دراساتالحركات الإسلامية

من التوحيد والجهاد إلى أنصار بيت المقدس

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

المقدمة

مع تزايد حملات القمع الذي مارسه نظام السيسي في مصر ضد مناهضي الانقلاب العسكري، برزت في المشهد العديد من التنظيمات والجماعات المسلحة التي دخلت في صراع عنيف مع النظام الإنقلابي.

تسعى هذه السلسلة إلى رصد هذه التنظيمات وتحليل تجربتها في إطار من التناول الموضوعي نتعرف من خلاله على جذورها التاريخية، وأبرز أطروحاتها الفكرية، ورؤيتها للتغيير، وأهدافها الاستراتيجية، وبنيتها التنظيمية، وأبرزعملياتها، وخطابها الإعلامي، فضلا عن أبرز الضربات الأمنية التي وُجهت لها، مع تقييم لتجربتها واستشراف لمستقبلها في حالة عدم نجاح الأجهزة الأمنية في تفكيكها، وذلك من خلال تحليل المعلومات المتاحة عن هذه التنظيمات والتي تتوافر في بياناتها وإصداراتها ، فضلا عن ملفات القضايا الخاصة بها واعترافات العناصر المقبوض عليها.

ولما كانت جماعة “أنصار بيت المقدس” من أبرز الجماعات التي ظهرت في المشهد عقب اندلاع ثورة يناير، ثم ذاع صيتها عقب الانقلاب العسكري عام ٢٠١٣، واستمر تواجدها في الساحة إلى نوفمبر 2014 حيث بايعت تنظيم “الدولة الإسلامية” وتحول اسمها إلى “ولاية سيناء”، بينما رفض بعض عناصرها تلك المبايعة، وأسست مجموعة منهم جماعة “المرابطين” عام 2015، فإنه من المهم قبل دراسة تجربة جماعة “أنصار بيت المقدس” تناول تجربة جماعة ” التوحيد والجهاد” إذ انها تمثل الجماعة الأم التي خرجت من رحمها جماعة “الأنصار”.

لذا في هذه الورقة البحثية نتناول بالدراسة جماعة “التوحيد والجهاد في أرض الكنانة” التي دشنت باكورة التواجد والعمل الجهادي في سيناء ونفذت مجموعة من العمليات الدامية ضد السياح الأجانب خلال الفترة الممتدة من عام 2004 إلى 2006، وخاض عناصرها مواجهات عنيفة مع أجهزة الأمن أثناء سعي الأخيرة لتفكيك خلايا الجماعة وتصفية واعتقال عناصرها.

أولاً: جغرافية سيناء وديموغرافيتها

تبلغ مساحة شبه جزيرة سيناء 60088 كم2 أي 6% من مساحة مصر يحدها شمالاً البحر الأبيض المتوسط  وغربا كلا من خليج  السويس وقناة السويس وشرقاً فلسطين المحتلة  وقطاع غزة  فضلا عن خليج العقبة وجنوباً البحر الأحمر.

هذه الحدود السيناوية في حقيقتها (حدود سياسية فقط، إذ أن تضاريس سيناء ومظاهر طبوغرافيتها، ونظام تكوينها الجيولوجي يمتد خارج تلك الحدود ويتجاوزها إلى الأقطار المجاورة)1 في الشام.

وتتميز سيناء بوجود جبال وعرة ووديان عميقة فضلا عن الصحاري الشاسعة، مما يساعد على انتشار تهريب الأسلحة والمخدرات والبشر.

خريطة شبه جزيرة سيناء

تنقسم “شبه جزيرة سيناء”2 إداريا إلى:

يتنوع سكان3 سيناء ما بين قبائل بدوية يمتد تواجدها إلى فلسطين والنقب مثل الترابين والسواركة والتياها4 والحويطات، بالاضافة إلى عائلات قادمة من الوادي، وعائلات عرايشية من نسل الجنود الألبان الذين قدموا مع محمد علي مطلع القرن التاسع عشر.

 

ثانياً: جذور نشأة جماعة التوحيد والجهاد

مع رحيل الاحتلال الإسرائيلي عن سيناء مطلع  الثمانينات، وتصاعد المد الإسلامي في مصر، انتقلت الأطروحات السلفية إلى داخل سيناء، وبرز في المشهد السيناوي خلال تسعينات القرن المنصرم نشاط دعوي وعلمي  على يد شخصيات حازت قدرا من التأثير والانتشار، مثل الشيخ “أسعد البيك” في العريش الذي يمثل امتدادا  لدعوة أهل السنة والجماعة التي يعد الشيخ “عبد المجيد الشاذلي”5 منظرها الأبرز، و الشيخ “حمدين أبوفيصل” في الشيخ زويد، إذ ركزا على الحديث عن التوحيد وحاكمية الشريعة والولاء والبراء، كما برز أيضا مطلع الألفية أحد مشاهير القراء في سيناء والذي أذاعت قناة المجد للقرآن تسجيلاته، وهو القارئ “هاني عبد الله أبو شيته”.

في تلك الآونة سطع نجم طبيب الأسنان “خالد مساعد”6 الذي عمل عقب تخرجه من كلية “طب الأسنان” بجامعة الزقازيق على نشر الدعوة وإلقاء دروس دينية في المساجد بمدينة العريش وحاز بجوار عمله المهني المرموق على ميزات أتاحت له شعبية وسط أهالي مدينته من قبيل حسن الأخلاق والقدرة على الإقناع بالتوازي مع انتماءه الإجتماعي لقبيلة السواركة إحدى أكبر قبائل سيناء.

           

                     أسعد البيك                                             حمدين أبوفيصل                                            هاني أبوشيته

وفي ظل ذلك النشاط الدعوي المتزايد حدث تلاقي بين خالد مساعد وحمدين أبوفيصل وهاني أبوشيته، ودشنوا مع آخرين مجلسا للشورى يشرف على عملهم الدعوي الجماعي، ثم لاحقا اختلف “خالد” مع رفاقه في مجلس الشورى7 حول اقتراحه الخاص بالبدء في تنفيذ عمليات مسلحة ضد المصالح الإسرائيلية، فترك التنسيق معهم وبدأ في العمل بشكل منفرد في تطبيق مشروعه الخاص.

ففي سبتمبر عام2000 اندلعت “انتفاضة الأقصى” بفلسطين عقب زيارة زعيم المعارضة الإسرائيلية آنذاك “شارون” إلى المسجد الأقصى رفقة حشود من الجيش والشرطة وقطعان المستوطنين، فاشتعلت أرجاء فلسطين بأحداث دامية ارتكبت خلالها إسرائيل مجازر عديدة ضد الفلسطينيين وتركت تلك الأحداث بصمتها القوية على أهالي شمال سيناء الذين تجمعهم بأهل فلسطين روابط الدين والنسب والمصاهرة.

وفي تلك الأجواء الملتهبة أقنع “خالد مساعد” صديقه خريج كلية الحقوق بجامعة الزقازيق “نصر الملاحي” بضرورة دعوة من يثقان بهم من أبناء سيناء للجهاد ضد اليهود.

ومن ثم بدأ “خالد مساعد” نهاية عام 2000 في تأسيس تنظيم من عناصر منتقاة يتلقى منهم بيعة على السمع والطاعة والجهاد نصها (أقسم بالله العظيم أن أكون معك علي الجهاد في سبيل الله لنصرة الإسلام والمسلمين)8، تلك العناصر المنتقاة سبق لخالد التعرف عليها من خلال نشاطه الدعوي، إذ كان يلقي دروسا دورية يومي الاثنين والخميس بمسجد “الملايحة”9 بالعريش يشرح فيها بعض الكتب10 مثل “فتح المجيد في شرح كتاب التوحيد” لعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ  و”المغني” لابن قدامة المقدسي بينما كان يلقي “نصر الملاحي”11 دروسه بمسجد “التوفيق” بنفس المدينة.

تركز جهد “مساعد” على ضم شباب القبائل، والاستفادة من الروابط العشائرية الموجودة بينهم، فنجح في اجتذاب “سالم الشنوب”12 الذي ضم أشقاءه محمد وعودة وسلامة وسلمان للتنظيم، كما نجح يونس عليان أبو جرير13 المنتمي لقبيلة السواركة في ضم ابن عمه محمد عبد الله أبو جرير14، كما نجد بين أعضاء التنظيم الأشقاء “سليمان وعيد وموسى شويهر” و”ياسر وأحمد محيسن” “وسليمان ومحمد فليفل”  و”محمد جايز” وابن عمته “أسامة النخلاوي”.

تمثل نمط الدعوة في اقناع الأفراد بالأفكار الجهادية، وحثهم على الدعوة لها فى محيط الأقارب والعناصر الملتزمة دينيا. ومن ثم بدأ “خالد مساعد” يشكل العناصر المستقطبة على هيئة خلايا عنقودية لا تعرف بعضها واعتمد لهم برامج فكرية وشرعية، تستند على تدريس كتاب “العمدة في إعداد العدة”15 وتأصيل قضايا الحاكمية و”الولاء والبراء” بالتوازي مع تلقي دورات عسكرية تشمل استخدام الأسلحة الآلية وقواذف “الآر بي جي” وتصنيع المفرقعات.

 

ثالثاً: تداعيات أحداث سبتمبر وغزو العراق:

عقب أحداث 11 سبتمبر 2001 تأثر “خالد مساعد” بأطروحات “تنظيم القاعدة” وتزايدت وتيرة تدريب عناصره تمهيدا لتسفيرهم لساحات الجهاد الخارجية وبالأخص في فلسطين وأفغانستان، ولكن مع صعوبة السفر للجهاد بالخارج بسبب التكاليف الباهظة والتعقيدات الأمنية المصاحبة لذلك، وإثر احتلال أميركا وعدد من الدول الحليفة لها للعراق عام 200316، بدأ مساعد يفكر في استهداف السياح الإسرائيلين ورعايا الدول المشاركة في غزو العراق واحتلال البلاد الإسلامية مثل الشيشان وأفغانستان، كما تأثر “خالد” أيضا بأبي مصعب الزرقاوي فسمى لاحقا تنظيمه باسم “التوحيد والجهاد”17 تيمنا باسم التنظيم الذي أسسه الزرقاوي بالعراق قبل أن يبايع تنظيم القاعدة في أكتوبر2004، وهنا تبرز مجموعة من الاعتبارات :

 

1ـ نطاق التواجد:

بمطلع عام 2004 اتسع حجم التنظيم ليتجاوز تعداد أفراده 100 عنصر18 وشمل نطاق تواجده شمال سيناء ووسطها ومحافظة الإسماعيلية، وصارت له خمس خلايا في العريش ورفح والشيخ زويد ونخل وجبل الحلال والتل الكبير، كما نجح في اجتذاب بعض الفلسطينين المقيمين بمصر مثل “ياسر محيسن”19 وشقيقه “أحمد محيسن” و”إياد سعيد صالح” الذي شارك في تنفيذ تفجير فندق هيلتون طابا.

 

2ـ المرجعية الشرعية:

تمثلت المرجعية الشرعية للتنظيم في أطروحات تيار السلفية الجهادية فتبنى تكفير “حسنى مبارك” وأركان حكومته باعتبار أن النظام المصري لا يحكم بما أنزل الله ويساند عدوان اليهود على أهل فلسطين، كما تبني20 اسلوب استهداف رعايا الدول الأجنبية التي تشارك في احتلال البلاد الإسلامية، بينما لم يتبن أطروحة “تكفير المجتمعات” إذ يذكر عضو التنظيم “أحمد سلام” في اعترافاته أن أحد أعضاء التنظيم اقترح  ثقب خط أنابيب بترول في طريق السويس، وتحميل البنزين منه في سيارات لبيعه وتمويل أنشطتهم، ولكن أحد شيوخ التنظيم واسمه “سليمان صالح”21 أفتي بعدم جواز ذلك لأنه من مال المسلمين.

 

3ـ التمويل 22:

لم تكن للتنظيم علاقات بتنظيمات أخرى أكبر ولا ارتباطات بدول إقليمية تدعمه، ومن ثم اعتمد في تمويل أنشطته على المجهودات الذاتية لعناصره فسعى لتدشين بعض الاستثمارات الزراعية، فاستأجر “نصر الملاحي” مزرعة مساحتها 5 أفدنة ليصرف من عائداتها على نشاط التنظيم، كما اعتمد التنظيم على التبرعات المالية من قبل المقربين من أفكاره، إذ أرسل مدرب الجمال “موسى أيوب” مبالغ مالية، إلى أقاربه من أعضاء التنظيم عن طريق فرع البنك الأهلي بالعريش. وعندما ضاقت السبل بعناصره وتعرضوا لحملات مطاردة أمنية، استولوا على بعض الممتلكات الحكومية23 لبيعها والانفاق من عائداتها مثل حديد محطة رفع المياه بالعريش، وأجهزة كومبيوتر من المدارس.

أما السيارات المستخدمة في العمليات فكانت مسروقة، كما حاول التنظيم تنفيذ مقترحات24 لعناصره بالاستيلاء على سيارات ضباط الشرطة والنصارى ومدمني المخدرات المترددين على طريق السويس.

ضعف الأوضاع المالية للتنظيم أثر على أنشطته وتسليحه، وترك بصمته على حياة عناصره، إذ حال نقص الأموال من اتمام صفقة شراء أسلحة رشاشة ومدافع “أر بي جي” من تجار الجمال القادمين من السودان، كما دفع العجز المالي “محمد فليفل” إلى إعطاء ذهب25 زوجته لبعض رفاقه لبيعه، لشراء طعام وشراب بثمنه له ولزوجته أثناء هروبهما بالصحراء.

 

4ـ التسليح والتدريب:

اعتمد التنظيم في التسليح على جهود “سالم الشنوب”26 وشقيقه “عودة” إذ أوهما بعض معارفهما أنهما يجمعان السلاح لارساله للمقاومة الفلسطينية فاشترى لهما “أحمد سلام”27 ٨ آلاف طلقة آلي بسعر ٢٧٥ قرش للطلقة الواحدة من أحد تجار السلاح بالعاشر من رمضان، كما اشترى لهما قذائف (آر بي جي) من ابن عمه الذي يجمع الخردة من مخلفات الحروب في الصحراء بسعر٢٥٠ جنيهاً للقذيفة الواحدة.

وتولى “سالم الشنوب” تدريب عناصر التنظيم في منطقة “جبل الحلال”28 المجاورة لمحل إقامته، وأعتنى بمتابعة مستواهم العسكري والبدني والارتقاء بهم، فجعل لكل عنصر جدولا خاصا به يتضمن خانات تنقسم إلى خانة عن التدريب، وخانة عن مهارات السير في الدروب الجبلية، وخانة عن مستوى اللياقة مع تدوين بيانات العنصر باسمه الحركي لا الحقيقي.

كما استفاد التنظيم من طبيعة الأجواء في سيناء وخبرات عناصره وأقاربهم، فاعتمد في توفير المتفجرات على شراء مخلفات القذائف الموجودة منذ عهد الحروب مع إسرائيل من تجار الخردة، واعتمد في تقنيات تصنيع المتفجرات على خبرة “محمد جايز”29 الذي تخصص في تحويل تايمرات الغسالات إلى مؤقتات تستخدم في تفجير الصخور وحفر الآبار بالتعاون مع ابن عمته “أسامة النخلاوي”30.

ونظرا لانتشار ظاهرة تعديل أنابيب البوتجاز لاستخدامها كأوعية لتسميد المزروعات بسيناء، فقد استفاد التنظيم من خبرات خراط المعادن “محمد عبد الله رباع” الذي تخصص في تحويل أنابيب البوتجاز إلى هياكل معدنية للعبوات الناسفة في ورشة الخراطة الخاصة به.

5ـ أمن التنظيم:

اعتمد قائد التنظيم “خالد مساعد” مبدأ (المعرفة على قدر الحاجة) وحصر المعلومات المهمة في أضيق نطاق ممكن، واتسمت تحركاته بالحذر الأمني الشديد، وتعامل عناصر التنظيم فيما بينهم بأسماء حركية، ولم يعلم معظمهم حجم التنظيم، ولم يعرفوا هوية قائده سوى بعد مدة من انضمامهم له، إذ يذكر “يونس أبو جرير”31 أنه انضم للتنظيم عقب احتلال العراق في مارس 2003، ولكنه لم يتعرف على قائد التنظيم سوى في سبتمبر 2004.

وبلغ الحذر بخالد مساعد أنه كان يقابل أتباعه في أماكن مجهولة يتوجهون لها وأعينهم معصوبة32، أما التدريبات العسكرية33 فكانت تتم بواسطة مدربين يرتدون أقنعة كي لا يتعرف المتدربون على هوياتهم.

وعند تنفيذ هجمات طابا ونويبع، لم يعلم المنفذون34 طبيعة الأهداف التي سيهاجمونها إلا صباح يوم تنفيذ العمليات، ولم يعلم مسؤول خلية الإسماعيلية “أحمد سلام”35 أن تنظيمه هو من نفذ أحداث طابا سوى بعد وقوعها بخمسة شهور، بل ولم يكن يعرف اسم التنظيم الذي يعمل فيه إذ لم يعلن مساعد عن اسم التنظيم إلا عقب أحداث شرم الشيخ عام 2005.

كما ذكر “ياسر محيسن” في اعترافاته أن “عودة الشنوب” بعد أن أقنعه بالجهاد ضد اليهود طلب منه الدعوة لذلك دون أن يخبره بإنتماءه إلى تنظيم معين.

وذكر “محمد جايز” في اعترافاته أن “سليمان فليفل” طلب منه تصنيع 4 تايمرات وإجراء تعديلات عليها تتيح تفجيرها بواسطة الهاتف المحمول لاستخدامها في تفجير الصخور وعمل آبار مياه نظرا لعمله فى مشروع حكومى لتعمير سيناء، ولم يخبره بهويته الحقيقية وغرضه من هذه التايمرات إلا بعد وثوقه فيه بفترة.

وذكر”محمد عبد الله رباع” في اعترافاته أن “محمد فليفل” أحضر له 30 أنبوبة بوتجاز36 وطلب منه تعديلها لاستخدامها في تسميد أرض زراعية يملكها بجنوب سيناء، ولم يخبره بالغرض الحقيقي إلا بعد وثوقه فيه بفترة.

وبذلك كان التنظيم يسبق الأجهزة الأمنية بخطوات، إذ لم تكن تدري عنه شيئا، ولم تتوقع إمكانية تأسيس مجموعات جهادية بسيناء.

وعندما وقعت هجمات طابا ونويبع شنت الأجهزة الأمنية حملات اعتقال عشوائي في محاولة للوصول لأي خيط عن هوية المنفذين، فأحتاط “خالد مساعد” وأتباعه وفروا إلى جبل الحلال بوسط سيناء، واستثمروا تلك الفترة في تلقي تدريبات عسكرية علي يد “سالم الشنوب” إلى أن هدأت الأوضاع الأمنية بمدينة العريش، وتأكدوا من عدم وجودهم ضمن قائمة المطلوبين فعادوا إلى منازلهم مرة أخرى، ثم مع عودة المداهمات العشوائية مجددا أرسل “خالد مساعد” مجموعة من رفاقه إلى مدينة رفح للاختباء عند أحد رعاة الغنم المتعاونين مع التنظيم.

وهذا الحذر الأمني لم يتسم به خالد مساعد فقط، إنما اتسم به أيضا القائد العسكري للتنظيم “سالم الشنوب” فعندما بدأت الأجهزة الأمنية في البحث عنه تحصن بكهوف صعبة التضاريس مجهزة سابقا بجراكن مياه وبنزين وقمح وأطعمة معلبة، إذ يذكر “احمد سلام” مواصفات أحد تلك الكهوف قائلا (ثم توقف سالم بجوار حفرة لا يتجاوز قطرها ٥٠ سنتيمتر قال لنا هذا كهف سندخل فيه، أنا لم أتخيل أن الحفرة مدخل لكهف واسع جداً طوله حوالي ٥٠ متراً وسقفه عال، نمنا فيه)37.

 

رابعاً: أبرز العمليات التي قام بها التنظيم:

اعتمد التنظيم تكتيكات تنظيم القاعدة في تنفيذ عدة هجمات متزامنة، وتُعد العمليات التي نفذها من أكبر العمليات التي وقعت في الساحة المصرية باعتبار حجم التفجيرات وعدد الضحايا، ويلاحظ أنها وقعت في ذكرى الأعياد القومية مثل حرب أكتوبر وثورة 23 يوليو وعيد تحرير سيناء:

 

1-تفجيرات طابا ونويبع 7 أكتوبر 2004

هى ثلاثة تفجيرات بسيارات مفخخة يقود سيارة منهم شخصان38، واستهدفت التفجيرات السياح الإسرائيلين وشملت فندق هيلتون طابا ومخيميين سياحيين بنويبع مما أسفر عن مقتل 34 شخص منهم 22 إسرائيلي و9مصريين وإيطاليين وروسي، فضلا عن إصابة 158 آخرين.

اختار “خالد مساعد” مدينتي طابا ونويبع لتنفيذ أولى عمليات التنظيم نظرا لكثافة تواجد السياح الإسرائيلين بهما خلال عيد الغفران اليهودي، وبدأ التنظيم الإعداد لتلك العملية منذ شهر يوليو2004، إذ استولت عناصره على سيارة نصف نقل شيفروليه خضراء من منطقة المساعيد بالعريش فضلا عن الاستيلاء على سيارة نيسان بيضاء بالاضافة إلى سيارة ملاكى القاهرة ماركة بيجو 504 اشتراها “حماد جميعان” و”سليمان فليفل” من تاجر سيارات مسروقة بمبلغ 14 ألف جنيه، وقام “محمد رباع” بتعديل أنابيب البوتجاز لتكون بمثابة هياكل معدنية توضع بداخلها المتفجرات، وصنع “محمد جايز” 3 دوائر كهربائية اثنان يعملان بالتايمر والثالثة تعمل بالهاتف المحمول، واشترى “حماد جميعان” 50 لغم من تجار الخردة بمبلغ 700 جنيه لاستخلاص المتفجرات منهم39.

كلف “خالد مساعد” “حماد جميعان” رفقة “إياد صالح” بمعاينة مدينتي طابا ونويبع لاختيار الأهداف التي سيتم استهدافها، ثم عادا إلى العريش لاطلاع ” مساعد” على الأهداف المقترحة.

أرسل “خالد مساعد” فريقا من 9 عناصر لتنفيذ العمليات بقيادة “حماد جميعان” ووصل “أسامة النخلاوي” الدوائر الكهربية بالمتفجرات في منطقة جبلية قرب مدينة “طابا” وقاد عضوا التنظيم الفلسطيني “إياد صالح” والسيناوي “سليمان فليفل” السيارة التي استهدفت فندق هيلتون طابا، بينما أدخل 3 عناصر من فريق التنفيذ السيارتين المفخختين إلى مخيمي البادية وجزيرة القمر بنوبيع، ومن ثم غادروا نويبع وانضموا إلى بقية المجموعة وعادوا إلى العريش.

بدأت التفجيرات في الساعة 10:30م بانفجار سيارة في فندق هيلتون طابا وتلي ذلك بربع ساعة إنفجاران في نويبع التي تبعد80 كم من طابا.

 

2-تفجيرات شرم الشيخ 23 يوليو 2005

ثلاثة تفجيرات منها تفجيران بسيارتين مفخختين استهدفا فندق غزالة والسوق التجاري بشرم الشيخ فضلا عن استهداف كافتيريا سياحية بمنطقة خليج نعمة بعبوة ناسفة مخفاة في حقيبة يحملها أحد عناصر التنظيم مما أسفر عن مقتل 68 شخص من بينهم 11 بريطاني، 6 إيطاليين، 4أتراك ألمانيان، 1تشيكي،1 من عرب إسرائيل، 1أمريكي، والبقية مصريون.

اختار “خالد مساعد” مدينة شرم الشيخ لتنفيذ عمليته الثانية نظرا لما تتمتع به المدينة من رمزية سياسية وأمنية لكونها مقر الإقامة شبه الدائم للرئيس المصري حسني مبارك، وأكد على ذلك في بيان مسوؤلية التنظيم عن العملية قائلا “شرم الشيخ التي اخترناها تحديا لأجهزة الطواغيت الأمنية”40.

ونظرا للتشديدات الأمنية بالمدينة، اختار”خالد مساعد” فريقا يتكون من “عيد الطرواي”41 و”أسامة النخلاوي” و”يونس أبو جرير” لتفقد المدينة وإجراءات الأمن بها وتحديد الأهداف التي يمكن استهدافها، ثم عقب جولة تفقدية أولية قام الفريق بجولة تفقدية ثانية بعدها بأربعة أيام، ثم عادوا إلى “خالد مساعد” بالعريش وأخبروه بالأهداف التي اختاروها، وشدد عليهم مساعد قائلا (أنتم متأكدين إن كل الأماكن دي فيها أجانب فقط) فأجبوه بالإيجاب.

ونظرا لحساسية العملية طلب منهم مساعد رصد الأهداف المقترحة للمرة الثالثة ولكن هذه المرة برفقة المنفذين المقترحين للعمليات، وهم “محمود أبو الفوارس” المرشح  لتفجير عبوة ناسفة تتكون من أنبوبة بوتاجاز صغيرة مليئة بالمتفجرات يحملها في حقيبة ظهر في شارع قابوس، و”محمد عودة” الذي سيستهدف فندق “غزالة” و”الحركي عبد الله” الذي سيستهدف الكافتيريا السياحية، ثم عادوا جميعا إلى العريش، وتراجع “الحركي عبد الله” عن تنفيذ العملية الخاصة به واعتذر عن القيام بأي عملية يفجر فيها نفسه، فاختار خالد مساعد “موسى غنيم” أحد أفراد قبيلته السواركة لتنفيذ العملية.

استخدم التنظيم في تنفيذ العمليات سيارتين ربع نقل مسروقتين من رفح والعريش بعد مسح أرقام الشاسيه والموتور الخاص بهما وتعبئتهما بأنابيب البوتجاز المحشوة بالمتفجرات، وتحرك فريق التنفيذ المكون من 8 أفراد بقيادة “عيد الطراوي” إلى مدينة شرم الشيخ عبر المدقات الجبلية لتجنب الكمائن الموجودة على الطريق، وقام “محمد عودة” بتوصيل “محمود أبو الفوارس” إلى المكان الذي سيفجر فيه عبوته الناسفة ثم توجه بسيارته إلى فندق غزالة، وحدثت التفجيرات الثلاثة في وقت شبه متزامن  ففي الساعة 1:15 ص انفجرت السيارة الأولى في السوق التجارية، وفي 1:20 انفجرت السيارة الثانية في فندق غزالة وتبعهما  تفجير “محمود أبو الفوارس” لعبوته  في خليج نعمة ، بينما غادر عيد الطرواي وفريقه شرم الشيخ قبل تنفيذ التفجيرات بقليل، وذهبوا إلى العريش للقاء قائد التنظيم، الذي وجه اللوم42 للطيراوي قائلا “فيه مصريين كتير ماتوا، والسبب إن فيه خطأ في التنفيذ” فرد عليه الطراوي بأن كلام وسائل الإعلام ليس مضبوطاً، وأنها تغالط.

 

3-عملية الجورة 15 أغسطس 2005

إثر تفجيرات شرم الشيخ تمكنت الأجهزة الأمنية في 12 أغسطس من القبض على “أسامة النخلاوي” خبير صناعة الدوائر الكهربية بالتنظيم وأراد “خالد مساعد” الرد على اعتقال النخلاوي، فقرر استهداف أتوبيس تابع للقوات متعددة الجنسيات في سيناء بالقرب من مطار الجورة بعبوات ناسفة أثناء سيره الروتيني على الطريق الموصل للمطار كل يوم اثنين43.

كلف “خالد مساعد” فريقا يشرف عليه “عيد الطراوي” بتنفيذ تلك العملية وتم تنفيذها بأنبوبتي غاز محشوتين بالمتفجرات، فانفجرت إحداهما مما أسفر عن إصابة جنديين كنديين44 بجروح طفيفة، بينما لم تنفجر العبوة الثانية وشارك “خالد مساعد” بنفسه في تنفيذ العملية وقام بتصويرها.

عقب تلك العملية لقي “خالد مساعد” مصرعه إثر اشتباك مع كمين للشرطة في سبتمبر 2005 كما قُتل عدد من قيادات التنظيم مثل سالم الشنوب مثلما سنذكر لاحقا بالتفصيل، فتولى “نصر الملاحي” قيادة التنظيم، وسعى لمد أواصر العلاقة مع الجهاديين الفلسطينيين45 بقطاع غزة، فأرسل بعض عناصر التنظيم للتدرب بغزة على تصنيع المتفجرات واستخدام الأسلحة ونفذ التنظيم آنذاك عمليتين جديدتين قبل مقتل الملاحي في مايو 2005.

 

4-تفجيرات مدينة “ذهب” في 24 إبريل 2006

عبارة عن ثلاثة تفجيرات بواسطة عبوات ناسفة مخفية في حقائب يحملها 3 عناصر استهدفوا فندقا ومطعما وسوقا بمنتجع ذهب السياحي مما أسفر عن مقتل 18 شخص من بينهم 6سياح أجانب46 هم روسيان وسويسري وألماني ويمني ومجري فضلا عن إصابة ٩٠ شخص بينهم ٥٨ مصريا47.

ونفذ تلك العمليات كل من: عطا الله القرم‏ (‏ مواليد ‏1982ــ من قرية التومة بالشيخ زويد‏)، محمد يعقوب ‏ (‏مواليد ‏1982 ـ حاصل على بكالوريوس علوم ـ مدرس بمدرسة المزرعة الابتدائية بالعريش‏)، أحمد الكريمي ‏ (‏طالب -يعمل بورشة ميكانيكي ومقيم بالعريش‏). ‏

 

5-عمليات الجورة في 26 إبريل 2006

عملية مزدوجة تم خلالها استهداف سيارة تابعة للقوات متعددة الجنسيات قرب مطار الجورة، وسيارة شرطة يستقلها مأمور قسم الشيخ زويد ذهبت لمعاينة الحادث الأول بعبوتين ناسفتين يحملهما عنصران من التنظيم دون وقوع خسائر.

وتمت هذه العملية إثر تكليف نصر الملاحي لعيد الطراوي ومحمد أبو جرير وآخرين بالانتقام من قتل الشرطة لعناصر من التنظيم، ولسابقة مشاركتهما في عملية الجورة الأولى عام ‏2005‏، ونفذ التفجيران: عيد الزيود (مواليد 1984-‏طالب بكلية أصول الدين – مقيم بمنطقة المزارع بالعريش‏)، محمد هادي أبوقبال (مواليد‏1985-طالب-مقيم بالشيخ زويد‏). ‏

 

6ـ عمليات لم تُنفذ

وضع عناصر التنظيم مخططات واقترحوا أفكارا لعمليات أخرى ولكنها لم تُنفذ نظرا للملاحقات الأمنية المستمرة، ومن أبرز تلك العمليات استهداف مقري مباحث أمن الدولة بالعريش والاسماعيلية، واستهداف بعض الأتوبيسات السياحية بالاسماعيلية وشمال سيناء، واختطاف الأجانب القائمين علي التنقيب عن الآثار في منطقة القصاصين بالاسماعيلية، واستهداف سياح أميركيين بمدينة سفاجا، واستهداف كافتيريا “عز الدين” بالإسماعيلية بعبوة ناسفة حيث يتردد عليها السائحون الأجانب واختطاف سياح أجانب واحتجازهم كرهائن48.

 

خامساً: إعلام التنظيم

لم يصل التنظيم لمرحلة التخصص الاحترافي وتقسيم اللجان، إذ تكشف اعترافات أعضاءه عن عدم وجود لجنة إعلامية تابعة له، ولم يصدر في حياة مؤسسه سوى بيان واحد فى 26 يوليو 2005 عقب تفجيرات شرم الشيخ معلنا فيه مسؤوليته عن التفجيرات، وكاشفا فيه عن اسم التنظيم وهو “جماعة التوحيد والجهاد”.

نشر “خالد مساعد” هذا البيان عبر الإنترنت على منتديات “الحسبة” الجهادية من خلال جهاز كمبيوتر منزلي، كما حاول إرسال شريطي فيديو يتضمنان وصايا منفذي عمليات شرم الشيخ إلى قناة الجزيرة ولكنه لم ينجح، وقد عثرت الأجهزة الأمنية على هذين الشريطين ولم تنشرهما.

وقد تضمنت وصايا المنفذين الحديث عن (فضائل الجهاد، وتداعيات تركه، والدعوة لقتال اليهود والصليبيين، والتوعد باستهداف رعايا الدول الغربية المشاركة في حروب ضد المسلمين في العراق وأفغانستان وباكستان وفلسطين وكشمير، والتحذير من علماء السوء الذين ليس لهم هم إلا إرضاء السلطات، ورسالة إلى الأسرى والمعتقلين في الغرب والدول المحتلة وفي بلاد الحرمين أنهم معهم من أرض المناجاة سيناء حتي يتحرروا من تلك السجون، بالإضافة إلى الحديث عن مشروعية العمليات الاستشهادية، وأنها تمثل سلاحا استراتيجيا للمسلمين يثخن في الأعداء)49.

 

سادساً: العجز الأمني وانكشاف التنظيم:

عقب تفجيرات طابا ونويبع، شنت أجهزة الأمن حملات مداهمة واعتقالات عشوائية قبضت خلالها على ما يزيد عن 3000 شخص50 في محافظة شمال سيناء وحدها، وبالرغم من ذلك عجزت عن معرفة الخلفيات الكاملة لمنفذي التفجيرات، إذ ورد في تحقيق نيابة أمن الدولة العليا مع ضابط أمن الدولة “أحمد هيكل” المشرف على القضية ما مفاده “أن التحريات لم تتوصل إلى وجود صلة تنظيمية بين المتهمين، وأن الصلة كانت فردية من خلال قيام الأخوين فليفل باقناع المتهمين باستهداف السياح الإسرائيلين ردا على المجازر ضد الفلسطينيين”51

ومن ثم أصدرت وزارة الداخلية فى 25 أكتوبر 2004 بياناً أعلنت فيه توصلها إلى هوية 9 من منفذي الهجمات و القبض على 5 منهم ومطاردة اثنين هاربين فضلا عن مقتل اثنين في التفجيرات، ورغم هذا البيان فإن نيابة أمن الدولة لم تقدم في عريضة الاتهام في القضية رقم (664/2004) المحالة للجنايات في مارس 2005 سوى 3 أسماء فقط هم محمد فليفل (هارب) وخراط المعادن “محمد رباع” الذي قُبض عليه يوم 20 أكتوبر وخبير الدوائر الكهربية “محمد جايز” الذي قبض عليه يوم 21 أكتوبر أما الهارب الثاني “حماد جميعان” فقد استبعد من لائحة الاتهام نظرا لمقتله في فبراير 2005، بينما تم استبعاد الثلاثة المتبقين نظرا لعدم علاقتهم بالتنظيم وهم: محمد احمد السويركى (تاجر سيارات مسروقة)، إيهاب مصبح (عامل محل ادوات كهربائية، متهم بمشاركة إياد صالح فى سرقة احدى السيارات التى استخدمت فى التفجيرات، دون أن تكون له علاقة بالتنظيم) حمدان الأحمر (من عرب جنوب سيناء – صاحب مخيم – متهم بتوفير معلومات عن مخيمي نويبع دون أن تكون له علاقة بالتنظيم) .

ومثلت أرقام مواتير وشاسيهات السيارات المسروقة المستخدمة في التفجيرات الخيط الذي مكن أجهزة الأمن من اكتشاف هوية المنفذين، وحاولت الأجهزة الأمنية القبض على “أسامة النخلاوي” عقب حصار منزله في 17 أكتوبر 2004 ولكنه تمكن من الفرار عقب تبادل لإطلاق النيران، فاعتقل الأمن زوجته لمدة شهر، وشن الأمن حملة مطاردة واسعة للبحث عن “محمد فليفل” وأحرق عشته واعتقل زوجته فترة من الوقت52.

وفي مطلع فبراير 2005 حاصرت قوات أمن يبلغ تعدادها 4 آلاف فرد مدعومين بطائرات هليكوبتر مجموعة من عناصر التنظيم في منطقة محاجر مهجورة بتمادة، ودارت اشتباكات أسفرت عن مقتل عضو التنظيم “محمد بدوي”53 ومقتل أمين الشرطة “مجدي رياض”. ثم يوم 5/2/2005 تمكنت قوات الأمن من قتل “حماد جميعان” مسوؤل خلية تنفيذ تفجيرات طابا بالاضافة إلى “سلامة التيهي” بينما أصيب عشرة من قوات الأمن.

وظنت الأجهزة الأمنية أن الخطر قد زال إلى أن فوجئت عام 2005 بتفجيرات شرم الشيخ، وما تلاها من إعلان التنظيم عن هويته في بيان نشره على النت قائلا فيه:

“نعلن نحن جماعة التوحيد والجهاد بأرض الكنانة مصر مواصلة الحرب المجلية لليهود والنصارى من أرض الاسلام، والتي بدأت بمحور الشر والدعارة الصهيونية على أرض المناجاة سيناء بطابا ورأس شيطان ونويبع… وإن كنا لم نعلن من قبل فذلك لظروفنا الأمنية… ونحن الآن في وضع أفضل يمكننا بحمد الله وتوفيقه من تبني عمليتنا الثانية في سلسلة الحرب المجلية بشرم الشيخ التي اخترناها تحديا لأجهزة الطواغيت الأمنية، وإن أردتم ان تأتوا إلى بلادنا وتنعموا بالأمن والسلام فعليكم أن تطلبوا الأمان من قادة الأمة الحقيقيين الشيخ أسامة بن لادن والشيخ أيمن الظواهري”.

عقب تفجيرات شرم الشيخ ونشرهذا البيان الذي كشف عن وجود الجماعة شنت الأجهزة الأمنية حملات دهم واسعة بحثا عن المطلوبين الفارين واستطاعت الوصول لخيوط جديدة عن التنظيم عقب القبض على عدد من عناصره بالاسماعيلية، وعلى رأسهم مسؤول خلية الاسماعيلية “أحمد سلام” الذي قبضت عليه في 30 مايو 2005، إذ أدلى باعترافات عن أماكن تواجد “محمد فليفل” و”سالم الشنوب” وتمكنت أجهزة الأمن من قتل “محمد فليفل” في 2 أغسطس 2005 قرب جبل عتاقة فضلا عن إصابة زوجته.

أما خبير المتفجرات “أسامة النخلاوي”54 فظل هاربا منذ فراره عقب اشتباك مسلح أثناء مداهمة الأمن لمنزله عقب تفجيرات طابا، وظل يتنقل بين رفح والعريش والاسماعيلية، إلى أن داهمت الأجهزة الأمنية محل إقامته بالكيلو 54 بطريق الشط بالقنطرة شرق، فتبادل معها إطلاق النار وأصاب شرطيين، وتمكن من الفرار مجددا بعد أن تبقت معه طلقة واحدة بسلاحه واستقل سيارة نقل نزل منها قبل كمين نفق أحمد حمدي، فطاردته سيارة شرطة وألقت القبض عليه عقب نفاذ ذخيرته في 12 أغسطس 2005.

إثر التحقيق مع العناصر سالفة الذكر بدأت الخيوط تشير لضلوع “خالد مساعد” في الأحداث دون أن تدرك أجهزة الأمن أنه هو قائد التنظيم، ثم حدث اتصال هاتفي به من قبل شخص مجهول ادعى أنه موظف بشركة الهاتف المحمول قائلا له أنه فاز بجائزة من الشركة عبارة عن “كرة قدم” وأنهم يريدون عنوانه لإرسالها له فتخوف خالد مساعد من احتمال نصب فخ له من قبل أجهزة الأمن، وبالأخص لحدوث اتصال شبيه بمساعده “يونس أبو جرير” في نفس التوقيت، فقررا الهرب إلى إحدى المغارات قرب مصنع الأسمنت بالعريش، ومنها انتقلا إلى مزرعة الأبطال بمحافظة الاسماعيلية ثم عقب القبض على عنصرين من التنظيم بالاسماعيلية عاد “خالد مساعد” و”يونس أبوجرير” إلى شمال سيناء، وذهبا إلى جبل الحلال واتفق خالد مساعد مع “سالم الشنوب” على تنفيذ عملية الجورة وطلب بعدها من قيادات التنظيم الهرب كلا بطريقته نظرا لتكثيف التواجد الأمني وحملات المداهمة بسيناء واتفق معهم على اللقاء بهم كل يوم اثنين في مكان محدد سلفا  لبحث أخر التطورات والاطمئنان عليهم قبل أن يهرب إلى فلسطين، وكان آنذاك يتنقل على متن سيارة نصف النقل ومعه ترسانة أسلحة رشاشة وقنابل يدوية وقاذف آر.بي.جي.

تمكن عضو التنظيم “أحمد ربيع” من الهرب إلى فلسطين، واتصل بخالد مساعد في 27 سبتمبر 2005 ليخبره بترتيب مكان له داخل فلسطين.

وفي 28 سبتمبر تمكنت قوات الأمن من تصفية عضو التنظيم “موسى بدران” أثناء ذهابه لزيارة أسرته بكرم القواديس، وفي نفس اليوم كان من المفترض أن يمر عليه “خالد مساعد” ليأخذه معه بعد انتهاء الزيارة.

أثناء توجه “خالد مساعد” رفقه “يونس أبو جرير” و”طلب مرتضى55” إلى منزل “موسي بدران” فوجئوا بكمين شرطة بعد إحدى الملفات فحاولوا الهرب، وحدث اشتباك أسفر عن اصابة ضابط وثلاثة جنود ومقتل “خالد مساعد” و”طلب مرتضى”، وتم القبض على “يونس أبو جرير” الذي اعترف للأجهزة الأمنية بالتفاصيل المتعلقة بالتنظيم وعملياته، وكشف لها أن خالد مساعد هو قائد التنظيم، وبذلك وضعت الأجهزة الأمنية يدها على خارطة التنظيم وخلاياه وبدأت حملة مطاردة شرسة لعناصره.

                        يونس أبوجرير

أما “سالم الشنوب” فقد داهمت الأجهزة الأمنية جبل الحلال في 17 يونيو 2005 من أجل القضاء عليه، وحدثت اشتباكات عنيفة مع سالم وأشقاءه الأربعة محمد وعودة وسلام وسلمان مما أسفر عن مقتل “سلمان الشنوب”56 وإصابة أسامة نجل سالم فضلا عن مقتل مجند الشرطة “فتحي عبد الحميد” وإصابة نقيب شرطة و3 جنود.

ثم عاودت قوات الأمن مداهمة “سالم الشنوب” في شهر أغسطس ولكنه وضع في طريق الحملة الأمنية عبوات ناسفة وألغام وخاض معها معارك ضارية أسفرت في 25 أغسطس 2005 عن مقتل ضابطي الأمن المركزي اللواء محمود سلام والمقدم عمرو غريب فضلا عن إصابة العشرات من عناصر الشرطة.

ويؤكد زعيم الجماعة الإسلامية السابق “ناجح ابراهيم”57 أن صديقه مسئول التطرف الديني بجهاز أمن الدولة اللواء “أحمد رأفت” الشهير بالحاج “مصطفى رفعت” أصيب إصابات بالغة إثر سقوط طائرته المروحية أثناء متابعته للاشتباكات الدائرة بجبل الحلال، مما اضطره للسفر إلى ألمانيا لتلقي العلاج اللازم.

عقب تلك الاشتباكات العنيفة حاصرت قوات الأمن جبل الحلال واستعانت بالطائرات لقصفه، وتمكنت في 20/11/2005 من قتل “سالم الشنوب” ونجل عمه “سلام الشنوب” و”سلام اللولح” خلال تبادل لإطلاق النيران معهم أثناء محاولتهم التسلل من جبل الحلال  إلى وادي الحظيرة58.

أما “عيد الطرواي” فقد داهمت قوات الأمن منزله في سبتمبر 2005 واعتقلت والدته وزوجته وأشقائه سالم ومحمد وعطية، وظلت الأجهزة الأمنية تطارده إلى أن تمكنت من تصفيته هو وخمسة من رفاقه في جبل المغارة بسيناء في 1/5/2006 بينما قُتل رائد أمن الدولة “عبد الخالق نبيل”59 خلال الاشتباك معهم.

أما “نصر الملاحي” الذي قاد التنظيم بعد مقتل خالد مساعد، فقد تمكنت الأجهزة الأمنية من مداهمة مكان اختبائه بمنطقة المزارع جنوب العريش في 9 مايو 2006 وقتلته عقب اشتباك عنيف، وألقت القبض على مرافقه “محمد أبو جرير” وهو ابن عم “يونس أبو جرير” الذي ألقي القبض عليه سابقا أثناء الاشتباك الذي أسفر عن مقتل “خالد مساعد” كما قتلت قوات الأمن الشقيقين ابراهيم وحامد مديح وزوجة الأخير”مروة جمعان” في يوليو 200660.

في مارس 2005 قدمت النيابة قرار اتهام ضد “محمد جايز” و”محمد رباع” تتهمهما فيه بالضلوع في تفجيرات طابا ونويبع، ثم عقب اكتشاف الحجم الحقيقي للتنظيم أعلنت نيابة أمن الدولة العليا في 26 مارس 2006 ضم 13 متهم جديد للقضية وفي 30 نوفمبر 2006 أصدرت محكمة أمن الدولة العليا طوارئ بالاسماعيلية أحكاما بإعدام “يونس أبوجرير-محمد جايز – أسامة النخلاوي” فضلا عن أحكام متفاوتة بالسجن على 13 أخرين.

كما أعلنت الأجهزة الأمنية مطلع مايو 2006 عن قائمة مطلوبين من التنظيم ضمت 25 اسما، تعرض معظمهم لاحقا للتصفية والاعتقال، إذ جاوز إجمالي عدد القتلى من عناصر التنظيم الثلاثين قتيلا61، وألقي القبض على معظم عناصره.

وقد شملت حملات الاعتقال رفاق “خالد مساعد” في مجلس الشورى القديم، فاعتقل “حمدين أبو فيصل” و”هاني أبو شيتة” كما اعتقل الشيخ أسعد البيك أحد أبرز شيوخ العريش.

وفي السجون أيد الثلاثي “البيك وأبو فيصل وأبو شيتة” مبادرة وقف العنف التي تبنتها الجماعة الإسلامية، وأفرجت الأجهزة الأمنية تدريجيا عن  معظم المعتقلين السيناويين، دون أن تتوقف حملات الاعتقال لمعتنقي الأفكار الجهادية، إذ اعتقلت قوات الأمن عشرات الشباب السيناوي عامي 2009 و2010 وزجت بهم في سجن أبوزعبل شديد الحراسة62 متهمة بعضهم مثل “أحمد زايد كيلاني” بوجود تواصلات لهم بالمجموعات الجهادية بغزة، وبالوقوف خلف مخططات لتنفيذ هجمات ضد أهداف إسرائيلية، إذ تذكر تقارير المخابرات الإسرائيلية أن “مدينة إيلات تعرضت للقصف مرتين عام 2010 في عهد مبارك”63.

وعندما اندلعت أحداث ثورة يناير هرب كل المعتقلين من منطقة سجون أبو زعبل ومن ضمنهم عشرات الشباب السيناويين في مقدمتهم “أحمد زايد كيلاني” و”كمال علام” المعتقل من عام 2003 و”سليم الحمادين” المحكوم بالمؤبد، كما تمكن “محمد عليان أبو جرير” الذي قُبض عليه رفقه “نصر الملاحي” من الهرب من سجنه ولكن تمكنت أجهزة الأمن من القبض عليه مجددا64 في نوفمبر 2012.

كما واكب أحداث الثورة وقوع هجوم عنيف بالقذائف الصاروخية والأسلحة الرشاشة على مقر جهاز أمن الدولة بمدينة رفح في 29 يناير 2011 مما أسفر عن مقتل 3 من العاملين به، كما اختطف مجهولون 3 ضباط وأمين شرطة65 قرب العريش في 4 فبراير 2011 ولم يعثر عليهم لاحقا.

ثم عقب عزل مبارك أفرج المجلس العسكري عام 2011 عن كافة المعتقلين السياسيين المتبقين في السجون من أبناء سيناء، وكان أغلبهم معتقلين بسجن العقرب.

كما قام أهالي المحكومين بالإعدام والمسجونين في قضية طابا بالاعتصام أمام مقر القوات الدولية متعددة الجنسيات، واحتجزوا 25 خبيرًا صينيًا66 بالقرب من منطقة لحفن للضغط لإعادة محاكمة أقاربهم، فأصدر المشير طنطاوي في 13 فبراير 2012 قرارا بإعادة محاكمتهم. وفي 15/2/2013 اختطفت مجموعة مسلحة 7 جنود67 مصريين، وطالبت بإطلاق سراح المسجونين السياسيين من أهل سيناء، ثم أفرجت عن المختطفين بعد أسبوع عقب وساطات من قيادات جهادية وإسلامية.

 

سابعاً: عودة النشاط والإنخراط في صفوف جماعة “أنصار بيت المقدس”

عقب فرار العشرات من المعتقلين السيناويين من سجن أبوزعبل شديد الحراسة والإفراج لاحقا عن بقية المعتقلين عاد اسم “جماعة التوحيد والجهاد” للظهور مجددا إذ تتهم الأجهزة الأمنية “كمال علام” و”أحمد زايد كيلاني” بإعادة نشاط الجماعة والوقوف خلف حوادث الهجوم في يوليو2011 على:

  • ” قسم ثان العريش” مما أسفر عن مقتل كل من نقيب الجيش “حسين عبد الله” ونقيب الشرطة “يوسف الشافعى” ومجند الشرطة “صافي عبد الغني” والمواطن “مسلم حسن” فضلا عن إصابة 12 آخرين من عناصر الأمن.
  • قوات تأمين مقر بنك الإسكندرية فرع العريش مما أسفر عن مقتل نقيب الشرطة “محمد الخولى“والشرطى”محمد إبراهيم” فضلا عن إصابة مجندين.

ومن ثم شنت الأجهزة الأمنية حملات مداهمة للعناصر المتهمة بالمشاركة في الحادثين، وتمكنت من اعتقال 12 عنصر منهم، وأحيل 25 فرد ضمنهم 13 هارب إلى محكمة جنايات أمن الدولة العليا طوارئ التي حكمت في 24/9/2012 بإعدام 14 عنصر منهم 6 حضوريا فضلا عن أحكام متفاوتة للعناصر الأخرى.

وتشير المعطيات المتوافرة إلى اندماج العناصر السابق لهم العمل ضمن “جماعة التوحيد والجهاد” مع العناصر المتهمة بإعادة إحياء نشاط الجماعة مع مجموعات جهادية أخرى ضمن جماعة “أنصار بيت المقدس” ومن أبرز الدلائل على ذلك:

  • “توفيق فريج” أحد أبرز مؤسسي جماعة “أنصار بيت المقدس” عمل مساعدا لزعيمي جماعة “التوحيد والجهاد” خالد مساعد ونصر الملاحي وفقا لبيان نعيه الصادر عن جماعة الأنصار في 14 مارس 2014.
  • يُعد “كمال علام”68 أحد أبرز المحكوم عليهم بالإعدام في قضية إعادة إحياء نشاط جماعة التوحيد والجهاد، وقد ظهر لاحقا في إصدار جماعة أنصار بيت المقدس الخاص بالهجوم على كمين كرم القواديس في أكتوبر عام 2014، والذي خلف قرابة 30 قتيل من عناصر الجيش المصري.

                      

    كمال علام بعد القبض عليه عام 2003                            كمال علام أثناء الهجوم على كمين كرم القواديس 2014

نجد على رأس قيادات جماعة “أنصار بيت المقدس” المعتقل السابق “محمد خليل عبد الغني النخلاوي”69 وهو قريب المحكوم عليه بالإعدام في قضية طابا “أسامة محمد عبد الغني النخلاوي” وشقيق “عصام النخلاوي” المقتول في اشتباك مع ضابط الامن الوطني المقتول بالعريش محمد أبو شقرة في يونيو2013، وشقيق صبري النخلاوي70 خبير تجهيز السيارات المفخخة بولاية سيناء.

 

 تحليل تجربة جماعة التوحيد والجهاد

1ـ لم تمتلك الجماعة استراتيجية محددة للتغيير أو مخطط طويل المدى تسير عليه، إنما تجمّع أفرادها حول هدف بسيط يتناسب مع الشخصية البدوية التي تتسم بالشجاعة والنجدة ونصرة المظلوم، وتمثل ذلك الهدف في مناصرة أهل فلسطين والقتال بجوارهم ضد الاحتلال اليهودي، ثم كانت حرب العراق العامل الذي تسبب في تغيير توجهات الجماعة واستهدافها للسياح الإسرائيلين ورعايا الدول الأجنبية داخل سيناء، وهو ما يكشف أن الجماعة نشأت كرد فعل على أحداث خارجية لا كرد فعل على أحداث داخلية مثلما حدث في تجارب سابقة مثل تجربة “جماعة الجهاد المصرية “.

2ـ خطورة الإلهام الفكري وتجاوزه لعقبات التواصل التنظيمي، فجماعة التوحيد والجهاد استلهمت أهداف تنظيم القاعدة وتحركت في ضوءها رغم عدم وجود أي ارتباط تنظيمي بينهما، بالاضافة إلى اعتمادها تدريس كتاب “العمدة في إعداد العدة” الصادر عن جماعة الجهاد وهو ما يشير إلى بقاء الأفكار وامتداد تأثيرها رغم تفكك الجماعات القديمة التي تبنتها سابقا، ويتأكد ذلك في الجماعات التي تخلو من منظرين خاصين بها إذ تلجأ لاعتماد تنظيرات وأفكار منظري الجماعات السابقة.

3ـ لم تتوجه الجماعة لاستهداف قوات الأمن مثلما حدث في عملية الجورة عام 2006 سوى بعد حملات الاعتقال والتصفية لعناصرها، وهو ملمح تكرر لاحقا في تجربة جماعة “أنصار بيت المقدس” التي ركزت على استهداف إسرائيل ولم تدخل في مواجهات مع الجيش والشرطة المصريين سوى بعد الانقلاب، وهو ما يشير إلى أن الحلول الأمنية في سيناء تؤدي لمزيد من اشتعال الأحداث وتأزم الأوضاع، فالتعاملات القمعية وحملات الاعتقال الواسعة واعتماد التعذيب في التحقيقات أدى  إلى زيادة شراسة عناصر الجماعة وإلى اتساع رقعة المتعاطفين مع عناصرها من شريحة المتضررين من الممارسات الأمنية.

4ـ جمع قادة الجماعة بين الذكاء والعفوية والبساطة، إذ نجحوا في تأسيس الجماعة وتنفيذ عمليات مدوية مستغلين الفراغ الأمني وعامل المفاجأة الناتج عن عدم توقع الأجهزة الأمنية لوجود مجموعات وأفكار جهادية بين شباب القبائل في سيناء ولكنهم في ذات الوقت لم ينجحوا في قراءة تداعيات عملياتهم، ولم يتوقعوا ردات الفعل على تلكم العمليات، إذ ذكر عضو التنظيم “أحمد سلام” في اعترافاته موقفين لهما دلالات هامة:

الموقف الأول: رد فعل القائد العسكري للتنظيم “سالم الشنوب” عندما علم بحضور طائرات إلى سيناء لاستهداف جبل الحلال، إذ لم يتوقع سابقا حدوث ذلك رغم هجمات طابا وشرم الشيخ الدموية، فقال منزعجا “الحكومة أحضرت طائرات في العريش كي تحاربنا بها، هذا معناه أن الأمن سيدكنا دكاً وسنخرج من الجبل رغم أنفنا”.

الموقف الثاني: عندما قتلت قوات الأمن سلمان شقيق سالم الشنوب وأخذت جثته اتصل سالم بكبار عائلته وهددهم بأن الأمن إذا لم يسلم الجثة فإنه سيهاجم قوات حفظ السلام في سيناء، فأجابه أحمد سلام (لا تفعل ذلك وإلا الدنيا كلها ستنقلب علينا وعلى البدو الموجودين في سيناء، العالم كله سيصبح ضدنا بمن فيهم البدو) رغم أن عمليات التنظيم الضخمة كفيلة بمفردها في تأليب الحكومة المصرية ودول المحيط الإقليمي ضد الجماعة.

5ـ ضعف البنيان التنظيمي أدى لصعوبة تفكيك الجماعة، إذ لم يرد في اعترافات أعضاء الجماعة تقسيمها إلى لجان محددة المهام، إنما كان “خالد مساعد” يستفيد من خبرات أتباعه والأجواء المتوافرة في سيناء، فيشتري ويجمع المتفجرات من تجار الخردة، ويختفي في المغارات والجبال وعند رعاة الأغنام، ويرسل فريقا غير ثابت لتنفيذ العمليات، وهي أمور أرهقت الأجهزة الأمنية أثناء سعيها لمطاردة عناصر الجماعة وايقاف أنشطتهم.

6ـ نجح “خالد مساعد” في الاستفادة الوثيقة من الروابط العائلية والعشائرية والقبلية لزيادة لحمة وتماسك الجماعة، إذ أن الفرد الذي يتم ضمه لها كان يدعو أقاربه للسير على منواله، مما يزيد من تجانس الجماعة لوجود روابط عقدية وفكرية وعائلية مشتركة.

7ـ الإجراءات الأمنية لتفكيك خلايا الجماعة من قبيل تصفية المطاردين واعتقال عناصرها لمدد طويلة، أدت إلى حدوث عكس المقصود، إذ نتج عن اعتقال أبناء سيناء مع غيرهم من الجهاديين من المحافظات الأخرى إلى اتساع دوائر علاقاتهم واكتسابهم المزيد من الخبرات، وإدراكهم للأثر السلبي الناتج عن عدم تبنيهم لاستراتيجية طويلة الأمد للعمل المسلح، وهو ما طبقوه لاحقا في تجربة “جماعة أنصار بيت المقدس”.

 

الخاتمة

أسباب نشأة الجماعات الجهادية لا يمكن حصرها في أسباب داخلية، بل قد تنشأ لأسباب خارجية مثلما يظهر في تجربة جماعة “التوحيد والجهاد” والتي  أدى رد الفعل الأمني العنيف إلى دخولها في صراع مباشر مع قوات الأمن، أي أن نشوء واستمرار المظالم الخارجية والداخلية يؤدي إلى تنامي المد الجهادي كرد فعل مقابل لتلكم المظالم، ومن ثم فإن أي رغبة حقيقة في تحقيق الأمن المجتمعي وزوال مظاهر العنف لا تتحقق إلا بعد زوال مسببات العنف، كما أن خفوت العنف لفترة معينة لا تعني زواله، فبمجرد حدوث فرجة في المشهد تعود موجات العنف بصورة أكثر شراسة وضراوة، وهو ما تبدى بجلاء في المشهد السيناوي عقب ثورة يناير والانقلاب العسكري (71).

1 ) عباس مصطفى عمار، سيناء المدخل الشرقي لمصر، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ص202-ط1.

(2) للمزيد من المعلومات انظر (البيانات الأساسية لمحافظتي شمال وجنوب سيناء) على موقع الجهاز الوطني لتنمية شبه جزيرة سيناء التابع لمجلس الوزراء على الرابط التالي: http://sda.gov.eg

(3) – لمزيد من التفاصيل عن جغرافية سيناء وتركيبها السكاني انظر: عباس مصطفى عمار – مصدر سابق.

(4) – أطلق عليهم هذا الاسم لسكناهم بهضبة التيه.

(5) – مواليد 1938-اعتقل مع الاستاذ سيد قطب في قضية تنظيم 1965، وخرج من السجن عام 1975، ليؤسس مع مجموعة من رفاقه “دعوة أهل السنة والجماعة”، وتوفي عام 2013.

(6) – خالد مساعد: مواليد 1972 من العريش -طبيب أسنان – الشرق الأوسط 30/9/2005.

(7) – هذه الرواية كان ينبناها عدد من أعضاء الجماعة في السجون في عهد مبارك مثل “سليم الحمادين”.

(8) – لم يشترط خالد مساعد أن يأخذ البيعة بنفسه، إذ ذكر “أحمد سلام”أنه أعطى البيعة إلى”سالم الشنوب”– المصري اليوم 4/4/2006.

(9) – المصري اليوم 16/5/2006.

(10) اعترافات أسامة النخلاوي الواردة ضمن مذكرة الدفاع عن “محمد جايز”على الرابط.

(11) – نصر خميس الملاحي: مواليد 1976 بالبحيرة -خريج كلية حقوق الزقازيق دفعة 1998-عمل مزارعا -هاجر والده من سيناء إلى محافظة البحيرة عقب الاحتلال الإسرائيلي عام 1967، ثم عاد مع أسرته لاحقا إلى العريش.

(12) – سالم الشنوب من قرية الغرقدة التي تبعد 12 كم عن جبل الحلال، عمل مزارعا في مزرعة للطماطم استـأجرها بالتل الكبير-وتولى مسوؤلية التدريب العسكري لعناصر التنظيم.

(13) –  يونس أبوجرير-مواليد 1980-مزارع مقيم بحي المساعيد بالعريش.

(14) – محمد أبوجرير-مواليد 1985 – راعي أغنام من العريش.

(15) – كتاب”العمدة في إعداد العدة للجهاد في سبيل الله تعالى” تأليف عبد القادر بن عبد العزيز، أصدرته جماعة الجهاد المصرية عام 1989 تحت اسم حركي لأميرها سيد إمام الشريف، تناول فيه حكم التدريب العسكري والإمارة وأحكامها، وواجبات الأمير وعناصر المعسكر، فضلا عن الرد على أبرز الشبهات التي يرددها خصوم التيار الجهادي.

(16) –  لمزيد من التفصيل انظر: اعترافات أسامة النخلاوي الواردة ضمن مذكرة دفاع “محمد جايز”-مصدر سابق.

(17) – ورد في اعترافات “سليمان شويهر” أن “سالم الشنوب” كان يمدهم بفيديوهات مصورة لعمليات جماعة الزرقاوي بالعراق – الشرق الأوسط 29/4/2006.

(18) – المصري اليوم 2/4/2006.

(19) – ياسر محيسن – تاجر ملابس مقيم بالاسماعيلية – انظر اعترافات “أحمد سلام” – المصري اليوم 5/4/2006.

(20) – لمزيد من التفصيل انظر اعترفات ” يونس أبوجرير” – المصري اليوم 2/4/2006.

(21) – سليمان صالح أحد أعضاء خلية الاسماعيلية-اعترافات “أحمد سلام” – المصري اليوم 4/4/2006.

(22) – ورد في اعترافات العناصر المقبوض عليها أن د.خالد مساعد تولى تمويل أنشطة الجماعة دون أن يعرفوا المصادر المالية التي يعتمد عليها، وورد في اعترافات ” يونس أبوجرير” بعض نماذج لمصادر التمويل– المصري اليوم 2/4/2006.

(23) – اعترافات “يونس أبو جرير” مصدر سابق.

(24) – اعترافات “أحمد سلام حماد” المصري اليوم 5/4/2006.

(25) – يذكر “أحمد سلام” في اعترافاته أن حصيلة بيع الذهب بلغت 350 جنيه مصري، وأنهم أعطوا محمد فليفل أجولة من الخيش ليقيم عشة يقيم بها في الصحراء مع زوجته بدلا من إقامتهما بالعراء.

(26) – للمزيد عن دوره بالتنظيم انظر اعترافات ” يونس أبوجرير” المصري اليوم 2/4/2006، واعترافات “أحمد سلام” المصري اليوم 4/4/2006.

(27) – أحمد سلام عيد حماد – مواليد 1982 -مزارع وتاجر جمال -من قرية المجاهدين بالتل الكبير بمحافظة الإسماعيلية-كان تاجراً للمخدرات ثم التزم دينيا عام 2002 وانضم للتنظيم عام 2003.

(28) – جبل الحلال: جبل يمتد لمساحة 60 كم ويبلغ ارتفاعه 1700 م، وسُمى بذلك لرعي البدو أغنامهم فيه، فالحلال هى الماشية-انظر ملف تعريفي بجبل الحلال والقبائل المتواجدة في محيطه في اليوم السابع 15/7/2013.

(29) – محمد جايز حاصل على دبلوم صنايع عام 1997-عمل غفيرا بمحطة مياه تابعة لوزارة الري بمدينة نخل فضلا عن امتلاكه لورشة تصليح للتلفزيونات والراديوهات والهواتف المحمولة بالعريش، واشتهر في شمال سيناء بتحويله تايمرات الغسالات إلى مؤقتات تفجير تستخدم في تفجير الصخور لحفر الآبار، بتكلفة 20 جنيه للتايمر الواحد.

(30) – أسامة النخلاوي مواليد ١٩٨١، موظف بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمدينة نخل شمال سيناء

(31) – اعترفات” يونس أبوجرير” – المصري اليوم 2/4/2006.         

(32) – اعترافات “يونس أبو جرير” مصدر سابق -اعترافات أسامة النخلاوي-المصري اليوم 4/4/2006.

(33) – مقابلة شخصية في مارس 2010 في سجن أبو زعبل شديد الحراسة مع عضو التنظيم ” سليم الحمادين”.

(34) – اعترفات ” يونس أبوجرير” – المصري اليوم 2/4/2006.        

(35) – اعترفات ” أحمد سلام حماد” – المصري اليوم 5/4/2006.      

(36) – هى الأنابيب التي استخدمت في تنفيذ تفجيرات طابا ونويبع.

(37) – اعترافات أحمد سلام حماد -المصري اليوم 4/4/2006.

(38) – ترجح وزارة الداخلية أن آثار الانفجار قتلت الاثنين بالخطأ أثناء ابتعادهما عن السيارة، التي كان يفترض تركها قرب الفندق.

(39) – اعترافات يونس أبو جرير – المصري اليوم 2/4/2006 -واعترافات أسامة النخلاوي الواردة ضمن مذكرة دفاع “محمد جايز”-مصدر سابق.

(40) – أورد “يونس أبوجرير” في اعترافاته تفاصيل دقيقة عن العمليات وإجراءات الإعداد لها -المصري اليوم 2/4/2006.

(41) – عيد الطراوي -مواليد 1974 مركز الحسنة شمال سيناء – من عشيرة الطير المتفرعة من قبيلة الترابين-عمل موظفا بمدرسة أم شيحان بوسط سيناء.

(42) – اعترفات ” يونس أبوجرير” – المصري اليوم 3/4/2006.

(43) – لمزيد من التفصيل انظر اعترفات ” يونس أبوجرير” – المصري اليوم 3/4/2006.

(44) – العربية نت 15/8/2005.

(45) – تتهم الاجهزة الأمنية القيادي الجهادي الفلسطيني “هشام السعيدني” الشهير بأبي الوليد المقدسي بدعم “نصر الملاحي” وتنظيمه، وقد قتل السعيدني بغارة إسرائيلية على مخيم جباليا عام 2012.

(46) – بيان للنائب العام ماهر عبد الواحد نشرته جريدة المصري اليوم بتاريخ 30/4/2006، بينما أعلنت وزارة الداخلية في بيانها عن الحادث يوم25/4/2006 مقتل 23 شخص بينهم 3 أجانب.

(47) – لمزيد من التفاصيل انظر بيان وزارة الداخلية عن تفجيرات ذهب وهوية منفذيها – الأهرام 24/5/2006.

(48) – اعترافات “أحمد سلام حماد” – اعترافات “أسامة النخلاوي” -المصري اليوم 4/4/2006.

(49) – اعترفات “يونس أبوجرير” – المصري اليوم 3/4/2006.

(50) – تقرير لمنظمة “هيومان رايت واتش” بعنوان ( and torture in Sinai  Mass arrests ) – صدر في 1 فبراير 2005 http://www.hrw.org/sites/default/files/reports/egypt0205.pdf

(51) – اعترافات أسامة النخلاوي الواردة ضمن مذكرة دفاع “محمد جايز”-مصدر سابق.

(52) – اعترافات “أحمد سلام” – المصري اليوم 5/4/2006.

(53) – لمزيد من التفاصيل انظر: الشرق الأوسط 6/2/2005-المصري اليوم 16/5/2006.

(54) – اعترافات أسامة النخلاوي” المصري اليوم 4/4/2006-وتفاصيل الاشتباك في القبس الكويتية 13/8/2005.

(55) – طلب مرتضى مواليد 1982 -تمكن سابقا من الهرب رفقة أسامة النخلاوي عقب اشتباكهما مع قوات الأمن التي داهمت محل إقامتهما بالاسماعيلية.

(56) –  جريدة الدستور الأردنية 18 /6/ 2005.

(57) – ناجح ابراهيم – مقال (دواعش سيناء…البداية التي لا يعرفها الكثيرون) -صحيفة الشروق – 28/4/2017.

(58) – بيان وزارة الداخلية في 20/11/2005 عن مقتل سالم الشنوب ورفيقيه.

(59) – عبد الخالق نبيل مواليد 1970-عمل بالإدارة العامة للعمليات والنشاط الخاص بجهاز أمن الدولة، ووالده لواء برئاسة الجمهورية، حصل على دورات في مجال مكافحة الإرهاب بأميركا، وعمل رئيسا لمجموعة حماية فريق نيابة أمن الدولة العليا المشرف على التحقيقات في تفجيرات شرم الشيخ.

(60) – الحياة اللندنية 31/8/2006.

(61) – المصري اليوم 16/5/2006.

(62) – عاصرت تلك الفترة أثناء وجودي بسجن أبوزعبل شديد الحراسة من فبراير 2009 إلى إبريل 2010.

(63) – دانيال بايمان وخالد الجندي-الفوضى المتفاقمة في سيناء-ص(8) -سلسلة ترجمات مركزالزيتونة –العدد 75.

(64) – تم القبض عليه بقرية السبيل بالقرب من العريش – المصري اليوم 12/11/2012.

(65) – هم الرائد محمد الجوهري-النقيب شريف المعداوي-النقيب محمد حسين-أمين الشرطة وليد سعد.

(66) – اليوم السابع 14/2/2012.

(67) – انظر فيديو للجنود المختطفين يناشدون فيها د.مرسي ووزير الدفاع التدخل لإطلاق سراحهم والإفراج عن المسجونين السياسيين السيناويين: https://m.youtube.com/watch?v=8NSS7WcOZMo

(68) – كمال علام الغول هو المتهم الثامن في القضية 2/2016 جنايات عسكرية شرق القاهرة، والشهيرة بقضية أنصار3.

(69) –  محمد النخلاوي هو المتهم الثامن في القضية 423/2013، وتتهمه الأجهزة الأمنية بأنه المسئول الفكري للجماعة.

(70) – صبري النخلاوي هو المتهم الرابع في القضية العسكرية 2/2016 –نيابة شرق القاهرة، والمشهورة باسم أنصار بيت المقدس 3 وتتهمه الأجهزة الأمنية بتجهيز السيارتين المفخختين اللتين استهدفتا القنصلية الإيطالية بالقاهرة ومقر الأمن الوطني بشبرا عام 2015.

(71) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *