الحركات الإسلاميةكتب إليكترونية

الجزء السابع: الإخوان بين الجهاديين والسلفيين

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

واكب ظهور التيارين الجهادي والسلفي ما يطلق عليه “التأسيس الثاني لجماعة الإخوان” في مطلع السبعينيات، ومن بين ما شكل وعي التيار الجهادي بالذات الحديث عن عذابات الإخوان في السجون الناصرية التي انتشرت على نطاق واسع في عصر السادات.

وكانت إحدى المفارقات التاريخية هي أن التيار الجهادي أراد أن يثأر لما تعرض له الإخوان من تعذيب في حين كان الإخوان العائدون من السجون قد قرروا خطاً حركياً جديداً يمثل حصيلة لخبرة السجن الدامية، فقد أعلن الإخوان العائدون أنهم يتبنون بشكل كامل ما جاء في كتاب “دعاة لا قضاة” الذي وضعه الأستاذ حسن الهضيبي في السجن، وكان ذلك يعني نبذ المواجهة بشكل تام مع النظام السياسي المصري باعتباره نظاما مسلماً، والقبول بالعمل داخل الأطر القانونية والسياسية التي يسمح بها النظام.

يرجع الدكتور محمد مورو نشأة ” تنظيم الجهاد ” إلى عام 1958 بشكل مستقل تماما عن جماعة الإخوان المسلمين وعلى يد شاب مصري يدعى نبيل البرعي الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 22 عاما، وحسب رواية نبيل البرعي نفسه فإنه عثر على كتاب فتاوى عن الجهاد فبدأ الاهتمام بهذا الموضوع واعتبر أن إصلاح العالم الإسلامي يكمن في ممارسة الجهاد، وانتهى البرعي إلى أن العمل السري المسلح هو الحل.

بدأ نبيل البرعي مسعاه بتوزيع فتاوى الجهاد على أصدقائه المقربين وإدارة حوارات معهم أسفرت عن استجابة عدد منهم مثل: إسماعيل الطنطاوي، وحمد عبد العزيز الشرقاوي.

ومن هؤلاء وغيرهم نشأت الخلية الأولى عام 1960 في القاهرة. ويقول الكاتب ممدوح الشيخ في دراسة له أنه رغم نشأة تنظيم الجهاد بشكل مستقل تماما عن جماعة الإخوان المسلمين فإنه تأثر تأثرا كبيرا بالصدام الثاني الكبير الذي وقع بين جماعة الإخوان ونظام الرئيس جمال عبد الناصر (1964)، وفي عام 1966 مر التنظيم بمنعطف آخر شديد الأهمية تمثل في انضمام عدد آخر من الشباب مثلوا فيما بعد أهم قيادات الجماعة مثل الدكتور أيمن الظواهري وحسن الهلاوي وعلوي مصطفى.

ومع حلول عام 1968 أصبح للتنظيم كيان متمايز فكريا، كبير عدديا، وبينما كانت أجهزة الأمن مشغولة في المقام الأول بمطاردة جماعة الإخوان المسلمين.

بدأت عناصر التنظيم في جمع السلاح والتدريب عليه في منطقة جبلية مجاورة للقاهرة (المقطم). وشكلت حرب رمضان 1393 هـ (السادس من أكتوبر 1973) منعطفا شديد الأهمية في تاريخ تنظيم الجهاد على المستويين التنظيمي والفكري.

متأثرا بفتاوى الجهاد أسس شاب عشريني ما عرف بـ “تنظيم الجهاد “، وتكتمل المفارقة التاريخية في علاقة التيار الجهادي البازغ داخل الجامعة بالإخوان بقرار الإخوان أنفسهم أنه لا وقت لديهم لتضييع الوقت مع أفكار الشباب الجهادي في حواراتهم مع التيار الطلابي الجديد لاستقطابه للدخول في الجماعة. وأعلن شيوخ الجماعة الخارجون من السجن أن سيد قطب لا يمثل الجماعة في أفكاره وأن الشباب القطبي الذي تبنى أفكاره ليس من الإخوان. ومثلت أفكار قطب إلهاماً للتيار الجهادي كما مثلت الأفكار السلفية التي تدعو إلى اتباع السلف الصالح باعتبارهم خير قرون الأمة أهم مصادر ما نطلق عليه نظرية المعرفة للحركة الجهادية.

وبينما كان شيوخ الإخوان ومن دخل معهم من الشباب الإسلامي الجديد في الجامعة يتجولون في الجامعات الأخرى للحصول على بيعة الدخول في الإخوان الجماعة الأم، اكتشفوا أن هناك قطاعات طلابية ترفض توجه الإخوان الفكري الجديد الذي يتهمونه بالركون إلى الدعة وإيثار السلامة. وكانت هذه القطاعات في الصعيد بأكمله تقريباً وفي الدلتا خاصة في جامعة الأزهر والعديد من الكليات الأخرى في جامعة القاهرة والإسكندرية وغيرها من جامعات مصر.

كان الذين رفضوا الذهاب مع الإخوان من الطلاب الإسلاميين هم نواة التيارين الجهادي والسلفي المصريين -فيما بعد-واستطاع هذان التياران رغم حداثتهما أن يمثلا تحدياً حقيقيا لحركة الإخوان على مستوى النفوذ والأفكار، أو ما يمكن أن نطلق عليه “حرب أفكار باردة” بين الجهاديين والسلفيين من ناحية وبين الإخوان من ناحية أخرى.

ويمكن القول إن التيارات الجهادية كانت تمثل استمراراً لتقاليد “النظام الخاص” الذي أسسه الشيخ “حسن البنا” وقد حله المرشد الثاني للإخوان المسلمين حسن الهضيبي بعد بيان انحرافه عن الهدف الذي أسس من أجله، ومع تطور أفكاره نحو صورة جماعته من ناحية وقراءته للواقع المصري الداخلي والواقع الإقليمي فيما يتصل بالقضية الفلسطينية خاصة. أما التيار السلفي الذي بزغ في السبعينيات فهو يمثل محاكاة لتقاليد النظام الخاص من حيث قوة التزامه وتمسكه السلوكي والأخلاقي وأيضا العقائدي، لكن التواصل مع أفكار السلف بدا واضحا بقوة مع سيد قطب حيث قدر له أن يطالع كتب السلف القديمة، كما أن الشباب الذين كونوا معه في السجن والذين يقول عنهم بعض الإخوان ممن كتب أنهم مؤسسوا تنظيم عام 1965 قد وضعوا مناهج فكرية ودراسية تمثل استمراراً لمناهج النظام الخاص التي أشار لها أحمد عادل كمال في كتابه “النقط فوق الحروف” وكان البعد السلفي واضحاً فيها.

وبدا أن ما قدر له الإخوان من حل النظام الخاص والتخلص من أفكار المواجهة والجهاد ونبذها بالكامل قد عادت مرة أخرى في صورة التيارين الجهادي والسلفي الجديدين. لكن الإخوان على أي حال تنفسوا الصعداء إذ اعتبروا أن الشباب الجديد لا صلة لجماعتهم به وأن بينهم وبينه بعد المشرقين. ومن ناحيته اعتبر التيار الجهادي أن الإخوان المسلمين قد فرطوا في تراثهم المواجه والمجاهد وأنهم رضوا بالخنوع والعمل وفق القواعد التي يقررها لهم الطاغوت بالتعبير الإسلامي. أما التيار السلفي فقد اعتبر أن الجماعة لا تلتزم قواعد المنهج السلفي لا في التصور ولا في السلوك.

انتشار التيارين الجهادي والسلفي

واستطاع التيار الجهادي أن يحجم الوجود الإخواني بشكل كامل في الصعيد واستأثر لنفسه باسم الجماعة الإسلامية التي كان ينشط داخلها الجسد الطلابي الإسلامي قبل، حيث استطاع الإخوان إقناع قطاع هام منه دون علم أو مشاورة بقية القيادات الطلابية في الجماعة الإسلامية، والتي كانت تنظر لنفسها على أنها تيار مستقل عن أي تيارات أو أفكار خارج أسوار الجامعة.

منعطف ” الفريضة الغائبة”:

وحتى عام 1978 بقيت التنظيمات الجهادية مجموعات متفرقة من الخلايا العنقودية حتى ظهر محمد عبد السلام فرج (محمد عبد السلام فرج، أحد مؤسسي تنظيم الجهاد، وصاحب مؤلف الفريضة الغائبة والذي اعتبره الكثيرون ترخيصا بقتل الرئيس الراحل محمد أنور السادات حيث كان يدعو الكتاب للجهاد على أساس أنه الفريضة الغائبة وتركه سببا فيما يعانيه المسلمون من مشكلات)

ويعد أهم الأدوار التي قام بها على الإطلاق وضعه كتاب ” الفريضة الغائبة ” الذي يعد أحد أهم أدبيات تنظيم الجهاد فضلا عن أنه أشهرها على الإطلاق. كان الكتاب يضم نصوصا فقهية واجتهادات حول وجوب الجهاد لإقامة الحكم الإسلامي. ولم يقتصر دوره على وضع الكتاب بل قام بتدريس ما فيه من آراء في مسجد بضاحية من ضواحي القاهرة (بولاق الدكرور).

ونجح محمد عبد السلام فرج في ضم عدد كبير من الشباب شكل بهم تنظيما هو الأخطر في تاريخ الجماعات الإسلامية، وكان أهم كوادره طارق عبد الموجود الزمر الذي قام بدوره في تجنيد المقدم عبود الزمر عام 1980

ومد محمد عبد السلام فرج نشاطه إلى مختلف أنحاء القاهرة ثم الأقاليم الأخرى، وفي أواخر عام 1980 كان التنظيم كبيرا ومنتشرا وكان أعضاؤه قد تدربوا على استخدام السلاح وحصلوا على كميات غير قليلة منه.

كما استطاع التيار السلفي في هذه الحقبة أن ينتشر بقوة مع التواصل الكبير بين الحالة الإسلامية المصرية وبين هذا التيار في المملكة العربية السعودية في هذا الوقت. وكانت المطبوعات السلفية تنتشر بقوة، كما كان استحضار صورة السلف المثالية يداعب خيال الشباب في هذه الفترة والذي اعتبر أن الإخوان بصورتهم الجديدة والمعدلة لا تقارن بصورة السلف الذين هم خير القرون وهم صورة الالتزام بالمنهج الإسلامي بشكل كامل، وليسوا بصورة الإخوان التي تعد شكلا من أشكال التكيف مع الحضارة الحديثة والواقع الجاهلي أكثر منها تعبيراً عن مواجهته أو مقاومته.

واستطاع التيار الجهادي ممثلاً في الجماعة الإسلامية والجهاد أن يحقق مفاجأة كبيرة بقدرته على منازلة النظام المصري والنيل من رأسه فيما عبر عنه بقتل “الفرعون”، وهو ما مثل مفاجأة بكل المقاييس للإخوان ولبقية القوى السياسية، واعتبر الإخوان وقتها أن ما حدث كان وبالا على الدعوة وخروجاً على تقاليد الجماعة الأم، رغم أن التيار الجهادي اعتبر أن ما جرى كان جزءا من الفعل الإيجابي للأمة تجاه تعدي السادات على الرموز الإسلامية المعنوية كالنقاب، والدعوية كالمشايخ الذين قبض عليهم ورماهم في السجون وكان منهم بالطبع قطاع مهم من الإخوان.

وفي فترة ما بعد السادات استطاع التيار الجهادي أن يحقق لنفسه وجودا مؤثراً بين قطاعات الشباب خاصة في فترة الثمانينات، إذ كان خطابه وروحه أقرب لأشواق وأفكار الشباب أكثر من النمط الإخواني. وبدت الجماعة الإسلامية خصوصا أكثر دينامية حين نزلت إلى المناطق الفقيرة مثل عين شمس وإمبابه وغيرهما، وهي المناطق التي تعرف بأحزمة الخطر المطوقة للعاصمة. وأبدت الجماعة قدرة هائلة على التفاعل مع واقع هذه المناطق وحققت جذبا لقطاعات واسعة منهم، إلى حد أن هذه المناطق بدت وكأنها مقاطعات إسلامية. وتمكنت الجماعة الإسلامية الجهادية فعلا أن تكون فرس رهان مع الإخوان، كما انتشرت بقوة الأفكار الجهادية والسلفية على نحو غير مسبوق في مصر.

وفي منتصف عام 1980 تبلور الاتجاه نحو التغيير بالقوة وتزعمه كرم زهدي (أمير الجماعة) وناصره كل من: ناجح إبراهيم، وعاصم عبد الماجد، وأسامة حافظ، وعصام دربالة، وفؤاد الدواليبي، وطلعت فؤاد قاسم، وحمدي عبد الرحمن وآخرون.

وقد كانوا متلهفين على تكوين التنظيم وتأطيره وتدريب كوادره على السلاح. وكان مما دفع تصاعد العنف لقاء كرم زهدي مع القيادي الجهادي محمد عبد السلام فرج، في منتصف عام 1981 واتفاقهما على توحيد التنظيمين.

ومثل الاستقطاب نحو العنف غير المبرر من جانب التيار الجهادي في مواجهته مع النظام المصري كارثة كبيرة لهذا التيار أفقدته الروح التربوية والدعوية، كما أفقدته التواصل مع الجماهير. وخلقت دورة العنف في التسعينات ما يمكن أن نطلق عليه نزع “الشرعية الأخلاقية والدعوية” للتيار الجهادي الذي أصبح السلوك العسكري العنيف مسيطرا على أدائه، لكن التيار السلفي بقي محافظا على هذه الروح الدعوية والأخلاقية بحرصه على عدم الانخراط المبكر مع النظام المصري في مواجهة غير محسوبة ولم تستكمل بعد أدواتها، لذا فقد بقي يجتذب قطاعاً واسعا وكبيراً من الشباب المصري الحريص على طلب العلم الشرعي واستكمال أدواته.

لكن التراجع الجهادي في التسعينات ترك الساحة مفتوحة للإخوان، ومع إعلان الجماعة الإسلامية مراجعاتها وعودتها عن خطها الفكري الذي بدأت به والذي كان يميزها فكريا وحركيا عن الإخوان يمكن القول إن الإخوان أصبحوا هم القوة الفاعلة الوحيدة من الناحية السياسية على الساحة المصرية، إذ أدى تراجع الجماعة الإسلامية بشكل مفاجئ وكامل عن كل تراثها الفكري إلى حالة من فقدان الثقة والإحباط وعدم اليقين بين شبابها، كما أن السؤال الصعب وهو: لم كانت المواجهة إذاً؟ ولم كانت السجون؟ ولم كان القتل والقتال والتضحيات؟ بل ولم كانت المفارقة مع الإخوان؟ أسئلة مطروحة بقوة.

ولم يكذب الإخوان خبراً وسارعوا إلى القول إن تراجع الجماعة الإسلامية هو عودة إلى تقاليد الإخوان التي عادوا بها من السجون الناصرية ودعوا إليها وهم سائرون على نهجها ومتمسكون بها، كما أن انصهار تنظيم الجهاد في تنظيم القاعدة أواخر التسعينات وتأسيسه “الجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبيين” عام 1998 واعتباره أن الخطر الداهم على الإسلام ليس الأنظمة القريبة وإنما التحالف الصهيوني الأميركي، وأن فرض الوقت هو المواجهة مع أميركا واليهود وليس المواجهة الداخلية مع الأنظمة الداخلية، وهو ما ترك المجال الداخلي أيضاً بشكل كبير للإخوان المسلمين.

فإذا أضفنا إلى ذلك اعتبار أميركا أن التيارات السلفية المتماهية مع تنظيم القاعدة وحركة طالبان الأفغانية في مرجعيتها هي خطر مطلوب مواجهته، لبدا أن الإخوان هم القوة السياسية الكبيرة التي لا تنافسها قوة إسلامية أخرى على الساحة، وأنها الجواد الرابح من كل الأحداث الجارية رغم تعرض أبنائها لقمع محدود لا يقارن بالقمع الذي لايزال مسلطا ضد أبناء التيار الجهادي.

ولكن ما هي القضايا الرئيسية التي يختلف فيها التياران الجهادي والسلفي مع الإخوان المسلمين؟

رؤية التيارين الجهادي والسلفي للإخوان

يرى التيار الجهادي حسب الدكتور كمال حبيب (كمال السعيد حبيب كاتب صحفي وسياسي أكاديمي متخصص في شؤون الحركات الإسلامية حاصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة) في كتابه عن موقف الجهاديين من الإخوان  أن الإخوان نبذوا مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشكل كامل، وأنهم يؤيدون الأنظمة الجاهلية ويعتبرونها أنظمة مسلمة رغم أن مرجعية هذه الأنظمة علمانية تستبطن العداء للإسلام والمسلمين وتسخر كل أدواتها السياسية والإعلامية والتعليمية ضد القيم الإسلامية، كما أن هذه الأنظمة موالية بشكل شبه كامل لأعداء الإسلام. وتأييد الإخوان لهذه الأنظمة يضفي الشرعية عليها رغم أن الحكم الشرعي هو مقاومتها والخروج عليها أو على الأقل منابذتها وعدم الدخول في طاعتها “إذ الطاعة في المعروف” ومن ثم عدم منح الطاعة لهذه الأنظمة هو واجب شرعي. كما أن تعبيرات الأمر بالمعروف الأخرى مثل النصح والمقاومة والبيان الواضح للأمة لا يقوم به الإخوان.

ويمثل كتاب أيمن الظواهري الذي كتبه في الثمانينات بعنوان “الحصاد المر للإخوان المسلمين في 60 عاما”، نموذجا للنقد اللاذع ذي الطابع العاطفي الجارح الذي يعكس المرارة التي يشعر بها التيار الجهادي من السلوك الإخواني المؤيد للنظم غير الإسلامية وغير الوطنية من وجهة نظر هذا التيار. وكان الظواهري قد ألف كتابه عقب بيعة الإخوان لمبارك عام 1987.

وفي كتابه الأخير “فرسان تحت راية النبي” اعتبر الظواهري أن جماعة الإخوان تنمو تنظيميا لكنها تنتحر عقائدياً وسياسياً، وقال إن “الجماعة أسقطت كل تاريخها في النضال بما يحتويه من دماء الشهداء وقروح المعذبين ووجل المطاردين، بل وبكل ما يتضمنه تاريخها من التمسك بمبادئها وعقيدتها”.

ويذهب التيار الجهادي إلى أن منهج البنا مؤسس الجماعة تطور من الناحية الفكرية حتى وصل في أواخر حياته إلى قناعة بأن التغيير لن يكون إلا عن طريق القوة والمواجهة، باعتبار أن الأنظمة لا يمكن تغييرها عبر الوسائل السلمية (وراجع مثلا مقال حسن البنا بعنوان معركة المصحف -أين حكم الله بتاريخ 16 مايو/أيار1948-أورده محمد قطب في كتابه “واقعنا المعاصر” ).

وانتقد التياران السلفي والجهادي اعتبار التغيير عبر صناديق الانتخابات أداة شرعية، فهم يرون أن الانخراط في دخول الانتخابات والأعمال ذات الطابع الحزبي وسيلة مخالفة للشريعة الإسلامية بجانب كونها لن تؤدي إلى أي تغيير، فالبرلمانات هي بيت الطاغوت الذي ينازع الله أخص خصوصياته وهو حق التشريع، وفي هذا يقول عبود الزمر أحد رموز التيار الجهادي إن “الواجب عليهم وعلى جموع المسلمين في مصر بذل النفس والنفيس حتى نقيم دولة الإسلام حقاً.. إن معشار العدد الذي حشدتموه في مؤتمراتكم الانتخابية ومعشار المال الذي أنفقتموه في الدعاية الانتخابية أحسبه يكفي لحسم القضية التي ننشدها جميعا ولكن بالطريقة التي أمر الله بها لتكون رأس حربة في صدور أعداء الإسلام، ودعوكم من رأس القائمة التي لن تقوم بها للإسلام قائمة” (ذكرها عبود في حوارات أجريت معه).

وهناك كتاب ضخم من جزأين بعنوان “الإسلاميون وسراب الديمقراطية. دراسة أصولية لمشاركة الإسلاميين في المجالس النيابية”، وهو يعبر عن أفكار التيار السلفي ويعتبر أن دخول مجلس الشعب والانخراط في العمل الحزبي مضيعة للوقت والجهد وتضييع لمعنى مفهوم الحاكمية، كما أنه إهدار لمفهوم “الولاء والبراء” بإقرار شرعية المفسدين والظالمين. ويرفض عبد السلام فرج في كتابه الفريضة الغائبة العمل الحزبي والانتخابي.

وينتقد التياران الجهادي والسلفي جماعة الإخوان في كونها تقوم على التجميع دون التربية العقائدية التي تحدث عنها سيد قطب في كتابه “معالم في الطريق” تحت عنوان “جيل قرآني فريد”، وكان من آثار التجميع الذي جعل أكثر من مليون يدخلون الجماعة قبل قيام الثورة -وفق ريتشارد ميتشل-هو عدم الثبات في المحنة، إذ أيد الكثيرون عبد الناصر في السجون ولم تثبت إلا فئة قليلة. ويرى هؤلاء أن التربية العقدية المتينة هي الكفيلة بحماية الدعوة والحركة وليست الأعداد الغفيرة دون تنقية العقيدة وتصفية التجمع الكبير، وهو المنهج الذي سارت عليه الدعوة الإسلامية في العهد النبوي ويتبنى التيار السلفي ما يطلق عليه منهج “التصفية والتنقية”.

ويتحدث نفس التيار عن عدم الوضوح العقيدي فيما يتصل بطبيعة الفكرة الإخوانية التي تبدو لهم وكأنها نوع من التلفيق بين الصوفية والسلفية والسنية والهيئة السياسية والجماعة الرياضية والرابطة العلمية والثقافية والشركة الاقتصادية والفكرة الاجتماعية، كما ذكر البنا في رسالة المؤتمر الخامس. كما أنهم انتقدوا موقف البنا في كتابه “العقائد الإسلامية” من قضية الأسماء والصفات التي اعتبرها مسألة خلافية للخلف مذهبهم فيها وللسلف مذهبهم وكلاهما صحيح، ومن المعلوم أن قضية الأسماء والصفات تمثل جوهر مفهوم التوحيد عند التيار السلفي.

إلى جانب ذلك ينتقد التياران الجهادي والسلفي مسألة الشخصانية عند الإخوان ولكن من منظور شرعي، حيث يرون أن المنتمين لجماعة الإخوان يبالغون في تقديس وتعظيم شخصية البنا والمبالغة في اتخاذ كلامه وطريقته وكأنها نوع من الدين الذي تذوي معه شخصية الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام، ذلك لأن التربية الإخوانية تركز بشكل مبالغ فيه على الرسائل والمأثورات والأوراد والأذكار المأثورة عن البنا أكثر من التركيز على المصادر الأخرى في الشريعة، وتكون النتيجة تقديم تعاليم البنا على غيرها من المصادر وخاصة السنة وفقه السلف ولو بشكل غير واع. ويخشى هؤلاء أنه مع تطاول الزمن يصبح البنا الأصل في حين تأتي المصادر الأخرى في المراتب التالية، وهو ما يدخل في سوء الأدب مع السنة والنبي باعتباره تقديما بين يديهما.

كما تنتقد التيارات السلفية على الفقه الإخواني المبالغة في الترخص وتتبع الرخص بطريقة وصلت حد تمييع القضايا في نفوس الناس، ويفسر هؤلاء ما يطلقون عليه ظاهرة تكيف حالة الصحوة مع الواقع الجاهلي بسبب فتاوى الإخوان التي تميل إلى تغليب الإباحة على الأخذ بالأحوط. ويذهب هؤلاء إلى أن هذا الفقه أضر بالصحوة الإسلامية عامة وبحركة الإخوان التي يبدو أفرادها وكأنهم لا صلة لهم بالمشروع الإسلامي في الممارسة على المستوى الفردي أو الأسري. وقد فجع الكثير من أبناء هذا التيار في المرات التي قدر لهم فيها أن يطلعوا على أحوال زعماء كبار في الإخوان حيث تبدو أسرهم ومنازلهم بعيدة عن الانضباط الشرعي والإسلامي. ويضيف هؤلاء إلى ذلك ترخص الإخوان في ترك ما يطلق عليه هذا التيار “الهدى الظاهر” دون ضرورة تفرض ذلك.

هذه هي الخطوط الأساسية لرؤى التيارين السلفي والجهادي لحركة الإخوان، ولكن ما هو مستقبل العلاقة بين الإخوان وهذين التيارين، وننقل لكم وجهة نظر أخرى لابي محمد العدناني الشامي المتحدث الرسمي للدولة الإسلامية في العراق والشام في كلمة بعنوان: السلمية دين من؟

جاء فيه ما يلي بتصرف طبعا: ” لقد آل الأمر في آخر فصوله في مصر إلى صراع واضح بين الإيمان والكفر وإن المعركة هي ليست معركة الإخوان وإنما هي معركة الموحدين المجاهدين، معركة الأمة وما الإخوان إلا حزب علماني بعباءة إسلامية، بل هم أشر وأخبث العلمانيين حزب يعبدون الكراسي والبرلمانات فقد وسعهم الجهاد والموت في سبيل الديمقراطية ولم يسعهم الجهاد والقتل في سبيل الله، ولقد سمعت خطيبهم في حشد مئات الآلاف يقول بملء فيه: إياكم والرجوع موتوا في سبيل الديمقراطية. حزب لو تطلب الحصول على الكرسي السجود لإبليس لفعلوا غير مترددين، متقلب حسب الظروف فمؤمن… يوماً ويوماً كافر متزندق لا يستقر على قرار طبعه … ومتى استقر مدى الحياة الزئبق. كيف لا؟

وحزب الإخوان وأخيه حزب الظلام تخلو عن كل ثوابت الإيمان وكثير من فروع الإسلام تخلَّو عن ثوابت الإيمان عندما وافقوا على نسبة الحكم والتشريع لغير الله تعالى فقالوا متبجحين بغير خفاء ولا مواربة: إن الحكم والتشريع للشعب، ثم أضافوا ونحن الآن الممثلون لهذا الشعب في مجلسي: الشعب، والشورى، وفي هذا الأمر الذي قالوه ومارسوه مصادمة واضحة لعقيدة الأنبياء ولتوحيد رب الأرض والسماء، ثم تخلَّو بعد ذلك عن كثير من فروع الإسلام وذلك أنهم عندما وافقوا على هذا الكفر وأقروا به ادعوا زاعمين أنه سوف يتخذون من هذه الوسائل الديمقراطية سبيلاً لتطبيق شرائع الإسلام وجزئياته ثم خرجوا علينا بعد ذلك مرة أخرى.

وقالوا: أنه لا يمكننا الآن تطبيق الشريعة كاملة، ولذلك فإننا ومن وموقعنا التشريعي هذا سوف نؤخر تطبيق بعض الأحكام الشرعية بحسب ما يتراءى لنا، ثم بعد ذلك وعندما يتراءى لنا تطبيقها سوف نصدر بذلك مرسوماً تشريعياً جديداً، وهكذا حتى نصل في عام من الأعوام القادمة إلى التطبيق الكامل للشريعة، ولا نزعم أن ذلك العام سيكون عاماً من الأربعة المتاحة لنا قبل عقد انتخابات تشريعية أو رئاسية جديدة ولكن قد يكون هذا العام في أربعة أُخر غير هذه الأربعة، وهذا التأخير بالطبع سوف يكون بحسب ما يتراءى لنا أو نقره أو نلغيه، فإلى الله المشتكى.

قال الله تعالى: {إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ليواطؤوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين} لقد نزات هذه الآية في الذين أخروا تحريم شهر يعتقدون حرمته ويقرون بها وذلك لعارض ارتأوه أو مصلحة اعتقدوها فأحلوه عاماً ليتمكنوا من القتال فيه، فأنزل الله عز وجل قرآناً ينبئهم بحكمهم هذا وهو قوله تعالى: {إنما النسيء زيادة في الكفر}، وهذا النسيء الإخواني هو زيادة في الكفر، وليس هو أصل الكفر، إذ أن أصل الكفر كما أوضحنا هو: نسبتهم الحكم والتشريع لغير رب العالمين، ثم جعل أنفسهم حكاماً ومشرعين فشابهوا أحبار ورهبان اليهود الذين اتخذوا أرباباً من دون الله، إن هؤلاء الأحبار والرهبان الجدد الذين تسموا باسم الإسلام وتزيوا بزيه من لحىً وعمائم وقمص قد باعوا الدين رخيصاً واشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً فجعلوا ينادون جهاراً بتأخير تحريم الربا وبيع الخمور وفرض الحجاب، هذا بالإضافة إلى ما كانوا يدعون له ومنذ أعوام طوال من تأخير الجهاد في سبيل الله بل من تأخير فريضة إعلان البراءة من الشرك والمشركين بدعوى أن هذا ينافي المصلحة الراجحة ويستعجل الصدام المسلح فهل أجدى ذلك نفعاً في تأخير الصدام المسلح أم أن العسكر الآن قد بدأ هو وبادر إلى رفع السلاح واستخدام القوة رغم كل ما قدمه أولئك من انبطاح وتنازلات مستمرة غير متناهية، إن هؤلاء الأحبار والرهبان الجدد قد أكلوا أموال الناس بالباطل وصدوا عن سبيل الله فكل الأموال التي أنفقوها وأنفقت عليهم لترويج حملاتهم الانتخابية وإنشاء مؤتمراتهم التعريفية هي من باب أكل أموال الناس بالباطل، ثم إنهم صدوا عن سبيل الله كثيراً وقد قال أحد سادتهم وكبرائهم نصاً: إننا سنقف في وجه كل من يسعى لتطبيق الشريعة في مصر مباشرة.

ويقصد بمباشرة: أي: من غير أن يمر عبر القنوات الديمقراطية المرسومة من قبل الأسياد، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال الله تعالى: {أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل} وتبديل الكفر بالإيمان كما قال أهل العلم هو: تأخير العمل بالناسخ بعد نزوله، أو العمل بالمنسوخ بعد نزول الناسخ، وهذا الحكم ينطبق على كل من زعم جواز العمل بالبراءة الأصلية المنسوخة من عدم تحريم المحرمات: كالخمر والميسر والربا والزنا والتبرج والسفور بعد نزول تحريمها قطعاً ويقيناً، وإن هذا الكفر الذي وقع فيه حزب الإخوان وأوقع الناس فيه: هو من جراء طاعة الكفرة من الذين أوتوا الكتاب من أمريكا والغرب.

نزعة تآمريه وخطاب انفعالي:

ويصف قادة «الجماعة الإسلامية» الإخوان المسلمين في وثيقة «ميثاق العمل الإسلامي» بأنهم: «ضعفاء وجبناء ومقصرون، وأنهم يفترون على الإسلام، لجعله ضعيفاً ناقصاً مبتوراً عن الواقع، ليوافق ما جبلوا عليه هم، وذلك ما لا يسكت عليه» وتنتقد مواقف الإخوان، وإشادتهم بسياسات الرئيس المصري الأسبق أنور السادات والرئيس الحالي حسني مبارك، وتحالفهم مع حزب الوفد العلماني «صاحب مبادئ الكفر والضلال» ويصفونه بأنه «تحالف مع الشيطان» وتصل ذروة النزعة الانفعالية والخطاب التآمري في وصف جماعة الإخوان المسلمين مع أيمن الظواهري الذي أفرد كتاباً خاصاً عن الجماعة أسماه «الحصاد المر: الإخوان المسلمون في ستين عاماً» حيث يصف الجماعة بأنها مناصرة من الأنظمة الكافرة المرتدة، ومجرد أداة توظفها الدولة من أجل التنازل عن أهم أركان عقيدة المسلمين وهي «الحاكمية» وإتباع «الجاهلية» الديمقراطية في التشريع، والتنازل عن الجهاد العيني الواجب ضد الحكومات المرتدة التي تحكم بلاد المسلمين.

ويصل الظواهري حد تكفير الجماعة في عدة مواضع، وقد محص ما هو مطلوب من الجماعة في عدة نتائج تنسجم من أيديولوجيا السلفية الجهادية، التي لا تفتأ تشدد عليها، وهي أن مسائل الحكم بغير ما أنزل الله، والديمقراطية، والموالاة والمعاداة، من مسائل الأصول التي لا تحتمل الخلاف الفقهي، وأنها متعلقة بأصل الدين، الذي لا يسع أحد الخروج عنه.

وفي كتابه الموسوم «فرسان تحت راية النبي» يعتذر أيمن الظواهري عن بعض ما جاء في كتابه «الحصاد المر» حيث يقول: «لا أنكر أن في الكتاب بعض العبارات التي لا داعي لها، وإزالتها لا تؤثر على موضوع الكتاب» ولكنه يصر على أن الإخوان المسلمين عموماً، وإخوان مصر خصوصاً: “لا يرضون بغير السلبية وترك الجهاد في سبيل الله، وهو ذروة سنام الإسلام”

أما عبد العزيز عبد القادر وهو الأمير السابق لجماعة الجهاد المصرية، فإنه يكرر نفس المقولات السابقة، وفي بيان معنى الكفر والإيمان ينتقد منهج الجماعة ويصفه بالإرجاء، وقد وجه نقداً شديداً للأستاذ حسن الهضيبي في كتابه «دعاة لا قضاة» وهو الكتاب الذي يبلور رؤية الإخوان المسلمين في هذه المسألة، وينتقد سالم البهنساوي في كتابه «الحكم وقضية تكفير المسلم» بسبب تقييده الكفر بالاعتقاد، أما أبي قتادة الفلسطيني، فقد خصص مساحة واسعة للرد على أطروحات الإخوان المسلمين، وفي مقدمتهم الشيخ حسن البنا، فهو يعتبر الشعار الذي رفعه بعنوان «أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم، تقم لكم على أرضكم» ينطوي على دعوة للتصوف، فضلاً عن اعتبارها عبارة متناقضة تدل على فكر منحرف، ضال، مخالف لشرع الله، وصوفية جبرية، ويشن حملة شعواء على إخوان الأردن، بسبب دخولهم البرلمان واللعبة الديمقراطية، ويسخر من بعض رموزهم، فالديمقراطية طريق شركي، تتناقض مع أصول التوحيد، والطريق الشرعي والكوني هو الجهاد من أجل إقامة دولة الإسلام.

ونجد رأياً مماثلاُ وأكثر حدة وانفعالاً لدى كل من أبي محمد المقدسي، وأبي بصير الطرسوسي، فقد أصدر كلاهما كتاباً في كفر الديمقراطية، بعد أن قرر إخوان الأردن الدخول في الانتخابات عام 1990، ووجهوا لجماعة الإخوان انتقادات حادة تصل حد التكفير، بل والتكفير على أكثر من موضع.

كما أصدر أبو مصعب السوري كتاباً حول «التجربة الجهادية في سوريا» ووجه اتهامات لا حصر لها لجماعة الإخوان في سوريا، تبدأ باتهامها بالعمالة والخيانة، والجهل، وعدم الإخلاص والسذاجة، والرقة، وتمييع الإسلام، والتحالف مع جهات مرتدة، وقوة علمانية كافرة، وسوء التخطيط، وفي كتابه «دعوة المقاومة الإسلامية العالمية» يحمل على جماعة الإخوان المسلمين بشدة، ويقول: “برامج الإخوان تحوم حول فكرة البرلمانات، وكسب المقاعد الانتخابية، وإيجاد قاسم مشترك مع الحكومات، والبحث عن مواقع لا تتصادم مع الغزاة الجدد للمنطقة، مخططات للإصلاح الجزئي المرحلي، تدور كلها في فلك القطرية بحسب انتماءات تلك الأحزاب وبلادها، وقد تداخلت فيهم مصالحهم الشخصية والحزبية مع مصالح الدعوة والإسلام تداخلاً يصعب على غير الله تبارك وتعالى تمييزه”.

وينتقد القيادي المعروف في السلفية الجهادية الأردنية، سعد الحنيطي، عن جماعة الإخوان المسلمين “على مستوى الممارسة السياسية جماعة الإخوان لا يوجد لها مواقف محددة، ولا تنتظم مواقفها في سلك واحد، ففي العراق كانوا مع الدبابة الأمريكية كعراقيين، بينما كان إخوان سوريا الذين دعمهم صدام حسين يبكون على سقوط بغداد، في الوقت الذي كانت فيه الجماعة الأم تفتح باب التجنيد للدفاع عن العاصمة العراقية، هذا بينما كانت بعض قياداتهم في الأردن تتلاعب على المواقف بحيث لا يمكن إمساكها بموقف معين، أي مثلما يقول المثل العامي مثل صابون الميّت، فنحن لا نستطيع تحديد اتجاه تلك القيادات”

ويضيف الحنيطي “أما نحن في السلفية الجهادية فالأمر عندنا مختلف تماماً، مواقفنا واضحة، ولا تدخل السياسة في الأشياء التي هي من صلب العقيدة، خاصةً في مسألة الولاء والبراء، عندما نتحدث عن المحتل أو الصائل، فمواقفنا جداً واضحة، ويستطيع حتى من أصيب بالعمى أن يميز هذه المواقف، لا يسمح لنا المبدأ ولا العقيدة التي نتبناها، أن يتبنى الأخ الذي في الصومال خلاف ما يتبناه الأخ الذي في أفغانستان أو الأردن أو اليمن، لا يوجد لدينا مواقف من نوع أن نكون مع إيران في فلسطين وضدها في العراق، ليس لدينا هذا الشيء، إيران هي إيران، ليس عندنا أن نكون مع الولايات المتحدة في المسألة الفلانية وضدها في المسألة العلانية، هذه المسائل نختلف جذرياً فيها مع الإخوان، وأستطيع أن أقول إنهم أورثوا الأمة التمييع في المواقف السياسية تجاه كثير من القضايا”.

تعامل الإخوان مع مسألة الدولة المدنية التي هي من وجهة نظر السلفيين الجهاديين مرادف «مخفف» لمصطلح الدولة العلمانية، ويكمل قائلاً «كل الناس تعُرِّف الدولة المدنية على أنها الدولة اللادينية، وهو مصطلح وتعبير ناعم بدلاً من مصطلح العلمانية الذي فشل، الإخوان يقولون إن الدولة المدنية هي نقيض الدولة العسكرية، من يقول ذلك غير الإخوان؟ كل التيارات تفهم الدولة المدنية على أنها نقيض الدينية، الإخوان بهذا التفسير يحاولون خداع من؟ الإخوان يقولون أنهم مع الدولة المدنية، وعندما نراجعهم ونقول لهم إن ذلك لا يجوز وإنهم بذلك يدعون إلى الكفر، فيكون جوابهم أنهم يدعون إلى دولة «لا عسكرية»، وكأن هناك من يدعو إلى دولة عسكرية”.

ويستطرد الحنيطي «عندما نتحدث عن الديمقراطية يقولون إنهم يقصدون الشورى، لكن المصطلح واضح ويحمل مضامين محددة معينة، ويعني أن التشريع للشعب وللناس، وعندنا في الشريعة الإسلامية التشريع لله سبحانه وتعالى ولا يحق لأي إنسان أن يشرع مع الله، يكون ردهم أنهم يعنون بالديموقراطية الشورى، وهكذا السلوك السياسي عند الإخوان المسلمين، من الصعب أن يتم إمساكهم في مواقف محددة توضح ماذا يريدون فعلا، وهناك أيضاً تبادل الأدوار بين ما يسمى صقر أو حمامة، نقول لهم اتقوا الله فأنتم تمثلون وجهة نظر إسلامية وطرحاً إسلامياً، أساسه أن يكون تابعاً لقال الله وقال الرسول، نعم في السياسة هناك مجال للأخذ والرد والمرونة ولكن ليس على حساب العقيدة وعلى حساب الولاء والبراء وليس على حساب دماء الناس التي تسكب، الآن خذ نتيجة مواقفهم المائعة طارق الهاشمي وما شابه، سلموا العراق على طبق من ذهب لأتباع الآيات الشيعية، لماذا دخلت من الأصل هذه اللعبة التي أنت لست قادراً عليها».

رؤية الإخوان للجهاديين

في المقابل، يرى القيادي في جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، علي أبو السكر، أن بعض الجماعات تركز على جانب السياسي فقط وبعضها يركز على الجانب الفقهي فقط فيما يهتم الإخوان بالجانبين إذ لا يشغلهم اهتمامهم بالسياسة عن التركيز على الجانبين الروحي والتربوي.

وعن السلفيين الجهاديين يقول أبو السكر «بعض الجماعات تركز على الجانب الجهادي وتترك غيره مما يختص بالمجتمع، ومن بينهم السلفية، وهي بالمناسبة عدة اتجاهات، فهناك السلفية العلمية وهناك سلفية أخرى تسمي نفسها الجهادية، وهناك فرق كبير بينهما، حيث لا ترى السلفية العلمية أبداً الخروج على الحاكم ولا ترى بالعنف أبداً، بينما السلفية الجهادية ترى أنه لا يجوز السكوت على الظلم والطاغوت وما إلى ذلك وأنه ليس هناك من حل إلا من خلال التغيير وليس الإصلاح، وبعضها قد يشذ – وهي فئات قليلة- باتجاه النظرة إلى المجتمع حيث تصل إلى حد التكفير، وهذا ليس فكر الإخوان».

أما القيادي الشاب في إخوان الأردن، يمان غرايبة، فيمضي أكثر من ذلك، حيث يعتبر التنظيمات السلفية الجهادية مخترقة من قبل الدولة فهي تستفيد منها وتوظفها، حسب قوله. ويضيف “الدولة تربِّي بعضهم داخل السجون وتهيئهم وتوجه المتشددين منهم كما تريد، وتخرجهم تحت أنظارها إلى العراق وإلى أفغانستان وتجمع المعلومات عن طريقهم، الدولة لعبت دوراً رئيساً في تربية هذه الجماعات وتنشئتها”.

ويبني الإخوان المسلمون والسلفيون الجهاديون تعاملهم مع بعضهم بعضاً على أساس التوافق رغم الفروق بين المدرستين سياسياً وفكرياً ورغم ذهاب بعض الجهاديين إلى تكفير الإخوان كما أسلفنا الذكر. ويبدو هذا التوافق واضحاً في الحالة الأردنية، فبعد الإفراج عن القيادي المعروف في تيار السلفية الجهادية أبوسياف، قام عددٌ من قادة إخوان الأردن بزيارته، كما قام قادة آخرون من إخوان الأردن بنعي أسامة بن لادن عندما أُعلِنَ خبر مقتله العام الماضي.

ويبرز الكاتب سعد الحنيطي خلافاً آخر مع الإخوان حول مفهوم الجهاد «وهو مصطلح شرعي ولا يمكن أن يستخدم إلا ضمن الحدود الشرعية»، حسب قوله. ويضيف “هذا المصطلح عليه ضغوط كبيرة جداً من أجل إنهائه من قاموس المسلمين ودفعهم إلى استخدام ما يسمى بالطرق السلمية لتحصيل مطالبهم، لكن نحن وعلى خلاف الآخرين نرى أن ديار المسلمين مستعمرة، إما استعماراً مباشراً أو غير مباشر، ويجب أن يُستَخدَم الجهاد لتحرير هذه الأراضي من الاستعمار الذي قد يكون ناعماً في نظر العوام لكنه يمنع الأمة من تحقيق أهدافها ومن أن يكون لها قرار مشترك”.

ويتابع “من الواضح أن الإخوان يفضلون ما يسمى بالطرق السلمية، ونحن نختلف معهم على ذلك حيث إن حق المقاومة معترف به حتى عند الحيوانات، إذا دخلت بيت قط سيقاوم، وهو ما يعني أن هذا الحق ينبغي أن يكون محفوظاً ومقدراً ومحترماً عند البشر، عندما تصبح الأمة مستباحة وتراثها وعقيدتها مهددة، فإن حق المقاومة محفوظ، فالمسألة إذاً نابعة من التوصيف وعمقه، التوصيف العميق والحقيقي لما يجري ينتج أن الاستعمار هو الواقع”.

مراجعات الجهاديين في مصر وليبيا تنصف الإخوان المسلمين:

بدأت المراجعات بثلاثة أسطر ففي الخامس من يوليو من ال عام1997م وفي أثناء نظر القضية العسكرية رقم 335 فوجئ الحاضرون بتلاوة أحد أعضاء الجماعة الإسلامية المتهمين في القضية على الملأ وأمام الإعلام بياناً مذيلاً بتوقيع القادة التاريخيين للجماعة يدعون فيه أعضاءها إلى وقف “العمليات القتالية” وحقن الدماء وثبت فيما بعد أن مرتكبي حادث الأقصر لم يكونوا على علم بمبادرة قادتهم التي ظهرت في يوليو1997م بينما وقع الحادث في نوفمبر من العام نفسه.

وبعد مرور خمس سنوات تقريباً من إعلان المبادرة وفي يناير2002م سمحت الدولة المصرية بنشر أربعة كتب تتضمن الأساس النظري لتلك المبادرة شارك فيها ثمانية من القادة التاريخيين للجماعة الإسلامية ضمن سلسلة جديدة أطلق عليها اسم سلسلة “تصحيح المفاهيم” وقد حملت الكتب الأربعة العناوين التالية: مبادرة إنهاء العنف…. رؤية شرعية ونظرة واقعية، حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين، تسليط الأضواء على ما وقع في الجهاد من أخطاء، والنصح والتبيين في تصحيح مفاهيم المحتسبين.

وكانت للجماعة الإسلامية مصادر مكتوبة تشرح أفكارها وتوضح أهدافها -قبل المراجعات-وهي: ميثاق العمل الإسلامي، وكتاب أصناف الحكام وأحكامهم للشيخ عمر عبد الرحمن، بحث بعنوان “حكم قتال الطائفة الممتنعة عن شرائع الإسلام “وآخر هو “حتمية المواجهة”.

وخلاصة ما ورد في هذه المصادر أن الجماعة كانت ترى: تكفير الحاكم المبدل لشرع الله، ووجوب قتال الطائفة الممتنعة عن الإسلام، وجواز تغيير المنكر باليد لآحاد الرعية، وتحريم دخول البرلمان والأحزاب السياسية، وجوب العمل الجماعي.

وبعقد مقارنة بين الأفكار التي وردت في هذه المصادر وبين ما طرأ فيما حملته الكتب الأربعة نرى حجم التغيير الجذري والتحول الكبير الذي لحق بالمفاهيم والأفكار السابقة والذي يصل إلى حد إلغاء بعضها وإسقاط الآخر تماماً نورد بعضها فيما يلي على سبيل المثال: فقد ورد في كتب المراجعات أن للقتال موانع كلها في حقيقة الأمر تشير إلى أن الجهاد بالقوة المسلحة غير مطلوب في الظروف الراهنة بسند من الشرع ومن ثم فإن إعلانه يناقض الشرع، كما جاء فيها إن تصور أن الجهاد هو هدف في حد ذاته وذلك غير صحيح فرغم أنه من أعظم الأعمال وأيسر الطرق إلى رضوان الله وجنته إلا انه ليس هدفاً في حد ذاته وإنما هو وسيلة لرفع راية الدين وإعلاء كلمة الله تعالى فإذا لم يتحقق الجهاد وتتحقق من ثم غايته كان ممنوعا وإلا كان مع عدم تحقيقه الغاية منه غلوا و تشددا مذمومين في الشريعة.

كما قالت الجماعة إن من يقع في الكفر الأكبر المخرج من الملة سواءً كان حاكماً أو محكوماً لا يصح تكفيره إلا بعد إقامة الحجة الواضحة التي تم التأكد بمقتضاها من ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه.

وأوضحت الجماعة أن الحسبة كفريضة عظمى بالمعنى السالف حتى تؤتي أكلها الإصلاحية في المجتمع يجب أن تنضبط بضوابط الإخلاص والبعد عن الظن السيئ وعدم التجسس وستر المعصية على صاحب المعصية وألا يترتب عليها ضرر ولا ضرار وألا يحمل الناس على مذهب المحتسب والرفق.

وأضافت الجماعة أن تغيير المنكر باليد لا ينبغي أن يتسبب في مفسدة أعظم من منفعته فذلك غير متصور شرعاً ولا عقلاً فضلاً عما فيه من مضيعة للوقت والجهد ولأهداف الحسبة وذلك ما غفل عنه بعض الشباب المسلم فتربت عليه مفاسد مازالت آثارها قائمة.

ويتضح مما سبق أن المراجعات قد حملت تغييراً ملموساً وتحولاً واضحاً عن الأفكار ومن ثم الممارسات التي قامت بها الجماعة الإسلامية إبان فترة ظهورها وتواجدها في المجتمع المصري. وإذا دققنا في مراجعات جماعة الجهاد نجد أنها قد ظهرت في نوفمبر من ال عام2007م وجاءت تحت عنوان “وثيقة ترشيد العمل الجهادي” لسيد إمام الشريف أو الدكتور فضل أو عبد القادر عبد العزيز وهو أمير جماعة الجهاد المصرية السابق ويعد سيد إمام المنظر الأكبر للحالة الجهادية في العالم إذ يعتبر كتابيه “الجامع في طلب العلم الشريف “و”العمدة في إعداد العدة” بمثابة “مانفستو” الجماعات الجهادية العنيفة حول العالم

وإذا عقدنا مقارنة بين ما ورد في الكتابين والوثيقة لأدركنا مدى عمق التحول الفكري الكبير الذي تحمله الوثيقة والذي تمثل في نقد الأفكار النظرية ومن ثم الممارسات العملية أو ما يسمّى ب “العمليات الجهادية” التي قامت عليها. فعن الخروج على الحاكم يؤكد الدكتور فضل في وثيقته على عدم جواز الخروج على الحكام مستبعداً شبهة التكفير عنهم حتى لو رأينا كفراً بواحا منهم لما يترتب على الخروج من مفاسد أعظم من مفاسد عدم الخروج مستعرضاً كل حالات الخروج التي وقعت في التاريخ الإسلامي وما ترتب عليها من مفاسد، وقد انتقل فضل من مفهوم الحاكمية والتكفير بمعصية إلى إسباغ صفة الإسلام على المسلمين.

وعن الأقباط يسبغ إمام عليهم حكم المواطنة التي تسبغه عليهم الدساتير الوضعية ويشكل هذا الرأي عودة عنيفة عما سبق أن أورده في كتابيه إذ قال في الجامع “أن من قال بمبدأ المواطنة على طريقة الدساتير العلمانية الكافرة لا شك في كفره”. وقد كان يقصد بهذا الدكتور يوسف القرضاوي.

وعن الأجانب ذهب إلى عدم مؤاخذتهم على كفرهم الأصلي ومسامحتهم على ما يرتكبون من معاصي مشدداً على عدم جواز قتلهم في بلادهم أو بلادنا وعلى تحريم الاستيلاء على أموالهم بالطرق المعروفة.

وقد ألقى ظهور وثيقة أمام بحجر ثقيل في مياه الحركة الجهادية حول العالم وتراوحت ردود الأفعال بين التشكيك وعدم التصديق والرفض وعدم القبول، ويرجع الجدل الذي أثارته الوثيقة إلى كونها صادرة عن سيد أمام وهو الرجل ذو الثقل العلمي الكبير داخل التيارات الجهادية. فمن جانبه شن القيادي السابق في جماعة الجهاد المصرية هاني السباعي هجوماً حاداً على الوثيقة قائلاً إنها تفتقد إلى المصداقية لأنها وليدة القضبان الحديدية والإكراه والتعذيب أو الإكراه والترغيب.

وبالطبع لم يتأخر رد تنظيم القاعدة كثيراً فقد شن الرجل الثاني في التنظيم أيمن الظواهري هجوماً حاداً على الوثيقة وقال إنها تدعو الأمة إلى الصبر والانعزال والاستسلام، ووصل في هجومه إلى اتهام أصحاب المراجعات بالدعوة إلى “دين أمريكي جديد” ومد هجومه إلى قادة الجماعة الإسلامية ممطراً أصحاب المراجعات بوابل من الأوصاف السلبية مثل”المتراجعون”و”المتقهقرون”و”المتنازلون”. وأتبع هجومه الخطابي بإصدار كتاب يحمل اسم “التبرئة” ويقع في حوالي 200 صفحة وهو أول كتاب له منذ عام 2000م تناول فيه المراجعات بالنقد والتجريح مبيناً مدى ما تمثله من خطورة من وجهة نظره.

ومن جانبه رد أمام على الظواهري بهجوم مضاد أشد في وطأته وأنكى في اتهاماته ووصل إلى أقصاه بإصداره لكتابه “التعرية لما ورد في التبرئة” واصفاً الظواهري بالجهل وناعتاً إياه ب “الكذاب الدولي “والمخادع والانتهازي كما اتهمه بالعمالة للمخابرات السودانية في التسعينيات وحمّله مسؤولية إضاعة أفغانستان.

وإذا انتقلنا إلى مراجعات جماعة الجهاد نجد أنها قد ظهرت في نوفمبر من ال عام2007م وجاءت تحت عنوان “وثيقة ترشيد العمل الجهادي” لسيد إمام الشريف أو الدكتور فضل أو عبد القادر عبد العزيز وهو أمير جماعة الجهاد المصرية السابق ويعد سيد إمام المنظر الأكبر للحالة الجهادية في العالم إذ يعتبر كتابيه “الجامع في طلب العلم الشريف “و”العمدة في إعداد العدة” بمثابة “مانفستو” الجماعات الجهادية العنيفة حول العالم.

وإذا عقدنا مقارنة بين ما ورد في الكتابين والوثيقة لأدركنا مدى عمق التحول الفكري الكبير الذي تحمله الوثيقة والذي تمثل في نقد الأفكار النظرية ومن ثم الممارسات العملية أو ما يسمّى ب “العمليات الجهادية” التي قامت عليها.

أما في ليبيا فقد أصدر قادة الجماعة الليبية المقاتلة كتبا تحت عنوان: دراسات تصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة والحكم على الناس في سنة2010، والكتاب عن مراجعات الجماعة الليبية المقاتلة وعودته للطريق السوي، تم تسليمه إلى لجنة علمية ضمت علماء من داخل ليبيا وآخرين من خارج ليبيا، ففي الداخل تسلمها ستة من العلماء، منهم الصادق الغرياني، ود. حمزة أبو فارس، ود. سليمان البيرة، ود. عقيل حسن عقيل، ود. محمد أحمد الشيخ. وأما من خارج ليبيا فتسلم المراجعات كل من د. سلمان بن فهد العودة من السعودية، والشيخ محمد الشنقيطي من موريتانيا، ود. أحمد الريسوني من المغرب، نستعرض منه الفصول المتعلقة بموضوع الجهاد المسلح والخروج على الحاكم حيث جاء في الباب الرابع بعنوان “الجهاد في سبيل الله” وتستفيض الجماعة في تحديد معنى الجهاد لغة واصطلاحا، ويصنف كاتبو المراجعات مراتبه على أربع: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين”، وفيه إعادة اعتبار لجهاد النفس والشيطان بعد أن سبقهما خلال حقبة العمل المسلح جهاد الكفار والمنافقين. ومن قبيل إعادة النظر في الترتيب أيضا القول بأن مراتب جهاد الكفار والمنافقين تكون بالقلب واللسان والمال والنفس.

وتؤكد الجماعة في مراجعاتها على واقعية الإسلام التي تقوم عليها صلاحيته الدائمة في الزمان والمكان، فتقول بالنص: “الإسلام دين واقعي يعترف بأن الحرب جزء من الحياة البشرية، لكنه لا يدعو إلى استخدام العنف في التغيير والإصلاح يقول تعالى: “وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما”(الحجرات: 9) فالدعوة إلى الإصلاح هي الأصل، مع الكفار، فالكفر ليس مسوغا للقتل…. والذي سوغ الحرب القتالية في الإسلام هو العدوان، فعندئذ يصبح القتال مشروعا”.

ولأهميته الاستثنائية أفرد كتاب المراجعات قسما خاصا لـ “العمل المسلح بين الأمس واليوم”، وفي خروج عما مألوف بين التيارات السلفية (المقاتلة وغير المقاتلة) يؤسس كاتبو المراجعات مرجعية العمل المسلح على واقعة خروج الحسين بن علي على يزيد بن معاوية، فبعد “تولي يزيد بن معاوية أمر المسلمين من غير مشورة وظهور فسقه وظلمه، رام بعض أهل العلم والصلاح من أصحاب النبي وآل بيته والتابعين أن يلجأوا إلى السيف ليردوا الأمر إلى ما كان عليه من التقاء والصفاء على عهد النبي وخلفائه”. وهو في هذا يبرئ أيضا أهل السنة من ظلم الأمويين لأهل البيت، ولكن دون أن يحول الانتصار للحق وللأمة لانتصار ونزع الحق عن كل ما سوى أهل البيت.

مخاض التجربة المريرة:

وفي التفات لا يخلو من مراوغة – ومراوحة بين الجدوى والمشروعية – يستدرك كاتبو المراجعات: “ولقد أثبتت الأحداث التي توالت عقب خروج الحسين (سنة 63 هـ) ومعركة الحرة بالمدينة سنة 63 هـ، ومعارك ابن الأشعث (سنة 80 – 83). إلى اللجوء إلى السيف لإصلاح الخلل أو الانحراف لا يؤدي إلا إلى زيادة الكوارث وتتابع المآسي، ولا ينتج المقصود الذي توخاه أصحابه من ورائه، وأسهمت الدروس المريرة التي تجرعها القوم في ترسيخ تلك القناعة لديهم، وبعد أن رأى الناس تلك العواقب المريرة بعد فتنة الأشعث حمدوا مواقف الذين لم يشاركوا فيها ونهوا عنها الناس” فخبرة العمل المسلح منذ بواكيرها الأولى لم تأت بخير، كما لم تأت بخير كذلك محاولات التغيير عبر العمل المسلح مع الجماعات الجهادية المعاصرة، فالانتهاء الذي يبدو قاعدة أن التغيير بقوة لا يزيد إلا من التأكيد على رشادة اللاعنف.

وتؤكد الجماعة الإسلامية المقاتلة في مراجعاتها على أن هذه الأحداث أسهمت “في بدء تبلور قناعة وتشكل عقيدة لدى جماهير أهل السنة، لم تزدها الأيام إلا ثباتا ألا وهي: تحريم الخروج على أئمة الجور عدم اللجوء إلى السيف من أجل الإصلاح والتغيير والقبول بشيء من الخلل مع محاولة إصلاحه عن طريق الوسائل الشرعية السلمية كالنصح والأمر بالمعروف ونحوها دفعا لضرر أكبر وهو انفراط عقد الأمة وتسلط العدو عليها”.

فهل تحريم الخروج على الحاكم بالعمل المسلح حكم فقهي أم موقف عقائدي وهل يمكن أن يتأسس أي منهما على معطيات واقعية، وبعبارة أخرى، هل الواقع مصدر للتشريع؟ يبدو أن هذا ما انتهت إليه الجماعة المقاتلة في مراجعاتها وهو أن العمل المسلح موقف فقهي واجتهاد وليس موقفا عقديا كما أرادوا وأراد غيرهم في فترة سابقة، وهو قد انتهت المقاتلة في مراجعاتها.

ومما يضيفه كاتبو المراجعات في أسباب هذا التحريم هو “تحريم المشاركة في قتال الفتن بجميع أنواعها” فقد استفاض عن النبي “أحاديث تحرم الاشتراك في الفتن وتأمر باعتزالها وتنوعت العبارات النبوية وتباينت أساليبها تشديدا وتذيرا وزجرا وتنفيرا”.

وفي تناقض مع التأكيد السابق على أن الأمر محسوم شرعا بأحاديث الرسول، يلتفت كتاب المراجعات لحل إشكالية التناقض بين وجود هذه الأحاديث وصحتها وكثرتها وبين مواقف الصحابة في الفتنة الكبرى، فيؤكدون أنه “ما من شك أن دافع الصحابة كلهم رضي الله عنهم هو الاجتهاد ولكن هذا لا يمنع أن يكون منهم فاضل ومفضول وقد يكون اعتزال المعتزلين لعدم تبين الأمر لهم وقتال المقاتلين لقناعتهم بأن الحق في القتال” ولكن ما أثبته التاريخ واستبصاره هو أن من اعتزلوا الفتنة كانوا الأفضل اختيارا.

وتحت عنوان “المصادمات المسلحة داخل بلاد المسلمين” يقول كاتبو المراجعات إنه “سواء كان الهدف منها الخروج لغرض التغيير أو إنكار المنكرات المنتشرة بين أبناء المسلمين فإن وزن تلك الأمور بالميزان الشرعي الذي يلاحظ فيه مراعاة مقاصد الشريعة يظهر أن هذه الأمور معدودة من القضايا الكبرى سواء من ناحية المفاسد المترتبة عليها أو من ناحية المصالح التي يظن أنها تجلبها.

ولذلك فإن تقديرها ابتداء لا يكون إلا للمؤهلين من العلماء”. “أما المفاسد المترتبة على مثل هذه المصادمات فهي متعلقة بالكثير من مقاصد الشريعة والضروريات الخمس. . .. وهي لا تتعلق بجانب الفرد فقط. . .. ولكنها تتعلق بها بالنظر إلى مجموع الأمة أيضا، فإذا نظرنا إلى الضرورية الأولى (الدين) فإننا نرى أنها أورثت الكثير من المفاسد سواء على المستوى الداخلي للمجتمعات الإسلامية أو على المستوى الخارجي”.

ومن تأثيراتها الداخلية التضييق على الدعوة والدعاة، وغيبة البيئة المناسبة للعلم والدعوة، والتفكك الداخلي للأمة، وجرأة الأمم الأخرى على أهل الإسلام، (“دراسات تصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة والحكم على الناس”. وفي باب الأمر بالمعروف النهي عن المنكر يتوقف كتبا المراجعات أمام الحسبة كوسيلة من وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويفصلون في شرط “القدرة” فالقدرة تنتقص بالخوف من وقوع الأذى “فمن خشي على نفسه أن يلحقه أذى في إنكاره للمنكر أو أمره بالمعروف سواء كان في بدنه أو ماله أو يخشاه على أحد أقاربه فإنه يسقط عنه هذا الواجب لانتقاص القدرة”.

ومن أسباب انتقاص القدرة أيضا تشير المراجعات إلى أنه “إذا غلب على الظن عدم الاستجابة وهذا موضوع نظر بين العلماء” وعن درجة “جمع الأعوان وشهر السلاح في مقابلة المنكر” يقول كاتبو المراجعات: “قد أناط الفقهاء هذه الدرجة بالسلطان لما قد يترتب عليها من اقتتال وفتنة تفوق المنكر المحتسب فيه. . .. فإذا كان المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه لا يسوغ إنكاره وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم، فإنه أساس كل شر وفتنة”.

هذه المراجعات كلها وما اعتمدته من مبررات وأسباب ورؤى ووجهات نظر يقع في صلب نظرية الإخوان المسلمين في التغيير والإصلاح وهو إنصاف غير مباشر لفكر الإخوان المسلمين رغم ان هذه الجماعات الجهادية كفرت وفسقت واتهمت فكر الإخوان المسلمون بالتقاعس على القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله ،ولكن عمق فهم الإخوان المسلمون للإسلام ولاسيما ما تعلق بالجهاد والخروج على الحاكم جعل من مضمون هذه المراجعات التي قامت بها الجماعات الجهادية دليل عملي على سلامة وصحة وصوابية الفكر الذي يناضل من اجل ترسيخه الإخوان المسلمون.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *