دراسات

نهاية الحرب الباردة والتنظير في النزاع الدولي

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا

 

مقدمة

تعتبر الظاهرة النزاعية من الظواهر المركزية في الحياة الاجتماعية بصورة عامة ولذا فإن تناول هذه الظاهرة لم يقتصر على الأطر العلمية بل تعدى ذلك إلى الأديان والثقافات والفلسفات المختلفة، ومع ذلك فان معالجتها في مجال العلاقات الدولية تكتسب خصوصيتها ارتباطا بعدة عوامل أولها تنوع طبيعة الفواعل التي تمارس السلوك النزاعي، وثانيها حدة الأثر الذي تتركه النزاعات في مجال العلاقات الدولية، وأخيرا ما يتعلق بتنوع أنماط الظاهرة النزاعية في مجال العلاقات الدولية مقارنة بالمجالات الأخرى.

إن إحدى الخصائص المميزة للظاهرة النزاعية هي خاصية الديناميكية أي قابلية هذه الظاهرة للتكيف مع السياقات العامة الجديدة التي تتشكل على ارض الواقع، حيث لا تشير نهاية الحرب الباردة إلى مجرد حدث تاريخي متمثل في تفكك الاتحاد السوفيتي كقوة مركزية في النسق الدولي، ولكتها تشير إلى تبلور سياق جديد في العلاقات الدولية إثر على كل الظواهر المركزية في العلاقات الدولية بما في ذلك ظاهرة النزاع الدولي عمليا ونظريا.

ومن باب التذكير أن إحدى ابرز المشكلات المنهجية الرئيسية المطروحة في العلوم الاجتماعية بصورة عامة وفي حقل العلاقات الدولية بصورة خاصة هي إشكالية التصنيف وذلك لكون هذا المجال يبدو شديد الاتساع لا من الناحية العملية ولا من الناحية المعرفية، وإذا كان هذا السياق المنهجي سينطبق أيضا على معالجة موضوع هذه الدراسة فان الرهان المنهجي الرئيسي في معالجة هذا الموضوع سيكون بالضرورة متعلقا بالتقليص من حدة تلك الإشكالية من حيث ابتكار تصنيف يعالج فكرة الموضوع ويحترم الشرطين الأساسيين لعملية التصنيف وهما الدقة والشمولية.

إن إثر نهاية الحربة الباردة على تطور الظاهرة النزاعية كما ذكرنا سابقا لا يشمل الجوانب العملية لتشكل تلك الظاهرة في واقع العلاقات الدولية فقط، بل يشمل أيضا الجوانب المعرفية لدراسة تلك الظاهرة دراسة علمية دقيقة، وعلى هذا الأساس فان المشكلة البحثية التي نطرحها في هذه الدراسة تحاول الجمع بين كلا الجانبين من حيث تمحورها حول السؤال المركزي التالي: كيف انعكست الخبرة العملية لتطور الظاهرة النزاعية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة على طبيعة الجهود التنظيرية حول تلك الظاهرة؟

ولمعالجة هذه الإشكالية فإننا نطرح الفرضية المركزية التالية: لا تشير التطورات في جهود التنظير للظاهرة النزاعية ارتباطا بتحول واقع تلك الظاهرة في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة إلى بناء نموذج معرفي جديد ولكن إلى طرح برنامج بحثي جديد لا من حيث مضمونه ولا من حيث طبيعته.

وفي سياق ما نتصوره أنه معالجة شاملة ودقيقة لهذه الإشكالية وفحص مضمون تلك الفرضية العامة فإننا نقترح إطارا تصنيفيا يتشكل من ستة أبعاد رئيسية ترتبط كلها بفحص تطور الظاهرة النزاعية في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة:

  • البعد الانطولجي والمقصود به طبيعة التطور في الجوانب الكمية والنوعية لظاهرة النزاع الدولي.
  • البعد الابستمولجي: والذي يعني مدى تطور الخفية المعرفية التي نعالج الظاهرة النزاعية انطلاقا منها.
  • البعد الايتمولوجي: أي منظومة المفاهيم المركزية المعبرة عن ظاهرة النزاع الدولي ومدى تطورها.
  • البعد الميتادولوجي: أي الخلفية المنهجية التي تطور من خلالها التنظير حول ظاهرة النزاع الدولي.
  • البعد الاكسيولجي: أي مدى تحول منظومة القيم التي نبني من خلالها مواقفنا اتجاه الظاهرة النزاعية.
  • البعد التيتولوجي: وهو يلخص كل الأبعاد السابقة من حيث التعرف على توصيف التطور العام الذي حدث في التنظير للظاهرة النزاعية بعد نهاية الحرب الباردة.

المحور الاول -النزاع: الظاهرة والمفهوم

بالرغم من خصوصية تشكل الظاهرة النزاعية في كل مجال إلى أن هذه الظاهرة هي ظاهرة مركزية في الحياة الاجتماعية بصورة عامة، أي أنها تتضمن مجموعة من الخصائص العامة بغض النظر عن المجال المعرفي الذي تعالج فيه، ولذا فان الفهم العام للظاهرة النزاعية مرتبط بطرح خمسة أسئلة رئيسية: ماذا يعني النزاع؟ كيف ينشأ؟ عن ماذا يعبر؟ ومن أين ينشأ؟ وكيف يتفاعل؟

 

أولاً: ماذا يعني النزاع؟

من الناحية المبدئية يمكن أن نورد مجموعة من التعريفات لمفهوم النزاع، فيعرفه “كوينسي رايت” وهو من الرواد الأوائل لحقل النزاعات بأنه وضع بين طرفين أو أكثر يوجد بينهما تناقض في المصالح ويتم التعبير عن هذا التناقض من خلال اتجاهات عدائية(1) ، أما “بيتر فالستين” يفرى أن النزاع هو وضع اجتماعي يكافح فيه ما لا يقل عن اثنين من الأطراف للحصول على مجموعة متوفرة من الموارد المحدودة في اللحظة نفسها، كما يعرفه “ميتشل” بأنه حالة يوجد فيها طرفان يدركان أن أهدافهما غير متوافقة (2).

إن تعدد التعريفات وتنوعها يقلل من قيمة التعريف كوسيلة منهجية في تجلي المعنى الحقيقي لمفهوم النزاع، ولذا يمكن اللجوء إلى وسيلة منهجية بديلة وهي استخراج “الدلالات “، إذ يشير التعريفان الأولان إلى أن النزاع هو “معطى مادي” ملموس سواء كان جوهر الخلاف هو المصالح أم الموارد أو غيرها من المعطيات المادية، أما التعريف الأخير فيشير إلى أن النزاع هو “حالة مدركة” اي انه يتشكل ارتباطا بعنصر الإدراك، فالنزاع كمعطى مادي يشير إلى وجود معطيات مادية ملموسة تبرر نشأة حالة النزاع، أما النزاع كحالة مدركة فيتشكل لمجرد تأثره بعنصر الإدراك بدون الحاجة إلى وجود معطيات مادية تبرر الخلاف.

وإذا كان مستساغا أن نتصور تشكل النزاعات ارتباطا بالمعطيات المادية الملموسة والتي يمكن قياسها عبر الوسائل المختلفة فان الارتباط بين عنصر الإدراك ومفهوم النزاع يحتاج إلى مزيد من التوضيح وهو ما يستدعي التوقف عند مفهوم الإدراك في حد ذاته، ومثلما تشير الاسهامات الابستمولوجية فان المفاهيم “السالبة” أسهل في التعريف من المفاهيم “الموجبة”، أي أن تعريف سوء الإدراك أسهل من تعريف مفهوم الإدراك في حد ذاته ويعرف “روبرت جيرفيس” سوء الإدراك بأنه الفارق بين ما هو حاصل فعلا وما نتصور أنه حاصل من وجهة نظرنا، ولذا فان تأثير عنصر الإدراك في مجال النزاعات مرتبطة اكثر بمفهوم سوء الادراك في حد ذاته وهو يشمل الاعتبارات التالية: (3)

1-سوء الإدراك في نوايا الفاعلين: فمن جهة لا يمكن أن تتوفر في جميع الأحوال قرائن يمكن الاعتماد عليها لتحديد نوايا الفاعلين لا من حيث طبيعتها ولا من حيث حدتها ومن جهة أخرى فان سوء إدراك نوايا الفاعلين مرتبطة بمسألة التفضيلات فقد نتصور ان نوايا الفاعلين مرتبطة بتفضيلاتهم الثابتة ومع ذلك فان التفضيلات قابلة للتغير خاصة إذا كان القرار يصنع في إطار جماعي حيث يتم التوصل إلى القرارات عن طريق المساومة البروقراطية وفي كل الأحوال فان سوء إدراك نوايا الفاعلين يؤدي في غالب الأحيان إلى تشكل النزاعات.

 

2-سوء إدراك التهديدات:

وهو يشمل من جهة المبالغة في تقدير قدرات المنافسين كما يشمل المبالغة في تقدير نظرتهم العدائية وفي كل هذه الحالات يتم الاندفاع إلى تأسيس النزاعات إما بهدف تحجيم قدرات المنافسين او بهدف تقليص نزعتهم العدائية.

3-سوء إدراك ومسألة الاستهداف: أي المبالغة في اعتبار الذات محلا للاستهداف من طرف الآخرين وهذا يؤدي في كثير من الأحيان إلى التأسيس لخوض النزاعات ارتباطا بسوء إدراك حجم الاستهداف الموجه لطرف معين.

 

ثانياً: كيف ينشأ النزاع؟

بغض النظر عن الدلالة الأكثر شيوعا التي يحملها النزاع في الواقع، اذ لا تتوفر احصائيات دقيقة تشير إلى مدى ارتباط النزاع باحدى الدلالتين، ومع ذلك فان عنصر “عدم التوافق” هو محدد أساسي للظاهرة النزاعية ولكن عدم التوافق قد يعبر عن مشكلة أو خلاف أو توتر أو أزمة ولا تشير هذه المفردات كلها إلى مفهوم النزاع، ولذا فإن تأسيس النزاعات بالشكل الذي يبرر اختلافه عن كل المرادفات السابقة يرتبط بنوعين من العمليات إذا ما تم ملاحظتهما على أرض الواقع فهذا دليل على بداية تشكل النزاع وهذين النوعين من العمليات كما حددهما “فيشر” هما العمليات المعيارية والعمليات الإدراكية: (4)

 

أ-العمليات المعيارية: وهي تعني كيفية التأسيس لخوض النزاع وتشمل:

– تكون الحالة المزاجية السلبية: فالمزاج هو الداعم للمواقف العدائية او التوفيقية ويعني تشكل المزاج السلبي فقدان الأطراف للاستعداد للتعامل الايجابي مع بعضهم البعض.

– تشكل أطر الولاء: فتشكل النزاع يستدعي إعلان انتماء الأطراف إلى فضاء أوسع أما في شكل تحالف أو في شكل إطار قيمي معين.

– خلق الالتزمات البنيوية: أي كل طرف يطرح أشياء لا يمكنه التنازل عنها والتي تبرر موقفه تحفزه لخوض النزاع.

ب-العمليات الإدراكية: وهي تعني كيفية التفكير في النزاع وتشمل:

– تشكل النموذج الادراكي السلبي: بمعنى أن كل طرف يصبح يفسر تصرفات الطرف الآخر على أنها تصرفات سلبية بغض النظر على أنها تحمل هذه الصفة فعلا.

– الانغلاق المعلوماتي: كل طرف يصبح لا يملك الاستعداد لتقبل المعلومات المناقضة لموقفه النزاعي بحيث ان كل معلومة تعارض الموقف النزاعي يتم تجاهلها.

 

ثالثاً: عن ماذا يعبر النزاع؟

إن تمظهر النزاعات على ارض الواقع لا تعكس بعدا واحد ولكنها تعكس مثلما يشير كلمان دائما أربع أبعاد أساسية: (5)

1-النزاع كوسيلة لتلبية الحاجات ودرأ المخاوف: إذ قد تتشكل الظاهرة النزاعية على ارض الواقع عندما يواجه طرفا ما موقفا يتسم بعدم تحقيق حاجاته الأساسية او التهديد بعدم تحقيقها والحاجات لا تشمل الاعتبارات المادية فقط وإنما تشمل الجوانب المعيارية أيضا، مثل الاعتراف والاستقلالية والاعتداد بالذات والإحساس بالعدل.

2-النزاع كممارسة للنفوذ المتبادل: بمعنى الاندفاع إلى عملية تبادل للنفوذ بحيث أن كل طرف يسعى لدعم مواقفه ومكانته بالشكل الذي يؤثر على مواقف ومكانة الآخرين وهذا الوضع يساعد على تشكل النزاع على أرض الواقع وتشمل وسائل ممارسة النفوذ مزيجا من التهديدات والإغراءات اما استراتجيات ممارسته فهي تشمل من جهة إستراتجية الردع، أي منع الطرف الآخر من فعل ما يريده أن يفعل، ومن جهة أخرى إستراتيجية الإذعان أي جعل الطرف الأخر يفعل ما نوده أن يفعل.

3-النزاع كتصادم في رؤية الواقع: إن الصور التي تؤسس لرؤيتنا للواقع لا يمكن أن تكون متوافقة في جميع الحالات بل قد تصل إلى درجة التضاد والتناقض وهذا يشمل كل مكونات الواقع أو جزء منه بالشكل الذي ينعكس على تضارب سلوكنا باعتبار أن السلوك يتأثر إلى حد بعيد بتصوراتنا المختلفة عن الواقع وهو ما يؤسس لتشكل النزاعات.

4-النزاع هو انعكاس طبيعي للسياق السائد: بمعنى ان خصائص بعض السياقات التي يوجد فيها الفاعلون تشجع على تشكل النزاعات فبعض السياقات الاجتماعية تساعد على ظهور النزاعات بشكل تلقائي وطبيعي.

 

رابعاً: من أين ينشأ النزاع؟

إن تحديد أبعاد الظاهرة النزاعية – كما ورد سابقا-يبدو في غاية الاهيمة إذا ما أردنا التعرف عما تعكسه النزاعات على أرض الواقع ويرتبط بذلك البحث عن الخلفية التي يمكن أن تنشأ منها النزاعات أو بتعبير آخر البحث عن مصادر النزاعات ويمكن في هذا السياق الاستفادة من التصنيف الشامل الذي قدمه “كريس مور” والذي حدد فيه خمسة مصادر لتشكل الظاهرة النزاعية وهي كما يلي(6) :

1-مصادر النزاعات المرتبطة بالعلاقات: قد تنشأ اما بسبب سوء الفهم، أو ضعف التواصل، أو السلوكيات السلبية المتكررة

2-مصادر النزاعات مرتبطة بالقيم: وتنشا اما بسبب اختلاف معايير تقييم الأفكار او السلوكيات او اختلاف الانتماء.

3-المصادر النسقية: فكل نزاع يأخذ شكل نسق يتضمن الموارد والسلطة والنفوذ، فالنزاع قد ينشأ إما من خلال السيطرة غير المتكافئة على الموارد، أو عدم التكافؤ في السلطة والنفوذ.

4-مصادر النزاعات المرتبطة بالمصالح: تنشأ بسبب أما التنافس على مصالح ذات أهمية قصوى أو التضارب في الاستراتجيات العملية لتحقيق مصالح ثانوية.

5-مصادر النزاعات المرتبطة بالمعلومات: تنشأ إما بسبب قلة المعلومات – التضليل – الاختلاف في تفسير المعلومات-الاختلاف في وجهات النظر.

 

خامساً: كيف يتفاعل النزاع؟

في حقل النزاعات هناك إجماع على أن النزاع ظاهرة تابعة في دوافعها متبوعة في مسارها، بمعنى أن النزاع عندما يتشكل على أرض الواقع فذلك يكون ارتباطا بدوافع الأطراف أي أن النزاع يكون تابعا للأطراف في حد ذاتها، ولكن بمجرد خوض النزاع فإن مسار النزاع لا يمكن التحكم فيه ولذا يصبح النزاع متبوعاً من جانب أطرافه لأنه يفرض عليهم واقعا لا يستطيعون التحكم فيه بشكل كامل وهذا التفاعل الحاصل يستدعي التوقف عند مكونات الظاهرة النزاعية.

ويعتبر النموذج الذي قدمه ميتشل في كتابه “بنية النزاعات الدولية” من أفضل النماذج التي تشرح كيف يتفاعل النزاع عندما ينشأ وهذا التفاعل يشمل المكونات التالية: الموقف النزاعي-الحالة النزاعية – السلوك النزاعي، ويمكن التوقف عند تعريف هذه المكونات كما يلي:

1-الحالة النزاعية: هي الوضع العام الذي يوجد فيه النزاع ويتم قياسها بناء على اتساعها على أساس عدد القضايا المتضمنة فيها، أو بناء على استمراريتها وذلك على أساس طول مدتها.

2-الموقف النزاعي: وهو يعبر عما الذي يريد أن يثبته كل طرف ويتم قياسها من حيث درجة حدته.

3-السلوك النزاعي: وهو يعني ما الذي يفعله كل طرف اتجاه الآخر ويتم قياسها بالنجاح أو الفشل.

 

هذه المكونات تتفاعل مع بعضها البعض كلها بالشكل التالي:

(أ) السلوك يؤثر في الحالة: نجاح السلوك يؤدي إلى زيادة المطالب وبالتالي إدخال مزيد من القضايا وهو ما يؤثر على اتساع الحالة النزاعية.

(ب) الموقف يؤثر في الحالة: كل ما كان الموقف النزاعي حادا كل ما ادى ذلك إلى طول مدة النزاع وبالتالي استمرارية الحالة النزاعية.

(ج) الحالة تؤثر في السلوك: كل ما تشير الحالة النزاعية إلى العجز في تحقيق الاهداف الكبرى كل ما يدفع ذلك إلى تعديل السلوك أو تغييره من أجل تحقيق هذه الاهداف.

(د) السلوك يؤثر في الموقف: نجاح السلوك يؤدي إلى التحفز، أما الفشل فيؤدي إلى الرغبة في الانتقام وفي الحالتين تتأثر حدة الموقف النزاعي.

(هـ) المواقف تؤثر في السلوك: حدة المواقف هي التي تؤثر على السلوك المتبع فكلما كان الموقف حاداً كلما أدى ذلك إلى ازدياد درجة العنف في السلوك النزاعي.

(و) الحالة تؤثر في المواقف: كلما طالت مدة النزاع كلما أدى ذلك إلى ازدياد انعدام الثقة وبالتالي حدة الموقف النزاعي. (7)

 

المحور الثاني: البعد الانطولوجي لتطور الظاهرة النزاعية بعد الحرب الباردة

 بعد أن فصلنا في المحور السابق الظاهرة النزاعية في تعريفها وبنيتها ومع ذلك يبقى الغرض الأساسي لهذه الدراسة هو فحص طبيعة تأثيرات نهاية الحرب الباردة على تطور ظاهرة النزاع الدولي، أو فحص البعد الانطولوجي الذي يشير في دراسة تطور أي ظاهرة إلى نوعين من التطور: التطور الكمي والتطور النوعي، أما التطور الكمي فيعني قياس معدل ازدياد أو انخفاض حدوث الظاهرة، أما التطور النوعي فيشير من جهة إلى مدى ظهور أشكال أو أنماط جديدة من الظاهرة المدروسة، أو ظهور فواعل جدية تمارس الظاهرة، أو تبلور فضاء جديد تمارس فيه الظاهرة، او ارتباط الظاهرة بعوامل جديدة وإذا طبقنا هذا الإطار الأنطولوجي على تطور الظاهرة النزاعية في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة فإننا نتوقف عن المضامين التالية:

أ-بالنسبة للتطور الكمي يلاحظ انخفاض معدل الظاهرة النزاعية بين الدول وخاصة في مظهرها الأكثر تطرفا أي مظهر الحرب إذ لم تحدث إلا ستة حروب بين الدول منذ نهاية الحرب الباردة آخرها الحرب الروسية الجورجية سنة 2008 (8)، في مقابل الازدياد الهائل في معدل النزاعات داخل الدول وخاصة في الخمسة عشر سنة التالية لنهاية الحرب الباردة حيث تشير الإحصائيات إلى انه منذ 1990 إلى 2005 شهد العالم 57 صراعا داخليا في 45 دولة في مختلف أنحاء العالم كانت حكومة الدول أحد أطراف النزاع.(9)

ب- أما بالنسبة للتطور النوعي فقد شمل كل الجوانب المشار اليها سابقا فقد أصبحت الظاهرة النزاعية ترتبط أكثر بما تسمى “الفواعل النزاعية  غير الدول” بالرغم من أن هذا النوع من الفواعل ليس جديدا في وجوده ولكن الظاهرة النزاعية أصبحت منذ نهاية الحرب الباردة ترتبط به بشكل اكبر وتشمل ” الفواعل النزاعية من غير الدول” من جهة ما تسمى “بالفواعل العنيفة من غير الدول” وهي من باب التعريف «جماعة منظمة ذات بنية أساسية للقيادة تعمل خارج سيطرة الدولة وتستخدم القوة لتحقيق أهدافها» (10)، كما تشمل من جهة أخرى ما تسمى ب” جماعات العنف الخاصة” وهي تشير إلى  الجماعات التي تلجا اليها الدول لخوض الحروب كبديل لعنصرها البشري أو بهدف خلق نزاعات داخلية تبرر التدخل الخارجي وخاصة من طرف الدول الكبر ى (11).

وشمل التطور النوعي أيضا تبلور البيئة الداخلية للدول باعتبارها الفضاء الأساسي الذي تمارس فيه الظاهرة النزاعية وذلك ارتباطا بازدياد النزاعات الداخلية مقارنة بالنزاعات بين الدول، أي أن الفضاء المحلي في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة هو الذي اصبح الفضاء الرئيسي الذي تمارس فيه الظاهرة النزاعية مقارنة بالمستوى الإقليمي أو الدولي وخاصة في العشر سنوات الأولى « وتفسر تلك الزيادة في حدوث النزاعات الداخلية ارتباطا بعملية انكسار المركزية المطلقة على المستوى الدولي والتي استندت إلى التنافس بين دولتين كبيرتين والتي انتجت تشققات في الأوضاع المحلية في دول كثيرة مما فتح المجال إلى خروج قوى عديدة وكلما كان المجتمع اكثر انقساما على الصعيد اللغوي والقبلي والاثني كلما تأثر أكثر بالتغيرات المحيطة به وأدى ذلك إلى تفاقم الصراع بين مكوناته ويعزز هذا الاحتمال حالة النقص في المؤسسات القادرة على استيعاب التغير وإدارته وتحذيره إذ احتوت الموجة الديمقراطية الجديدة على تناقضاتها وصراعاتها وذلك لان المجتمعات التي لا تملك المؤسسات الديمقراطية تجد صعوبة بالغة في امتصاص العنف الذي يرافق العملية الديمقراطية ». (12)

كما يشير التطور النوعي أيضا إلى ظهور أشكال وأنماط جديدة للظاهرة النزاعية والتي تتمثل اساسا فيما تسمى بالنزعات اللاتماثلية، ومفهوم “النزاعات اللاتماثلية” الذي ظهر بشكل واسع في فترة ما بعد نهاية الحرب الباردة يشير إلى حرب تدور بين دولة تمتلك قوات مسلحة تضم تشكيلات وانساق منظمة بدقة لمواجهة عدو منظم، وبين منظمات أو تنظيمات إيديولوجية وعقائدية ترى في تلك الدول عدوها الرئيسي الذي يقف في وجه نشر أفكارها وعقائدها أو سيطرتها على مجتمعاتها وبالتالي تسعى إلى إلحاق الضرر بها من خلال قيامها بعمليات ذات طابع إرهابي بشكل مفاجئ وأسلوب غير متوقع وتوجه عملياتها ضد أهداف غير عسكرية ولا نمطية وهي في الغالب أهداف مدنية اقتصادية واجتماعية تستهدف وقوع خسائر فادحة وإثارة حالة من الرعب والفزع يهدد سلامة المجتمع وأمنه في المقام الأول بهدف دفع حكومات تلك الدول لتغيير مواقفها من تلك المنظمات وأفكارها وتوجهاتها وفرض تغييرات داخلية تتماشى مع تلك التوجهات. (13)

وتلك المنظمات لا تملك قوات منظمة يمكن مواجهتها ولا قواعد واضحة يمكن استهدافها ولكنها تعتمد على كوادر مدنية مدربة جيدا ومتفرقة في مناطق عديدة في العالم يربط ما بينها الإيمان بأفكار تلك المنظمات والمعتقدات وأهدافها ولا احد يعلم أي الأهداف يمكن أن يتعرض لهجومها القادم ولا من سيقوم بتنفيذ تلك العمليات, والحرب اللاتناسقية رغم كونها حربا حقيقية لكن لا يحدها إطار مكاني محدد كساحة للقتال ولا يحكمها إطار زماني مقدر لتنفيذ لمهام القتالية،كما ن الحرب اللاتناسقية لا تقع بين طرفين ملموسين على الأرض ولكن كل طرف من أطرافها يوجه ضربات ليست بالضرورة ضد عدو محدد في مواجهته ولكن ضد الهدف الذي يرى فيه إضرارا مؤثرا للطرف الأخر ويقلل من قدراته ويحد من إرادته أو يجبره على إجراءات معينة تخدم أهداف عامة , والقوات المقاتلة المكلفة بالتعامل مع تلك التنظيمات تستهدف عادة قواعدها ومراكزها ومناطق اختفائها وأيضا من يعتقد انه يحتضنها ويسهل عملياتها(14) .

وما يؤكد أن “النزاعات اللاتماثلية” هي نمط جديد من أنماط الظاهرة النزاعية أن هذا النوع من النزاعات يستند إلى مرتكزات تختلف تماما عن مرتكزات النزاعات التقليدية وهذا يشمل:(15)

 

– أهداف النزاع:

في النزاعات التقليدية يكون الهدف الأساسي للأطراف المتنازعة هو حسم النزاع عبر إجبار الخصم على تقبل وضع لم يكون يريده أما في النزاعات اللاتماثلية فان هدف الأطراف وتحديدا ” الفواعل من غير الدول” هو السعي للاعتراف.

 

– الوسائل والأدوات:

في النزاعات التقليدية عادة ما تستخدم الأسلحة العسكرية الثقيلة لكن خوض النزاعات اللاتماثلية لا يحتاج إلى هذا النوع من الأسلحة.

 

– مسرح العمليات:

في النزاع التقليدي يكون ميدان النزاع مقيد بمساحة جغرافية محددة اما في النزاعات اللاتماثلية فان ميدان النزاع يكون مفتوحا.

كما ارتبط التطور النوعي في ظاهرة النزاع الدولي في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة بازدياد التصاق هذه الظاهرة بالعوامل الحضارية والدينية والثقافية لا من حيث ظهور بعض الأطروحات التي تسوغ الحضارات الموجودة في العالم باعتبارها فواعل صراعية، ولا من حيث اعتبار الدين – وتحديدا الدين الاسلاميي- احد الروافد الأساسية للعنف الممارس على الصعيد الدولي ولا من حيث اعتبار أن العوامل الثقافية أصبحت من أهم المسببات للصراع الدولي (16).

إذن بصورة عامة فان البعد الانطولجي لتطور الظاهرة النزاعية في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة يشير إلى المحددات التالية: – ازدياد معدل النزاعات الداخلية في مقابل انخفاض النزاعات بين الدول – ظهور فواعل جديدة تمارس الظاهرة النزاعية وتحديدا ما تسمى بالفواعل النزاعية من غير الدول بمكوناتها المختلفة – أن الفضاء الأساسي الذي أصبحت تمارس في الظاهرة النزاعية هو البيئة الداخلية للدول – ظهور أنماط جديدة من النزاعات والمتمثلة تحديدا فيما ما تسمى ” النزاعات اللاتماثلية “، بالاضافة إلى ازدياد ارتباط الظاهرة النزاعية بالعوامل الثقافية والدينية والحضارية.

 

المحور الثالث: البعد الابستمولوجي لتطور الظاهرة النزاعية بعد الحرب الباردة:

يشير البعد الابستمولوجي في دراسة الظاهرة إلى الخلفية المعرفية التي ننطلق منها لدراسة تلك الظاهرة في سكونها وتطورها، وتتبلور في مجال العلاقات الدولية اتجاهين ابستمولوجيين أما الاتجاه الأول فهو الاتجاه التقليدي الذي يقوم من جهة على منطق تكميم الظواهر أي أن دراسة الظاهرة مرتبط إلى حد كبير بالتعبير الكمي عن مضامينها، كما يتبنى هذا الاتجاه الابستمولوجي فكرة عقلانية الظواهر والسلوكات، وبالمقابل يقوم ” الاتجاه الابستمولجي النقدي” على مرتكزات مخالفة تماما بدراسة الظواهر لا ترتبط بالضرورة بالمنطق الكمي كما أن السلوكيات والظواهر ليست عقلانية بالضرورة.

إن إحدى التطورات المهمة التي حدثت في تطور الظاهرة النزاعية في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة هو الانفتاح بشكل أكبر على خصائص الابستمولجيا النقدية في دراسة تلك الظاهرة، مقارنة بسيطرة الابستمولجيا التقليدية في مراحل سابقة وهذا التحول يبرر من خلال:

1- أن الفواعل النزاعية من غير الدول عادة ما تكون فواعل غير عقلانية أي أنها لا تخضع سلوكها لمنطق التكاليف والفوائد، فإذا كان مفهوم العقلانية أو الرشادة هو جزء أساسي من السلوك النزاعي للدول فان الفواعل النزاعية من غير الدول عادة ما تفكر بمنطق غير عقلاني فهي تخوض النزاع إما بحثا عن الثار أو تحقيق الرضا عن الذات أو نيل مكاسب دينية، حتى وان كان هذا التصور قد تعرض للنقد وفي هذا السياق يشير ” ويرى بيرلمان” أن بعض المنظرين يفسرون الخيارات الاستراتجية غير السليمة للفواعل العنيفة من غير الدول ارتباطا بمحددات غير عقلانية كالثقافة والدين والايديولوجيا وان هدف الفاعل هو تحقيق غاية دينية وليس دنيوية”(17) .

ويشير “فارتشيني” إلى أن إشكالية العقلانية في دراسة الظاهرة النزاعية في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة هي إشكالية مغلوطة « إذ يختلف مفهوم الرشادة بين الدول والفاعلين من غير الدول فرشادة صانع السياسة الخارجية في الدولة تعنى أن يسعى لتعظيم منافعها المادية المتوقعة من تفاعلاتها الدولية، بينما قد تنخرط التنظيمات الأيديولوجية المسلحة فى صراعات تضحى فيها بمنافع مادية من أجل منافع غير مادية، مثل المجد أو الثأر أو حتى الرضا عن الذات وبينما يمكن حساب المنافع والتكاليف المادية فى الصراعات الدولية، يصعب التنبؤ بسلوك لا يستند إلى حساب مادي ولذلك، يقترح (فارشنى) التمييز بين رشادة القيم التي تعمل القوى المتصارعة على تعظيمها من جهة، ورشادة المصالح التي تستخدمها في الصراع من جهة  أخرى»   (18)

2-أن الفواعل من غير الدول والتي تعتبر الأكثر ارتباطا بممارسة الظاهرة النزاعية في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة هي فواعل غامضة لا يمكن بسهولة توفير معطيات كمية حولها، ولذا فان دراسة السلوك النزاعي لهذا النوع من الفواعل أصبح مجبرا على الانفتاح على الجانب الكيفي باعتباره أحد خصائص الابستمولجيا النقدية وذلك من خلال التركيز على فكرة ” الدوافع” بدل التركيز على البحث عن” القدرات”.

 

المحور الرابع: البعد الايتمولجي لتطور الظاهرة النزاعية بعد الحرب الباردة

يشير البعد الايتمولجي في دراسة ظاهرة اجتماعية ما في سكونها او تطورها إلى منظومة المفاهيم المعبرة عن تلك الظاهرة، ويظهر تطور ظاهرة معينة في هذا البعد من خلال اما ظهور مفاهيم جديدة معبرة عن واقع الظاهرة أو التحول في محورية مفاهيم معينة، وكل هذه المظاهر نجدها مجسدة في البنية المفاهيمية للظاهرة النزاعية في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة.

1-ظهور مفاهيم جديدة معبرة عن واقع الظاهرة النزاعية:

ونركز في هذا السياق على ثلاثة مفاهيم:

 

أ-مفهوم الوقاية من النزاع:

إن الاهتمام بالمنع الوقائي من النزعات جاء مرتبطا في سياق طرح وسائل جديدة لحماية النظام في العلاقات الدولية تماشيا مع التحولات التي حدث في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة ولذا فان « الاهتمام بمجال المنع الوقائي للصراعات العنيفة ظهر في بدايات مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة ونتج عن ذلك حدوث صراعات مكلفة جدا في تلك الفترة مثل انهيار الدولة في الصومال عام 1991 وحرب التطهير العرقي في في البوسنة والهرسك عام 1992 ومذابح الإبادة الجماعية في روندا عام 1994 وغيرها من الحروب والصراعات والتي دفعت نحو ضرورة ايجاد وسائل للسيطرة على الصراعات ومنع تحولها إلى حروب أو حدوث كوارث إنسانية أو تهديد الاستقرار والأمن الإقليمي والدولي» (19)

ومن أبرز الآليات المستخدمة في الوقاية من النزاعات هي الدبلوماسية الوقائية، ومن الناحية التاريخية فان مفهوم الدبلوماسية الوقائية هو مفهوم غير جديد لكن طبيعة التهديدات الموجهة للنظام الدولي في فترة ما بعد نهاية الحرب الباردة استدعت استخدامه كوسيلة أساسية من وسائل حماية النظام الدولي  وكما تمت الإشارة من قبل بان نظام الأمن بعد نهاية الحرب الباردة صار قائما في جزء أساسي منه على التنبؤ بالأزمات وهو ما أكد على أهمية الدبلوماسية الوقائية في حماية النظام الدولي، وتعتمد الدبلوماسية الوقائية على مجموعة من الإجراءات التي تهدف إلى حل أو على الأقل احتواء النزاعات والخلافات وعلاج بعض أنواع التهديدات وذلك بطرق سلمية.

وتجري الدبلوماسية الوقائية على مرحلتين: المرحلة الأولى الدبلوماسية الوقائية المبكرة للعمل المثمر من خلل الوساطة وتقريب وجهات النظر منعا لحدوث نزاع أو صراع مسلح، والمرحلة الثانية الدبلوماسية الوقائية المتأخرة وهي المحاولات التي تهدف إلى إقناع الأطراف بنزع فتيل ما يبدو أنه صراع مسلح قادم أما الانتشار الوقائي فيقصد به نشر أفراد من القوات العسكرية أو الشرطة أو من المدنيين بنية منع نشوب نزاع ما أو المعاونة في التصدي لتهديد محتمل لمنعه من الوصول إلى صراع مسلح بالقوة العسكرية (20)

 

ب-مفهوم تحويل النزاع:

مفهوم إدارة النزاع يتم من خلال وسائل سلمية أو وسائل عقابية أو من خلال استخدام القوة العسكرية، أما تحويل النزاع فيعرف بأنه التعامل مع المصادر الاجتماعية والسياسية المتنوعة للصراع والعمل على تحويل الطاقة السلبية الخاصة بالعنف إلى تغيير ايجابي في المجالات الاجتماعية، ويتم تحويل النزاع من خلال اعتماد مجموعة من الاستراتجيات والآليات:

  • إنضاج النزاع: من خلال تحسيس الأطراف بخطورة الاستمرار في خوض النزاع أو بصورة عامة في عدم الجدوى من الاستمرار فيه.
  • ربط الأطراف بأهداف مشتركة: حيث يؤدي ذلك إلى بناء طاقة ايجابية تتعلق بخوض بتحقيق هذه الأهداف بدل الطاقة السلبية المتعلقة بممارسة السلوك النزاعي.
  • تعديل بنية النزاع: سواء من خلال تعديل موازين القوى بين الأطراف أو دفع الأطراف إلى إعادة تعريف مصالحهم. (21)

إن شيوع مفهوم ” تحويل النزاع” في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة مرتبط مرتبط بسببين، أما الأول فهو تأثره بإحدى أهم القضايا الأمنية وهي قضية الانتشار النووي حيث تبلور تخوف عام من خطورة استخدام الأسلحة النووية في النزاعات الإقليمية وقد استخدمت الولايات المتحدة مقاربة “تحويل النزاع”  كمقاربة فعالة في النزاع الهندي الباكستاني الذي كان على شفا التورط في استخدام السلاح النووي سنة 1998 فالنزاع بين الدولتين لم تسويته إلى حد الآن ولكن تم تحويله من حيث تحسيس الطرفين بخطورة استخدام السلاح النووي ثم ربط الطرفين فيما بعد بهدف مشترك هو مكافحة الإرهاب الدولي.

كما ارتبط شيوع مفهوم ” تحويل النزاع” في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة من خلال التعامل معه كبديل مبدئي لمفهوم ” ادارة النزاع”، حيث أدرك الباحثون محدودية مصطلح ” إدارة النزاع” وهناك مصطلحات جديدة تم اقتراحها لملئ الفراغ ومن أمثلة ذلك مصطلح ” تحويل النزاع” وأهمية هذا المصطلح انه يعبر عن إدراك الافتقار إلى التحليل والعمق الكافيين في ادبيات ادارة وحل الصرعات التقليدية. (22)

 

ج-مفهوم انتشار النزاع:

بحكم أن الفضاء الأساسي الذي أصبحت تتبلور فيه الظاهرة النزاعية هو ظاهرة البيئة الداخلية لدول وبحكم السيولة المتزايدة للحدود بين البيئتين الداخلية والدولية نتيجة الضعف الذي تعرضت له الدولة القومية في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة فقد ظهر مفهوم انتشار النزاع ليشير إلى توسع أثار نزاع داخلي  إلى البيئة الخارجية للدولة  فهناك طريقتين يمكن من خلالهما أن تتدفق هذه النزاعات إلى البيئة الدولية الأوسع واما الاولى فهي الانتشار التصاعدي  وذلك هاتين  عندما يزيد نزاع في دولة ما من احتمال حدوث نزاع في دولة ثانية، والطريقة الثانية هي الانتشار التنازلي وذلك عندما عندما يجذب النزاع الاثني في دولة ما إليه محاربين أجانب وقد جر العنف في جمهورية الكونغو الديمقراطية في سنة 1999 سبع دول محيطة لتدعيم طرفا من الطرفين المتعارضين (23) .

2-تغير القيمة المركزية لبعض المفاهيم المركزية في حقل النزاعات:

ومنها بشكل خاص مفهوم “إدارة النزاع” والذي ارتبطت قيمته المركزية في التنظير للظاهرة النزاعية قبل نهاية الحرب الباردة بالعوامل التالية: (24)

– تجاوز النزعة المثالية لحقل النزاعات: فأي حقل معرفي في العلوم الاجتماعية تسيطر عليه في بداياته نزعة مثالية ثم يبدأ المنظرون في اكتشاف المشكلات الحقيقية والتظير لها وفي بدايات حقل النزاعات سيطرت نزعة مثالية عل هذا الحقل، تهدف إلى البحث في كيفية التخلص من النزاعات في واقع العلاقات الدولية ثم بدا المنظرون في استيعاب أن الظاهرة النزاعية مترسخة في واقع العلاقات الدولية وبالتالي أقصى ما يمكن التفكير فيه هو إدارة النزاعات وليس التخلص منها.

– تأثيرات مرحلة الحرب الباردة: في هذه المرحلة سادت حالة من التوازن بين المعسكرين الشرقي والغربي بالشكل الذي منع من حسم النزاع لأحد الطرفين لفترة طويلة أو الوصول إلى تسوية وهذا ما ساعد على أن أقصى ما يمكن التفكير فيه هو إدارة النزاع وما يؤيد ذلك أن أبرز استراتجيات إدارة النزاع كانت تعتبر في نفس الوقت استراتجيات لإدارة علاقات القوة بين المعسكرين.

– التأثير بالتنظير للصراعات في مجالات معرفية أخرى: فالصراع هو ظاهرة اجتماعية تشمل كل مجالات التفاعل البشري ومن الأسباب التي أدت إلى ترسخ مفهوم إدارة النزاعات هو التاثر بالتنظير للنزاع في علم الإدارة ففي هذا المجال المعرفي تم تطوير نظرية تسمى نظرية المؤسسة وهي تنظر للصراعات من زاوية أن الصراعات هي ظاهرة ايجابية داخل المؤسسة لأنها تحفز على التنافس بين الموظفين ولذلك يجب الإبقاء على حد معين من النزاعات بين الموظفين والعمل على إدارته.

– تجارب الوساطة في تسوية النزاعات: أيضا فان تقييم تجارب الوساطة في تسوية النزاعات قد أدى إلى ترسخ مفهوم إدارة النزاعات من زاويتين أساسيتين إما من زاوية تحيز الوسيط إلى أحد أطراف النزاع وإما من زاوية فشل عملية الوساطة، وفي الحالتين أدى ذلك إلى إعطاء الأولوية لمفهوم إدارة النزاعات.

ومع ذلك فقد تعرض مفهوم إدارة النزاع إلى مراجعة عميقة باعتباره مفهوما مركزيا في حقل النزعات الدولية في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة، فموجة النزاعات الداخلية التي حدثت في بدايات هذه المرحلة وما خلفتها من ماسي انسانية فرضت التفكير في تسوية تلك النزاعات وليس العمل على اداراتها فقط، ومن وجهة نظرنا فان تراجع القيمة المركزية لمفهوم “إدارة النزاع” في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة يرجع للأسباب التالية:

1-أثار النزاعات الداخلية بعد نهاية الحرب الباردة: فموجة النزاعات الداخلية التي اندلعت في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة أدت إلى ماسي إنسانية خطيرة ولذا لم يكن من المعقول تحديد إدارة النزاعات كهدف نهائي لها بل ضرورة التفكير في تسويتها.

2-تجاوز السياق الدولي لمرحلة الحرب الباردة: فتلك المرحلة عرفت تكريس توازن دولي يعلي من قيمة مفهوم إدارة النزعات، فكل النزاعات الإقليمية التي كانت تحدث كانت نزاعات تابعة للصراع الأصلي بين المعسكرين، ولذا فان مرحلة ما بعد نهاية الباردة التي عرفت كسر ذلك التوازن أثرت على القيمة المركزية لمفهوم إدارة النزاع إما من خلال تدخل الولايات المتحدة كقوة مهيمنة في النسق الدولي لحسم بعض الصراعات، أو في الضغط على القوى الإقليمية لتسوية نزاعاتها.

3-تعقد واقع الظاهرة النزاعية في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة: وذلك ارتباطا بالتطور النوعي لتلك الظاهرة، حيث يؤثر التركيز بشكل حصري على مفهوم إدارة النزاع كما كان حاصلا في مرحلة الحرب الباردة على تطور التنظير حول الظاهرة النزاعية.

 

المحور الخامس: البعد الميتادولجي لتطور الظاهرة النزاعية بعد الحرب الباردة

يعني البعد الميتادولجي في دراسة تطور الظواهر المختلفة فحص الخلفية المنهجية التي من خلالها تطور التنظير حول تلك الظاهرة، ومن المعروف أن التنظير يتطور بتقنيتين مختلفين أما الأول فهي تقنية التعمق المقصود أي تكيف اطر نظرية قديمة مع الواقع الجديد للظاهرة، في حين أن التقنية الثانية هي تقنية الاتساع الأفقي أي ظهور مقاربات جديدة لم تكن موجودة ويمكن القول إن كلا التقنيتين قد شملهما البعد المنهجي لتطور الظاهرة النزاعية في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة، حيث حاولت المنظورات التقليدية التكيف مع الواقع الجديد للظاهرة النزاعية بعد نهاية الحرب الباردة وتحديدا ما يتعلق بإسهامات المنظورين الواقعي واللبرالي في تفسير تراجع معدل النزاعات والحروب بين الدول.

أما المنظور الواقعي فيفسر هذا الواقع الجديد من خلال التركيز على التحول في بنية النظام الدولي والتي عرفت تحولات باتجاه نظام الحادية القطبية وهو ما يدعي الواقعيون انه انعكس إيجابا على تقليص معدل الحروب بين الدول حيث استخدمت الولايات المتحدة قوتها الكاسحة للضغط على الدول لإنهاء نزاعاتها الإقليمية أو من خلال تعزيز دور المنظمات الدولية في تسوية تلك النزاعات، أما المنظور الليبرالي فيفسر تراجع معدل حدوث النزعات بين الدول ارتباطا من جهة بانتشار النظم الديمقراطية على أساس إحدى النظريات الفرعية داخل المنظور الليبرالي وهي نظرية السلام الديمقراطي والتي تقوم على فكرة مركزية مفادها أن الديمقراطيات لا تحارب بعضها بعضا ومن جهة أخرى بتكاثف مستوى الاعتماد المتبادل في سياق العولمة حيث أدت المصالح الاقتصادية المتشابكة بين الدول إلى التركيز على التعاون بدل الصراع.

أما تقنية الاتساع الأفقي فتبرز من خلال ظهور اطر نظرية جديدة تحاول تفسير واقع الظاهرة النزاعية في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة، ومن ذلك المنظور البنائي والذي بالرغم من ان ارهاصاته تعود إلى مرحلة الثمانينات من القرن الماضي الا ان تبلوره في حقل التنظير كان في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة وبصورة عامة كان هناك عاملين رئيسيين حفزت على صعود البنائية في حقل التنظير:((25) )

1- أن العقلانيين أي الواقعيون الجدد واللبراليون الجدد – كانو مدفوعين بمحاولة إعادة تأكيد تفوق تصوراتهم عن النظرية والسياسة العالمية – قد تحدوا المنظرين النقديين أن يتحركوا إلى ابعد من النقد النظري إلى التحليل الواقعي للعلاقات الدولية وبينما أدان المنظرون النقديون البارزون الدوافع الكافية وراء مثل هذا التحدي رأى البنائيون فيه فرصة لإثبات القوة الإرشادية للمنظورات غير العقلانية ثانيا – قوض انتهاء الحرب الباردة المزاعم التفسيرية للواقعيون الجدد والليبراليون الجدد فلم تتنبأ أي منهما أو حتى استطاعت أن تفهم بطريقة صحيحة التحولات النظامية التي أعادت تشكيل النظام الدولي.

إذ من المعروف أن المنظور البنائي يفسر الظاهرة النزاعية باعتبارها نظام من الاتصالات والأفعال والهويات المتصارعة في إطار سياق محدد أي أن النزاع هو إحدى وسائل الاعتراف بهوية الأطراف المتنازعة وبالتالي فالنزاع يؤدي وظائف ايجابية بالنسبة لهوية فاعل معين إذ تعد إحدى الآليات التي تجبر الأخر على احترام نظرة الفاعل لنفسه وتقديرها (26).

وقد طور المنتسبون إلى المنظور البنائي عدة إسهامات فيما يتعلق بالظاهرة النزاعية ومن ذلك الإسهامات المقدمة في تفسير النزاعات الاثنية باعتبارها النمط الغالب على ” النزاعات الداخلية ” في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة، بالرغم من أن النزاعات الاثنية ليس منتجا من منتجات نهاية الحرب الباردة، وعلى هذا الأساس فقد خالف المنظور البنائي ما كان سائدا من مقاربات حول تفسير النزاعات الاثنية ومنها “المقاربة التدخلية” التي ادعت أن النزاعات الاثنية لا يمكن أن تتحفز إلى إذا كان ذلك نتاج لتدخل فاعل سياسي معين إما داخل الدولة أو خارجها، و” المقاربة الأولية ” التي اعدت أن الاختلاف الاثني هو عامل كافي لتحفز النزاعات الاثنية، وعلى العكس من هذين المقاربتين رأت المنظور البنائي أن الهوية الاثنية ليست معطى ثابت ولكنها تتعرض للتغير ارتباطا بالسياق السائد وهو ما قد ينعكس إما سلبا او إيجابا على حدوث النزاعات الاثنية (27) .

كما قدم المنظور البنائي إسهاماته لتفسير تراجع معدل النزاعات بين الدول في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة واعتبروا أن ذلك يرجع إلى تأثيرات حركية العولمة التي أدت إلى تقريب الهويات القومية للدول.

ومن المقاربات الجديدة التي ظهرت لتفسر واقع الظاهرة النزاعية بعد نهاية الحرب الباردة هي مقاربة ” الأمن المجتمعي” وهي مقاربة موجهة بشكل خاص لتفسير النزاعات الداخلية وتحديدا النزاعات الاثنية، وترتبط هذه المقاربة بما تسمى مدرسة كوبهاغن في الدراسات الأمنية والتي ترتبط هي الأخرى بمعهد كوبنهاغن لدراسات السلام ويعتبر “باري بوزان” أهم من ساهم في تبلور هذه المقاربة ويقوم منطق إنتاج هذه المقاربة على تقنية ” التركيب النظري ” بين أكثر من نظرية أخرى فمن عند الواقعيين اخذ باري بوزان فكرة ” المعضلة الأمنية”.

وبالنسبة اليه فانه مثل ما ان المعضلة الأمنية الدولية تنشأ نتيجة عدم وجود سلطة مركزية تفرض قيود على سلوك الدول، فان ما اسماه” المعضلة الأمنية المجتمعية ” تنشأ أيضا من انهيار السلطة المركزية داخل الدولة(28) ، ومن عند المنظور البنائي استلهم باري بوزان مفهوم الهوية حيث اعتبر أن هوية المجتمعات هي القيمة الأكثر عرضة للتهديد، لان الهوية هي أهم خاصية يمكن أن نصف المجتمع من خلالها(29) .

بالإضافة إلى ذلك ظهرت مقاربة صدام الحضارات كمحاولة للتنظير إلى الأبعاد الحضارية للصراع الدولي والتي تبلورت بشكل كبير في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة، ورغم أن التنوع الحضاري العالمي هو وضع مرافق للتطور البشري إلا انه كما يشرح “صاموئيل هنتنجتون” فان نهاية الحرب الباردة وفرت اللحظة التاريخية المناسبة لتسويغ الحضارات المختلفة كفواعل صراعية.

“فالمصدر الأساسي للصراع في هذا العالم الجديد لن يكون ايدولوجيا أو اقتصاديا في الأساس، فالتباينات بين الجنس البشري والمصدر المحوري للصراع ستكون ثقافية وستظل الدول القومية أكثر الوحدات الفاعلة قوة في الشؤون الدولية غير أن الصراعات الأساسية في السياسة الدولية ستقع بين دول وجماعات صاحب حضارات مختلفة , وسيهيمن صدام الحضارات على السياسة الدولية»(30) .

وبالمحصلة فان البعد الميتادولجي لتطور الظاهرة النزاعية في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة يشير انه ارتبط بكلتا النمطين المنهجين لتطور التنظير حيث حاولت المنظورات التقليدية التكيف مع الواقع الجديد للظاهرة النزاعية في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة، وفي نفس الوقت الذي استدعى هذا التطور في واقع الظاهرة النزاعية طرح اطر إسهامات نظرية جديدة .

 

المحور السادس: البعد الاكسيولوجي لتطور الظاهرة النزاعية بعد نهاية الحرب الباردة

يعبر البعد الاكسيولوجي عن طبيعة المنظومة القيمة التي ننظر بها للظاهرة النزاعية ويمكن القول انه حدث تحول مهم في المنظومة القيمية التي ننظر بها للظاهرة النزاعية في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة، ففي فترة الحرب الباردة سادت منظومة قيمية منفتحة بشكل كبير على تقبل ظاهرة النزاع وذلك ارتباطا بالأسباب التالية:

– إن السياق العام للعلاقات الدولية في تلك الفترة كان سياقا نزاعي محوره الأساسي التنافس على تشكيل بنية النسق الدولي بين طرفين مركزييين هما الاتحاد السوفياتي والمعسكر الغربي.

– أن خطاب المنظور الواقعي في العلاقات الدولية هو الخطاب النظري الأكثر وراجا في تلك الفترة وهذا الخطاب مفتح بشكل كبير في مستواه الاكسيولوجي على تقبل ظاهرة النزاع. – أن أحد الأطراف الرئيسية للصراع الدولي في تلك الفترة وهو الاتحاد السوفياتي كان يستند إلى الأيدلوجيا الماركسية وهذه الايدولوجيا منفتحة بشكل كبير على ظاهرة الصراع بل تعتبره هو الأصل في العلاقات الدولية.

لكن  مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة لا تشير إلى تحول في البنية المادية للنسق الدولي وفقط على أساس أن دولة واحدة هي التي انفردت بقيادة هذا النسق، ولكن تشير ايضا إلى تحول فيما يسميه المنتسبون للمنظور البنائي ” التحول في البنية الثقافية للنسق الدولي” حيث أصبحت المنظومة القيمية الغربية التي تركز على مفردات الديمقراطية وحقوق الإنسان والأمن الإنساني هي البنية الثقافية المسيطرة، وقد انعكس ذلك على طبيعة المواقف القيمية اتجاه الظاهرة النزاعية خصوصا مع ارتباطها بتحول الفضاء الأساسي الذي تتشكل فيه الظاهرة النزاعية أي البيئة الداخلية للدول، حيث عادة ما تخلف النزاعات الداخلية ماسي كثيرة بالنسبة للأمن الإنساني وحقوق الإنسان، وعلى هذا الأساس حدث تحول ذو أهمية في الموقف القيمي اتجاه الظاهرة النزاعية ارتبطا بالتحول في البنية الثقافية للنسق الدولي برمته حيث أصبح هناك انفتاح أكثر على ” استهجان” الظاهرة النزاعية نظرا لما تخلفه من ماسي إنسانية كبيرة.

 

خاتمة:

بالرغم من كل التطورات العملية والنظرية على الظاهرة النزاعية في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة ومع ذلك فإننا نرى أن تلك التطورات لم ترقى إلى تبلور نموذج معرفي جديد في دراسة تلك الظاهرة بقدر ما أدت إلى تبلور برنامج بحثي جديد ضمن ذلك السياق.

ومن أجل التفصيل في هذه الخلاصة نحتاج أن نتوقف عند مفهومي “النموذج المعرفي” و”البرنامج البحثي” كإسهامين ابستمولجين بارزين في تقييم البعد التيتولوجي لتطور الظواهر عملياً ونظرياً.

أما المفهوم الأول أي النموذج المعرفي فينسب إلى “توماس كون ” في كتابه ذائع الصيت “بنية الثورات العلمية” ولم يقدم توماس كون تعريفا إجرائيا واضحا لمفهوم النموذج المعرفي ولكن دلالته الرئيسية ترتبط بفكرة “رؤيا الواقع” أي كلما تغيرت رؤيتنا بشكل جذري للواقع كلما أصبحنا بحاجة إلى بناء نموذج معرفي جديد(31) .

وفي هذا السياق لا يمكن الادعاء بحدوث تغير جذري لواقع الظاهرة النزاعية في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة فصحيح أن الفواعل من غير الدول ازدادت درجة اندماجها في ممارسة السلوك النزاعي ولكن هذا لا يعني أن الدول لم تعد مرتبطة بالظاهرة النزاعية، وصحيح أن النزاعات اللاتماثلية أصبحت أكثر انتشارا ولكن هذا لا يعني ان النزاعات التقليدية اختفت تماما، وصحيح أن الفواعل من غير الدول منفتحة بشكل أكبر على السلوك غير العقلاني ولكن هذا لا يعني ان الظاهرة النزاعية تحول إلى ظاهرة غير عقلانية بشكل تام.

وفي مقابل ذلك يشير “مفهوم البرنامج البحثي” الذي طوره إمري لاكاتوش إلى طبيعة تقنية بحتة للجهود التنظيرية حيث يعتبر لاكاتوش أن أي جهد تنظيري يأخذ في التحليل الأخير شكل “بنية تقنية “مشكلة من جزأين “القرص الصلب” والذي يتضمن مجموعة المفاهيم المركزية والافتراضات التحليلية غير قابلة للتغير، أما الجزء الحزام الواقعي “الحالات الامبريقية” ويفرق لاكاتوش بين نوعين من التحول في البرامج البحثية:

– التحول في وجود برنامج بحثي معين، وهذا مرتبط بحدوث تحول في القرص الصلب أي حدوث تحولات ذات أهمية في المفاهيم والافتراضات المركزية للأنساق النظرية.

– التحول في طبيعة البرنامج البحثي: وهذا مرتبط بحدوث تحول في الحزام الواقي، حيث أن زيادة الحالات الامبريقية لدراسة ظاهرة ما يؤدي بالضرورة إلى تبلور ما أسماه لاكاتوش “برنامج بحثي متقدم” على عكس البرنامج البحثي المتاخر الذي يركز على “حالات امبريقية محددة”.(32)

وعلى هذا الأساس يمكن القول إن الجهود التنظيرية حول الظاهرة النزاعية في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة تشير إلى تبلور برنامج بحثي جديد وهذا يستند إلى الاعتبارات التالية:

1-أن إحدى الفرضيات المركزية التي كانت سائدة قبل نهاية الحرب الباردة والتي تشير إلى أن الدولة قومية هي الفاعل النزاعي الرئيسي قد تعرضت للمراجعة والكثير من جهود التنظير للظاهرة النزاعية في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة تركز جهودها على التنظير للسلوك النزاعي للفواعل من غير الدول.

2-أن مفهوم إدارة النزاع الذي كان المفهوم المركزي في مراحل سابقة قد تعرض للمراجعة سواء في دلالاته أو في قيمته المركزية في التعبير عن واقع الظاهرة النزاعية.

3-إن تحول الفضاء الأساسي لممارسة الظاهرة النزاعية إلى البيئة الداخلية للدول أدى إلى زيادة هائلة في الحالات الامبريقية المدروسة وهذا انعكس على “تقدمية” البرنامج البحثي للجهود التنظيرية حول الظاهرة النزاعية(33).

———————————————————

الهامش

(1) Wright Quincy. ʺThe Nature of Conflictʺ.  In .Burton, john and Dukes, Frank: Conflict : Readings in Management and Resolution. US: The Macmillan Press LTD. 1990.P15

(2) Mitchell ,Christopher Roger.The Structure of International Conflict. London :Macmillan. 1981.

(3) Robert , Jervis. War and Misperception. The Journal of Interdisciplinary History .Vol. 18. No.Spring1998. pp 660-686

(4) Fisher.R.j. Methods of third party intervention.(Berlin :TheBerrghof center conflict Management). 2001. Pp 10-27

(5) Kelman.H.C.Social-psychlogical dimensions of international conflict .(Washington : United States Institute of Peace). 1997. Pp 220-237

(6)   Moor ,Chris. The Process of Midiation.Califorinia :Jossey-Bass.1996

(7) Mitchell , Christopher Roger. The Structure of International Conflict. Op. Cit

(8) Richard Ned Lebow.Why Nations Fight :Past and Future Motives for War. (Cambridge University press).2010

(9) ʺWorld Refugees Statistics : Refugees and Asylum Eeekers World wideʺ.World Refugees .2005. p6-7

(10)    شهرا زاد ادمام. الفواعل العنيفة من غير الدول: دراسة في الاطر المفاهيمية والنظرية . مجلة سياسات عربية. ع8 .(الدوحة : المركز العربي لدراسة وابحاث السياسات ابريل 2014) .ص 73

(11)   Mary Kaldor .New and Old Wars : Organizev Violance in a Global Era. The Amirerican Political Science Review.Vol.95.No.2.Jun2001

(12)     شفيق ناظم الغبرا. النزاعات وحلها: إطلالة على المفاهيم والأدبيات. مجلة المستقبل العربي . العدد71. (بيروت : مركز درايات الوحدة العربية ).ماي1993.ص  85

(13)  انظر: عادل سليمان. الثورة في الشؤون العسكرية: التداعيات والانعكاسات الدولية والإقليمية.  (القاهرة: المركز الدولي للدراسات الإستراتجية والمستقبلية ).2006 . ص 31

(14)     نفس المرجع. ص 34

(15) Wayman, Frank .ʺ Rivalries: Recurrent Disputes and Explaining Warʺ . In John Vasquez (ed) What Do We Know ـ About War? Lanham, MD: Rowman and Littlefield, 2000:pp 219   234

(16)  انظر حول هذه الجزئية كل من :

– عصام عبد الشافي. البعد الديني في العلاقات الدولية: الماهية والتأثير.(الإسكندرية: منشورات مكتبة الإسكندرية . 2014.)

– اماني غانم. ” الابعاد الثقافية والعلاقات الدولية : دراسة في خطاب صدام الحضارات”، في: نادية محمود مصطفى. العلاقات الدولية في عالم متغير: منظورات ومداخل مقارنة.ج3 . القاهرة : مركز الحضارة للدراسات السياسية. 2016

(17) Wendy Parlman.A Composite Actor A pproach to Conflict Behavior .in : Chenoweth .Erika. and Andria Lawrence.eds. Rethinking Violence : State and Non Actors in Conflict. Cambridge : Belfar Center for Science and International Affairs.2010

(18)    احمد علي سالم. عن الحرب والسلام: مراجعة لأدبيات الصراع الدولي.  مجلة السياسة الدولية. ع 170. اكتوبر 2007. ص 115

(19)  سامي ابراهيم الخزندار. ادارة الصراعات وفض المنازعات: إطار نظري .(الدوحة : مركز الجزيرة للدراسات.)2014. ص 238

(20) George, Alexander L., Strategies for Preventive Diplomacy and Conflict Resolution (Political Science and Politics v33 . i1 . March,) 2000.p

(21) Douglas H. Yorn (ed.). Dictionary of Conflict Resolution .(San Francisco: Jorrey-Bass Publisher .1999 pp120-121

(22)     احمد جميل العزم. اعاة تعريف مصطلح ادارة النزاع .” مراجعة نقدية” .المجلة العربية للعلوم السياسية ع 35 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية ).صيف 2012. ص 85

(23) ( ) ستيفن ريان. القومية والنزاع الاثني، ضمن: وايت بريان، ليتل برتشارد، سميث مايكل، قضايا في السياسة العالمية، ترجمة مركز الخليج للأبحاث( أبو ظبي: مركز الخليج للأبحاث. 2004 ). ض 186

(24)  احمد جميل العزم. “إعادة تعريف مصطلح إدارة النزاع.: مراجعة نقدية”.  مرجع سابق  ص ص 74-78 .

(25)      Christian Reus- Smit. Constructivism.In Theories of International Relations .eds Andrew Linklater.Scott Burchill.( .Deakin University).1996

(26) Dan. Reiter.Exploring the Bargaining Mode of War .Avlaible at : http : // socsci.colorado.edu/ blimes / retier %20% Bargaining 20%model20%war.pdf

(27) Amir,Pasic.ʺCulture,Identity,and Securityʺ.Rockefelcer Brothers Fund.NY.1998.P10

(28)     عادل زقاع . المعضلة الامنية المجتمعية : خطاب الامننة وصناعة السياسة العامة. مجلة دفاتر السياسة والقانون. ع 5. جوان 2015. ص 16

(29) Bill Mcsweeney ,ʺReview :Identiti and Security : Buzan and the Co penhagen . Schoolʺ.Review of Internatio,al Studies.Vol. 22. No.1. Jan. 1996 .

(30)  صامويل هنتنجتون، الإسلام والغرب: آفاق الصدام. ترجمة مجدي شرشر (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1995 ) ص 7.

(31) Kuhn ,Thomas S.The Structure of Scientific Revolution.3rd ed. (Chicago : University of Chicago).1996.

(32)  انظر حول البرنامج البحثي عنند لاكاتوش: امري لاكاتوش .فلسفة العلوم: برامج الابحاث العلمية .ترجمة  ماهر عبد القادر محمد علي .(بيروت: دار الفارابي.) 1975

(33) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق