دراساتعلاقات مدنية عسكرية

مدخل لقراءة العلاقات المدنية العسكرية فى مصر

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تمهيد

لا يختلف اثنان من الدارسين للعلوم السياسية أن المؤسسة العسكرية فى أى بلد هى إحدى مؤسساته التنفيذية التى تخضع لرأس السلطة التنيفيدية باختلاف توصيفاته وفقا للنظم السياسية السائدة (رئيس –ملك –أمير –رئيس وزراء)، يمتكلها الشعب وينفق عليها من ضرائبه وتخضع لرئيس الجمهورية المنتخب الذى يخول إليه تعيين قادتها وعزلهم، وتراقب من الرئيس و البرلمان، وتقتصر وظيفتها على حماية الحدود والتسليح والأمن الخارجى ويحرم عليها ممارسة النشاط السياسى، وإن كانت ممارستها لبعض الأنشطة الاقتصادية مسألة مختلف فيها بشرط الشفافية والرقابة. وعلى هذا جرى وصف تدخلها فى الشأن السياسى والسيطرة على الحكم بالانقلاب العسكرى(military coup) أو انقلاب دولة بالفرنسية coup d’etat بما يعنى أن جزء من الدولة انقلب عليها واستولى على الحكم، ومن ثم تظل فى هذه الحالة المنقلبة إلى حين عودة المؤسسة العسكرية لثكناته مرة أخرى.

ويبدو ملف العلاقات المدنية العسكرية أحد أهم ملفات الثورة المصرية المهمشة التى لم يتم دراستها وتحليلها بعناية لأسباب كثيرة أهمها انشغال شركاء الميدان بالمعارك السياسية الجانبية التى ساهمت المؤسسة العسكرية فى نصب شباكها واستدرجت الجميع للوقوع فيها واحدا تلو الآخر، مما أتاح لملف المؤسسة العسكرية الفرصة للتضخم شيئا فشئيا على سهو متعمد من كل القوى السياسية، إلى أن انفجر فى وجه الجميع ووصل إلى ذورة الإنفجار فى انقلاب عسكرى مفاجىء فى 3 يوليو 2013.

انفجرت نواة الملف ثم بدأت عملية انشطار النواة منذ ذلك التاريخ ولا زلنا نعايش آثار عملية الانفجار وانشطاراتها المتوالية على مدار العامين الماضيين تحديدا، بحيث أصبح تفسير المشهد المصرى عصيا على الفهم من أى مدخل آخر بخلاف ملف المدنى والعسكرى، فقد صارت المؤسسة العسكرية اللاعب الرئيسى فى المشهد على الأقل منذ الإنقلاب. لكن يبقى تفسير ما حدث مهمشا فى تحليل ما يجرى؟ نعرف جميعا كيف حدث الإنقلاب، لكننا لم نهتم بالقدر الكافى بتفسير أسباب الانقلاب ذاته؟ لماذا قام الجيش بالإنقلاب؟

ما الدوافع الحقيقية التى جعلته يتربص بالرئيس وينقلب عليه؟ هل هى دوافع سياسية أم فكرية أم اقتصادية أم خارجية واقليمية؟

تبدو الإجابة على هذا السؤال صعبة إذا حاولنا الاختيار من بين هذه الدوافع، لأن الموضوع مركب إلى أبعد الحدود ويتداخل فيه السياسى مع الفكرى مع الاقتصادى مع الخارجى. . ألخ ومن ثم فمحاولة التفسير من خلال دافع واحد لن تكون مفيدة وستعجز عن تفسير ظواهر أخرى مرتبطة بالحدث، كما تبدو الإجابة صعبة أيضا إذا حاولنا التفسير من لحظة وقوع الإنقلاب أو ما قبله بأسابيع أو شهور، لكنها ستكون سهلة إذا حاولنا تتبع سلوك المؤسسة العسكرية منذ ثورة يناير وحتى الآن، والذى يكشف عن نمط متكرر مفاده أن المؤسسة العسكرية ترفض (عمليا وليس نظريا) توصيفها كمؤسسة من مؤسسات الدولة تخضع لرأس السلطة التنفيذية وتحاول دائما الحفاظ على وضع مستقل بشكل أو بآخر، هذا الوضع أخذ شكل اللوبى أو منطقة نفوذ داخل الدولة (الفترة الانتقالية الاولى وحتى عهد مرسى) وتطور إلى وضع الدولة فوق الدولة أو مؤسسة تحكم دولة بعد الانقلاب.

نحاول فى هذه الورقة رصد مظاهر تنامى النزعة الاستقلالية للمؤسسة العسكرية منذ الثورة وحتى الإنقلاب. من خلال مجموعة المقولات التفسيرية وبعض الفرضيات والتساؤلات:

أولا: الفرضية العامة:

إصرار المؤسسة العسكرية على التمسك بوضعية الاستقلال المالى والاقتصادى والتشريعى والرقابى يؤثر بشكل كارثى على الوظيفة الأساسية للجيش ويجعل أى حاكم مدنى لمصر فى عملية صراع تلقائية مع الجيش ان لم يكن مقرا لوضع الجيش كما يريده قادته.

ثانيا: المقولات التفسيرية:

• إسألو المقاولين: عبارة استشهد بها السيسى فى احدى خطاباته على أمانته ونزاهته فى الحفاظ على المال العام. وهى عبارة تشكل مدخلا تفسيريا لفهم تغير وظائف الجيش خلال الثلاثين عاما الماضية.

• عندنا سابق خبرة ل 25 عام: عبارة وردت على لسان وزير الانتاج الحربى الحالى أثناء التوقيع على عقد تنفيذ 5 محطات صرف صحى. استشهد الوزير بهذه العبارة للتدليل على جدارة الوزارة فى القيام بهذا العمل(محطات الصرف الصحى ). . . وهذه العبارة يمكن أيضا استخدامها كمقولة تفسيرية لفهم وظائف الجيش خلال الثلاثين عاما الماضية

• ده عرق الجيش وسنقاتل: عبارة وردت على لسان مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية للرد على المطالبين باخضاع مشروعات الجيش للرقابة المدنية. وهى عبارة يمكن استخدامها كمقولة تفسيرية لفهم وجهة نظر العسكريين فى وضع المؤسسة العسكرية عموما، وهل هى مؤسسة داخل الدولة أم مستقلة عنها؟

• ماينفعش بعد السنين دى كلها: عبارة وردت فى تسريب للسيسى يطالب فيها بتحصين وضع المؤسسة العسكرية لمدة 15 عام. ويمكن استخدامها كمدخل لفهم رفضهم الانصياع لأى سلطة تنفيذية

•حرب اكتوبر آخر الحروب: مقولة للسادات يمكن استخدامها فى تفسير تغير وظائف الجيش بعد حرب اكتوبر ومعاهدة السلام. . . . يمكن استخدامها أيضا لفهم تغير وظائف الجيش ولماذا أنشأ جهاز مشروعات الخدمة الوطنية.

•99% من أوراق اللعبة فى يد أمريكا: مقولة للسادت يمكن استخدامها فى تفسير المعونة العسكرية الامريكية وتغير العقيدة القتالية للجيش. ويمكن استخدامها لفهم التقارب المصرى الامريكى على مدار الثلاثين عاما وصولا إلى حالة التبعية الكاملة

• ده غيره عشان يصلى معانا كان بيفكر سنة قبلها: عبارة قالها عبد الفتاح السيسى فى حوار مع جريدة المصرى اليوم تندرا منه على قرار الرئيس مرسى اقالة قيادات الجيش. وهذا العبارة يمكن استخدامها لقراءة الصورة الذهنية لقادة الجيش عموما للرئيس مرسى أو أى رئيس من خارج المؤسسة وهو ما يفسر كثيرا من مواقفهم.

•الاستقلال فى المكان: مقولة استوحاها الباحث من احدى التدريبات العسكرية “الجرى فى المكان “، لفهم نوعية الاستقلال الذى تريده المؤسسة العسكرية، استقلال فى المكان.

•الاستقلال بالمكان: مقولة صاغها الباحث لتفسير سلوك الجيش منذ الإنقلاب والتوغل فى المساحة السياسية والاقتصادية والأمنية والتشريعية.

المحور الأول:

وضع المؤسسة العسكرية قبل الثورة (كيف تكونت وضعية الإستقلال)

قد يصدم القارىء من حقيقة تاريخية تم تهميشها لعقود أو تم سردها بشكل منفصل، وهى أن التاريخ السياسى لمصر المعاصرة ما هو إلا انعكاس لتاريخ المؤسسة العسكرية وتحولاتها، بما يعنى أن وضع الجيش فى كل مرحلة كان حاسما فى رسم معالم الحياة السياسية فيها، وهو ما يعنى أيضا أن كل ما يجرى حاليا ما هو إلا امتداد لتاريخ ليس بالطويل لكننا لم نقرأه ولم نعى ما فيه من نتائج. فالدور السياسى للجيش كان ولا يزال حاضرا وبقوة منذ أن بدأ محمد على باشا إنشاء الجيش المصرى والتمرد على الدولة العثمانية، مرورا بما عرف بثورة 1952وسيطرة تنظيم الضباط الأحرار على الحكم وما تلاه من أحداث متعلقة بالانقلاب على محمد نجيب وسيطرة عبد الناصر وما تلاها من صراعات بين الضباط الاحرار وصلت إلى محاولة عبد الحكيم عامر الإنقلاب على عبد الناصر، وصولا إلى السادات ومحاولة الانقلاب عليه فى 15 مايو 71 ثم اغتياله من داخل الجيش ثم تولى مبارك واستمراره فى حكم البلاد لأكثر من ثلاثين عاما وصولا لثورة يناير 2011 وعودة الجيش للحكم مرة أخرى ثم التخلى عن الحكم لعام ثم عودته مرة أخرى بشكل أكثر دموية فى انقلاب 3 يوليو 2013 .

لكن لا تزال العلاقة بين مبارك والجيش طوال ثلاثة عقود من حكمه موضع اشتباك يحتاج إلى دراسة وتحليل، فالجنرال العسكري الذي تسلم السلطة فجأة عقب اغتيال سلفه أنور السادات عام 1981 لم يخرج في هذا عن نسق انتقال السلطة في مصر منذ 1952 من عسكري إلى آخر. غير أن أهم ما يميز فترة مبارك هو تراجع الدور السياسى للمؤسسة العسكرية مقارنة بالفترات السابقة، فقد نجح مبارك فى تحييد الجيش بأشكال مختلفة بدأت بازاحة المشير أبو غزالة الذى كان يتمتع بشعبية داخل الجيش وخارجه، وهى خطوة شبيهة بما فعله السادت فور توليه فيما عرف بحركة تصفية مراكز القوى فى أجهزة الدولة.

استبدل مبارك أبو غزالة صاحب الشخصية القوية بشخصية أخرى ضعيفة لم تكن معروفة فى الجيش بالقدر الكافى (المشير طنطاوى). احتفظ مبارك بطنطاوى فى منصبه لمدة تزبد على أكثر من 17 عام أطول فترة وزير دفاع فى تاريخ الجيش المصرى. فى تلك الفترة وحتى قبل قيام الثورة لم يظهر للمؤسسة العسكرية أى موقف سياسى مما يحدث على الساحة بما فيها مسألة الاعداد لتوريث الحكم لنجله جمال مبارك . وهو ما يطرح تساؤلات عديدة بخصوص وضع الجيش فى فترة مبارك، ماذا كان يفعل الجيش؟ فحرب اكتوبر انتهت وتم عقد اتفاقية سلام مع إسرائيل، والجيش لا يعمل فى مجال المنتجات الدفاعية ويعتمد على استيراد الأسلحة من الولايات المتحدة ومبارك كنز استراتيجى لإسرائيل وليس هناك أى احتمال لقيام حرب جديدة أو لدخول مصر فى صراع عسكرى، فما هى وظيفية جيش قوامه يقرب من 400 ألف جندى فى أقل التقديرات.

وضع الجيش فى عهد مبارك: (اسألوا المقاولين. . كمقولة تفسيرية)

“اسالوا المقاولين”: عبارة ساقها قائد الإنقلاب العسكرى فى خطاب افتتاحه لمشروع قناة السويس الجديدة، للإستشهاد على أمانته ونزاهته وحرصه الشديد على الحفاظ على المال العام واعطاء كل ذى حق حقه. وهذه العبارة على غرابتها (فقائلها وزير دفاع سابق كان مديرا للمخابرات الحربية قبل منصبه)، إلا أن خروجها بشكل تلقائى يشير إلى شىء متكرر الحدوث (العمل مع المقاولين) بشكل جعلها من أقرب الأشياء التصاقا بالذاكرة التى تستدعيها بدورها تلقائيا فى أوقات الحاجة للاستدعاء.

من هذا المنطلق فإن هذه العبارة فيها من الدلالة ما هو أخطر مما قيلت فى سياقه، ومن ثم يمكن الاعتماد عليها كمقولة تفسيرية لما آلت اليه أحوال المؤسسة العسكرية منذ الثمانيات وحتى الآن، فهى تشير إلى ملف آن الأوان لفتحه (ملف اقتصاد الجيش)، ذلك الملف الذى بات يشبه مغارة على بابا من فرط توغل المؤسسة العسكرية على الدولة المدنية حتى باتت تعمل فى مجالات بعيدة كل البعد عنها (الطب والإسكان والطرق والكبارى والصناعات الغذائية والكمالية. . الخ) ويمكن أيضا أن نسأل المقاولين فيها. ولكن من أين نبدأ فالملف كبير وامتدادته واسعة وجذروها التاريخية ليست حديثة وإنما تمتد لأكثر من ثلاثين عاما؟

سنركز على ثلاث محاور كافية لتفسير وضع الجيش فى عهد مبارك كالتالى:

• معاهدة السلام والتقارب مع أمريكا

• التأسيس للوظيفة الاقتصادية للجيش

• الوظيفة الجديد وتفشى الفساد

أولا: معاهدة السلام والتقارب مع أمريكا (99% من أوراق اللعبة فى يد الولايات المتحدة. . كمقولة تفسيرية)

البداية من نهاية السبعينيات، وهى فترة شهدت تحولا كبيرا فى أدوار الجيش ووظائفه وعقيدته القتالية وبالأخص بعد معاهدة السلام مع الكيان الصهيونى فى عام 1979، فظهر جيل جديد من قيادات الجيش(ينتمى له السيسى) يمكن تسميته بجيل كامب ديفيد، منطلقاته مقولتين شهيرتين للسادات الأولى “حرب اكتوبر هى آخر الحروب ” والثانية ” 99% من أوراق اللعبة فى يد الولايات المتحدة الامريكية”. ومن ثم فقد بدأ الجيش يبحث عن وظيفة أخرى غير الحرب انطلاقا من المقولة الأولى، ثم زادت مساحات التقرب من الولايات المتحدة وفقا للمقولة الثانية حتى صارت مصر ثانى أكبر دولة تحصل على معونات من الولايات المتحدة ( 1.3 مليار دولار سنويا). ومن ثم لا يمكن فهم تغير وظائف الجيش بعيدا عن علاقته بالولايات المتحدة، كما لا يمكن فهم علاقة الأخيرة بالجيش بعيدا عن وظائفه الجديدة.

صاحب هذه الوظائف الجديدة اهتزاز فى مقولات العقيدة القتالية للجيش، بالأخص فيما يتعلق بالنظر لإسرائيل، فتراجعت مفردات “العدو” و”الكيان الصهيونى”، فى الخطاب السياسى الرسمى، لصالح مفردات “دولة إسرائيل” “جيراننا على الحدود الشرقية”، وبات الهم الأول والأخير للقيادات السياسية والعسكرية فى مصر فى تعاملاتها مع الخارج يتمثل فى الحفاظ على معاهدة السلام حتى لو كان ذلك على حساب فقدان السيادة الوطنية على جزء من أراضيها وعجزها عن فرض سيطرتها على سيناء بسبب الملحق الأمنى فى المعاهدة، وهذا ما يدفع الباحث للتساؤل، إليس من المفترض أن يضغط الجيش على الرئيس لتعديل الملحق الأمنى على الأقل فى المعاهدة؟ أليس هو المتضرر الأول وظيفيا من هذا الملحق الأمنى؟ أليست هذه قضية تستحق أن يجتمع من أجلها قادة الجيش بل ويعلنوا اعتراضهم على رئيس الدولة إذا رفض طلبهم؟ لماذا لا نعمر سيناء؟ هل هذا بسبب المعاهدة؟ كيف لمساحة تعادل ضعف ما يعيش عليه 90 مليون مصرى لا نستطيع تعميرها؟ اصطدمت التساؤلات بواقع مرير ملخصه أننا غير قادرين على ادخال الف جندى إلى سيناء إلا بموافقة إسرائيل وتحت رعاية قوات حفظ سلام دولية فكيف نحلم بتعميرها ونقل الملايين إليها “؟

لماذا يسكت الجيش عن هذا؟ لماذا لم نسمع يوما عن تحرك من قيادات الجيش فى هذا السياق؟ هنا بدأ ملف المعونة العسكرية الامريكية فى الظهور ليفسر التساؤلات البديهية التى يسألها كل مصري حر غيور على بلده وجيشه ويدرك جيدا معنى وجود عدو بجواره تدعمه أكبر الدول الاستعمارية فى العالم. إذ كيف لمؤسسة عسكرية تحصل على معونة قدرها 1.3 مليار دولار سنويا من الدولة الراعية لإسرائيل، كيف لمؤسسة عسكرية تعتمد على الولايات المتحدة كمصدر للسلاح وقطع الغيار وبعثات التدريب للضباط ثم تحاول اغضابها بمثل هذه الأسئلة التافهة التى يسألها مجموعة من الشباب “الممول من الخارج “ممن يريدون هدم الجيش لصالح أجندات خارجية. ولعل التساؤل عن توقيت وسياق فكرة المعونة يشير إلى دلالة بالغة الأهمية، فقد بدأت بعد معاهدة السلام، إذن المعاهدة مرتبطة بالمعونة، والمعونة مرتبطة بالمعاهدة، والمعاهدة تنص على ملحق أمنى معين بخصوص سيناء، وبالتالى إذا أردت تغييرها فستتغير المعونة تلقائيا. وبالتالى فأنت أمام حزمة من القضايا فى غاية التشبيك لا يمكن فك الارتباط بينها لأن من وضعها وخطط لها وضعها مرتبطة هكذا.

إذن من المستفيد من هذه المعونة ولماذا تستمر حتى الآن؟ أليس موضوع المعونة العسكرية الأمريكية جدير باجتماع قيادات الجيش لمناقشة كيفية التخلص منها؟ أليس الاعتماد على السلاح الامريكي موضوعا يستحق ثورة داخل الجيش من قياداته الوطنية المخلصة التى باتت تحتكر مفردات الوطنية والاستقلال وتصف معارضيها بالخونة والعملاء والإرهابيين؟ أليست صناعة السلاح والاكتفاء الذاتى قضية وطنية مصيرية تستحق وقفة مصيرية للمؤسسة العسكرية تجاهها؟

الأمر الآخر، كيف لمؤسسة عسكرية أن تحصل على معونة عسكرية من أكبر دولة فى العالم على مدار أكثر من ثلاثين عاما، ولا يعرف عنها شىء، متى تأتى؟ وفيما تصرف؟ ومتى تصرف؟ومن يصرفها؟وكيف تصرف؟، كيف لمؤسسة تمثل أحد مؤسسات الدولة (فوزارة الدفاع كغيرها من الوزارات تؤدى وظيفة فى مجال معين ) أن يطلق لها العنان فى تعاملاتها عموما والخارج على وجه خاص دون رقيب أو حسيب، تحت دعاوى الامن القومى والحفاظ على السرية، أى سرية هذه فى معونة تأخذها على عينك يا تاجر، أى سرية هذه فى 1.3مليار دولار يتم التصديق عليهم فى الكونجرس الامريكى سنويا ويناقش مدى جدواها كل عام، ويتجادل أعضاء الكونجرس من أحزاب مختلفة فى النقاش حول استمرارها من عدمه وفى مقدارها وهل يتم تقليلها أو زياداتها وهل مصر ملتزمة بخط السياسة الأمريكية فى المنطقة أم لا؟.

أى سرية هذه فى دولة يقف وزير دفاعها أمام الكونجرس ليعلن لأعضائه المعترضين أو المزايدين أغراض المعونة العسكرية لمصر، وأن الولايات المتحدة لا تقدمها مجانا “من أجل سواد عيوننا كما يقال”، وإنما تقدمها لأغراض محددة هى الحفاظ على معاهدة السلام مع إسرائيل، ومنح بلاده خدمات استثنائية فى مجال الملاحة الجوية والمائية وعبور السفن والطائرات الحربية، ثم الاستفادة من المناورات المشتركة مع الجيش المصرى لمعرفة طبيعة المنطقة والتدريب على القتال فيها تحسبا لأى ظروف طارئة تدفعها للقتال فى هذه المنطقة.

كيف تدعى السرية فى معونة تحصل عليها بشكل علنى سواء فى الرقم أو الأغراض وتصدق عليها برلمانات البلدان التى تمنحك إياها، ويعلق أمر الإستمرار فيها على موقفك من السياسة الامريكية فى المنطقة وتقرير وزير الدفاع للكونجرس كل عام؟

ثانيا: التأسيس لوظيفة اقتصادية جديدة للجيش:

• (حرب اكتوبر آخر الحروب، كمقولة تفسيرية)

• (اسألو المقاولين، كمقولة تفسيرية)

• بداية قصة الاستقلال (الاستقلال مقابل الابتعاد عن السياسة)

لم يقتصر تأثير المعاهدة على تغيير العقيدة القتالية للجيش، بل امتد إلى تغيير وظائفه أيضا، فحرب اكتوبر هى آخر الحروب كما قال السادات، ومن ثم كان من الضرورى البحث عن وظيفة أخرى للجيش تشغله عن الحرب والسياسة فى نفس الوقت. فانصرف الجيش للمساحة الاقتصادية وبدأ السادات فى اضفاء الصبغة الاقتصادية على وظيفة الجيش بشكل رسمى، فأنشأ جهاز مشروعات الخدمة الخدمة الوطنية بقرار رئاسى رقم 32 لسنة 1979، ونصت المادة الأولى لهذا القرار ” ينشأ بوزارة الدفاع جهاز يسمى ( جهاز مشروعات الخدمة الوطنية ) تكون له الشخصية الاعتبارية، ويتولى دراسة وتنفيذ الأعمال و المشروعات التى تطلبها الوزارات و الهيئات ووحدات الحكم المحلى وشركات القطاع العام تنفيذاً للعقود التى تبرم بينه وبين هذه الجهات “.

الملفت أن تاريخ انشاء هذا الجهاز جاء بعد توقيع الاتفافية بمدة وجيزة فى نفس السنة تحديدا وهى مسألة فى منتهى الأهمية للدلالة على التأثيرات السلبية للمعاهدة على وضع الجيش ووظائفه كما لو كان شرطا فى المعاهدة تفريغ الجيش من مضمونه ووظائفه وهو أمر مستغرب جدا فى حالة مثل حالة مصر.

إذ كيف لدولة يجاورها عدو مثل إسرائيل تدعمه أكبر قوى استعمارية فى العالم فى ظروف تاريخية متأرجحة بين الهزيمة والانتصار (1967-1973) فضلا عن وجود جزء من أراضيها محتلا (طابا) ثم تقرر صرف جيشها للعمل المدنى؟

توسعت أدوار الجيش الاقتصادية فى عهد مبارك بداية من التسعينيات عن طريق جهاز مشروعات الخدمة الوطنية ومصانع الجيش الأخرى. توسع استثماره في كل شيئ في البلاد تقريبا بدءاً من الزراعة إلي بناء الطرق والكباري والإستثمار العقاري والصناعات الإلكترونية مروراً بمصانع اللبن والدجاج ومزارع تربية العجول والأبقار ومزارع الخضروات والفاكهة ومصانع المعلبات والمزراع السمكية، ومُنحت مشروعات القوات المسلحة امتيازات فوق سلطات الحكومة القانونية والمحاسبية، حيث أنها معفاة من الضرائب ولا تخضع للوائح والقوانين التي يخضع لها الجميع في القطاعين العام والخام.

ولا يعرف الإقتصاديون حجم الأعمال الحقيقى للشركات التى تديرها المؤسسة العسكرية فضلا عن أرباحها التى لا تدرج فى الموازنة العامة، علما بأن مؤسسات الجيش الإقتصادية الثلاث الرئيسية قد تحولت من الإنتاج العسكرى إلى الإنتاج المدنى بدرجات متفاوتة، فقد صرح وزير الإنتاج الحربى سيد مشعل سابقا بأن وزارة الإنتاج الحربى تنتج منتجات مدنية يصل حجمها إلى أكثر من 40 % من إجمالى الوزراة التى تمتلك 8 مصانع، بينما يصل حجم الإنتاج المدنى للهيئة العربية للتصنيع (المنشأة أساسا للتصنيع الحربى وتضم 12 مصنعا) إلى حوالى 70% من إجمالى إنتاجها وفقا لتصريحات رئيسها الفريق حمدى وهيبة رئيس الهئية سابقا.

كما صرح سيد مشعل وزير الدولة للإنتاج الحربي أثناء عرضه لميزانية عام 2010 والخاصة بنشاط عدد من المصانع الحربية بأن الوزراة قامت بتوريد 40 قطار و220 وحدة تنقية مياة و50 وحدة معالجة صرف صحي وقال مفتخراً أنه تم تطوير صناعة الثلاجات وأن صناعة التلفزيونات قد تراجعت بسبب المنافسة القوية في السوق المحلي.

أضف إلى ذلك جهاز مشروعات الخدمة الوطنية الذى الذى إنشئ بعد اتفاقية السلام 1979، وسط عديد من التساؤلات الخاصة بجدواها، ويتخصص الجهاز الذى يضم 15 مشروعا فى الصناعات والمنتجات المدنية، ولكن أرباحه وحجم أعمال يشوبها كثير من الغموض، وقد حكى لى أحد أصدقائنا من المحرريين العسكريين أنه وزملائه يحاولون لقاء رئيس هذا الجهاز منذ خمس سنوات لكنه يرفض اللقاءات الصحفية

تضخمت مصالح الجيش بشكل سريع وأصبح يمتلك إمبراطورية تجارية مؤثرة في اقتصاد البلاد يترواح حجمها ما بين 15 إلى 40% من اقتصاد البلاد، فقد أصبح الجيش يمتلك المئات من الفنادق والمستشفيات ومصانع التعليب والنوادي والمخابز بالإضافة إلى عشرات الآلاف من العاملين فيما لايقل عن 26 مصنعا تقوم بتصنيع السلع الإستهلاكية للمصريين مثل الثلاجات والتلفزيونات والحواسيب بالإضافة إلى تصنيع عربات القطار الجديدة للسكك الحديد وأيضا سيارات الإطفاء كما يعمل على توفير مجطات حرق النفايات ومياه الصرف الصحي. علاوة على ذلك فقد منح مبارك الجيش ملكية معظم أراضى مصر من خلال مرسوم رئاسى فى عام 1997 يتيح للجيش حق إدارة كافة الأراضي غير الزراعية التي لم تخضع لتطوير، وهي نسبة تبلغ حوالي 87 % من مساحة مصر، وعادة ما يضع الجيش على هذه المساحات لافتات مكتوبا عليها: “ممنوع التصوير. . منطقة عسكرية”، دون ممارسة أي أنشطة عسكرية عليها، بل تظل خاوية تنتظر دورها لتتحول إلى فنادق، أو مساكن لضباط الجيش، أو تدشن عليها مراكز تجارية تتسم بالترف .

من خلال هذا المرسوم صار الجيش متحكما فى قطاع العقارات فى مصر، فإذا أراد مستثمر انشاء مشروع عقارى أو انشاء منتجعات سياحية علي طول البحر الأحمر مثلا فعليه تأجير مساحات الأراضي المطلوبة من وزير الدفاع، فالجيش يسيطر فعليا على كل أراضى مصر الصحراوية، كما تمتد سيطرة الجيش بأشكال مختلفة لبعض مصانع الأسمنت وشركات البناء والمصافي التي تخضع شكليا لبعض اللواءات المتقاعدين وكبار الضباط ولكن تمتد أذرع المؤسسة العسكرية داخل العديد من الوزارات المتداخلة مثل الاتصالات أو شركة مصر للطيران بالإضافة إلى أن رئيس مجلس إدارة قناة السويس والتي تبلغ أرباحها السنوية حوالي 5 مليارات دولار.

فى نفس الوقت اعتمد مبارك على سياسة “بدل الولاء” لاستمالة كبار الضباط عبر وعدهم بتعيينهم بعد التقاعد في مناصب قيادية فى الوزارات والهيئات الحكومية ابتداء من المحليات والمحافظين وشركات القطاع العام وقطاع الأعمال وغيرها من المؤسسات الحكومية، وهو ما أدى إلى تخلّي المؤسسة العسكرية عن وظيفتها الأساسية لتتفرغ للحياة المدنية لدرجة أصبح معها وجودها أمراً اعتيادياً وطبيعياً، ليس في نظر الآخرين وحسب، بل أيضاً، وهذا الأهم، في نظر أفرادها أنفسهم .

فلم يعد غريبا عليهم تغيير وظيفتهم كما لم يعد غريبا عليهم عدم انتاجهم للسلاح، ولم يعد غريبا علينا أن نسمع عن تعيين جنرالات الجيش فى كل الهيئات الحكومية وصولا إلى بورصة الاوراق المالية (رأسها أحد الجنرالات لفترة بعد الثورة)، بل وحتى شؤون المياه والصرف الصحى حيث يرأس الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي “اللواء نصر عرفات”، بالإضافة إلى مجموعة من الجنرالات المتقاعدين لرئاسة أفرعها في المحافظات، أمثال اللواء عمرو الوحش، رئيس مجلس إدارة الشركة بالجيزة، اللواء أركان حرب محمود زكي أسعد، رئيس مجلس إدارتها بالأقصر، اللواء حمدي عابدين في المنصب المماثل بالشرقية واللواء محمد بدري في المنصب نفسه في أسيوط، بل امتد توغلهم فى المؤسسات المدنية إلى هيئات النقل والمواصلات وأندية كرة قدم، فهم يديرون شركات الأتوبيس والنقل البرى والبحرى ومصلحة التليفونات لقناة السويس ووزارة الإتصالات بالإضافة لهيئة قناة السويس وشركات البترول وحي العمرانية ونادي المقاصة الرياضي، وقد نشرت د. زينب أبو المجد استاذة التاريخ الإقتصادى بالجامعة الأمريكية والناشطة السياسية اليسارية، مجموعة من المقالات التى تصف هذه الظاهرة وتنتقدها، ومنها “العسكر في مصلحة المياه والصرف الصحي “و”جمهورية الموز العسكرية”، و”شنب ستالين وعجلة العسكر”.

علاوة على ما سبق فقد كان للعسكريين سلطة حصرية على ميزانية الدفاع، والمعونة العسكرية الأميركية، والشركات المملوكة للمؤسّسة العسكرية دون رقابة برلمانية أو رئاسية أو مجتمعية، وهو ما أدى إلى خلق حالة من الاستقلالية الاقتصادية والمالية والتشريعية للمؤسسة العسكرية، فلم يعد من الدقيق الحديث عنها باعتبارها مؤسسة من مؤسسات الدولة وإنما باعتبارها مؤسسة داخل الدولة رغم ما يبدو ظاهريا من حيث كونها مؤسسة تخضع للسلطة التنفيذية.

ثالثاً: الوظيفة الجديدة وتفشى الفساد داخل الجيش

صاحب تغيير الوظيفة والتوجه نحو الاقتصاد رفض لفكرة الرقابة المدنية على أنشطة الجيش سواء كانت رقابة برلمانية أو رئاسية أو مجتمعية، أو حتى من أجهزة الدولة الرقابية، مثل الجهاز المركزى للمحاسبات، وقد ساهم هذه الوضع الاستثنائى للمؤسسة العسكرية فى تفشى الفساد داخل المؤسسة بشكل أخذ فى التضخم حتى وصل إلى مستوى حرج للغاية وفقا لتقرير منظمة الشفافية الدولية عام 2013 حول فساد الجيوش فى العالم.

وجاء فى التقرير الذى نشر فى فبراير 2013 أن المؤسسات العسكرية فى دول الربيع العربي تعاني من فساد مالي كبير على الرغم من مرور أكثر من عامين على تغيير الأنظمة السياسية القائمة فيها. وجاءت جيوش كل من الجزائر ومصر وليبيا وسوريا واليمن من بين أسوأ الجيوش على مستوى العالم في الشفافية ومكافحة الفساد. وحسب التقرير، فإن الأجهزة العسكرية في دول الربيع العربي تنفق الأموال بشكل سري، وتمنح العقود لمقربين ومحسوبين على بعض المسؤولين فيها، وتعرقل جهود التحول الى الديمقراطية.

وقال التقرير إن 99% من موازنة الجيش المصري لا زالت سرية حتى الآن، ولا أحد يعلم أين يتم إنفاق الأموال التي يحصل عليها العسكر في مصر، فضلاً عن أن العديد من الدول الأخرى في منطقة الشرق الأوسط، ومن بينها اليمن وليبيا، لا تعلن حتى الآن حتى عدد العاملين في جهازها العسكري، أو أعداد من يتلقون رواتب من الجيش .

وعزى التقرير انتشار الفساد بالمؤسسات العسكرية فى الدول العربية إلى انعدام الرقابة والتدقيق من قبل الجهات الرقابية والتشريعية في موازنات الجيوش، ووجدت المنظمة أنه فى كل دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط باستثناء الكويت لا توجد لجنة تشريعية تفحص ميزانية الدفاع وأنه حتى فى حالة وجود هذه اللجنة فهى لا تتلقى معلومات تفصيلية.

وذكر التقرير أنه لا توجد أى دولة فى المنطقة لديها رقابة برلمانية قوية أو حتى متوسطة على أجهزة المخابرات وأنه فى أكثر من 60% منها لا تتاح ميزانية للدفاع على الإطلاق أو يكون من الصعب الحصول على بيان تفصيلى للإنفاق. ففى مصر لا يخضع الجيش للرقابة، وفى سوريا يخضع الجيش بشكل كامل للرئيس بشار الأسد وعائلته، دون أي مساءلة أو محاسبة حول طبيعة الإنفاق. أما في اليمن فيعاني الجهاز العسكري من المحسوبية التي تهيمن عليه بشكل كامل.

واعتمدت منهجية التقرير على طرح 77 سؤال عام حول المؤسسة العسكرية فى كل دولة، وعادة ما تكون الأسئلة فى صيغة استفهامية بأداة هل، ويقيم كل سواء بنقاط تبدأ بواحد وتنتهى بأربعة، ثم تجمع إلى أن ينتهى التحليل النهائى وتوضع الدولة على المؤشر بين سبع مستويات، الغريب فى التقرير أن المنظمة اعتمدت فى الاجابة على بعض هذه الأسئلة على مصادر من داخل الجيش المصرى نفسه، ورد ذكرها فى التقرير بصيغة”مصدر فى الجيش تحفظ على ذكر اسمه”. ما يعنى أن الجيش لا يمانع فى الحديث عن أمور تخصه مع منظمات أجنبية حتى لو كان موضوعا حساسا كالفساد، بينما يجرم الحديث عن هذا الأمر فى الداخل مع مواطنيه المحليين وعادة ما يشنع بمن يكتب عن ذلك ويوزع عليهم تهم العمالة للخارج والخيانة للوطن ومحاولات هدم الدولة واهانة الجيش وربما يمتد الأمر إلى محاكمات عسكرية.

الملفت فى الأمر أن المصادر التى تحدثت مع المنظمة كانت صريحة للغاية لدرجة أن التقرير خرج فى النهاية بوضع مصر فى أسوأ مرتبة فى الشفافية ومكافحة الفساد، حتى صنف الفساد فى الجيش المصرى بالحرج للغاية.

ورغم أن هذا التقرير قد صدر فى عام 2013، إلا أن مؤشرات تشريعية قد صدرت مبكرا تؤكد ما ذهب إليه التقرير، ففى 10 مايو 2011، أصدر المشير طنطاوى بصفته رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، تعديلا على أحكام قانون القضاء العسكرى بإضافة مادة جديدة تنص على اختصاصه الحصرى بالفصل فى جرائم الكسب غير المشروع المنسوبة لضباط الجيش، حتى لو بدأ التحقيق فيها بعد تقاعدههم.

ووفقاً لنص المادة رقم (8 مكرر أ) المضافة للقانون رقم 25 لسنة 1966، “يكون للنيابة العسكرية جميع الاختصاصات المخولة لهيئات الفحص والتحقيق المنصوص عليها فى قانون الكسب غير المشروع”، كما “تختص النيابة العسكرية فى جميع الأحوال دون غيرها، ابتداءً بالتحقيق والفحص، فإذا تبين لها أن الواقعة لا علاقة لها بالخدمة العسكرية، أحالتها إلى جهة الإختصاص.

ويبدو أن الخوف من المراقبة البرلمانية أو المحاسبية يشكل احساسا عاما يجمع كل قيادات الجيش بدءا من طنطاوى وعنان وحتى السيسى والمجموعة الحالية، وظهر هذا فى حوار السيسى (أيام تقلده وزير الدفاع)، مع بعض قيادات الجيش من الصف الاول والثانى، وأبدى فى هذا الحوار تخوفه من الوضع الجديد الذى تدخل عليه البلاد بعد الثورة وبالأخص فيما يتعلق بالدستور الجديد والبرلمان الذى سيطلب مناقشة موازنة الجيش، وتأكدت هذه المخاوف فى حوارته الانتخابية أثناء الترشح لمنصب الرئاسة، فعندما سئل عن الجيش والرقابة البرلمانية، أجاب بضرورة تفرد الجيش بوضع خاص وابعاده عن الرقابة، ثم أخذ يمدح فى المؤسسة العسكرية بكلمات عاطفية بعيدة كل البعد عن السؤال. بل عندما سئل عن حجم اقتصاد الجيش هون من الامر وقدره بنسبة 2%.

الخلاصة أن هناك تحولات كبرى حدثت لوظيفة ووضعية الجيش فى عهد مبارك، فصار من ناحية مرتبطا بالولايات المتحدة الأمريكية عن طريقة المعاهدة والمعونة العسكرية واستيراد السلاح ومن ناحية أخرى يحظى بوضع مستقل فى الداخل مختلف عن أى مؤسسة تابعة للدولة، له ميزانية خاصة، يعمل فى أنشطة اقتصادية خاصة، لا يخضع لأى نوع من الرقابة، يستشرى فيه الفساد، ويكافىء أعضائه بعد انتهاء الخدمة بتولى مناصب مدنية فى مؤسسات حكومية، كل هذا مقابل الابتعاد عن المشهد السياسى.

الملاحظة الأخيرة أن تغير وظيفة الجيش ومحاولة الإستقلال بوضع داخلى خاص ارتبط بالتبعية للخارج فصار الإستقلال قرينا للتبعية، وهذه النقطة تحتاج إلى دراسة موسعة (علاقة الجيش بالولايات المتحدة ما بعد 1973 وتأثيراتها على وضع الجيش).

المحور الثاني:

وضع الجيش فى الفترة الانتقالية (الإستقلال فى المكان، كمقولة تفسيرية)

ربما نكون أسهبنا فى الحديث عن وضع الجيش قبل الثورة، لكن ذلك سيكون مفيدا فى فهم وتفسير عودة المؤسسة العسكرية للمشهد السياسى بعد الثورة، لماذا حرصت المؤسسة العسكرية على التدخل فى الشأن السياسى منذ سقوط مبارك وحتى الآن؟ لماذا لم تتخذ نفس الموقف الذى اتخذه الجيش التونسى من ثورة تونس وتسلم الحكم للمدنين وتبتعد عن الشأن السياسى؟.

لقد تعالت الأصوات بعد الثورة رافضة وضع المؤسسة العسكرية كمؤسسة مستقلة ماليا واقتصاديا لا تخضغ للرقابة . فبدأ الحديث عن اقتصاد الجيش، والرقابة المدنية والبرلمانية، ثم تطور الأمر للحديث عن عودة الجيش لثكناته والتفرغ لصناعة السلاح والابتعاد عن الاقتصاد والسياسة.

إزاء ذلك حاولت المؤسسة العسكرية التمسك بالوضع الاستقلالى الذى اكتسبته عبر عشرات السنين، وبدأت تتصرف كما لو كانت خصم سياسى يدافع عن تعظيم مكاسبه وعدم الاقتراب منها ويتوعد من يقترب منها بالقتال. من هذا المدخل يمكن قراءة سياسات المجلس العسكرى خلال الفترة الإنتقالية والتى تدور كلها حول تأمين هذه الوضعية الاستقلالية من مداخل اقتصادية وتشريعية :

1. محاولة الإستقلال التشريعى والقضائى: عن طريق إصداره مجموعة من التشريعات التى تزيد من عزل المؤسسة العسكرية عن المؤسسات المدنية وتجعل من العسير وجود أى نوع من الرقابة عليها، ونذكر فى هذا الصدد واقعة فى شهر مايو 2011، عندما أصدر المشير محمد حسين طنطاوى، بصفته رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، تعديلا على أحكام قانون القضاء العسكرى يقضى بإضافة مادة جديدة تنص على اختصاصه بالفصل فى جرائم الكسب غير المشروع المنسوبة لضباط الجيش، حتى لو بدأ التحقيق فيها بعد تقاعدههم . وهذا التعديل يشير إلى ارتباك المؤسسة العسكرية والخوف من الرقابة المدنية.

2. الهيمنة التشريعية على المدنيين: لم يقتصر المجلس العسكرى على التمحور حول ذاته وعزل أعضائه عن المؤسسات المدنية والنص على عدم أحقيتها فى مقاضتهم حتى لو بعد التقاعد، لكنه أراد أن يظل متحكما فى المدنيين، وبدا هذا من خلال موقفه من مشروع قانون إلغاء المحاكمات العسكرية للمدنيين الذى قدمه أعضاء البرلمان، واتهم اللواء ممدوح شاهين البرلمان بالتوغل ضد السلطة القضائية العسكرية، ثم أخذ يماطل فى مناقشاته داخل البرلمان لمدة تزيد على شهرين ، إلى أن تم إقراره بطريقة لا تخلو من الخداع.

وربما يرى البعض تناقضا بين محاولة الاحتفاظ بوضعية الاستقلال والاصرار على محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكرى على اعتبار أن من يحاول الاستقلال سيفكر فى نفسه وسيتمحور حول ذاته فقط ولن يهتم بالمؤسسات الأخرى. وهذا التصور ينقصه ادارك أن الجيش مؤسسة عامة ملك للشعب وليس مؤسسة خاصة، وبالتالى فليس من مصلحته مناقشة وضعية الاستقلال أمام الرأى العام حتى لا تتحجج مؤسسات الدولة الأخرى بوضع مثل وضعه أو يطالبه المجتمع باعلان موارده المالية والاقتصادية أو يتطور الأمر إلى تظاهرات مناهضة. . الخ، وهو ما يعنى إن وضعية الاستقلال تحتاج فى المقابل إلى حالة من التكتم عليها وليس فضحها، وبالتالى فهناك حاجة دائمة لردع من يعترض عليها أو يحاول مناقشتها بحجة الأمن القومى أو مناقشة أمور خاصة بالجيش أو خيانة الوطن وغيرها من التهم المعلبة. وهو ما يعنى المؤسسة العسكرية لن نتتخلى عن محاكمة المدنيين طالما ظل وضعها مستقل عن الدولة.

3. محاولة الاستقلال الاقتصادى (ده عرق الجيش وسنقاتل، كمقولة نفسيرية(

مع تزايد الأصوات التى تطالب بنزع مشروعات الجيش الإقتصادية المدنية بحيث تصبح الدولة هى الجهة التى تديرها، وكان لمقالات د. زينب أبو المجد، أستاذ الإقتصاد السياسى بالجامعة الأمريكية أثرا بالغا فى لفت الإنتباه العام إلى هذا الملف وخطورة السكوت عنه وضرورة فتحه. فى هذه الأجواء عقد المجلس العسكرى ندوة بعنوان “رؤية للإصلاح الإقتصادي” فى مارس 2012، حضرها مجموعة من المحرريين الإقتصاديين والعسكريين فقط، ويبدو أنه لم يكن مؤتمرا للإصلاح وإنما كان مؤتمرا للتهديد والوعيد، ووصل الأمر بمساعد وزير الدفاع للشؤون المالية إلى حد التهديد بقتال كل من يقترب من ملف إقتصاد الجيش، قائلا “مشروعات الجيش عرقنا وسنقاتل كل من يقترب من مشروعتنا الإقتصادية التى بذلنا فيها جهواد كبيرة ولن نتركها للدولة لتخرب” .

كما اعتبر كل من يقترب من مشروعات الجيش يقترب من الأمن القومى مشيرا إلى أن القوات المسلحة لا تحصل إلا على 4. 2% من الإنفاق العام، وهى أقل من وزارة التربية والتعليم ولذلك قررنا الاكتفاء الذاتى من صناعات غذائية، وملابس للجنود، وغيرها من الاحتياجات.

وهذه المفردات (عرقنا-سنقاتل) تشير إلى مسألة غاية الأهمية تتعلق برؤية العسكريين أنفسهم لوضع المؤسسة العسكرية ومواردها وتأكييدهم على وضع الاستقلال الذى تحدثنا عنه سابقا، فهم يدافعون صراحة عن وجود اقتصاد خاص بالجيش ويتوعدون من يقترب منه بالقتال. المشكلة أن هذه المنطق الذى يقوم على وجود مشروعات تخص أى وزارة هو منطق تفكيكى للدولة وظالم للشعب، إذ بنفس هذا المنطق يمكن لوزارة الزراعة أن تقوم باستصلاح الأراضى وزراعتها أو بيعها وإنشاء شركات لتربية وتسمين الماشية والطيور، والاحتفاظ بالحصيلة لنفسها، ونفس الأمر بالنسبة لوزارة الكهرباء التى يمكن أن تنشئ شركات لإنتاج الأسلاك والمحولات والمصابيح وتحتفظ لنفسها بالعائد من تلك المشروعات، وهكذا الأمر بالنسبة لباقى الوزارات، لتتمتع قيادات الوزارات وربما بعض العاملين فيها بمستويات دخول عالية تحققت من أصول الشعب من أموال وأراض وشركات ومن استخدام مجندى الشعب فى العمل فى مشروعات اقتصادية خاصة بالوزارة، كما فى حالة شركات الجيش، وبما يخالف الهدف من تجنيدهم، بينما يظل الشعب فى وضع أدنى من زاوية الدخل ومستوى المعيشة، وهو خلل وظيفى وظلم اجتماعى فادح.

إن القواعد الراسخة لاقتصاد الدولة، هو أن يكون موحدا وتابعا للحكومة وليس إقطاعيات لكل وزارة، فوحدة القطاع العام للدولة وعودة العائد منه لوزارة المالية لتقوم هى بتوزيع المخصصات على كل الوزارات، حسب الرؤية الكلية للاقتصاد والاحتياجات المتنوعة، هو أمر بديهى فى أى دولة حديثة، وما عدا ذلك من السماح بوجود قطاع عام «خصوصى» لبعض الوزارات فهو منطق تفكيك الدولة، وهو جزء من فساد عصر مبارك.

أما القول بأن الاقتراب من اقتصاد الجيش هو اقتراب أو بمعنى آخر مساس بالأمن القومي، فإنه أمر غريب وخارج المنطق، إذ ما هى علاقة إنتاج المياه والخضر والفاكهة والمكرونة ومحطات توزيع الوقود وتأجير صالات الأفراح بالأمن القومى؟!

إن الحديث عن شركات التصنيع العسكرى وبرامج إنتاج الأسلحة، هو وحده الذى يتعلق بالأمن القومى من زاوية نوع الأسلحة والبرامج، وليس من زاوية التصرفات المالية. أما الحديث عن أن المشروعات الاقتصادية للجيش تدفع الضرائب للدولة، فإنه مجاف للحقيقة تماما، لأن قانون الضرائب يعفى مشروعات جهاز الخدمة الوطنية بوزارة الدفاع من الضرائب كلية. والغريب أن خطاب اللواء تضمن الشكوى من أن مخصصات الجيش أقل من وزارة التربية والتعليم، رغم أن هذا أمر بديهى فى كل الدنيا، فالإنفاق العالمى على التعليم يبلغ فى المتوسط 4. 5% من الناتج العالمي، ونحو 18% من إجمالى الإنفاق العام العالمي. أما الإنفاق العسكرى فإنه يبلغ نحو 2. 6% من الناتج العالمي، ونحو 10% من إجمالى الإنفاق العام فى العالم.

أما القول بأنه لن يتم ترك اقتصاد الجيش للدولة حتى لا يخرب، فإنه يعنى الاستسلام لمنطق انتشار الفساد وسوء الإدارة فى الجزء المكشوف من اقتصاد الدولة وهو اقتصادها المدني، بدلا من تبنى خطة للإصلاح الشامل، وتطهير اقتصاد الدولة من القيادات الفاسدة وضعيفة الكفاءة من فلول النظام الفاسد. إن أى دستور يحترم قواعد وحدة القطاع العام للدولة ينبغى أن ينهى أى اقتصاد خاص بأى وزارة، وأن يضع القواعد لضمه فورا للقطاع العام، ونفس المنطق ينبغى أن يُطبق على الصناديق الخاصة حتى تكون هناك مالية عامة واحدة، فليس هناك أى منطق فى أن تكون هناك دولة داخل الدولة من خلال اقتصاد وصناديق الوزارات والمؤسسات الذى هو علامة من علامات فساد عصر سابق.

بدا واضحا من خلال مقولة اللواء السابقة أن المجلس العسكرى لن يفرط فى وضعه الاستقلالى الذى اكتسبها خلال سنوات ما قبل الثورة وسيستميت فى الدفاع عن ذلك الوضع حتى القتال، وقد حاول المجلس أن يبقى على هذا الوضع الإقتصادى دون المساس به أكثر من مرة خلال الفترة الانتقالية أشهرها محاولة تمرير ما عرف بوثيقة السلمى أو وثيقة المبادءى فوق الدستورية . حيث حاول الجيش أن يستغل قلق القوى التى تسمى بالمدنية من الإسلاميين من الهيمنة على الدستور، فشجع فكرة وضع مبادئ فوق دستورية تلتزم بها الجمعية التى ستتشكل فيما بعد لصياغة الدستور. فوضع عدة مواد فى الوثيقة تقنن وضعية الاستقلال للمؤسسة العسكرية فى الدستور القادم وعدم فتح ملف الموازنة أو المشروعات الإقتصادية للمؤسسة وهو ما رفضه الإسلاميون فى مليونية رفض وثيقة السلمى فاضطر السلمى لسحبها .

المحور الثالث:

العلاقات المدنية العسكرية فى عهد مرسى (قضايا واشكاليات)

لم تيأس المؤسسة العسكرية من فشل محاولاتها فى الفترة الانتقالية لتقنين وضعها الاستقلالى، فحاولت مرة أخرى أثناء الجولة الثانية للانتخابات بين الرئيس مرسى والفريق شفيق فأقدمت على خطوتين فى منتهى الأهمية، الأولى فى 13 /6/2012 أى قبل انطلاق جولة الإعادة بثلاثة أيام وقامت بمنح الضبطية القضائية لضباط الجيش فى القبض على المدنيين فى أى وقت وذلك من خلال وزير العدل (اختراق القضاء كان مبكرا) على اعتبار أن من سلطاته منح الضبطية القضائية فى حالات الضرورة.

وهو ما تم تبريره ساعتها باعتبارات متعلقة بضرورة تقنين وضع قوات الجيش الموجودة فى الشوارع بعد انتهاء حالة الطوارىء وهو أمر غير مقنع بالمرة لأن تسليم السلطة لرئيس سيكون بعد أيام وهو ما يصرف تفسير القرار إلى أمر ما متعلق بالانتخابات وربما رغبة فى تزويرها للفريق شفيق رجل دولة العميقة بامتياز.

وهذا التفسير يؤيده قيام المجلس العسكرى باصدار اعلان دستورى مكمل (مكبل) عقب انتهاء التصويت فى الجولة الثانية أى بعد قرار الضبطية بأيام، ثم أعقب الاعلان الدستورى تأخر اعلان نتيجة الانتخابات لمدة عشرة أيام، ويبدو أن العشرة أيام كانت، من وجهة نظر البعض، للتفاوض مع الاخوان حول وضعية الجيش، ولا تزال كواليس هذه الأيام غير معروفة حتى الآن.

وضعية الاستقلال فى الاعلان الدستورى المكمل

يبدو أن المجلس العسكرى قد أدرك أنه لا مفر من عودة وثيقة السلمى ولكن بشكل أكثر جرأة للإبقاء على وضعية الاستقلال المالى والاقتصادى فضلا عن تحصين قيادات الجيش من المساءلة الجنائية عما تم ارتكابه فى الفترة الانتقالية، فجاء الاعلان الدستورى المكمل فى وقت حرج للغاية ونص على الاستقلال التشريعى صراحة بأن جعل المجلس العسكرى صاحب الحق فى التشريعات الخاصة بالجيش وليس الرئيس، و انتقلت اليه السلطة التشريعية لحين انتخاب برلمان جديد، وجاء فى المادة 53 مكرر: يختص المجلس العسكرى بتقرير كل ما يتعلق بشئون القوات المسلحة ويكون لرئيسه، لحين إقرار الدستور الجديد، جميع السلطات المقررة فى القوانين واللوائح للقائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع.

كما احتفظ المجلس العسكرى بحق اقرار الموزانة العامة للدولة، وفقا لما جاء فى المادة 56 مكرر: يباشر المجلس العسكرى الاختصاصات المنصوص عليها في البند 1 من المادة 56 من الإعلان الدستوري “المتعلقة بالتشريع وإقرار الموازنة” لحين انتخاب مجلس شعب جديد ومباشرته اختصاصاته. ثم احتفظ لنفسه بحق الإعتراض على الدستور القادم، بل و التحكم في كتابة الدستور ، وفقا لما جاء فى المادة 60 مكرر 1: إذا رأى رئيس الجمهورية أو رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة أو رئيس الوزراء أو المجلس الأعلى للهيئات القضائية أو خمس عدد أعضاء الجمعية التأسيسية، أن مشروع الدستور يتضمن نصا أو أكثر يتعارض مع مبادئ الثورة وأهدافها، أو تعارض مع مبادئ الدساتير المصرية السابقة، فلأي منهم أن يطلب من الجمعية التأسيسية إعادة النظر في هذه النصوص خلال 15 يوما، وفي حالة إصرار الجمعية على رأيها تبت المحكمة الدستورية العليا في الخلاف، وتصدر قرارا ملزما للكافة خلال 7 أيام من تاريخ القرار، كما أعطى الاعلان الدستوري الحق للمجلس العسكري في عمل تشكيل جديد للجمعية التأسيسية اذا قام عائق يحول دون أدائها لأعمالها .

المحور الثالث:

ملفات العلاقات المدنية العسكرية في عهد الرئيس مرسي

بدا من خلال الاجراءات السابقة التى اتخذها المجلس العسكرى قبيل تنصيب الرئيس مرسى، أن ملف العلاقات المدنية العسكرية سيكون صراعيا وصداميا، فالبداية ضبطية قضائية واعلان دستورى مكمل (مكبل) يجعل الرئيس منزوع الصلاحيات، وتأخير لنتيجة الانتخابات لمدة تقترب من عشرة أيام بشكل دراماتيكى. ويلاحظ الباحث، من خلال تحليل عدد من القضايا، أن فترة الرئيس مرسى شهدت محاولات لتحريك ملف العلاقات المدنية العسكرية بشكل مختلف كثيرا عن وضعه خلال العهود السابقة وهو ما يمكن أن يساعد فى الاجابة على بعض الأسئلة الحالية، لماذا قام الجيش بالانقلاب.؟ وهل شكل مرسى خطرا على وضعية استقلال المؤسسة العسكرية؟

سنحاول رصد هذه التحولات من خلال الملفات التالية:

أولا: ملف اقالة القادة والغاء الاعلان الدستورى

استلم الرئيس مرسى السلطة مكبلا باعلان عسكرى يجعل منه رئيس شكلى منزوع الصلاحيات لكنه استطاع بعد شهرين أن يلغيه ويقيل قيادات الجيش فى 12 اغسطس 2012 عقب حادثة قتل 16 جندى فى هجوم عسكرى فى رفح يوم 6 اغسطس (صرح رئيس المخابرات وقتها بارساله تقرير لقيادات الجيش قبل الحادث يحذر من وقع أعمال ارهابية وتمت اقالته هو ورئيس الشرطة العسكرية على إثر الحادث بأيام).

أقال مرسى قيادات الجيش من مناصبها لكنه فى نفس الوقت لم يحيلهم للمحاكمة لا فى هذه الجريمة ولا فى الجرائم السابقة التى ارتكبت فى الفترة الانتقالية بل قام بمنح بعضهم قلادة النيل وتعيينهم مستشارين له (طنطاوى وعنان)، وعين البعض الآخر فى وظائف أخرى مثل (مهاب مميش رئيس هئية قناة السويس) ثم اختار وزير دفاع منهم (عبد الفتاح السيسى الذى كان يرأس مدير المخابرات الحربية وأصغر عضو فى المجلس العسكرى).

ولا ندرى ما الذى حدث أيضا فى كواليس الاقالة والتعيين، هل قام بها مرسى منفردا أم تمت بالتشاور معهم؟ لكن يبدو أن هذه الخطوة لم تروق لقادة الجيش وهو ما عبر عنه السيسى بعد الانقلاب فى حوار تم تسريبه مع صحيفة المصرى اليوم تندر فيه من جرأة الرئيس مرسى فى اقالة قادة الجيش قائلاً: “ده غيره (مبارك) كان يجلس يفكر طوال العام هل يصلي معنا (الجيش) العيد أم لا يصلي معنا. هو مقولة مهمة للدلالة على رؤية الجيش لنفسه وعلاقته بالرئيس.

ثانيا: الموقف السياسى من الجيش

رغم الخطوة الجرئية التى أقدم عليها مرسى بعد شهر ونصف من توليه الرئاسة (اقالة قيادات الجيش والغاء الاعلان الدستورى)، إلا أن طريقة اخراجه للمشهد (قلادة نيل، تعيين فى مناصب أخرى، اختيار وزير دفاع منهم)، ومواقف عديدة لقادة الاخوان المسلمين تشير إلى محاولتهم احتواء الجيش وليس الصدام معه، تجنبا لردود أفعال سلبية قد تؤدي الى وأد المسار الديمقراطي. من ذلك تصريحات مختلفة لقيادات الإخوان المسلمين فى مدح الجيش المصرى وذم من يستخدم شعار (يسقط حكم العسكر).

ولا ننسى أيضا الأزمة التى أثارتها جريدة الجمهورية حينما نشرت على صفحتها الرئيسية مانشت مفاده التحقيق مع طنطاوى وعنان، وهو ما تم نفيه من الحكومة، وهو ما أثار امتعاض قيادات الجيش، وعلى إثر ذلك تمت إقالة جمال عبد الرحيم، رئيس تحرير الجريدة من قبل مجلس الشورى ثم عاد بحكم قضائى بعد فترة وجيزة.

ثالثا: الوضع المالى والاقتصادى والتشريعى للجيش

لم يشهد ملف الوضع المالى والاقتصادى للجيش تطورات جذرية فى عهد الرئيس مرسى لكنه فى نفس الوقت شهد تطورات جزئية. فعلى المستوى التشريعى استجابت الجمعية التأسيسية لمطالب ممثلى الجيش بضرورة إبعاد أنشطة الجيش عن الرقابة البرلمانية واستعيض عن ذلك بالنص على انشاء مجلس للدفاع الوطنى يتولى مناقشة الموازنة، ويضم الرئيس وسبعة من المدنين وسبعة من العسكرين (و بالتالي يرجح الرئيس الكفة المدنية)، و تكون ميزانية الجيش رقما واحدا معلنا في موازنة الدولة. كما سمح للقضاء العسكرى باستمراره فى محاكمة المدنين وإن كان نص المادة قد تم تضييقه بشكل كبير فيما يعد اعتداء مباشرا على القوات المسلحة، و أعطى للقانون (أي البرلمان) أن يحدد هذه الحالات، لكنه لم يلغ المحاكمات امام القضاء العسكرى بشكل كامل.

وعلى المستوى الاقتصادى أسندت حكومة قنديل خطتها الاولية لتنمية سيناء والتى تقدر بمخصصاتها المالية بنحو 4.4 مليار جنيه للجيش وشركاته لضمان سرعة الانجاز في خلال 6-9 أشهر. وعلى المستوى المالى استجابت وزارة المالية فى عهد مرسى بزيادة مخصصات الجيش فى موازنة 2013 إلى 30.9 مليار جنيه بدلا من 27 مليار جنيه فى عام 2012. كما وافق مجلس الشورى على زيادة معاشات العسكريين بمقدار 20%.

رابعا: ملف التسليح

لا ندرى هل تم فتح ملف التسليح علنيا مع قادة الجيش أم لا فى فترة الرئيس مرسى، لكن هناك مؤشرات عدة تشير إلى وجود توجه جديد لدى الرئيس فى قضية التسليح تنطلق من تأكيده على قضية الاستقلال الذاتى فى مصادر الغذاء والسلاح والدواء. يؤكد هذا التوجه الجديد زيارته للهند وباكستان والتى اصطحب فيها وزير الدفاع بالاضافة لعدد من رجال الأعمال، وكان واضحا أن الحديث سيجرى فى أمور عسكرية خاصة بالتسليح اضافة إلى التعاون الاقتصادى، كما يؤكد هذا الطرح زيارة الرئيس مرسى إلى تركيا واتفاقه على توريد عشر طائرات بدون طيار بشروط مالية ميسرة (أعلنت تركيا عنها فيما بعد عن وقفها بعد الإنقلاب).

كما يؤكد ذلك أيضا قصة الغواصات الإلمانية التى تعاقد عليها مرسى واعترضت عليها إسرائيل بشدة حتى كادت تُحدث أزمة دبلوماسية بين البلدين، وهو ما اضطر مسئولون ألمان كبار من بينهم وزير الدفاع إلى التعبير عن امتعاضهم من تدخل إسرائيل فى الشؤون الداخلية لألمانيا. وتُثار تخمنيات أيضا فى هذا السياق، فيما يتعلق بزيارة مرسى لإيران خاصة وأنها تمتلك قدرات تكنولوجية عسكرية متطورة وحالة العزلة الدولية التى تعانيها تسمح لأى أحد بالتفاوض معها فى أمور خاصة بالتسليح فى مقابل الدعم السياسى وفتح انفراجة دبلوماسية.

ولا تزال كواليس قضية التوجه الجديد فى قضية التسليح فى عهد مرسى، هل كانت توجها منفردا للرئيس أم توجها جماعيا متفق عليه مع قيادات الجيش، هل وافق الجيش أم ساير مرسى خجلا أم كان قلقا من تطور الاتجاه خاصة وأن الاستمرار فى هذه السياسة سيُدخلها حتما فى أزمة مع الولايات المتحدة الامريكية التى تدعم الجيش بنحو1.3مليار دولار سنويا، ويعتمد الأخير عليها فى توريد السلاح وقطع الغيار وأحيانا الصيانة (راجع قصة الطائرات العشر الاباتشى ).

كما أن قصة الغواصات الألمانية لم تمر فى سكون وإنما اعترضت عليها إسرائيل بشدة، وهذا النوع من الصفقات المزعجة التى قد تُحدث غضبا لإسرائيل أو أمريكا، لا يحبذها الجيش ولم يدخل فى نظير لها منذ معاهدة السلام علما بأن قادة الجيش لم يسبق لهم الاعتراض فى قضايا مثل التسليح والمعونة خلال عشرات السنين قبل الثورة. الأمر الذى يطرح تساؤلا حول جدية الجيش فى قضية تنويع مصادر التسلح من الخارج والانفتاح على تكنولجيا السلاح أم لا، هل خشى الجيش من تطور الأمر وفتح ملف التسليح الداخلى وعودة مصانع الانتاج الحربى للعمل فى مجال المنتجات الدفاعية ولكنه فى نفس الوقت يخشى التصريح حتى لا يسبب لنفسه احراجا أمام الرأى العام؟ من هذا المنطلق يبدو أن قصة الإنقلاب وأسبابه فى غاية التعقيد والتركيب، يتداخل فيها الخارج بالداخل، ويتشابك فيها الاقتصادى مع السياسى مع الثقافى مع الفكرى والأيديولجى والنفسى.

خامسا: ملف العلاقات مع إسرائيل

شهد ملف العلاقات المصرية الإسرائيلية تطورات ملحوظة فى عهد الرئيس مرسى وكان لهذا تجليات مختلفة، بدأت على مستوى المفردات فى الخطاب السياسى لمرسى (كانت مفردة الاحتلال أساسية فى خطابه عن إسرائيل بينما غابت مفردات إسرائيل –دولة إسرائيل-الجوار الشرقى. . ألخ )، كما شهدت قضية المعابر تطورا كبيرا فى عهد مرسى فصارت تفتح بمعدلات كبيرة لم تحدث منذ عشرات السنين، وصولا إلى أزمة العدوان على غزة فى نوفمبر 2012 والتى اتخذ فيها الرئيس مرسى موقفا تاريخيا لم يحدث من قبل، فكان خطابه قويا ومنحازا للمقاومة الفلسطينية انحيازا صريحا ثم أرسل رئيس الوزراء هشام قنديل وعددا من الوزراء إلى القطاع لتخفيف الضغط من الهجمات فضلا عن المشاورات الدبلوماسية مع عدد كبير من الدول لوقف العدوان (40 دولة وفقا لتصريحات الرئيس مرسى).

ولا ندرى ما موقف الجيش من هذه الازمة؟ فى ظل موقفه العدائى من حركة حماس، و موقفه المتقارب مع إسرائيل (ظهر ذلك بوضوح بعد الانقلاب حيث تم تصنيف حماس منظمة ارهابية واتهم الرئيس مرسى بالتخابر معها، اضافة إلى موقف النظام الانقلابي من العدوان على غزة فى 2014). هل كان الجيش مستريحا لموقف مرسى أثناء العدوان على غزة 2012؟ ما هي كواليس هذه الأزمة خاصة وأن خطاب الرئيس مرسى تجاه الأزمة لم يتضمن الاشارة إلى الجيش مطلقا رغم أن السياق كان يقتضى ذلك عندما قال (أوقفوا اراقة الدماء وإلا فغضبتنا لن تستطيعوا صدها، غضبة شعب وقيادة ولم يذكر الجيش )؟

وهنا يطرح الباحث تساؤلا: أليس من المفترض فى مثل هذه الظروف عقد لقاء بين الرئيس وقادة الجيش لاتخاذ مجموعة من القرارات تجاه العدوان الإسرائيلى وما يتبع ذلك من عقد مؤتمرات صحفية تجمع الرئيس بالعسكريين. . ألخ)؟

سادسا: ملف المحاكمات الجنائية لقادة الجيش

يبدو ملف محاكمة العسكريين على جرائم المرحلة الانتقالية محطة مهمة فى فهم موقف المؤسسة العسكرية من الرئيس مرسى وربما تفسير لماذا قاموا بالإنقلاب، ويمكن أن نأخذ أزمة تقرير تقصى الحقائق الذى تسرب لصحيفة الجارديان كمثال على ذلك .

وقد استطاعت صحيفة الجارديان أن تحصل على جزء من تقرير مطول للجنة تقصى الحقائق التى شكلها الرئيس محمد مرسى فور وصوله للحكم حول الاحداث منذ الثورة وحتى الفترة الانتقالية. وجاء فى التقرير أن القوات المسلحة شاركت في حالات اخفاء قسري لمدنيين وحالات تعذيب وقتل في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك في المتحف المصري، خلال الثورة عام 2011. وأشار التقرير أن أكثر من ألف شخص، بما في ذلك العديد من السجناء، سٌجلوا في عداد المفقودين خلال الثورة. كما أن العديد من حالات الوفيات، وجد على أجسادهم أثار التعذيب، ولايزال مصير المئات مجهولا، تاركين وراءهم عائلات يائسة لإحبائهم الذين يأملون، في أحسن الأحوال، أن يكون أحبائهم يقضون عقوبة السجن، وهو ما لم تعترف به الحكومة.

ومن بين الحوادث التي تم اكتشافها في التقرير، والتي تركز على مصير أولئك الذين فقدوا أو اختفوا قسرا، وجد الباحثون أن أفراد القوات المسلحة اعتقلوا عددا غير معروف، ولكنه من المرجح أن يكون كبيرا، من المدنيين عند نقطة تفتيش على طريق سريع جنوبي القاهرة ولم يتم رؤية هؤلاء المعتقلين بعد ذلك؛ كما تم اعتقال وتعذيب المتظاهرين في المتحف المصري قبل نقلهم إلى السجون العسكرية، مما أسفر عن مقتل شخص واحد على الأقل، وكذلك تسليم11 جثة مجهولة الهوية للطب الشرعي. وكشف التقرير أيضا أن عددا من المواطنين قتلوا خلال احتجازهم من قبل القوات المسلحة وأنهم دفنوا في مقابر عامة للفقراء، باعتبارهم مجهولي الهوية”.

ويضيف التقرير أن السلطات لم تحقق فى تلك الحوادث، رغم وجود أدلة على إصابات وتعذيب شديد. وأوصى التقرير بالتحقيق مع قادة القوات المسلحة حول إصدار أوامر وتعليمات لمرؤوسيهم الذين ارتكبوا أعمال التعذيب والاختفاء القسري.

وفور نشر الجادريان للتقرير طالبت منظمة «هيومان رايتس ووتش» الرئيس مرسي بالإعلان فورًا عن تقرير لجنة تقصي الحقائق التي شكلها بنفسه للتحقيق في انتهاكات الشرطة والجيش بحق المتظاهرين في الفترة من يناير 2011 إلي يونيو 2012.

وتوالت ردود الأفعال الغاضبة على التقرير من داخل الجيش حتى وصل الأمر إلى طلب اللقاء بالرئيس مرسى، وبالفعل عقد اجتماع حضره كل أعضاء المجلس العسكرى، وبعد اللقاء تحدث وزير الدفاع فى لقطات تلفزيونية بحضور الرئيس واقفا بين قيادات الجيش، وأخذ السيسى يدافع عن الجيش قائلاً “اقسم بالله، والله العظيم القوات المسلحة منذ 25 يناير حتى الآن لم تخن ولم تأمر بخيانة، لم تغدر ولم تأمر بغدر، لم تقتل لم تأمر بقتل وأرجو من كل من يسمعنى أن يكون حذرا قبل قبل أن يسىء للقوات المسلحة وبلده، القوات المسلحة مؤسسة وطنية شريفة تتأثر بشدة بأى اساءة توجه إليها “.

الذى يدعو للملاحظة أن الرئيس مرسى لم يتكلم فى هذه اللقطات التلفزيوينة ووقف ثابتا فى مكانه كالذى يؤدى التحية العسكرية فى مشهد لا يليق برئيس جمهورية. الأكثر إثارة أن قرارا جمهوريا صدر بعد الاجتماع بترقية قادة الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة إلى رتبة فريق. وهم الفريق يونس المصري قائد القوات الجوية والفريق أسامة الجندي قائد القوات البحرية واللواء عبد المنعم التراس قائد قوات الدفاع الجوي.

بدا واضحا أن قرار الترقية يهدف إلى احتواء غضب قيادات الجيش، لكن تثور تساؤلات حول توقيت التسريب فى 12 ابريل 2013، قبل الانقلاب بشهرين، وهى الفترة التى شهدت دعوات متكررة لاستدعاء الجيش فى المشهد السياسى من قبل قوى المعارضة المتمثلة فى جبهة الانقاذ، فهل كان مقصود المسرب (اذا اعتبرنا أنه من الاخوان) الضغط على الجيش للابتعاد عن المشهد وعدم الاستجابة لمطالب المعارضة، أم كان مقصود المُسرب (اذا كان من المخابرات أو خصوم الاخوان) زيادة غضب الجيش على الاخوان لاستمالته واقناعه بضرورة التدخل.

سابعا: لماذا قام الجيش بالانقلاب:

من خلال قراءة الملفات السابقة، يمكن الاستتناج أن قيادات الجيش شعرت بأن تحولات كبيرة يمكن أن تحدث فى ملفات كثيرة داخلية وخارجية إذا استمر الاخوان المسلمون فى الحكم وسط تخوفات من فكرة التمكين المنتشرة فى أدبيات الاخوان وهذا ما عبر عنه السيسى منفعلا (اتقالى احنا جايين نحكم 500 سنة).

لهذا تبدو فكرة اختزال دوافع الانقلاب فى عامل واحد غير دقيقة وتتداخل فيه سياسية واقتصادية وخارجية ويتداخل معها أيضا أبعاد أخرى أيديولجية ونفسية، فيبدو أن قيادات الجيش نفسها لم تكن مطمأنة نفسيا للرئيس مرسى والإخوان المسلمين، وانعكس ذلك على رؤيتهم لما يقدمونه من تطمينات مختلفة سواء فيما يتعلق الدور الاقتصادى للحيش أو حتى على أشخصاهم من الملاحقة الجنائية. كما تكررت فى خطابات السيسى بعد الإنقلاب عدة إشارات متعلقة بالأبعاد الفكرية والايديولوجية لجماعة الإخوان المسلمين التى ساهمت فى الإنقلاب عليهم، ومن ذلك إشارة السيسى لفكرة الخلافة الإسلامية والتنظيم الدولى للإخوان، وتمييزه بين إسلام الدولة وإسلام الفرد وإسلام الجماعة، وهى مفردات جديدة تشير إلى ان قائلها لديه تقييم للإخوان من مدخل ايديولجى وليس سياسى او اقتصادى أو ما يتعلق بالاداء وادارة شؤون الناس.

يؤكد ذلك أيضا حديث وزير الخارجية (نبيل فهمى )، مع بعض القنوات الغربية، والتى أشار فيها صراحة إلى أن المشكلة مع الرئيس مرسى لم تكن أبدا في سواء الأداء وإنما فى فكره المتعلق بالخلافة الإسلامية. ويبدو أيضا أن هذه المخاوف الايديولجية من الإخوان المسلمين لم تكن قاصرة على الجيش، وإنما امتدت إلى دول اقليمية مجاورة وبالأخص دول الخليج، صاحبة الموقف الواضح من ثورة يناير وآخر من اعترف بها، وهذه الدول تخشى نجاح الإخوان المسلمين فى السلطة، بما يشجع الحركات الإسلامية الاخرى فى بلادهم على الصعود بما يهدد عروش الخليج، ومن ثم فقد تلاقت مخاوف الخارج مع مخاوف الداخل، وساعد على ذلك وعود الخليج بالوقوف بجوار من يخلصهم من الإخوان إلى مالا نهاية. ومن ثم فقد توافر للمخاوف الموارد الاقتصادية اللازمة لتنفيذها على الأرض.

المحور الرابع:

وضع المؤسسة العسكرية بعد الإنقلاب (الاستقلال بالمكان كمقولة تفسيرية)

تضخم وضع المؤسسة العسكرية بعد الانقلاب بشكل كبير للغاية ليأخذ شكل مؤسسة تستولى على الحكم بقوة السلاح، كما صاحب ذلك توسع هائل فى المساحة الاقتصادية فصارت المؤسسة العسكرية تسيطر على مشروعات بمليارات الدولارت فى مجالات مختلفة. بحيث يمكن القول بأن المؤسسة العسكرية انتقلت من حالة الدفاع عن وضعية الاستقلال فى المكان إلى حالة الاستيلاء على المكان كله أو ما يمكن تسميته ب( الاستقلال بالمكان ).

ويمكننا أن نرصد عدة مؤشرات تؤكد هذه الوضعية كالتالى:

1. وضع الجيش فى دستور الإنقلاب

2. تغير العقيدة القتالية بعد الانقلاب

3. تغير الوظيفة الأمنية للجيش

4. الجيش كشركة أمن خاصة

5. التوغل فى المساحة الاقتصادية (المظاهر-الدلالات)

6. التوسع فى منح امتيازات للعسكريين.

أولا: وضع الجيش فى الدستور

1. وزير الدفاع أقوى من الرئيس

بعد الإنقلاب أصبح اللعب على المكشوف (كما يقولون)، فصارت المؤسسة العسكرية تطالب بتقنين وضعية الاستقلال عن الدولة صراحة، وهو ما فشلت فى تمريره فى الفترة الانتقالية وعهد الرئيس مرسى (وثيقة السلمى –الاعلان الدستورى المكمل). وكان للمؤسسة العسكرية ما أرادت فى التعديلات الدستورية التى أجريت على عينها من خلال لجنة قامت بتعينها من الظهير المدنى للإنقلاب، فتم تمرير بعض المواد التى تجهل المؤسسة العسكرية فوق الدولة نفسها، وبالأخص المادة 234 التى نزعت الحق المعروف لرئيس الجمهورية فى اختيار وزير الدفاع وجعلته حقا أصيلا للمجلس العسكري للقوات المسلحة، وهو ما يناقض فكرة الدولة المدنية ويضر بالدولة والجيش معا للأسباب الآتية :

• هذه المادة لا يوجد لها مثيل فى كل دساتير العالم حتى دول افريقيا التى تموج بالإنقلابات العسكرية كما لا يوجد لها شبيه حتى فى أشد الدول تخلفا وديكتاتورية، حيث سيصبح الموقع الوظيفى والدستورى لوزير الدفاع المعين من قبل المؤسسة العسكرية أقوى وأكثر استقرارا من الرئيس المنتخب. وبالرغم أن وزير الدفاع هو جزء من السلطة التنفيذية التى يرأسها رئيس الجمهورية بنص المادة 139 إلا أن الأخير لا يمكنه تغيير وزير الدفاع مثل باقى الوزراء دون قبول المجلس الأعلى للقوات المسلحة مهما فعل الوزير.

•من المفترض فى الدستور أن يحدث توازنا بين السلطات الثلاث المعروفة، التنفيذية والتشريعية والقضائية، لكن الواقع أن هذه المادة تخلق سلطة رابعة فوق هذه السلطات هى المؤسسة العسكرية.

•إن هذه المادة تخلق تنافسا سياسيا داخل المؤسسة العسكرية حول منصب الوزير، مما يهدد تماسك المؤسسة ويجعلها عرضة للتكتلات والتكتلات المضادة بين أبناء القوات المسلحة.

2. التوسع فى صلاحيات القضاء العسكرى

كما توسع الدستور فى المادة 204 فى صلاحيات القضاء العسكرى فى محاكمة المدنيين وذلك عبر توسيع تعريف الجرائم العسكرية التى قد تصل لأى مواطن يتعامل مع أى شخص أو جهة أو مكان تابع للقوات المسلحة بما فيها بنزينة وطنية وفقا لتفسير رئيس هئية القضاء العسكرى فيما بعد. استنادا إلى هذا الوضع قامت الحكومة المصرية فى 25 اكتوبر 2014 بعد مقتل جنود فى سيناء بتعديل قانون القضاء العسكري لتضيف اختصاصات بينها محاكمة المدنيين في قضايا التي تهدد سلامة وأمن البلاد والتي تتعلق بالاعتداء على منشآت وأفراد القوات المسلحة والشرطة والمرافق والممتلكات العامة وإتلاف وقطع الطرق، فضلا عن اصدار قراراً بقانون في 28 اكتوبر 2014 بشأن تأمين وحماية المنشآت العامة والحيوية، يقضى بمشاركة القوات المسلحة لجهاز الشرطة فى حماية وتأمين المنشآت العامة والحيوية بالدولة لمدة عامين، على أن تحال الجرائم التى ترتكب ضد هذه المنشآت إلى القضاء العسكرى. ويسرى هذا القانون على محطات وشبكات وأبراج الكهرباء، خطوط الغاز، حقول البترول، خطوط السكك الحديدية، شبكات الطرق والكبارى، وغيرها من المرافق والممتلكات العامة وما فى حكمها ضد أى أعمال إرهابية (مما قد ينطبق على الوطن كله في واقع الأمر)، كما توسعت المؤسسة العسكرية فى منح أفرادها حق قتل المتظاهرين دون الخوف من أى محاكمة، وذلك فى تصريح (تسريب)شهير للسيسى “معدش هايتحاكم فى قتل حد والمتظاهرين كمان عارفين ده ”

3. اضفاء وضع ديكورى للمدنيين فى مجلس الدفاع الوطنى

المادة 203 : تجعل العسكريين أغلبية تتجاوز الأقلية المدنية المنتخبة فى تحديد قرارات تمس الأمن القومى والتعامل معها ليس من منظور عسكرى فقط بل سياسى أيضا، كما تجعل متابعة البرلمان والأجهزة الرقابية للموازنة العسكرية ضعيفة أو منعدمة تحت دعوى الحفاظ على الأمن القومى رغم أن كل الديموقراطيات تحافظ على الأمن القومى مع إخضاع كل المؤسسات بلا استثناء لرقابة الدولة وبرلمانها المنتخب وأجهزتها الرقابية.

إذا حاولنا قراءة المواد الدستورية السابقة بشكل مجمع سنكتشف بأن وضع الجيش تخطى وضعية المؤسسة المستقلة داخل الدولة إلى وضع الدولة داخل أو فوق الدولة بالفعل، وتتوفر له كل المقومات الخاصة بذلك الوضع، ميزانية غير معلنة وتدرج رقم واحد فى الموزانة العامة و لا رقيب مدني حقيقي على تحديدها أو أوجه انفاقها، اقتصاد موزاى غير مراقب وغير معروف حجمه، اختصاص بتعيين وزيرها أو رئيسها، محاكم خاصة، ولاية قضائية على محاكمة المدنيين (القاطنين فى الدولة الأخرى المجاورة مجازا) وبالتالى تتوفر للمؤسسة العسكرية كل مقومات الدولة مع أنها فى الحقيقة وزارة من الوزارات وتخضع لسلطة رئيس الجمهورية الذى يتحمل مسؤلية تقصيرها أو فشل قاداتها. الغريب فى الأمر أن هذا الدستور منح بعض المؤسسات الأخرى وضعا شبيها بالإستقلال مثل المؤسسة القضائية عندما أخرجها من رقابة الدولة بجعل ميزانيتها رقمًا وحيدًا، لتصبح مع الجيش جزرًا منعزلة فوق الدولة وفوق الدستور. لكن فى المقابل جعل تعيين النائب العام من سلطات رئيس الجمهورية بينما كان في الدستور المعطل من خلال ترشيح مجلس القضاء الأعلى.

ثانيا: تغير العقيدة القتالية للجيش

كثيرا ما أكد قادة الجيش بعد الثورة على رفض الجيش لفكرة الانقلابات العسكرية وازاحة الحكام بالقوة العسكرية، وهو ما صرح به اللواء ممدوح شاهين واللواء العصار فى حوار تلفزيونى مع الإعلامى ابراهيم عيسى بعد الثورة بأسابيع، وجاء فى تصريحات الجنرالات ردا على توصيف تنحى مبارك بالانقلاب حيث تولى المجلس العسكرى الحكم بعد الثورة، فكان ردهم أن عقيدة المؤسسة العسكرية راسخة فى رفض الانقلاب على الرؤساء حتى لو فقدوا شرعيتهم مشيرا إلى أن ذلك كان فى امكانهم فعله ولكنهم لم يفعلوه بسبب عقيدتهم التى تربوا عليها والتى وصفوها بالحضارية كما أشاروا إلى أنهم لم يضغطوا على مبارك فى التنحى. يضاف الى ذلك التصريحات الكثيرة المنقولة عن السيسي ابان حكم الرئيس مرسي، العلنية منها و المسربة، برفض تدخل الجيش في السياسة أو الانحياز لطرف دون الأخر…الخ.

إذا قارنا ما فعله المجلس العسكرى مع مبارك وما فلعوه مع الرئيس مرسى سنجد اختلافات كبيرة تفيد بأن ثمة تغييرات جذرية حدثت للعقيدة القتالية بما يجعلها تحمى المتظاهرين المنادين باسقاط مرسى ثم تطيح به بعد يومين فقط من التظاهر الحر الذى لم يتعرض لأى أذى، بينما تقف مع الرئيس مبارك لمدة 18 يوم من المظاهرات والاعتصامات التى قتل فيها المئات ثم تتظاهر بحماية المتظاهرين وتسمح بتمرير موقعة الجمل لعل الجموع تنفض، وأخيرا تعطى التحية للرئيس مبارك بعد التنحى بينما تخطف الرئيس مرسى فى مكان غير معلوم لمدة تزيد على ال45 يوما .

إذن كان هذا أول تغير فى العقيدة القتالية وفقا لما صرح به الجنرالات سابقا، وإن كان الباحث يرى أن فكرة الانقلابات هى مكون رئيسى من عقيدة القوات المسلحة منذ نشأتها الحديثة، والأمثلة كثيرة على ذلك بدءا من انقلاب أو ثورة 1952 ومرورا بالانقلاب على محمد نجيب عام 1954 ثم محاولة عبد الحكيم عامر الانقلاب على عبد الناصر عام 1967 ثم مجىء السادات وتفاديه لمحاولة انقلاب مايو 1971 فيما عرف بثورة التصحيح للتخلص من مراكز القوى التى تكونت فى عهد عبد الناصر، ومن أبرز الشخصيات التي تم إبعادها :

• نائب رئيس الجمهورية علي صبري

• وزير الدفاع محمد فوزي

• وزير الداخلية شعراوي جمعة

• وزير الإعلام محمد فائق

• رئيس البرلمان محمد لبيب شقير

• سكرتير رئيس الجمهورية سامي شرف.

وقد استطاع السادات محاصرتهم والقاء القبض عليهم داخل مبنى الاذاعة والتلفزيون واستعان في ذلك بعدة أشخاص اهمهم الليثي ناصف قائد الحرس الجمهوري وقتها. ثم جاء اغتيال السادات من داخل الجيش (مجموعة الزمر)، ثم جاء مبارك وأطاح بمن له نفوذ داخل الجيش (المشير أبو غزالة)، بل ان اختيار طنطاوى كان اختيارا سياسيا بالأساس مبنى على اعتبارات متعلقة بتفادى الانقلابات العسكرية عن طريق التحكم فى قيادتها والتأكد من ولائها، وتبع ذلك السماح للجيش بلعب أدوار اقتصادية واستمالة كبار الضباط مقابل الابتعاد عن السياسة، كل هذا يشير إلى أن فكرة الانقلاب على الرؤساء كانت حاضرة وبقوة فى تاريخ هذه المؤسسة منذ عهد بعيد، وهو ما يعنى أن ما حدث فى يناير وما حدث فى 3 يوليو لما يكن جديدا وإنما امتداد لتاريخ طويل من الانقلابات داخل أو على الانقلابات لكن يبدو أننا لم نقرأ التاريخ جيدا وهذه هى المشكلة.

التغير الثانى الذى حدث فى العقيدة القتالية للجيش مع الانقلاب، هو ما يسمى بالحرب على الإرهاب، وهى نفس الاستراتيجية الأمريكية المتبعة منذ احداث الحادى عشر من سبتمبر، وبنفس الصيغة والتعريف وإن كان السيسى أكثر تطرفا فى تعريف الارهاب من الولايات المتحدة التى تعلن محاربتها للحركات الإسلامية الجهادية فى المنطقة(القاعدة –داعش، طالبان)، بينما السيسى يعلن الحرب على من تعتبره الولايات المتحدة جماعة اسلامية معتدلة وهم الاخوان المسلمين، وعلى هذا صنف السيسى الاخوان بالجماعة الارهابية وركز حربه عليها فى الداخل ويحاول –عن طريق الضغط الخليجى –أن يقنع الامريكين والأوربيين بتنصيفها كذلك وهو ما رفضته هذه الدول حتى الآن (أمريكا –بريطانيا –الاتحاد الاوربى).

لكنها فى نفس الوقت تترك له المجال لقمعها بشتى الطرق، فالولايات المتحدة كانت ولا تزال تعتمد استراتيجية احتواء بعض الحركات الاسلامية وضرب الأخرى، فإذا أردا السيسى ضرب المعتدلة فليكن له ذلك ولكن بعيدا عنا ولنرى ما ستسفر عنه النتائج، فإذا استطاع أن يقضى عليهم يمكن للولايات المتحدة أن تفكر فى تصنيفها كما يريد وإذا فشل يمكنها العودة إلى نفس السياسة، احتواء بعض الحركات وضرب الأخرى.

الغريب أن السيسى يشارك بالفعل مع الأمريكان والاوربيين فى ضرب الحركات التى تصنفها الولايات المتحدة ارهابية مثل داعش والتحالف الدولى ضدها، وهو ما يعنى أنه يقوم بوظيفة مثالية ربما لن يستطيع أى حاكم آخر القيام بها (التحالف ضد داعش –حماية إسرائيل علانية- محاولة القضاء على حركة اسلامية معتدلة تريد أمريكا القضاء عليها بعيدا عنها).

وامتداداً لتغيير العقيدة القتالية نحو الحرب على الإرهاب، يشارك السيسى وبقوة فى عملية تصفية الحركات الاسلامية فى ليبيا بالتعاون مع بعض دول الخليج، وهو ما يعنى أن الجيش سيظل متورطا فى مغامرات خارجية ربما تستمر لسنوات تحت شعار الحرب على الإرهاب.

الغريب أن دول الجوار الليبى (الجزائر –تونس) ترفض التدخل العسكرى فى ليبيا، وتدعو لحل سياسى يدعمها فى ذلك الولايات المتحدة والأمم المتحدة، بينما السيسى يصر على دخول المعركة منفردا بدعم خليجى وهو ما يشير إلى حالة من التهور السياسى التى ستدفع ثمنها مصر (جيشا وشعبا) على المدى الطويل فى ظل حالة من السيولة تعيشها ليبيا بدون نظام وبدون جيش نظامى وقبائل ومجموعات متصارعة مع حدود شبه مفتوحة تربطها بمصر تصل إلى أكثر من 1200 كيلو متر مربع.

ثالثا: تغير الوظيفة الامنية للجيش

مع تغير العقيدة القتالية للجيش نحو الحرب على الإرهاب (المحتمل)، وتعيين الارهاب وتسميته تحديدا فى جماعة الاخوان المسلمين، حدث تغير نوعى آخر فى وظيفة الجيش الأمنية، فأصبح مشاركا منذ الإنقلاب حتى الآن فى الأمن الداخلى مع الشرطة مع التوسع فى منح مجنديه الحق فى مواجهة المتظاهرين دون الخوف من أية محاكمة، وذلك فى تصريح (تسريب)شهير للسيسى “محدش هايتحاكم فى قتل حد والمتظاهرين كمان عارفين ده”، قام بترجمته شكل قانونى فيما بعد عندما أصدر قرارا بقانون أصدره فى 9 اكتوبر لتعديل الفقرة الثانية من المادة ٩٤ من قانون هيئة الشرطة، ليصبح القضاء العسكري دون غيره مختصا بنظر كافة الجرائم التي تقع من المجندين الملحقين بخدمة هيئة الشرطة، والمقصود بهم المجندون في القوات المسلحة الذين يقضون فترة خدمتهم في الشرطة (الأمن المركزى).

بما يعنى أن الاعارة للعمل فى جهاز مدنى لا تعنى الاحتكام لقوانيين هذه الجهة التى تعمل فيها. وهو وضع مقلوب لا ندرى لماذا اتخذ فى هذه التوقيت، لحماية الأمن المركزى أم لضمان عدم عصيانه أو تمرده خاصة وأن لهم سابقة فى ذلك (انتفاضة الأمن المركزى25 فبراير عام 1986).

شاركت قوات الجيش في عمليات قتل جماعية لم تحدث فى تاريخ مصر الحديث أهمها مجزرة الحرس الجمهورى والمنصة ثم رابعة والنهضة، كما توسع الجيش فى محاكمة مئات من المتظاهرين عسكريا عبر احالتهم للقضاء العسكرى فور القبض عليهم أو بواسطة المحاكم المدنية. ظل الجيش على هذا الوضع مشاركا فى عمليات الأمن الداخلى مع الشرطة بحكم الأمر الواقع بعد الانقلاب إلى أن أصدر عبدالفتاح السيسى فى 28 اكتوبر 2014 قراراً بقانون بشأن تأمين وحماية المنشآت العامة والحيوية، يقضى بمشاركة القوات المسلحة لجهاز الشرطة فى حماية وتأمين المنشآت العامة والحيوية بالدولة لمدة عامين، على أن تحال الجرائم التى ترتكب ضد هذه المنشآت إلى القضاء العسكرى. ويسرى هذا القانون على محطات وشبكات وأبراج الكهرباء، خطوط الغاز، حقول البترول، خطوط السكك الحديدية، شبكات الطرق والكبارى، وغيرها من المرافق والممتلكات العامة وما فى حكمها ضد أى أعمال إرهابية.

بما يعنى أن هذه المنشآت أصبحت فى حكم المنشآت العسكرية طوال فترة تأمينها. المهم فى الموضوع أن هذا القرار صدر بعدا اجتماع السيسى بأعضاء مجلس الدفاع الوطنى فى اجتماع خاص بمناقشة تداعيات حادثة كرم القواديس التى قتل فيها ما يزيد على العشرين جندي. وهو ما يشير إلى دلالات عكسية إذ المفروض أن يقوم الجيش بتكثيف قواته فى سيناء بعد الحادثة فإذا به يفعل العكس ويقر توليها للامن الداخلى لمدة عامين!

رابعا: الجيش كشركة أمن خاصة :

حدث تطور نوعى فى الوظيفة الأمنية الداخلية للجيش فصار يتعامل مع المؤسسات الحكومية التى يحميها بمنطق شركات الأمن الخاصة (المال مقابل الأمن)، وتشير بعض الوثائق التى نشرتها قناة الجزيرة مباشر مصر فى 16 يوليو2014 (قبل اغلاقها) إلى تعاقد الشركة القابضة للكهرباء مع جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابعة للجيش على قيام قوات الجيش بتقديم خدمات الحراسة مقابل مبالغ مادية تصل إلى 135 ألف جنيه شهريًا، نظرًا لما أسمته شركة الكهرباء ” موقف المشروع، وكونه هدفًا حيويًا استراتيجيا” فقد تم مخاطبة وزارة الدفاع لتأمين الموقع، مقابل مبلغ مادي.

ويطرح هذا التعاقد اسئلة من قبيل: هل اصبحت مهمة الجيش حماية المؤسسات المدنية نظير أجر؟ وهل كان من الافضل تخصيص هذه المبالغ لتطوير المحطات؟ وما هو دور شرطة الكهرباء التي تتقاضى اموالا من شركة الكهرباء وما هو وضعه الجديد بعد انتقال مهامه الى الجيش؟ ولعلنا نستطيع تفسير هذا التوجه الجديد للجيش فى التعامل مع الوظيفة الامنية من مدخل البزنس .

خامسا: الجيش والتوغل فى المساحة الاقتصادية (المظاهر –الدلالات)

يلاحظ المتابع لملف اقتصاد الجيش أن مساحات توغله فى اقتصاد البلاد تضخمت بشدة خلال العام الماضى وبالأخص منذ أن قام بالإنقلاب العسكرى على الرئيس محمد مرسى فى 3 يوليو 2013، وأصبح الحاكم الفعلى للبلاد وحتى تنصيب السيسى رئيسا فى عملية انتخابات شكلية فى يونيو 2014. بدأ الجيش فى استعادة سيطرته القديمة مجددا عن طريق اجتذب مشروعات اقتصادية ضخمة بالمليارات وساعده على ذلك الدعم الأجنبي الذي زاد منذ الإطاحة بمرسى وبالأخص من دول الخليج. فتوسع فى السيطرة على معظم المشروعات الجارية فى المساحة الاقتصادية بشكل علنى وواسع للغاية فى مجالات الإسكان والطرق والكبارى والأراضى والكهرباء والاتصالات والصوامع والملاعب والموانىء إضافة إلى مشروع قناة السويس وانتهاء بمجال الطب(اعلان اكتشاف عالمى لعلاج الايدز ).

وصاحب تزايد نفوذ الجيش تعديلات فى البنية التشريعية المنظمة للقرارات الاقتصادية الحكومية بحيث تسمح للجيش بالتوغل فى المشروعات الاقتصادية بشكل قانونى وبدون منافسات، ومن هنا أصدر الرئيس المؤقت عدلي منصور في نوفمبر 2013 قرارا يسمح للحكومة بالتخلي عن المناقصات وإسناد المشروعات لأي شركة في الحالات العاجلة وهي خطوة عادت بالفائدة حتى الآن على شركات تابعة للجيش، إذ استطاعت الحكومة اسناد عدد من المشروعات الكبرى فى مجال البنية التحتية لشركات تابعة للجيش بناء على هذا القانون.

فقد منحت وزارات الصحة والنقل والإسكان والشباب وزارة الدفاع المصرية عقوداً عدة تزيد قيمتها عن مليار دولار لتنفيذ مشاريع بنية تحتية كبيرة. وتتراوح هذه المشاريع بين بناء الطرق السريعة الجديدة، وإسكان لذوي الدخل المنخفض، وترميم وتجديد بعض المستشفيات العامة ومراكز الشباب. وقد برّر مجلس الوزراء المصري تفضيله القوات المسلحة على الشركات الخاصة لتنفيذ هذه المشاريع على أساس كفاءة الجيش وانضباطه في تنفيذ المشاريع بسرعة ومعايير عالية. ورغم أن تكليف الجيش بتنفيذ مشاريع البنية التحتية في مصر ليس بالأمر الجديد غير أن التوسع فى هذا الدور وخاصة منذ الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي في يوليو 2013 وتنصيب عبد الفتاح السيسي رئيساً للبلاد يونيو 2014، إلى جانب العديد من التعديلات القانونية والتشريعية، تثير تساؤلات عديدة و أساسية حول دور المؤسسة العسكرية في الإقتصاد المصري، خصوصاً في مايتعلّق بعدالة وشفافيه ممارساته فضلا عن وظائف المؤسسات المدنية للدولة ومستقبلها فى ظل توغل المؤسسة العسكرية.

وفي أبريل 2014، وافقت الحكومة على القانون الذي يقيّد حق الأطراف الأخرى في الطعن على العقود التجارية والعقارية الموقّعة مع الدولة. وقد أصبح هذا الحق الآن محفوظاً للحكومة والمؤسّسات المشاركة في الصفقة والشركاء التجاريين. وعلى الرغم من أن الحكومة برّرت هذا القانون بوصفه وسيلة لتشجيع الاستثمار الأجنبي، فانه اجراء سيؤدى إلى تقليص الرقابة والمساءلة الشعبية للحكومة .

إضافة إلى ذلك، فإن العقود الثلاثة التي وقّعها جهاز مشروعات الخدمة الوطنية لبناء طرق سريعة جديدة تغذّي مخاوف إضافية بشأن المساءلة والشفافية. إذ تنصّ هذه الاتفاقيات التي تم توقيعها بين وزارتي النقل والدفاع على أن الشركة الوطنية لإنشاء وتطوير وإدارة الطرق – أحد شركات جهاز مشروعات الخدمة الوطنية – ستبني وتدير وتؤجّر طريقين لمدة تسعة وتسعين عاماً، والطريق الثالث لمدة خمسين سنة. وفي المقابل، يدفع جهاز مشروعات الخدمة الوطنية للحكومة حوالى 843 ألف دولار سنوياً. وقد أبرمت هذه الصفقات بعد صدور القانون المعدّل بشأن المناقصات، وهو ما يشير إلي أن الجيش يستفيد بالفعل من هذه التعديلات التشريعية، وسيكون بمنأى عن أي اعتراضات على هذه الإتفاقات.

وأیضا ثمّة تساؤلات حول عدة عقود كبرى جديدة مع بعض دول الخليج وبالأخص الإمارات. إذ تعزّز هذه الاتفاقيات، التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، الاتجاه نحو توغل الجيش المصرى فى المساحات الاقتصادية على المدى الطويل. ولا يخفى على أحد الدور الذى لعبته الامارات ودول الخليج فى الاطاحة بمرسى ودعم الجيش، ومن ثم فليس غريبا أن تدعم هذه الدول النظام الجديد بمليارات الدولارت. لكن من غیر المعتاد أن يأتي هذا الدعم عن طريق وزارة الدفاع المصرية وليس عن طريق الوزرات الاخرى للدولة فمعظم العقود التى ابرمتها هذه الدول تمت مع الجيش وبعض كياناته مثل الهيئة الهندسية، رغم أنها مشروعات مدنية صرفة.

ففي النصف الأول من عام 2014، وقّع الجيش المصري عقداً لإقامة مشروعين إسكانيين مع شركات إماراتية، بمعزل عن المبالغ المالية الكبيرة التي تعهّدت حكومة الإمارات بتقديمها لمساعدة مصر. وقد تم توقيع المشروع الأول في فبراير الماضي، عندما وقعت شركة إعمار مصر، وهي شركة تابعة لشركة إعمار العقارية في الإمارات، اتفاقاً مع وزارات الدفاع والإسكان والتنمية المحلية لبناء مشروع “إعمار سكوير”، كجزء من المشروع الإسكاني “أب تاون كايرو”. وتتضمّن صفقة “إعمار سكوير”نقل معسكرات تابعة للجيش إلى أماكن جديدة وتطوير مستوى البنية التحتية في المنطقة.

وأعقب هذا الاتفاق توقيع عقد مشروع إسكاني آخر لذوي الدخل المنخفض بقيمة 40 مليار دولار، في مارس الماضي، مع شركة بناء إماراتية أخرى هي “أرابتك”. وتتضمّن الصفقة بناء مليون شقة تغطّي 160 مليون متر مربع (1. 722 مليون قدم مربع) في ثلاثة عشر موقعاً في مصر. ورغم أن وزارة الإسكان وهيئة المجتمعات العمرانية هى المنوطة بهذا المجال إلا أن العقد تم توقيعه مع الهئية الهندسية بالجيش. الغريب فى الامر أن رئيس الوزراء الذى وقع فى عهده العقد هو وزير اسكان سابق (ابراهيم محلب). إضافة إلى ذلك، وقّعت الحكومة المصرية ودولة الإمارات العربية المتحدة اتفاق منحة في أكتوبر 2013، تموِّل بموجبها دولة الإمارات عدة مشروعات تنموية في مصر، ويعهد الاتفاق إلى وزارة الدفاع على وجه التحديد الإشراف على بناء وتنفيذ عدد من هذه المشاريع الحيوية.وتبلغ قيمة المنحة عدة مليارات من الدولارات في شكل مساعدات اقتصادية وتنموية (المبلغ الإجمالي وقائمة المشاريع غير محدّدة في إعلان الإتفاق الذي تم نشره في طبعة الجريدة الرسمية). أضف إلى ذلك تولى الجيش مشروع قناة السويس الجديدة عبر اسناد مهمة الاشراف والتنفيذ للهيئة الهندسية للقوات المسلحة بالتحالف مع 33 شركة مدنية هو مشروع تقدر قيمته بمليارات الدولارت.

كما بدأت هيئات الجيش تنافس المؤسسات والهئيات الحكومية الأخرى فى تنفيذ مشروعاتها الخاصة، فقد أعلنت وزارة الكهرباء تولى هيئة التسليح بالقوات المسلحة تنفيذ وتشغيل الخطة الإسعافية الثالثة لوزارة الكهرباء لعام 2015 والتى تقدر تكلفتها بنحو 16 مليار جنيه. وهو أمر غريب للغاية إذ كيف تسمح وزارة الكهرباء لمؤسسة أخرى بتنفيذيذ مشروعها وتوقيع عقود مع شركات أجنبية فى هذا الشأن، كما لو كان دور الوزارة فى مشروعاتها هو دور المتحدث الرسمى .

كما أعلنت شركة مطاحن مصر الوسطى عن فوز الهيئة العربية للتصنيع بمناقصة انشاء صومعة بنى مزار التابعة للشركة لتقدمها بأقل عرض مقدم فى المزاد بقيمة 20 مليون جنيه، بما يعنى أن الهئية العربية للتصنيع سارت لها قدرة تنافسية عالية فى مجالات مختلفة منها صوامع القمح. وعلى غرار مطاحن مصر الوسطى أعلنت هئية النقل العام عن قيام الهئية الهندسية بالقوات المسلحة بتنفيذ خطة تحديث أسطولها من الأتوبيسات فى إطار توجه حكومى نحو توفير وسائل نقل عام بتعريفات منخفضة فى ظل ارتفاع تعريفة النقل الجماعى والخاص على مستوى الجمهورية بعد خفض دعم الطاقة وهو ما خصصت له الحكومة اعتمادات اضافية تصل إلى ـ655 مليون جنيه.

وقالت هيئة النقل إن الهيئة الهندسية للقوات المسلحة طرحت مناقصة نهاية شهر يونيو 2014 بغرض شراء 400 أتوبيس تعمل بالغاز الطبيعى بتكلفة تتخطى 400 مليون جنيه لتعزيز أسطول الهيئة، كما تعاقدت مع شركة غبور فى مايو 2014 بشأن توريد 300 أتوبيس جديد بتكلفة 300 مليون جنيه بتمويل من الإمارات إضافة إلى 300 أخرى من المنتظر توريدها عبر مناقصة عالمية. يشار إلى أن دولة الإمارات تعهدت بتمويل عمليات شراء 600 أتوبيس لصالح الهيئة فى الربع الأخير من عام 2013.

الغريب فى الأمر أن جهاز المخابرات العامة بدأ هو الآخر يمارس أدوارا اقتصادية ، فقد أعلنت وزارة الشباب والرياضة عن اسناد عملية إنشاء 625 ملعبًا جديدًا لكرة القدم بالنجيل الصناعي والأضواء الكاشفة والأسوار بتكلفة إجمالية حوالي 364 مليون جنيه، إلى جهتين هما وزارة الإنتاج الحربي وجهاز المخابرات العامة، وقال وزير الشباب خالد عبد العزيز أن الاسناد لهذه الجهات بسبب تميز أعمالها وسرعة أدائها. ولا ندرى ما علاقة جهاز مختص بجمع المعلومات الحساسة بانشاء ملاعب.؟

سادسا: التوسع فى منح امتيازات للعسكريين:

بدأ السيسى خطابه للشعب بعد الانقلاب بمقولات ناعمة من قبيل “إن هذا الشعب لم يجد من يحنو عليه”، وسرعان ما تغيرت لهجة خطابه لتتحول إلى مقولات تقشفية صرفة (مفيش –معنديش –أنا مش مش عايز أديك. . . أنا مش قادر أديك-مفيش مطالب فئوية -مش هاتسجيب لأى مطلب–قطعوا الرغيف أربع أجزاء –روحوا الجامعة مشى-أنا ممكن أضحى بجيل وجيلين عشان مصر. . . ألخ ). وبناء عليه بدأ فى اتخاذ مجموعة من الاجراءات الاقتصادية شديدة التقشف لم يجرؤ أحد من قبله على اتخاذها، أهمها الرفع الجزئي للدعم عن الطاقة والذى أدى إلى ارتفاع قياسى للأسعار.

لم يكن من المتوقع أن ترتفع مرتبات أية جهة حكومية فى ظل هذه الخطاب التقشفى الصارم، ولكن يبدو أن خطاب السيسى لم يكن موجها للعسكريين على الإطلاق، فالسيسى يفرق جيدا بين شعب المؤسسات الأمنية الذى يستند عليه بشدة والشعب المدنى الذى لا يستحق كثيرا من الخدمات التى تقدم إليه وفقا لرؤيته التى عبر عنها كثيرا (معرفش أو بلاش –تدفع تاخد متدفعش ماتخدش –لو طولت أخلى اللى بيتكلم واللى بيستقبل المكالمة يدفعوا هاعمل ده- الانبوبة بتكلف الدولة 60 جنيه ليه تاخدها ب 5 جنيه ) فضلا عن خذلان هذا الشعب للسيسى فى أكثر من موقف (الاستفتاء والانتخابات الرئاسية).

زادت مرتبات العسكريين أربع زيادات خلال العاميين الماضيين، في الوقت الذي يعاني فيه بعض العاملين بالدولة من ضعف مرتباتهم، وعلى رأسهم العمالة المؤقتة التي تطالب بتعيينها بصفة دائمة، حتى يمكنها الحصول على دخول تفي باحتياجاتها الأساسية. كما تم رفع معاشات العسكريين بنسبة 15% بدلا من 10%.

وتتحمل الموازنة العامة المرتبات العسكرية والاستثنائية والتى تصل إلى 12 مليار جنيه مع أنها أصلا ليست من التزامات الموازنة، فالأصل أن تدفعها الصناديق العسكرية، والمشكلة أن المعاشات العسكرية تمثل تقريبا نصف تحويلات الخزانة العامة لصناديق المعاشات لمساندتها، فالأصل أن تتحمل موازنة القوات المسلحة المرتبات العسكرية، أما في مصر فالباب الخامس بالموازنة يشمل موازنة القوات المسلحة الرسمية، إضافة الى ذلك تتحمل الموازنة المرتبات العسكرية والتي تقدر بنحو ١٢ مليار جنبه في الباب الرابع للموازنة (باب الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية).

يذكر أن هذا الأمر قد تم فتحه للمرة الأولى فى عهد الرئيس مرسى عبر مجلس الشورى الذى تم حله بعد الانقلاب، وكان النقاش يدور حول تحميل المرتبات والمعاشات للقوات المسلحة، لأنه ليس من المنطقي أن تتحمل الموازنة مرتبات عسكرية واستثنائية بالمليارات، في حين لا تستطيع رفع المرتبات العادية ومعاشات الضمان الاجتماعي للفئات الأخرى. المفارقة أنه في الوقت الذي تتم فيها زيادة المرتبات العسكرية فإن موازنة عام 2014/2015 قد خفضت ثمانية بنود للدعم بجانب تخفيض دعم الطاقة، منها دعم الخبز، ودعم تنمية الصعيد، ودعم القروض الميسرة، ودعم إسكان محدودي الدخل، ودعم المناطق الصناعية، ودعم تنشيط الصادرات، ودعم اشتراكات الطلبة، ودعم الأدوية وألبان الأطفال .

وفى امتياز آخر تم اعفاء بعض المنشاءات العسكرية من الضرائب وفقا للتعديلات التى أجريت مؤخرا على قانون الضريبة العقارية والتى نصت على اعفاء “أندية وفنادق القوات المسلحة ودور الأسلحة والمجمعات والمراكز الطبية والمستشفيات والعيادات العسكرية والعقارات المبنية في نطاقها وغيرها من الوحدات التي يصدر بتحديدها قرار من وزير الدفاع بالاتفاق مع الوزير المختص، وفي جميع الأحوال لا تخضع أي من هذه الجهات لأعمال لجان الحصر والتقدير وفقًا لما تقتضيه اعتبارات شؤون الدفاع ومتطلبات الأمن القومي”

سابعا: خدعة التبرعات العسكرية

تبادر المؤسسة العسكرية من حين لآخر بالتبرع بمالغ مالية ضخمة فى مجالات عدة، ففى عهد المجلس العسكرى(3 ديسمبر 2011) أعلن اللواء محمود نصر، مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية عن اقراض المؤسسة العسكرية البنك المركزي مليار دولار من عائد مشروعاتها الإنتاجية لدعم الاحتياطى النقدى. وفى 5 يوليو 2013 أعلن عبد الفتاح السيسى وزير الدفاع عن تبرع المؤسسة العسكرية ب 300 مليون جنيه لصندوق دعم مصر الذى أسسه عدد من رجال الأعمال بعد الإنقلاب بيومين ويرأسه فاروق العقدة.

وعقب الأحداث، التي شهدتها مصر منذ 3 يوليو قررت القوات المسلحة التبرع بربع مليون جنيه للمساعدة في إعادة إعمار الصيدليات الطبية التي أضيرت في تلك الفترة، وفقا لما أعلنه الدكتور أشرف مكاوي، عضو مجلس نقابة الصيادلة بالقاهرة، كما قررت ترميم كافة الكنائس والمساجد التى أضيرت على نفقتها الخاصة. وفى منتصف 2014 (27 يونيو ) أعلن وزير الدفاع صدقى صبحى عن تبرع القوات المسلحة بمبلغ مليار جنيه لصندوق “تحيا مصر” من أرصدة شركات جهاز مشروعات الخدمة الوطنية. وهو ما يعني أن إجمالي إسهامات الجيش في دعم الاقتصاد المصري من خلال ما تم استعراضه في السطور السابقة قد قارب على 9 مليار جنيه.

وتتعدد الأسئلة المرتبطة بهذه الملف الشائك، وبعض هذه الأسئلة فنى تقنى وبعضه سياسى وبعضه اقتصادى بحت، فمن الأسئلة الفنية المالية : كيف تدخل أموال التبرعات من المؤسسة العسكرية إلى البنك المركزى؟ وأين كانت قبل أن تدخل إليه؟ هل يضع الجيش أرصدته فى بنوك؟ هل يعلم البنك المركزى عنها شيئا أم أنها حسابات سرية؟ كيف تدخل المعونة العسكرية الأمريكية؟ هل تدخل عن طريق البنك المركزى أم ماذا؟ أليس البنك المركزى ملزم بأن يستفسر عن المليار دولار قبل أن يضيفه إلى حساباته مثلما يفعل مع كل البنوك درءا للشبهات المتعلقة بالأموال سواء شبهات غسيل الاموال أو غيرها؟ هل دخل المليار دولار فى شكل قرض أم فى شكل منحة، فما نشر أنه قرض، فما تفاصيله وهل هو قرض حسن أم قرض بفائدة، وإذا كان قرضا أليس ذلك معناه أنه سيرد فى يوم من الأيام؟ وكل هذه الأسئلة وغيرها لا تجد لها ردا فضلا عن وجودها كأسئلة أصلا. فمن هو متخصص فيها لا يسألها فما بالك بغيره.

أما الأسئلة السياسية فكثيرة ومثيرة، فما معنى أن تتبرع مؤسسة من مؤسسات الدولة للدولة؟ ما دلالة ذلك؟ ما دلالة تبرع مؤسسة تحصل على مخصص من الموازنة العامة للدولة؟ أليس ذلك معناه أن هناك وفرة فى أرصدة وأرباح المؤسسة العسكرية جعلها تستطيع ضخ هذه الاموال خلال السنوات الماضية، وما هى أنشطة الجيش الانتاجية التى تدر عليه عملة أجنبية جعلته يقرض البنك المركزى مليار دولار؟ و هل هناك أموال أخرى يمكن التبرع بها الان في ظل أزمة الاقتصاد المصري الطاحنة؟ و ما هي المبالغ المتاحة بشكل حر بعد استيفاء احتياجات القوات المسلحة أصلا؟ و من يأخذها اذا لم تستفد بها الدولة؟

أما الأسئلة الاقتصادية البحتة، فتكشف لنا كم كانت الخدعة، فالمؤسسة العسكرية لم تتبرع بشىء لوجه الله كما يقولون بل حصلت على أضعاف أضعافه فى الموازنة العامة للدولة. ففى عهد الدكتور محمد مرسى زادت مخصصات الجيش بنحو 3.4 مليار جنيه إلى 30.9 مليار جنيه موازنة 2013/2014، مقارنة بنحو 27.5 مليار جنيه في موازنة العام المالي الماضى 2012/2013 وقد رفعت هذه المخصصات بناء على طلب من وزارة الدفاع لتأمين احتياجاتها الرئيسية، وتأمين الحدود وتوفير احتياجات القطاع العسكري.

أما فى موازنة 2014/2015، فقد كشف البيان المالي للموازنة العامة الجديدة، عن زيادة مخصصات القوات المسلحة العام المالي المقبل، بنحو 28% مقارنة بالعام السابق له. وذكر البيان أن مخصصات القوات المسلحة ستصل إلى 48.9 مليار جنيه العام المقبل بزيادة قدرها 15 مليار جنيه عن العام السابق.

التفت الكثيرون إلى قصة تبرعات الجيش للدولة، ولم يلتفتوا إلى زيادة مخصصاته المالية خلال العام الحالى والقادم، ولكن بحساب أولى وبسيط يمكننا اكتشاف أن المؤسسة العسكرية حصلت على ضعف ما تبرعت به خلال أربع أعوام، فى عامين فقط (18.4مليار جنيه) موزعة بين 3.4 مليار جنيه فى عام 2013، ونحو 15 مليار جنيه فى موازنة 2014. أضف إلى ذلك أن الموازنة القادمة ربما تزيد عن ذلك أو تثبت على هذا الرقم بما يجعل ما قامت بالتبرع به آنى ولحظى بينما ما كسبته دائم ومستمر.

يظل التساؤل الأكثر غرابة إذا كانت مؤسستك قادرة على التبرع ب 9 مليار جنيه، أليس ذلك معناه وجود وفرة فى أرصدة وأرباح هذه المؤسسة جعلها تستطيع ضخ هذه الاموال خلال السنوات الماضية، إذن لماذا تطلب زيادة فى مخصصاتها المالية فى الموازنة؟ من هنا يمكن فهم قصة التبرعات التى تعلن من حين لآخر بأرقام ضخمة، فهى لا تعدو كونها شو سياسى واعلامى من المؤسسة العسكرية بغرض كسب الدعم والتأييد ولا تختلف كثيرا عن الدعم العينى الذى تقدمه فى بعض الأحياء الفقيرة فيما يعرف “بكرتونة القوات المسلحة”، وقد وزعت منها عشرات الآلاف قبل الانتخابات الرئاسية الماضية بشكل علنى وصريح ولا زالت توزع حتى الآن من حين لآخر، أما من الناحية التكلفة الاقتصادية فيمكنك أن تخرج بنتيجة تقول إن من يتبرع يحصل على أضعاف تبرعاته كثمن لتبرعه.

ولا يختلف هذا أيضا عن المجمعات الاستهلاكية التى باتت تعرض لحوم القوات المسلحة ومنتجاتها الغذائية بأسعار منخفضة، ولا يدرى الناس أن هذه اللحوم قد جاءت مجانا من دول الخليج وغيرها، فقد أعلنت الامارات عن منح مصر 100 الف رأس من الماشية مجانا وهو ما تصل قيمته إلى 1.5 مليار جنيه، وبالتالى فهو وإن كان يبيعها لك بسعر منخفض إلا انه قد حصل عليها مجانا وبالتالى فلازال هو الكسبان أيضا، لكن الصورة النهائية التى ستصل لك مختلفة. كما لا يدرى الناس أن معظم المنتجات الغذئية الأخرى ذات السعر المنخفض التى تعرض عليهم، هى نتاج عمالة رخيصة من الجنود تعمل فى مصانع الجيش أثناء الخدمة، وهذه المصانع بدورها معفية من الضرائب والجمارك ومتاح لها كافة التسهيلات الانتاجية.

وليس هذا سلوك المؤسسة العسكرية وحدها “التبرع من أجل الشو الاعلامى “، وإنما سلوك مؤسسات أخرى كثيرة فى مصر، منها جامعة القاهرة، التى أعلن رئيسها د. جابر نصار عن تبرعها بقيمة 20 مليون جنيه لصندوق تحيا مصر، رغم أن جامعة القاهرة مدينة ب نصف مليار جنيه، فضلا عن احتياج معهد الأورام التابع للجامعة إلى 300 مليون جنيه لتطويره، ناهيك عن تدهور الخدمات التعليمية وملحقاتها فى الجامعة والحاجة لملايين أخرى لتطوير التعليم والبنية التحتية. . ألخ، الغريب فى الأمر أن رئيس الجامعة حينما سئل عن هذا التناقض قال بلغة المعملين “اللى يعوزه بيتك يحرم على الجامع”.

المحور الخامس: كيف يرى العسكريون أنفسهم

(ماينفعش بعد السنين الطويلة دى حد يسيطر على المؤسسة: كمقولة تفسيرية)

(مبارك عشان يصلى معانا العيد كان بيفكر سنة قبها: كمقولة تفسيرية)

(ده عرقنا وسنقاتل كل من يقترب منه: كمقولة تفسيرية)

اقترحت الدراسة مقولة “الاستقلال فى المكان “كمدخل لقراءة العلاقات المدنية العسكرية فى مصر ووضع الجيش بالتحديد، وساق الباحث فى ذلك عشرات المؤشرات التحليلة منذ الثورة والفترة الانتقالية الاولى مرورا بفترة الرئيس مرسى وصولا للإنقلاب وما بعده. المفارقة أن العسكريين أنفسهم يرون أنفسهم من نفس المقولة، ونعرض هنا لرؤية السيسى بعد الانقلاب ومساعد وزير الدفاع للشؤون المالية أثناء الفترة الانتقالية الاولى.

• رؤية السيسى (تسريبات المصرى اليوم )

تنطلق رؤية السيسى للمؤسسة العسكرية من نفس المدخل، مؤسسة مستقلة عن الدولة ولها وضعها الخاص، وقد صرح بذلك فى أكثر من مناسبة أهمها ما جاء فى تسريب صوتى أذاعته قناة الجزيرة مباشر مصر فى 1 نوفمبر 2013 مسربًا من حواره مع رئيس تحرير صحيفة المصري اليوم “ياسر رزق”. يطالب فيه صراحة بتحصين وضع المؤسسة العسكرية فى الدستور مشيرا إلى توقعاته باستمرار الدور السياسى للجيش لمدة قد تصل إلى 15 عام. وقال السيسي( أنت النهاردة لما تيجي تقول تحصين المؤسسة العسكرية في الدستور القادم، فأنت تحصنها لأن المؤسسة العسكرية دي كان لها دور، مين يا ترى هيبقى مدرك إن الدور ده له امتداد لفترة زمنية لا تقل عن 5 إلى 10 سنوات على الأقل).

كما أكد السيسي في التسجيل أنه لا يتصور سيطرة مدنى على المؤسسة العسكرية بعد هذه السنين الطويلة قائلا”ما ينفعش بعد السنين الطويلة دى وفى ظل حالة السيولة التى تعيشها الدولة المصرية بعد الثورة أن يجى حد يسيطر على المؤسسة كده. . ده ممكن يهدها. . . ومايقصدش”

وعلق السيسى متهكما من جرأة مرسى فى قرار اقالة قادة الجيش “أتصور أن عدم تقديرهم لرد فعل المؤسسة وحجمها هو اللى خلاهم ياخدو القرار بتاع المجلس الأعلى اللى فات، هما لو كانوا مدركين لوزن وقدرة المؤسسة مكنوش خدوا القرار ده. . . ده غيره (يقصد مبارك) كان بياخد قرار يصلى معانا العيد ولا ميصليش يقعد يدرس فيه طول السنة ”

إذا ما أضفنا لهذه التصريحات مقولات العسكريين فى الفترة الانتقالية الأولى بالنسبة للوضع الاقتصادى والمالى للجيش (ده عرقنا وسنقاتل من يقترب منه)، نصبح أمام رؤية متكاملة للعسكريين على أنفسهم، وبالتالى نصبح أمام توصيف جديد للمؤسسة العسكرية كالتالى :

“مؤسسة تحظى بوضعية استقلال مالية، اقتصادية، تشريعية، جنائية، وتنفيذية، يصعب اخضاعها لرأس السلطة التنفيذية تسعى فى نفس الوقت للهيمنة على المدنيين”.

توصيات ختامية

يقترح الباحث مجموعة من التوصيات الهامة لصانع القرار، كى يتمكن من فك الإرتباط بين الوظائف الملتبسة للمؤسسة العسكرية فى مصر، حيث تمارس المؤسسة أدوارا مختلطة سياسية وإقتصادية وتشريعية وأمنية وصحية فضلا عن الوظيفة الدفاعية العسكرية الأصلية التى تم تهميشها لأسباب كثيرة، وفيما يلى مجموعة من الإقتراحات الهامة لتقليص أدوار المؤسسة العسكرية والعودة بها إلى وظيفتها الأساسية :

• على المستوى الدستورى :

-عدم تمكينها من وضع إستثنائى فى الدستور

-النص فى الدستور على تجريم اشتغالها بالسياسة سرا أو علنا

-النص على تجريم الانقلابات العسكرية ووضع عقوبات رادعة

• على المستوى القضائى:

-إعادة النظر فى علاقة القضاء العسكرى بالقضاء المدنى، ويقتضى ذلك إعادة النظر فى بعض التشريعات العسكرية الخاصة بذلك : مثل محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، ومحاكمة العسكريين أمام المحاكم المدنية، ومحاكمة جنود الأمن المركزى أمام القضاء العسكرى.

• المستوى الإقتصادى

-نزع مشروعاته الإقتصادية وتخصيص إحتياجاتها من الموزانة العامة.

-وضع حد أقصى وأدنى للأجور فى المؤسسة العسكرية.

-إلغاء فكرة تولى العسكريين وظائف مدنية بعد التقاعد.

• المستوى الأمنى :

تحديد واضح لإختصاصات:

-الشرطة العسكرية

– المخابرات الحربية.

-تحديد واضح لعلاقة الأجهزة الأمنية ببعضها (الأمن الوطنى –المخابرات العامة –المخابرات العسكرية)

• المستوى الوظيفى :

-وضع خطة قومية لانتاج السلاح

-قطع المعونة العسكرية الامريكية

• المستوى الرقابى :

-تمكين الجهاز المركزى للمحاسبات من مراقبة أعمال الجيش

-مراقبة لموازنة فى لجنة الدفاع والأمن القومى لمجلس الشعب

-تشكيل لجنة رقابية بمعرفة الرئيس تختص بهذه المهمة

-إلزام قادة المجلس ببيان ذمة مالية فى بداية التولى وبعد الإنتهاء من الخدمة

-وضع آليات واضحة تمكن محاسابتهم

—————————————————-

هناك مقولة سمعتها عن بعض أعضاء المجلس العسكري، أنهم لم يقوموا بانقلاب على مرسي، ولكن مرسي هو من قام بانقلاب على الجيش لأنه حاول أن يغير وضعا مستقرا منذ عهد محمد علي

كان هناك حديث في الكواليس لبعض القادة العسكريين يشير للامتعاض من مشروع التوريث

راجع تقرير الجارديان، الرابط

راجع فى تفاصيل وأساليب استمالة مبارك للجيش وصولا إلى تضخم وضع الجيش، دراسة يزيد صايع “جمهورية الضباط”.

( ) رتب تقرير المنظمة درجة الفساد في هذا المجال إلى سبعة درجات لمقياس بالأبجدية الإنجليزية «A » وينتهي بحرف «F » تتدرج بين خطر منخفض للغاية ثم خطر منخفض ثم خطر معتدل ثم خطر مرتفع وبعدها خطر مرتفع قليلا ثم خطر مرتفع للغاية وصولا إلى أعلى درجات الخطر والذي سمي الخطر الشديد أو الحرج.وخلص التقرير إلى،أن مخاطر الفساد داخل الجيوش تتراوح بين “مرتفعة” و”حرجة” في كل حكومات شمال إفريقيا والشرق الأوسط، التي شملها التقييم وعددها 19 حكومة. وحصلت إسرائيل والكويت ولبنان ودولة الإمارات العربية المتحدة على أعلى تقدير بين دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وإن لم يصل أي منها إلى الأحرف الثلاث الأولى في القياس، وكان مستوى مخاطر الفساد فيها “مرتفعا”، وفقا للمقياس العالمي.وجاء في ذيل القائمة، كل من الجزائر ومصر وليبيا وسوريا واليمن، وقيمت المنظمة مستوى الفساد في قواتها المسلحة بأنه “حرج” وهو المرادف لحرف «F » آخر الحروف في المقياس.

صرح الفريق حمدى وهيبة رئيس الهيئة العربية للتصنيع فى إحدى اللقاءات الصحفية  بأن الهيئة العربية للتصنيع التى يرأسها و تضم 12 مصنعا لا تخضع لرقابة أجهزة الدولة بما فيها الجهاز المركزى للمحاسبات ولا يوجد عليها رقيب سوى الرقابة الداخلية.

نصت المادة رقم (8 مكرر أ)، التى أضيفت إلى قانون القضاء العسكرى، الصادر بالقانون رقم 25 لسنة 1966، وتم نشرها فى الجريدة الرسمية بتاريخ 10 مايو 2011 على أن القضاء العسكرى “يختص دون غيره بالفصل فى الجرائم المنصوص عليها فى الأبواب (الأول والثانى والثالث والرابع) من الكتاب الثانى من قانون العقوبات والجرائم المنصوص عليها فى القانون رقم 62 لسنة 1975 فى شأن الكسب غير المشروع، التى تقع من ضباط القوات المسلحة الخاضعين لأحكام هذا القانون، ولو لم يبدأ التحقيق فيها إلا بعد تقاعدهم”. ووفقاً لنص المادة “يكون للنيابة العسكرية جميع الاختصاصات المخولة لهيئات الفحص والتحقيق المنصوص عليها فى قانون الكسب غير المشروع”، كما “تختص النيابة العسكرية فى جميع الأحوال دون غيرها، ابتداءً بالتحقيق والفحص، فإذا تبين لها أن الواقعة لا علاقة لها بالخدمة العسكرية، أحالتها إلى جهة الإختصاص

وينص الإقتراح الذى تقدم به زعيم الأغلبية فى مجلس الشعب، حسين إبراهيم، على أن تحال القضايا المنظورة أمام المحاكم العسكرية وفقا للمادة 6 من القانون الصادر عام  1966 إلى محاكم الجنح والجنايات، واعتبار الأحكام الصادرة من المحاكم العسكرية طبقا للمادة نفسها كأن لم تكن حتى ولو كان قد تم التصديق عليها، متى كانت لم تنفذ أو لم يكتمل تنفيذها بعد، وتعاد محاكمة المحكوم عليهم أمام المحاكم المختصة،كما رفض مطالبة النواب بإتاحة الطعن على الأحكام التى أصدرها القضاء العسكرى أمام محكمة النقض العادية..

•ومن العجيب فى الأمر أن اللواء عادل المرسى، رئيس القضاء العسكرى، قدم مشروعًا للإلغاء أو تعديل المادة السادسة من قانون الأحكام العسكرية والتى  والتى كانت تعطي لرئيس الجمهورية فى حالات بعينها سلطة إحالة غير العسكريين للقضاء العسكرى، وعندما عرض على اللجنة التشريعية رفض  اللواء ممدوح شاهين مطالب بعض النواب بإلغاء المادة 48 من نفس قانون القضاء العسكرى والتي تنص على أن السلطات القضائية العسكرية هى وحدها التى تقرر ما إذا كان الجرم داخلا فى اختصاصها أم لا،الأمر الذى يجعل مشروعه المقدم بإلغاء المادة السادسة بمثابة تغييرا لبعض الديكورات العسكري فقط ويحعلنا نتسائل إذا كانت المؤسسة العسكرية تسعى إلى عدم محاكمة أبنائها أمام المحاكم المدنية كما هو ظاهر فى تعديل قانون القضاء العسكرى فيما يتعلق بجرائم الكسب غير المشروع ،فلماذا تصر على أحقيتها فى محاكمة المدنيين وترفض أى تعديلات تخص هذا الشأن

راجع تفاصيل المؤتمر فى جريدة الشروق عدد28 مارس ، تغطية وائل جمال

وتنص المادة 9 بعد التعديلات، على أن: «الدولة وحدها هى التى تنشئ القوات المسلحة، وهى ملك للشعب، مهمتها حماية البلاد وسلامة أراضيها وأمنها والحفاظ على وحدتها، ولا يجوز لأى هيئة أو جماعة أو حزب، إنشاء تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية، والدفاع عن الوطن وأراضيه واجب مقدس والتجنيد إجبارى وينظم القانون التعبئة العامة، كما ينظم القانون العسكرى ويحدد اختصاصاته، ويكون للقوات المسلحة مجلس أعلى يختص بالنظر فى كل ما يتعلق بالشؤون الخاصة بها والميزانية المتعلقة بشؤون التسليح، ويؤخذ رأيه فى التشريعات الخاصة بالقوات المسلحة قبل إصداره، ورئيس الجمهورية هو الرئيس الأعلى للقوات المسلحة ووزير الدفاع هو القائد العام لها.

أما المادة 10 فنصت على: «أن ينشأ مجلس يسمى، مجلس الدفاع والأمن القومى الوطنى، ويتولى رئيس الجمهورية رئاسته، ويختص بالنظر فى الشؤون الخاصة بوسائل تأمين البلاد وسلامتها، كما يختص بنظر ميزانية القوات المسلحة، على أن يتم إدراجها رقما واحدا فى موازنة الدولة، ويحدد القانون تشكيل مجلس الدفاع والأمن القومى واختصاصاته الأخرى، ويعلن رئيس الجمهورية الحرب بعد أخذ رأى مجلس الدفاع والأمن القومى وموافقة مجلس الشعب

اعترف السلمى فيما بعد بأن الجيش هو من طلب الوضع الخاص فى الوثيقة

المعهد: وردت معلومات أكيدة أن المجلس العسكري كان يعكف بالفعل على اعداد تشكيل جديد للجمعية التأسيسية، و ذلك قبل اعلان نتائج جولة الاعادة الرئاسية، و ذلك للدفع بها في الوقت المناسب

( )http://www.theguardian.com/world/2013/apr/11/egypt-doctors-operate-protesters-anaesthetic

هذا المثال لا ينطبق، فالجامعات قامت بهذا لعدم استطاعتها قانونا الاستعانة بجهاز الشرطة في حماية الجامعات نظرا لصدور أحكام عدم جواز استمرار الحرس الجامعي

) في مايو 2011، عدّل المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي كان يتولّى حكم البلاد آنذاك، قانون القضاء العسكري. فأضاف مادّة تعطي النيابة والقضاة العسكريين وحدهم الحق في التحقيق في الكسب غير المشروع لضباط الجيش، حتى لو بدأ التحقيق بعد تقاعد الضابط. وبالتالي تجعل هذه المادة الضباط المتقاعدين بمنأى عن أي محاكمة أمام القضاء المدني.

وقعت الهئية عقدا مع تحالف يضم شركات: «سيمنس الألمانية وأنسالدو الإيطالية والسويدى المصرية» لإنشاء 6 وحدات بقدرة 970 ميجاوات بمحطات توليد كهرباء بعتاقة والمحمودية، وذلك ضمن الخطة الإسعافية الثالثة لوزارة الكهرباء لعام 2015.

المعهد: هذا ليس جديدا، فالشركات التابعة للمخابرات العامة تمارس أعمالا اقتصادية منذ وقت طويل، شركة وادي النيل للمقاولات على سبيل المثال، مستشفى وادي النيل، الشركة العاملة في مجال استيراد و تجارة المواشي و اللحوم، هذه الفقرة تحتاج الى تعديل في ضوء هذه المعلومات

المعهد: في الوقت الذي تم تخفيض ميزانية المشروعات الاستثمارية للدولة في موازنة 2014/ 2015 عن الموازنة السابقة بنحو 18 مليار جنيه، تم رفع موازنات القوات المسلحة و الشرطة في الموازنة الجديدة بنفس المبلغ تقريبا

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *