو وأفكار أفلوطين وقرر عن الغيب دعاوى ما أنزل الله تعالى بها من سلطان علاوة على مخالفات صريحة للوحي).
    المهم في هذا المقام هو اشتراك الفارابي مع الفقهاء والمفكرين في غائية الدولة، وأن غايتها تتلاقى مع غاية الفرد والخلق، وأن هذه الغاية تتصل بالله تعالى وأمر السماء، وأن سعادة الروح مقدمة على سعادة البدن حين تتعارضان، وأن الجانب النفسي والإرادي من دعائم البناء السياسي التي لا يجوز إغفالها.
    لكن اقتراب الفارابي من المصدر الإسلامي في هذا الجانب الغائي يبدو ضعيفًا، ولا يشفع له اقتراب معاني ما ذكر من المقررات الإسلامية، فالظاهر أنه قد اكتفى منه بما ناسب منقولاته عن اليونانيين، بينما ترك من التفصيلات الإسلامية الكثير ولم يبدُ حريصًا على أن يستفيد من الوحي في بيان السعادة بمعنى الرضوان الإلهي الأكبر وما يرضاه الله تعالى وما لا يرضاه. هذا فضلاً عن التزامه بالصياغات (وبدرجة أقل: الألفاظ) المأخوذة عن اليونانيين رغم ما تتسم به أحيانًا من إغراب وغموض.
  5.  وقيم أساسية: فالطريق الذي ينبغي سلوكه لتحقيق مقصد الدولة لا يتمثل في استراتيجيات ثابتة أو سياسات متعينة بل في نوعية هذه السياسات. وهذه النوعية تتحدد بالقيم التي جماعها قيمة الفضيلة. والفضيلة هي التزام الشريعة أو المرجع: وعيًا وعزمًا وسعيًا. وتتجلى الفضيلة ضمن نظام الفارابي السياسي في إقامة ميزان العدل، واستيفاء الحقوق وأداء الأمانات، والتعاون على الخير والتدافع ضد الشر، والتسالم العام داخل الدولة وفيما بين الأمم، ومراعاة مقتضيات الإنسانية المضادة للبهيمية. فالدولة الفاضلة دولة إنسانية قيمية، وسائر الدول الجاهلية تقع بين حالتي الغابة والحظيرة: يسودها المكر والخداع أو التهارج أو القهر.
    والقيم يجب أن تتجسد أولاً في رأس الدولة: الحاكم والنخبة، فهم المضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله، والأمر بعكسه. وبناء على قيمة الفضيلة تتأسس الدولة أو المدينة الفاضلة وتستبين النماذج المضادة لها.
  6.  النظام العالمي بين الدولة الفاضلة ومضاداتها: إذا كانت المدينة الفاضلة الخالصة كما يقدمها الفارابي هي رؤية نظرية، فهي بذلك مثال ومعيار تقاس عليه الدول المتحققة في أحوالها الواقعية. فالدولة الفاضلة لها درجات، ولها أيضًا مضادات بناء على موقف هذه الدول من السعادة والفضيلة، فيما يمكن إجماله في الشكل التالي:

إذا كان التفلسف قد ابتعد بالفارابي عن وصف الواقع وصفًا مباشرًا على عادة البحوث الحديثة والتأريخ السياسي، فإن هذا لا يقلل من قيمة ما قدمه. فقد شيد رؤية منهجية عامة يمكن أن تفسر الكثير من أحوال الصلاح والفساد التي تمر بها الدول والنظم السياسية، وفي طرحه دعوة لإعادة الاعتبار للتأمل العميق والغوص فيما وراء الظواهر لتجلية الحقائق التي تحكم العملية السياسية.

ثانياً: المدخل الفقهي (الماوردي في الأحكام السلطانية والولايات الدينية).

الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية، وهو لبّ علوم الحضارة الإسلامية؛ فهو تفصيل أحكام الشريعة وفق الفهم المنهجي لعلمائه. بُني على منهاج رئيس وعميق هو علم أصول الفقه الذي يعده بعضهم علم المنهجية الإسلامية الأعظم والأنضج، بالإضافة إلى استمداد الفقه من علوم القرآن (التفسير وغيره) وعلوم الحديث النبوي (الرواية والدراية والشروح)، وعلوم اللغة وغيرها. وأثرًا عن الشريعة الإسلامية وخصائصها اتسم الفقه بالشمول لسائر مجالات الحياة الإنسانية الفردية والجماعية ومنها المجال السياسي. فقد كان الفقهاء هم أبرز من كتب في السياسة عبر عصور الإسلام؛ سواء ضمن أبواب المصنفات الفقهية الجامعة من مثل المبسوط والمغني والمجموع … في أبواب الإمارة والإمامة والحكم والقضاء والحسبة والجهاد وخلافه، أو في مصنفات مستقلة خاصة بالشأن السياسي؛ من مثل ما كتبه أبو يوسف ومحمد بن الحسن وأبو عبيد القاسم بن سلام وأبو الحسن الماوردي وأبو يعلى الفراء وأبو المعالي الجويني وابن جماعة وابن تيمية وابن القيم وغيرهم.

ويعد الإمام أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي (ت:450هـ) وكتابه “الأحكام السلطانية والولايات الدينية” أشهر شيء في هذا الباب. وهو القاضي الشافعي الكبير، ولد بالبصرة (364هـ) ونشأ بها ودرس علوم الإسلام واللغة والأدب وبرع فيها، وكان أبوه يعمل ببيع ماء الورد فلُقّب به. وانتقل إلى بغداد للتدريس ثم عمل بالقضاء وبالسفارة وخالط الحكام والساسة في العصر العباسي الثاني وحين كانت الدولة البويهية تسيطر على مقاليد بغداد. وكتب في العقيدة والتفسير والفقه واللغة والأدب، ولكنه اشتهر بكتاباته السياسية العديدة مثل: قوانين الوزارة، وأدب القاضي، ونصيحة الملوك، وتسهيل النظر وتعجيل الظفر، ويضم إليها كتابه الماتع “أدب الدين والدنيا”، ولكن أشهرها -كما أشرنا- كتاب “الأحكام السلطانية” الذي يمثل أنموذج “الفقه الدستوري للدولة الإسلامية”. وهو الذي نركز عليه.

وعلى الرغم من نزعة عقلية وأدبية شديدة الوضوح في منهجية الإمام الماوردي، فلا يمكن تقريبه أو تشبيهه من التفلسف السياسي الذي مثله الفارابي، لاسيما في كتابه “الأحكام السلطانية” الذي التزم فيه -بكل وضوح وثبات- طريقةَ الفقهاء في سرد الأحكام الشرعية المتعلقة بكليات السياسة وجزئياتها؛ مما يبرر اختياره ممثلاً للمدخل الفقهي في الفكر السياسي.

يتصور الماوردي الدولة جسدًا وروحًا، والجسد له رأس ورقبة وأطراف وجذع ووسط. فروح الدولة دينها بأوسع معاني الدين بما يشتمل عليه من عقيدة وتشريع وقيم ومقاصد، ويركز في هذا على التشريع. أما الجسد فهو مكونات البنيان السياسي من الإمام الذي هو مركز الدائرة ورأس الأمر، فالأعوان (من الوزراء وأمراء الأقاليم، والعمال على المهام من القادة العسكريين والقضاة والنقباء والمحتسبين وعمال الخراج والمظالم والشرطة)، فالرعية التي هي محل الرعاية والتدبير، فالمعارضون في الداخل (الخوارج والبغاة والمفسدون) والأعداء في الخارج.

في رؤية واقعية ووصفية أحيانًا يؤكد الماوردي بدهية هذا التكوين السياسي، لكنه يحرك الآلة التشريعية ليبين ما ينبغي أن يكون عليه أمر كل جزء منها: من شروط الإمام وواجباته وحقوقه، وشروط الوزراء والأمراء والعمال وواجبات كل صنف منهم وصلاحياته، وطرائق التولية والتعيين والاختيار، ومواصفات عمليات الترشيح والاختيار بالبيعة والقائمين بها من أهل الإمامة وأهل الحل والعقد، وأساليب العزل والإعفاء والاستعفاء (الإقالة والاستقالة)، وواجبات الإشراف والرقابة من الرئيس للمرؤوس، وحدود التفويض والإنابة. هذا بالإضافة إلى التأكيد على الأخلاق والآداب التي ينبغي أن يتحلى بها أصحاب الولايات.

في البداية يُرسى الماوردي مبادئ الكليات السياسية المهمة؛ من مثل: أن الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا (به)، وأن الساسة بحاجة إلى العلماء وإلى العلم الشرعي ليعرف “السياسي” طرفي القضية: حقوق الدولة فيستوفيها وواجباتها فيوفيها، وأن الأصل في تولي السلطة هو الرضا والاختيار بين الحاكم وممثلي الأمة والشرعة من أهل الاختيار (الحل والعقد)، وأن الأحوال الاستثنائية التي تخالف الأصل يتم احتواؤها تشريعيًّا لا بما يقرها بل بما يحركها نحو التزام الأصل قدر المستطاع من باب (اتقوا الله ما استطعتم).

وبناء على هذه الكليات يناقش الماوردي بكل وضوح قضايا حرجة في النظام السياسي الإسلامي ساعتها وإلى اليوم؛ من مثل: ولاية العهد والتوريث، وتولي الحكم بالتغلب والاستيلاء، وحالة الفراغ القيادي، وما يجب وما يجوز وما يحرم في ذلك وفق اجتهاده. ويتوسع في بيان المسائل الجزئية المتعلقة بأحكام القضاء والجهاد وإقامة الحدود والتعازير، وعدالة التوزيع السياسي للمزايا (الأعطيات والصدقات).

ومن الجدير بالذكر أن كتاب الأحكام السلطانية هذا كتب مثله القاضي أبو يعلى الفراء الحنبلي (458هـ) معاصر الماوردي، حتى اعتبروهما كتابا واحدا وحاول بعضهم نسبته إلى أحدهما دون الآخر. لكن من المفيد في هذه المسألة الانتباه إلى أن اختلاف مذهبي الإمامين (شافعي وحنبلي) واشتراكهما في وظيفة واحدة (القضاء وكان الماوردي قاضي القضاة) وتعاصرهما (والمعاصرة حجاب كما يقال) واقتراب الماوردي من السلطة دون الفراء، كل ذلك لم يبدُ له أثر بارز في آرائهما الفقهية، الأمر الذي إن دل على شيء فإنما يدل على أن التفكير المنهجي كان في مرحلة عافية وانتشار وأن التعصب المذهبي لم يكن بارزا عند الأئمة الكبار.

وإذا كان أبو يوسف في الخراج قد كشف عن أساسات المالية العامة في الدولة الإسلامية وقواعدها، وفصَّل محمد بن الحسن في السير الكبير في بيان أصول العلاقات السياسية والعسكرية الخارجية للدولة المسلمة، فإن الماوردي -في أحكامه السلطانية- يعد أبا الدستور الداخلي للنظام السياسي الإسلامي، والذي وصله بالخارج في مهام الحماية والأمن والجهاد. وقد حاول الجويني (478هـ) فيما بعد إعادة إنتاج هذا الدستور بطريقة أقرب إلى طريقة الأصوليين؛ بالتركيز على كليات الأحكام وقواعدها العريضة التي تمكِّن الحكام والساسة وقادة الشأن العام من الاجتهاد تحت مظلتها، ومن الواضح أنه كان يطل على ما كتبه الماوردي مدركًا اختلاف الطريقتين. ومما يذكر في هذا أن الجويني نقم على الماوردي ولمزه أكثر من مرة خاصة في اجتهاد الماوردي وتجويزه تولية الذميين وزارة التنفيذ.

ورغم سعة الكتابة الفقهية في السياسة، فإن أكثرها مال إلى العناية بجانب من جوانبها أو وظيفة من وظائفها، كالحسبة والقضاء والجهاد وقسمة الأموال، كما أن كثيرا منها اتخذ صورة الرسائل المختصرة إلى الأمراء والولاة. وتعد رسالة الشيخ ابن تيمية (728هـ) “السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية” من أبدع ما كتب في هذه الصورة وأجمعه، وتعد بيانًا موجزًا لما ورد في أحكام الماوردي، لكنها تتميز عما سبقها بمزية مهمة اتسم بها ابن تيمية ومدرسته؛ ألا وهي الميل إلى التأسيس للنظرية السياسية العامة من الكتاب والسُّنة مباشرة، ثم التدليل على ما يورده من الجزئيات أيضا بالكتاب والسُّنة وأقوال المتقدمين من السلف. وعلى أثره كتب تلميذه ابن القيم “الطرق الحكمية في السياسة الشرعية”.

ثالثاً: المدخل الأخلاقي (الطرطوشي في سراج الملوك نموذجا).

هو المدخل الأخلاقي، أو أدب النصيحة، أو المدخل القيمي النصحي، أو مرايا الأمراء. يمثل المعلَم الثاني من معالم الفكر السياسي الإسلامي، حتى لقد اعتبره بعض الدارسين جماع هذا الفكر ومحوره. وهو صنف من الكتابة ينطلق من قول النبي (صلى الله عليه وسلم): “الدين النصيحة. قلنا لمن؟ قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم”-رواه مسلم عن تميم الداري. فقد اعتنى مفكرو الإسلام وعلماؤه بتوجيه النصيحة إلى الملوك والسلاطين والأمراء، وكثرت الكتب التي جاءت تحت عناوين النصيحة. ولم يكن كتَبة هذا الأدب فقط مثقفين أدباء يجيدون صنعة القول والكتابة وحسب، بل كانوا علماء دين وفقهاء شريعة في نفس الوقت؛ ومن ثم تجد تداخلاً وتماسكًا واضحًا بين هذا المدخل وسابقه. فمن يطالع مصادر أدب النصيحة ومصادر المدخل السابق (الفقهي) يجد أن الفقه هو النصيحة وأن النصيحة هي الفقه. ومن ثم فلن نعدم في الخطاب الأخلاقي النصيحي استكمالاً لأطراف من أمور الفقه السياسي.

ومن هذا المدخل كتابات عديدة مثل التاج في أخلاق الملوك للجاحظ، وكتاب السلطان لابن قتيبة الدينوري، وآداب الملوك للثعالبي، ونصيحة الملوك المنسوب للماوردي وأدب الدين والدنيا، وتسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك وسياسة الملك له، والذهب المسبوك في وعظ الملوك للحميدي، والإشارة في تدبير الإمارة للمرادي، ولأبي حامد الغزالي: التبر المسبوك في نصيحة الملوك، وفصل الحلال والحرام من إحياء علوم الدين له، وسراج الملوك للطرطوشي، والرسالة الحمدونية لابن حمدون، والشفاء في مواعظ الملوك والخلفاء لابن الجوزي، والعقد الفريد للملك السعيد لابن طلحة القرشي.

ونقف أمام الطرطوشي (520هـ) وكتابه سراج الملوك. فالطرطوشي هو أبو بكر محمد ابن الوليد الفهري فقيه سلفي صوفي، اجتمعت فيه شروط أديب النصيحة بامتياز: من العلم، والورع، والزهد، والشجاعة، والبلاغة(1 )، وكتابه عمدة في بابه، وهو أكثر استغراقًا من غيره في النصح السياسي، والعناية بالحقوق والتحريج فيها إلى درجة التوسع في النقل للآثار المرسلة والضعيفة لكنها معقولة المعنى مستساغة المبنى. ويمكن أن يعد الطرطوشي من أهم مؤسسي علم نفس السلطة، ولكن جهده هذا لمَّا يُخدم الخدمةَ المناسبة بعدُ. فهذا الخطاب يعد من أصول علم النفس السياسي الذي أُهملت صيغته الأخلاقية لصالح الصياغة الوضعية الحديثة الخالية من التوجيه والمواجهة، والتي لا ترى من السياسة إلا معملاً لإثبات قضايا نظرية لا علاقة لها بالواقع ومتطلبات إصلاحه.

والطرطوشي في كتابه هذا يحيل الأخلاق السياسية إلى علم له مبادئه ومعالمه، ونظرياته ونماذجه الوصفية والتفسيرية والنقدية، فيما لا يتسع المقام لبسطه. ويحسن إيراد نموذج من هذا الأدب يبين طريقته وخصائصه. يقول الطرطوشي: “الباب السابع والثلاثون: في بيان الخصلة التي فيها ملجأ الملوك عند الشدائد ومعقل السلاطين عند اضطراب الأمور وتغيير الوجوه والأحوال:

أيها الملك إذا اعتجلت الأمور في صدرك واضطربت عليك القواعد، ومرجت في قلبك وجوه الآراء وتنكرت عليك المعارف، واكفهر لك وجه الزمان ورأيت آثار الغير، فلا تغلبنك خصلتان: اترك للناس دينهم ودنياهم ولك الزمان من طوارق الحدثان وما يأتي به الملوان؛ فقد ترى أن المأمون قال في آخر موافقته مع أخيه الأمين: قد نفذت الأموال وألحت الأجناد في طلب الأرزاق فقال المأمون: بقيت لأخي خصلة لو فعلها ملك موضع قدمي هاتين قيل له: وما هي؟ فقال: والله إني لأضن بها على نفسي فكيف على غيري؟ فلما خلص له الأمر سئل عن تلك الخصلة فقال: لو أن الأمين نادى في جميع بلاده أنه قد حط الخراجات والوظائف السلطانية وسائر الجبايات عشر سنين، ملك علي ولكن الله غالب على أمره. …  ودخل تحت هذه الترجمة أمر اتفق عليه حكماء العرب والروم والفرس والهند وهو أن يصطنع وجوه كل قبيلة والمقدمين من كل عشيرة، ويحسن إلى حملة القرآن وحفظة الشريعة ويدني مجالسهم، ويقرب الصالحين والمتزهدين وكل مستمسك بعروة الدين. وكذلك يفعل بالأشراف من كل قبيلة والرؤساء المتبوعين من كل نمط، فهؤلاء هم أزمة الخلق وبهم يملك من سواهم. فمن كمال السياسة والرياسة أن يبقى على كل ذي رياسة رياسته وعلى كل ذي عز عزه وعلى كل ذي منزلة منزلته، فحينئذ تكون لك الرؤساء أعوانًا، ومن دانت له الفضلاء من كل قبيلة فأخلق به أن يدوم سلطانه، والعامة والأتباع دون مقدميهم وساداتهم أجساد بلا رؤوس، وأشباح بلا أرواح. …”(2 ).

ويقتبس الطرطوشي في مواضعَ من كتب الماوردي وغيره؛ بما ينم عن سمة التراكم والتواصل في هذا التراث السياسي. ثم إن في هذا النص التنبيه على أن الحقوق لا تستوفى عادة عبر علاقة صماء بين الفرد والدولة، فبينهما هيئات وسيطة يمثلها قادة الرأي والحركة في المجتمع، وهو المجتمع الأهلي الذي أرساه المسلمون وعاشوا به زمنًا طويلاً.

وفي المدخل النصيحي ما يشبه التودد المصلحي واصطناع المعروف من الدولة إلى العامة، ليس على سبيل الرشوة السياسية بل من باب إحقاق الحقوق وتأليف القلوب لكي تستقر الدولة وتستكمل السياسة والرياسة، وأن يراعى في ذلك الوصول إلى “المواطنين” عبر القنوات التي يألفونها، لا أن يلغي المعهود لصالح انفراد استبدادي أو تجديد موهوم، على نحو ما تم في أنظمة حديثة باسم التنمية والتحديث والإصلاح الهيكلي.

ومن ثم يشير الطرطوشي إلى أن السلطة ليست فردًا وإن بدت هكذا. فالسلطان بالأعوان والمقربين مقتدٍ ومتأثر. ومن ثم فإن نوعية هذه النخبة وأخلاقيتها والتزامها قيم العدل والحق والصلاح يمثل شرطًا ضروريًّا لكي تجد الحقوق الإنسانية المتعلقة بالأفراد سبيلها إلى النفاذ والتحقق. كما أن هؤلاء القادة المتبوعين يتوجه إليه خطاب بأن يتحملوا مسئوليتهم في تحقيق الاتصال الفعّال بين السلطات وعامة الناس، وأن يكونوا عن الضعفاء مدافعين، وللمظلومين منتصفين، وللسلطان والمتنفذين ناصحين. لعل أحدًا يمكن أن يصل بين هذا المفهوم الشائع في أدب النصيحة وفي بعض الفقه من أهمية السياق المحيط بالسلطة وأصحابها في عمليات الإصلاح والتوجيه والتأثير الإيجابي على صانعي القرار على نحو ما قد يرام من الأحزاب السياسية والنقابات وما يسمى جماعات المصالح.

ثم يقول: “الباب التاسع والثلاثون في مثل السلطان العادل والجائر:  مثل السلطان العادل مثل الياقوتة النفيسة الرقيعة في وسط العقد، ومثل الرعية مثل سائر الشذر فلا تلحظ العيون إلا الواسطة، وأول ما يبصر المبصرون وينقد الناقدون الواسطة، وإنما يثنى المثنون على الواسطة، وكلما حسنت الواسطة غمرت سائر الشذر فلا يكاد يذكر؛ … ومثل السلطان الجائر مثل الشوكة في الرجل، فصاحبها تحت ألم وقلق ويتداعى لها سائر الجسد، ولا يزال صاحبها يروم قلعها ويستعين وبما في ميسوره من الآلات والمناقيش والإبر على إخراجها، لأنها في غير موضعها الطبيعي ويوشك أن يقلع بالأجرة، فأين غرر الياقوت من شوك القتاد؟ …”(3 ). والمهم في هذا المقام هو استعمال أدب النصيحة مفهوم “المثل” المقابل لمفهوم “النموذج” في العلوم الإنسانية الحديثة، مع الاعتراف بالفارق، لكنه وسيلة لإجمال المعرفة إجمالاً مفيدًا وتجسيدها للنظار والناظرين. ومن ثم فإن استعمال الرمز والمثل والقصة من مقويات الخطاب السياسي المتوجه إلى النفوس وجوانياتها؛ بغية إعانة الإنسان على نفسه قبل أي شيء. وها هنا بدا خطاب النصيحة يتحرك في مساحة يهدرها الخطاب السياسي المعاصر، رغم أهميتها. تتعلق بالتربية والتنشئة السياسية والتعليم والتأهيل المعنوي للساسة وأرباب المناصب؟

ينهض هذا الخطاب الأخلاقي بالتالي بدور التمهيد اللازم لثقافة سياسية فاعلة، وترسيخها في أعماق النفوس، كأن الطرطوشي يضيف إلى وجوب المعرفة العميقة والالتزام الشرعي والتراحمية التي تؤسسها التعاليم الفلسفية والفقهية والأخلاقية (المداخل الثلاثة) ضرورة أن تصبح هذه الأمور حالاً دائمة لإنسان هذه الدولة، وأن يجاهد نفسه ألا تنفلت من بين ضلوعه معاني المراقبة والمحاسبة والمسئولية أمام الله تعالى قبل الخلق (أو بالتعبير المعاصر: قبل المواطنين). وهو أمر يجب أن يكتنف دعوات الإصلاح التي تتسابق إليه الدول النامية اليوم تحت راية الإصلاح الديمقراطي، باعتباره مناخًا إنسانيًّا واجبًا قبل أن يكون “مقررًا دراسيًّا” في سياق الوضع التعليمي الراهن غير المحفز.

ومما يشار إليه في هذا الصدد أن الطرطوشي أهدى هذا الكتاب إلى المأمون بن البطائحي الذي أخرجه من السجن بعد وفاة الأفضل بن بدر الجمالي الذي كان قد اضطهده وحبسه؛ مميزًا بذلك بين إسداء النصيحة العالمة الصادقة وبين الاكتفاء بتملق السلطان ومديحه. ومن ثم فلم يكن هذا النمط من الخطاب من باب الوعظ غير المؤثر بل الأقرب أنه إعمالٌ للكلمة في مخاطبة “النفس” التي تحكم الناس والتي تعارك السياسة.

رابعاً: المدخل العمراني (ابن خلدون في مقدمته)

ابن خلدون (ت808هـ) هو عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد الحضرمي الأشبيلي التونسي المولد، ثم القاهري، المالكي، عالم أديب مؤرخ حكيم. ولي كتابة السر في فاس ورحل إلى غرناطة وبجاية في الأندلس، واعتقل، وتقلبت به الأحوال إلى أن رجع إلى تونس فأكرمه سلطانها ثم وشي به عنده، ففر إلى الشرق، وولي قضاء المالكية بالقاهرة، وكان ممن رافق العسكر إلى تيمور لنك وتوفي بالقاهرة. وقد اشتهر بمقدمته.

وفي المجال السياسي اتخذ ابن خلدون طريقةً متميزة تبدأ من المؤرخ، وتمر بالفقيه والأديب، لكنه يتجه إلى وجهة أخرى؛ وهي: بيان النواميس الاجتماعية والسياسية التي تحكم الكثير من ظواهر هذا الميدان. يمكن أن يقرب ذلك من التفلسف السياسي لاشتراكهما في النظر العميق في الواقع العام والبحث عما وراء الأحداث من عللٍ ومناطات تفسر الواقع وتستشرف المتوقع، وتؤسس للحكمة السياسية. بيد أن الحكمة التي ينشدها ابن خلدون تتميز بالخاصّة العملية على خلاف الحكمة النظرية التي رأينا الفارابي يمهد أرضيتها.

والحكمة العملية الخلدونية مشربة بخصائص التراث السياسي الإسلامي العامة من: القيمية، والغائية، والعملية، والواقعية، المرتبطة بالمصدر الموحى ومنهجية فهمه.

تلفت القراءة الأولية لمقدمة ابن خلدون الانتباه إلى أن مفهومه للإنسان لا يقتصر على المسلم، وإن لم يجرده من الدينية مطلقًا، لكنه ركز على صفات عامة لا تتعلق غالبًا بالفرد بقدر ما تتصل بالجماعة والدول والطور التاريخي والحضاري الذي تمر به من جهة والظروف المادية والمعنوية التي تحيط بهذه الجماعة وتأثير ذلك على علاقات عناصرها، وعمليات الأخذ والعطاء المتبادلة بينهم، لا سيما العلاقة بين الراعي وأرباب الملك من جهة والرعية وأرباب الصنائع والمعايش من جهة أخرى، بالإضافة إلى علاقة الأمة برمتها حضاريًّا بالأمم المتصلة بها.

وابن خلدون من ثم يتميز بحكاية الحال لا فقط الدعوة إلى المثال. فمنطلقه التاريخي، وغايته التقنينية (السُّننية) تجعلنا أمام حالة علمية منهجية متميزة، تبتعد كثيرًا عن الصبغة القانونية الإنشائية (الآمرة الناهية)، وتقترب كثيرًا من الخطاب الوضعي في العلم الإنساني الحديث، مع الفارق الشديد المتعلق بالمرجعية.

ينطلق ابن خلدون من معرفة فقهية عميقة نحو معارف واقعية منشودة: “…لما تبين أن حقيقة الخلافة نيابة عن صاحب الشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا، فصاحب الشرع متصرف في الأمرين: أما في الدين فبمقتضى التكاليف الشرعية التي هو مأمور بتبليغها وحمل الناس عليها، وأما سياسة الدنيا فبمقتضي رعايته لمصالحهم في العمران البشري. وقد قدمنا أن هذا العمران ضروري للبشر وأن رعاية مصالحه كذلك، لئلا يفسد إن أهملت، وقدمنا أن الملك وسطوته كاف في حصول هذه المصالح. نعم إنما تكون أكمل إذا كانت بالأحكام الشرعية لأنه أعلم بهذه المصالح. فقد صار الملك يندرج تحت الخلافة إذا كان إسلاميًّا ويكون من توابعها. وقد ينفرد إذا كان في غير الملة. وله على كل حال مراتب خادمة ووظائف تابعة تتعين خططًا، وتتوزع على رجال الدولة وظائفَ، فيقوم كل واحد بوظيفته حسبما يعينه الملك الذي تكون يده عالية عليهم، فيتم بذلك أمره، ويحسن قيامه بسلطانه. وأما المنصب الخلافي (من الخلافة) وإن كان الملك يندرج تحته بهذا الاعتبار الذي ذكرناه فتصرفه الديني يختص بخطط ومراتب لا تعرف إلا للخلفاء الإسلاميين”(4 ).

ومن هذا المدخل يميز بين الوظائف الخلافية (من الخلافة) أي التي هي مقتضى الطلب الشرعي وبين الوظائف (الملكية) التي استحدثها الملوك والسلاطين غير العالِمين بالأحكام: سياسةً وتحقيقًا لمقاصد رأوها، وفرضها عليهم تطور العمران والاجتماع البشري. وبناء عليه يتجاوز ابن خلدون حديث الأحكام المتعلقة بالعدالة(5 ) واستيفاء الحقوق العامة ومؤسساتها –وهو الفقيه القاضي المالكي المستوعب لها- ليتتبع قصة تطور هذه المؤسسات في التاريخ الإسلامي حتى وقته هو؛ بما يبين كيف كانت الأمور تتراوح بين صعود وهبوط، كما تتراوح بين خلافة على المنهاج، وسلطنة ومُلك حين تكون السياسة عقلية مستقلة عن الاستهداء بالوحي. فيقول عن القاضي: “وأما أحكام هذا المنصب وشروطه فمعروفة في كتب الفقه، وخصوصا كتب الأحكام السلطانية. إلا أن القاضي إنما كان له في عصر الخلفاء الفصل بين الخصوم فقط، ثم دفع لهم بعد ذلك أمور أخرى على التدريج بحسب اشتغال الخلفاء والملوك بالسياسة الكبرى. واستقر منصب القضاء آخر الأمر على أنه يجمع مع الفصل بين الخصوم استيفاء بعض الحقوق العامة للمسلمين بالنظر في أموال المحجور عليهم من المجانين واليتامى والمفلسين وأهل السفه، وفي وصايا المسلمين وأوقافهم وتزويج الأيامى عند فقد الأولياء على رأي من رآه، والنظر في مصالح الطرقات والأبنية وتصفح الشهود والأمناء والنواب، واستيفاء العلم والخبرة فيهم، بالعدالة والجرح ليحصل له الوثوق بهم، وصارت هذه كلها من تعلقات وظيفته وتوابع ولايته.وقد كان الخلفاء من قبل يجعلون للقاضي النظر في “المظالم”، وهي وظيفة ممتزجة، من سطوة السلطنة ونصفة القضاء. وتحتاج إلى علو يد وعظيم رهبة تقمع الظالم من الخصمين، وتزجر المعتدي وكأنه يمضي ما عجز القضاة أو غيرهم عن إمضائه. ويكون نظره في البينات والتقرير واعتماد الأمارات والقرائن، وتأخير الحكم إلى استجلاء الحق، وحمل الخصمين على الصلح، واستحلاف الشهود وذلك أوسع من نظر القاضي. …”(6 ).

وبالمثل يتحدث عن هيئة الشرطة والحسبة وديوان المظالم وغيرها؛ ليوضح أن تطور إعمال العدالة قد ارتبط بطبائع أهل كل زمان، وسعي الساسة لمواكبة المستجدات ووصلها بما كان، فانتقلوا من الفصل القضائي العادي بالبينة التي هي الشهود وبالأيمان، إلى نظر المظالم بإجراءات مزيدة في الزجر وطلب المزيد من الأدلة وتمحيصها، ثم إلى العقوبات الزاجرة حتى قبل ثبوت الجرائم.

ومن ثم فالقوانين التي يعنى بها ابن خلدون في فهم الدول السلطانية والملوكية التي أخذت من تاريخ المسلمين أكثر قرونه، ليست القوانين الشرعية والمسالك الاتباعية، إنما هي قوانين العمران وسنن الملك العادية التي محلها الواقع لا النص. كأننا أمام أوجست كونت أو دوركايم، أو كأنهما من أحفاد هذا المنطق. لكن الحقيقة أن ابن خلدون يعود في مقامات عديدة ولا يجعل منطقه التكويني هذا أحاديًّا، بل يجدل على حبل واقعيته حبل القيم والمقاصد ولا يعرضها مفصولة تمامًا عن هذا المنطق. ومن أهم المواضع التي برز فيها هذا الوصل اللطيف: قضية العدل والظلم وعلاقتها بالعمران. ونرى فيها كيف يصطلح العلامة ابن خلدون مع كل من الفقهاء والنصحاء وأدبهم، وكيف يُبدع رؤيته العبقرية الجامعة بين تمحيص ما هو جارٍ على حكم السنن، وإعمال ما واجب الاتباع من الآيات والسنن. يقول:

“الفصل الثالث والأربعون: في أن الظلم مؤذن بخراب العمران: اعلم أن العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها، لما يرونه حينئذ من أن غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم. وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك. وعلى قدر الاعتداء ونسبته يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب، فإذا كان الاعتداء كثيرا عاما في جميع أبواب المعاش كان القعود عن الكسب كذلك لذهابه بالآمال جملة بدخوله من جميع أبوابها. وإن كان الاعتداء يسيرًا كان الانقباض عن الكسب على نسبته. والعمران ووفوره ونفاق أسواقه إنما هو بالأعمال وسعي الناس في المصالح والمكاسب ذاهبين وجائين. فإذا قعد الناس عن المعاش وانقبضت أيديهم عن المكاسب كسدت أسواق العمران، وانتقضت الأحوال وأبذع الناس في الآفاق من غير تلك الإيالة في طلب الرزق فيما خرج عن نطاقها، فخف ساكن القطر، وخلت دياره، وخربت أمصاره، واختل باختلاله حال الدولة والسلطان، لما أنها صورة للعمران تفسد بفساد مادتها ضرورة.

… ولا تحسبن الظلم إنما هو أخذ المال أو الملك من يد مالكه من غير عوض ولا سبب كما هو المشهور، بل الظلم أعم من ذلك. وكل من أخذ ملك أحد أو غصبه في عمله أو طالبه بغير حق أو فرض عليه حقًا لم يفرضه الشرع فقد ظلمه. فجباة الأموال بغير حقها ظلمة، والمعتدون عليها ظلمة، والمنتهبون لها ظلمة، والمانعون لحقوق الناس ظلمة، وغصاب الأملاك على العموم ظلمة، ووبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران الذي هو مادتها لإذهابه الأمال من أهله.

واعلم أن هذه هي الحكمة المقصودة للشارع في تحريم الظلم، وهو ما ينشأ عنه من فساد العمران وخرابه، وذلك مؤذن بانقطاع النوع البشري، وهي الحكمة العامة المراعية للشرع في جميع مقاصده الضرورية الخمسة، من حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. فلما كان الظلم كما رأيت مؤذنا بانقطاع النوع لما أدى إليه من تخريب العمران، كانت حكمة الحظر فيه موجودة، فكان تحريمه مهما. وأدلته من القرآن والسنة كثيرة أكثر من أن يأخذها قانون الضبط والحصر” (7 ).

إن العدوان على حقوق أعضاء الدولة إنما هو إيذان بخراب ينال العمران: الدولة والسلطان، والمجتمع والاقتصاد وبينها خراب الهيئات النفسيانية على نحو ما أوضح الفارابي من قبل (وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك).

والفقيه الحضاري يتنبه لكليات السياسة وما يعرض للأمة برمتها من عوارض الخراب التدريجي من خلال متابعته لما يجري على الكليات الخمس الضرورية بمعانيها الواسعة من تغيرات وتخريبات، وبما يلاحظه من انخرام المقاصد الأساسية بانتقاض وسائلها ومؤسساتها وأشخاصها، وبتدهور القيم التي تحوطها والتي تدفعها إلى مرامها. والفقيه بالشرع والأحكام هو الذي يفصل فيها ويبين ما أصاب جزئياتها الدقيقة من خلل، ويتابع الحوادث التفصيلية بالتحليل والتحريم؛ حتى إذا قدر للعمران أن يتعافى، كان ذلك بطاعة الدولة للفقيهين الناصحيْن.

لكن معضلة الإنسان والسياسة والحقوق الحائرة بينهما أن الظلم لا يقدر على منعه أو دفعه أو رفعه إلا الذين هم أقدر على إيقاعه؛ لأنه إنما يقع من أهل القدرة والسلطان. ولو كان كل واحد قادرا عليه لوضع بإزائه من العقوبات الزاجرة ما وضع بإزاء غيره من المفسدات للنوع، التي يقدر كل أحد على اقترافها من الزنا والقتل والسكر. إلا أن الظلم لا يقدر عليه إلا من يقدر عليه، لأنه إنما يقع من أهل القدرة والسلطان، فبولغ في ذمه وتكرير الوعيد فيه، عسى أن يكون الوازع فيه للقادر عليه في نفسه. “وما ربك بظلام للعبيد”.

وبذا تتجمع المياه من الروافد الأربعة في مصب واحد، وتتجلى عند ابن خلدون الجامعية التراثية في تناول قضية السياسة والدولة (بأصولها وهويتها وبقيمها وغائيتها وأحكامها ومرجعيتها) والحقوق والواجبات برؤيتها التبادلية التراحمية.

خلاصة:

وبعد، فلقد اصطلحت المداخل الأربعة في الفكر السياسي الإسلامي مع نفسها في بناء رؤية مركبة عن المجال السياسي، مع ما تميز به كل منها من طريقة في الأداء، وتحاورت جميعها مع النص والواقع والعقل. ولا شك أن هذا العرض التراثي له أصداء في كهود التجدد الحضاري الراهنة بعامة وفي العلوم السياسية بخاصة. فدارس السياسة والسياسي ورجل الدولة المعاصرون يتعلم كل منهم من هذا الفكر كيف ينعم النظر فيما ينطلق منه من هوية، وما يحيطه من فلسفة وتصور وعقيدة، وما يوجهه من مرجعية، وما يتأسس عليه من منهجية، وما يحمله من قيم ، وما يتغياه  من مقاصد، وما يعيه من سُنن، وما يمثله من حضارة ومن أمة ومن تاريخ وتراث، وما يعاركه من واقع حاضر داخل الأوطان وخارجها (8 ).

——————-

الهامش

1 – يقول عنه ابن خلكان في وفيات الأعيان: (وكان إماما عالما عاملا زاهدا ورعا دينا متواضعا متقشفا متقللا من الدنيا راضيا منها باليسير وكان يقول: وإذا عرض لك أمران أمر دنيا وأمر أخرى فبادر بأمر الأخرى يحصل لك أمر الدنيا والأخرى … ولما دخل على الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش … بسط مئزرا كان معه وجلس عليه، وكان إلى جانب الأفضل رجل نصراني فوعظ الفضل حتى بكى وأنشد (يا ذا الذي طاعته قربة * وحقه مفترض واجب) (إن الذي شرفت من أجله * يزعم هذا أنه كاذب)، وأشار إلى النصراني فأقام الأفضل من موضعه، وكان الفضل قد أنزل الشيخ في مسجد شقيق الملك بالقرب من الرصد، وكان يكرهه فلما طال مقامه به ضجر، وقال لخادمه إلى متى نصبر؟ اجمع لي المباح، فجمع له فأكله ثلاثة أيام، فلما كان عند صلاة المغرب قال لخادمه: رميته الساعة. فلما كان من الغد ركب الأفضل فقتل، وولي بعده المأمون بن البطائحي، فأكرم الشيخ إكرامًا كثيرًا وصنف له كتاب سراج الهدى وهو حسن في بابه، وله من التصانيف سراج الملوك، وكتاب بر الوالدين، وكتاب الفتن، وغير ذلك، وله طريقة في الخلاف).

2 – أبو بكر محمد بن الوليد الفهري الطرطوشي، سراج الملوك، حققه وضبطه وعلق عليه ووضع فهارسه محمد فتحي أبو بكر، تقديم د. شوقي ضيف، المجلد الثاني، (القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، ط1، 1414هـ/1994م)، ص ص 454-457.

3 – المرجع السابق، ص ص 460-461.

4 – عبد الرحمن ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، تحقيق حامد أحمد طاهر، (القاهرة: دار الفجر للتراث، ط1، 1425هـ/2004م)، ص 276.

5 – للعدالة عند ابن خلدون مدلول خاص باعتبارها مصطلحًا، فيقول: ” العدالة: وهي وظيفة دينية تابعة للقضاء ومن مواد تصريفه. وحقيقة هذه الوظيفة القيام عن إذن القاضي بالشهادة بين الناس فيما لهم وعليهم، تحملا عند الإشهاد وأداء عند التنازع، وكتبا في السجلات تحفظ به حقوق الناس وأملاكهم وديونهم وسائر معاملاتهم..”، ص ص 282 – 283.

6 – المرجع السابق، ص ص 279-280.

7 – نفسه، ص ص 351 – 353.

8 الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *