دراسات

منظومة قضايا الفكر السياسي الإسلامي

أسس الفكر السياسي الإسلامي: الجزء الثالث

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

بالإضافة إلى الأسس التي ينبني عليها الفكر السياسي الإسلامي والمداخل المنهجية لتناول الظاهرة السياسية، تتجلى حزمة من القضايا والمسائل الأساسية التي أكثر هذا مفكرو الإسلام من تناولها والخوض فيها؛ من مثل قضايا: الخلافة والبيعة والدستور أو تطبيق الشريعة والشورى والديمقراطية، والخروج والثورة، والعدل السياسي والمساواة، والمالية العامة ونطاق تدخل الدولة في الاجتماع والاقتصاد، والولاء والبراء السياسي والجهاد، وموقع الذميين وغير المسلمين عامة من الدولة الإسلامية، ومكان المرأة من النظام السياسي وهكذا.

وفيما يلي يمكن استعراض الاتجاهات المختلفة في تناول قضية مركزية مثل قضية “الخلافة” معايرةً على أسس الفكر الإسلامي ومداخله لبيان مدى خصائص الرؤية الإسلامية نفسها: موروثها وحديثها، بالإضافة إلى ما تشترك فيه وما تفترق عن الرؤية الغربية والوضعية المعاصرة.

فالخلافة مفهوم مركزي في منظومة الفكر السياسي الإسلامي، تبدأ من عقيدة الاستخلاف الإنساني التي تصور الحياة البشرية عامة باعتبارها عملية استخلافية، يناط فيها بالإنسان أن يعمر الأرض ويقوم على إصلاحها ويحقق مراد الله تعالى فيها؛ انطلاقًا من قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً… {2/30}). وارتبط مفهوم الاستخلاف بالعمران والتزكية والأمانة وإقامة العدل والميزان. وأخذت الخلافة من بعد ثلاثة مدلولات تتدرج في ارتباطها بالشأن الحضاري والسياسي:

  1. خلافة الأمم والأقوام بعضها بعضا: كما في قوله تعالى:(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ {6/165})، وقوله: (قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ {7/129})، وقوله: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مُّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ {7/169})، وقوله: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ {10/13} ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ {10/14})، وقوله: (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ {10/73})، وقوله: (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ {11/57})، وقوله: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ {27/62})، وقوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا {35/39}).
  2. خلافة التمكين للمستضعفين بعد انقضاء دولة المستعلين عليهم: كما في قوله تعالى ووعده للمؤمنين: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ {24/55}).
  3. خلافة الحاكم على دولة أو قوم من الأقوام: كما في قوله تعالى لداود عليه السلام: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ {38/26})، واستخلاف موسى لأخيه هارون عليهما السلام في بني إسرائيل: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ {7/142}). وقول النبي (صلى الله عليه وسلم): (إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي) -البخاري عن أبي هريرة.

واتخذت الخلافة مع الرسالة الإسلامية معنى سياسيًّا خاصًّا، يتعلق بالإمامة العظمى والرئاسة الكبرى لعموم أمة الإسلام، وقُصد بها “خلافة النبي والنبوة”، فيما صاغه الماوردي وتابعه عليه سائر مفكري الإسلام من قوله: الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا (به). فصارت الخلافة لقبًا على الوظيفة العليا في النظام السياسي الإسلامي من جهة، وعلامة وشرطًا لاستمرار الوحدة السياسية لأمة الإسلام من جهة أخرى. ومن هنا عرف قادة الأمة بالخلفاء لنحو ثلاثة عشر قرنا ونصف، وكان منهم راشدون ومهديون وغير ذلك، إلى أن تم إعلان نهاية آخر خلافة إسلامية (الخلافة العثمانية) عام 1924م.

ومع تحول الخلافة من المفهوم ذي المعنى إلى اللقب المجفف من مغزاه، بانتقالها من الخلافة الراشدة إلى الملك العضوض فالجبرية القاهرة باسم السلطنة وما شابه، على نحو ما أوضح ابن خلدون، بادر الفكر الإسلامي بالعمل على تأصيل مفهوم الخلافة، وتجلية أسسه، والتنبيه على ضرورة حفظه مما علق به سواء من التاريخ والسير المخلة أو الأفكار والرؤى المضلة (الاستشراقي والتبعي).

فالخلافة الإنسانية العامة التي تقوم على مبدأ التوحيد لله والعمران للإنسان والأكوان، تؤصل لهوية حضارية عامة، قوامها المساواة الإنسانية، وربط التكريم بالتقوى والعمل الصالح، وتحمل الأمانة وأدائها إلى أهلها. فإذا كانت الهوية هي التي تغرس جذور وحدة الأمة، فالخلافة السياسية تقيم سياجها الحافظ. ومن ثم فالخليفة رمز لتماسك أقطار الأمة ومن أول مهامه حفظ عقدها من الانفراط.

وينطلق عمل الخليفة من عقيدة ومرجعية مشتركة مع الجماهير والقوى السياسية المتنوعة، حيث يقر بمحدودية سلطاته وأن صلاحياته محكومة من كل جهة بأصول الإيمان وقواعد الشرع وقيم المجال العام ومقاصد السياسة الشرعية. وترتبط شرعية نظامه ورضاء العلماء وعامة الناس عنه بالتزامه حدود الله التي هي حدود لا قيود، وضوابط لا ضواغط.

واشترط فقهاء الإسلام فيمن يتولى هذا المنصب الرفيع والخطِر شروطًا تحقق التكافؤ والكفاءة، وفصّلوا في عملية اختياره وما يتعلق بها من هيئة اختيار وأساليب الترشيح وشروط تعيين الخليفة من بين المرشحين. وفي هذا تجلت حركية هذا الفقه وقدرته على استيعاب الواقع غير الموائم للمثال الشرعي؛ من قبيل التولي للخلافة بالقوة أو الشوكة أو العصبية أو ما عرف بالتغلب والاستيلاء وتوليه العهد والتوريث للسلطة؛ حيث انتقل الفقيه من شروط الاختيار والانتخاب -دون أن يمحوها بل يبقيها ورقة ضغط ووازعًا- إلى شروط البقاء والاستمرار في السلطة، والتي تتعلق بمواصفات التسيير السياسي وإدارة الحكم، من باب أن ما يرفضه الشرع ابتداء قد يقبله انتهاء لمصالح وحكم؛ إذا غلبت منافعُه مضارة.

آمن الفكر السياسي الإسلامي أن السياسة قوامها القوة والقهر؛ ولذا فقد حرصوا على بناء هذين المفهومين بحيث يحققان الغاية منهما في إطار القيم والمقاصد الإسلامية. فلم تستهجن القوة السياسة المادية ولا السلطان القاهر لذاتهما، بل أعطاهما الفلاسفة والفقهاء والنصحاء والعمرانيون اعتبارًا أساسيًّا، وحاولوا توجيهها لصالح القوة العامة للأمة ونصفه المظلوم وإقامة ميزان العدل وأداء الواجبات السياسية. ومن جهة أخرى فقد وثق أولئك المفكرون في أهمية القوة المعنوية المتعلقة بالإيمان والتماسك الاجتماعي والذكاء السياسي والالتزام القانوني، وقوة القيم حين تتجسد في سياسات يسعد بها المواطنون ويؤازرون لأجلها الدولة ونظام الحكم.

وبالرغم من مركزية الخلافة في الرؤية السياسية الإسلامية، إلا أنها لم تشغل معظم حيز الفكر السياسي؛ بل ربما كانت العناية بسائر مكونات النظام ومؤسساته أوسع، بالإضافة إلى توظيف الخطاب المتعلق بالخلافة فيمن دون الخليفة من الوزراء والولاة والأمراء والقضاة والقواد العسكريين ومن إليهم. ومن هنا برز مفهوم البطانة ومستشاري الخليفة ومجالس الأمراء بقوة؛ باعتبار أن السياسة بالأعوان لا بالسلطان الفرد. فالخلافة مؤسسة لا تقتصر على شخص الخليفة، حتى قال: الوزير أمير الأمير. فكانت الخلافة مدخلاً لبناء النظام السياسي الإسلامي لا لقصره على شخص بذاته.

ومن مظاهر الكفاءة العملية للفكر السياسي الإسلامي استيعابه أيضًا للتحولات التي جرت على الخلافة لاسيما منذ العصر العباسي الثاني؛ حين برزت إلى جوار الخلافة ذات الشرعية مؤسسة السلطنة ذات القدرة على تسيير الأمور. فقد تحدث الفقيه عن تفريق الأحكام وإناطتها بالاستطاعة لا بأشكال المناصب، فارتضوا -نزولا على حكم الضرورة- سلطة المتولين بالشوكة ما قاموا بوظائف السلطة وأدَّوا الذي عليهم، وشدَّدوا على بقاء الخلافة واستمرارها صيانة للوحدة والشرعة الإسلامية. لقد ظل هذا الأمر صراطًا مستقيمًا للفكر الإسلامي رغم استمرار تراجع الخلافة وانسحابها من ساحة الفعل السياسي والحضاري، وتوالي الدويلات المستقلة والممالك المنشقة والسلطنات المتغلبة وتعددها قبل نهاية القرن الثالث الهجري.

ومع إسقاط الخلافة الأخيرة انطلق الفكر الإسلامي ينعاها، ويبحث عن السبل المتاحة لاستعادتها ولو بشكل رمزي، فكتب عبد الرزاق السنهوري عن عصبة أمم إسلامية، وكتب مالك بن نبي عن مشروع كمنويلث إسلامي، وطرحت دساتير وحدة وأطروحات تضامن وحدوية على مستوى الأمة الإسلامية أو العربية؛ الأمر الذي أسفر عن تأسيس منظمات ترمز إلى هذا المطلب وإن كانت دون المأمول بكثير من قبيل: جامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وما يتبعهما من وكالات ومؤسسات تحاول أن تملأ الفراغ الذي أحدثه التقسيم الاستعماري لوحدة العالم العربي والإسلامي.

وضمن هذا المسار واجه الفكر السياسي الإسلامي رؤى ومقولات مضادة لفكرة الخلافة: ناقمة على تاريخها، ومتحفظة أو مبغضة لأسسها الدينية باعتبارها تؤول إلى بناء دولة ثيوقراطية يدعي فيها الحاكم أنه يحكم باسم الله تعالى؛ ومن ثم يمارس أبشع صور الاستبداد والتسلط باسم الدين، في خلط كبير بين التجربة الأوروبية والتجربة الإسلامية، وبين مفهوميْن متباعديْن للسياسة في الفكر السياسي الإسلامي وفكر مسحيي أوروبا في القرون الوسطى. والفصل في هذه المسألة لا يكون إلا بمطالعة مباشرة لمادة الفكر السياسي الإسلامي نفسه: التراثي منه والحديث؛ وتقدير ما فيه بناء على معايير تتناسب معه(1).

—————

الهامش

1 الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *