الحركات الإسلاميةكتب إليكترونية

الجزء السادس : عبد الله عزام الفكر والحركة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

الداعية المجاهد عبد الله عزام رحمه الله، الذي أفنى حياته في نصرة المجاهدين الأفغان ضد الاستعمار الروسي، ببذل كل ما يستطيع من فكر وعمل وجهد وحركة وتجميع للمجاهدين من كل أصقاع العالم، لتحقيق هدف واحد ووحيد هو تحرير الأرض من القوات السوفيتية أفغانستان (1978-1989).

والموضوع الرئيس في هذا الجزء هو علاقة الشيخ عبد الله عزام بالجماعات الجهادية على المستوى الفكري والتنظيمي وكيف تطورت العلاقة وهل لسلوك الشيخ عبد عزام ونشاطه علاقة قرار وتنسيق مع تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، كيف يمكن قراءة تسابق القيادات الإخوانية على زيارة مراكز المجاهدين سواء كان ذلك في بيشاور أو في أفغانستان، وهل لذلك علاقة بما يقول به البعض اليوم أن كل الجماعات الجهادية لها علاقة بالإخوان على الأقل على المستوى السياسي والفكري أو كما قالت دراسة لمركز الحقيقة (الإخوان المسلمون والسلفية الجهادية تلاق في الأفكار وخلاف في التطبيق).

إن دراسة شخصية الشيخ عبد الله عزام على مستوى الفكر والممارسة سيقودنا إلى ملمح أساسي في نظرة الإخوان المسلمون إلى قضايا الأمة سيما عندما تتعرض إلى الاستعمار والغزو، وسنعرف الفرق الجوهري الذي تعرض إلى التشويه والتشويش الفكري والسياسي والإعلامي في نظرة بعض الباحثين الذين يضعون كل الجماعات الإسلامية في سلة واحدة ولاسيما بخصوص الموقف من الاستعمار والموقف من الجهاد.

سيد قطب وعبد الله عزام كحالتين يمثلان مدخلاً يمكن من خلاله تقصي حقيقة هذه العلاقة ومحاولة فهم أبعادها وتطوراتها ومن ثمَّ استنتاج تأثيرها على واقع الحركات الإسلامية الآن.

يضع الإخوان والسلفيون الجهاديون كلا من سيد قطب وعبد الله عزام في مكانةٍ مرموقة، يعتبر الإخوان، أو تيارٌ منهم، سيد قطب مرجعاً مهماً لهم، وكذلك السلفيون الجهاديون في أفغانستان وباكستان طبعا وللبعض الآخر رأي آخر سنعرفه في حينه.

كما يعتز الإخوان، وفي الأردن على وجه الخصوص، بعبدالله عزام الذي ترك بلادهم وتوجه إلى أفغانستان للقتال ضد الاحتلال السوفيتي، ويعتبر كثيرٌ من المراقبين لهذا الملف عزام أباً روحياً للقاعدة رغم أنه اغتيل قبل أعوام من نشوء التنظيم، وهو اغتيالٌ غامض طوى الكثير من أسراره، ومن بينها مقدار التواصل بينه وبين جماعة الإخوان في الأردن بعد أن قطع شوطاً كبيراً في العمل العسكري بأفغانستان.

وبحسب الخبير في الحركات الإسلامية، حسن أبو هنية، يعد الخط الإخواني القطبي (نسبة إلى سيد قطب) أحد أهم منابع الفكر السلفي الجهادي لإيضاحه ملامح هذا الخط في كتابه “معالم في الطريق”.

ويضيف أبو هنية «هذا الخط بدأ ينضج داخل الشق الإخواني ويتقارب مع نهج القاعدة كما في حالة الشيخ عبد الله عزام، فقد كان من الجناح القطبي في إخوان الأردن (كلام يحتاج إلى تدقيق تاريخي) ثم توجه لاحقاً إلى أفغانستان وأصبح الأب الروحي للجهاد بعد إنشائه مكتب الخدمات المعروف هناك عام 1984 وكان لأسامة بن لادن حضورا قويا في المكتب نظرا للخدمات التي كان يقدمها كرجل أعمال، وبقيا سويا حتى اغتيال عزام عام 1989.

ويوضح أبو هنية حسب تحليله أن السلفية الجهادية لها ثلاثة مصادر أساسية تمثل مرجعيتها الفكرية، الأول جاء من الخط القطبي في الإخوان، والثاني السلفية التقليدية، وأبرز ممثليها في الأردن كان أبو محمد المقدسي، كان في صغره قريب من الإخوان المسلمين وتحديدا من الجناح السروري المنسوب إلى محمد سرور زين العابدين، أما المصدر الثالث فهو السلفية المغربية، وأحد أبرز ممثليها هو أبو قتادة الفلسطيني.

 

أولاً: الشيخ عبد الله عزام الترجمة والتأثير والرؤية:

هو شخصية إسلامية يوصف بأنه رائد “الجهاد الأفغاني”، كان منتميا لجماعة الإخوان المسلمين، وكان شخصية محورية في تطوير الحركات الإسلامية المسلحة. أسس عبد الله عزام مدرسة فكرية وبنية تحتية شبه عسكرية كانت تركز على الصراعات الوطنية، الثورية والتحررية المنفصلة.

كانت فلسفة عزام في ترشيد الجهاد العالمي وتبني أسلوب عملي لضم وتدريب المسلحين المسلمين من أنحاء العالم قد أثمرت أثناء الحرب ضد الإحتلال السوفييتي في أفغانستان، وكانت مؤثرة تأثيرا حرجا على التطور اللاحق لحركة القاعدة العسكرية.

هو عبد الله يوسف عزام، ولد سنة 1941 في قرية سيلة الحارثية، في جنين بفلسطين، تربى في أسرة ريفية متدينة، في كنف والده الوقور يوسف عزام. وتلقى علومه الابتدائية والإعدادية في مدرسة القرية، وبدأ دراسته الثانوية في مدرسة جنين الثانوية ولم يمكث فيها طويلاً حيث قبل للدراسة في المدرسة الزراعية الثانوية(خضورية)في مدينة طولكرم. وحصل على شهادتها بدرجة امتياز عام 1959.

تنقل عبد الله عزام وهو طفل بين مرابع القرية، وكان يرى أمام ناظريه سهول مرج ابن عامر الذي اغتصبه اليهود عبر المؤامرات الدولية، فأخذ يهيئ نفسه ويعدها إعداداً إيمانياً، فكان منذ صغره محافظاً على الصلوات، دائباً على تلاوة القرآن، كما كان ملازماً لمسجد القرية.

عاش عبد الله عزام منذ يفاعته في سيلة الحارثية مع الأستاذ شفيق أسعد، الذي كان يتولى رعاية مجموعة من أبناء القرية، يربيهم على أخلاق وأفكار ومبادئ دعوة الإخوان المسلمين، فكان الشيخ عبد الله عزام في أوائل الدعاة في القرية.

كما تعرف الشيخ عبد الله في مدينة جنين على الداعية المربي الشيخ فريز جرار، الذي كان هو والأستاذ شفيق أسعد من أنشط الدعاة في تلك الفترة تربية للشباب، وأكثرهم عقداً للندوات والمحاضرات في مركز الجماعة في مدينة جنين، وأخذ عبد الله عزام يكثر من زيارة مركز الجماعة ويحضر الندوات واللقاءات التي كان يشرف عليها الشيخ فريز جرار، حتى أصبح من أكثر الشباب نشاطاً ومشاركة في هذه اللقاءات، وأخذ يكثر من الجلوس إلى الشيخ فريز ويصحبه في أكثر الجولات.

بعد حصوله على شهادة (خضورية) الزراعية تم تعيينه معلماً في قرية أدر بمنطقة الكرك جنوب الأردن، وبقي فيها سنة واحدة، حيث نقل إلى مدرسة برقين الإعدادية بالقرب من مدينة جنين.

سكن عبد الله مع أخوين له في الدعوة غرفة في دار الجماعة، فكانت له فرصة طيبة لممارسة ألوان متعددة من النشاط الفكري والتربوي والرياضي… كما كان كثير المطالعة لكتب الدعوة وخاصة كتب الإمام حسن البنا وعبد القادر عودة وسيد قطب ومحمد قطب.

تابع عبد الله عزام دراسته الجامعية في كلية الشريعة بجامعة دمشق، ونال منها شهادة الليسانس في الشريعة بتقدير جيد جداً سنة 1966، وفي دمشق التقى مع بعض علماء الشام فتتلمذ عليهم وصاحبهم.

كان للشيخ عبد الله خمسة أولاد ذكور وهم: محمد نجله الأكبر الذي ذهب إلى ربه شهيداً مع والده وعمره 20عاماً، وكذلك ولده إبراهيم الذي استشهد وعمره 15عاماً، وحذيفة وحمزة ومصعب. ومن الإناث: فاطمة ووفاء وسمية.

بعد عام 1967، وسقوط الضفة الغربية وقطاع غزة في أيدي اليهود، دخل اليهود سيلة الحارثية، وحاول عبد الله عزام مع مجموعة من الشباب من أهل القرية الوقوف في وجه الدبابات الإسرائيلية، فنصحهم أهل القرية بالتريث لأنه ليس بمقدورهم ذلك.

فخرج عبد الله عزام مشياً على الأقدام مع غيره من أهل القرية إلى الأردن، ولكن خروج عبد الله عزام من بلده ما زاده إلا عزماً وتصميماً على الجهاد في سبيل الله، فبدأت فكرة التدريب على السلاح للوقوف في وجه اليهود تلح عليه.

وكان الشيخ عبد الله عزام من أوائل التشكيلات الإسلامية التي انضوت مع حركة فتح للتدريب على الجهاد. قرن الشيخ عبد الله عزام جهاده وتدريبه بانتسابه إلى جامعة الأزهر في مصر لدراسة الماجستير في أصول الفقه.

حصل الشيخ على الماجستير في عام 1969. وقد اشترك الشيخ في تلك الفترة بعدة عمليات جهادية كان أشهرها معركة الحزام الأخضر عام 1969 ومعركة 5 حزيران سنة 1970.

وقد تكبد اليهود في هذه المعارك أعداداً كبيرة من القتلى إلا أن شباب الحركة الإسلامية لم يحاولوا أن ينسبوا هذه العمليات إليهم لأنهم يجاهدون في سبيل الله لا من أجل اكتساب شعبية أو الحصول على الثناء.

وفي عام 1971 ذهب الشيخ إلى مصر لتحصيل درجة الدكتوراه وحصل عليها في عام 1973، وفي مصر وجد الشيخ لنفسه مهمة جهادية أخرى هي مد يد المساعدة لأسر المعتقلين من الإخوان على الرغم من مضايقة المخابرات المصرية له. ولما عاد الشيخ عبد الله عزام إلى الأردن عمل مسؤولاً لقسم الإعلام بوزارة الأوقاف، فكان له الفضل في تنشيط المساجد والوعاظ حيث طعم القسم بطاقات شابة قادرة على الدعوة، وأصدر نشرات لنشر الوعي الإسلامي.

ثم عمل مدرساً وأستاذاً بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية مدة سبعة أعوام من عام(1973-1980)، عمل فيها في مجال الدعوة والتدريس، وكان متميزاً بطريقته وأسلوبه في الدعوة إلى الله، ولذلك كان كثيرا من الشباب خارج الجامعة يحرصون على حضور محاضراته، وكان له الفضل في فصل البنات عن البنين في المحاضرات.

كان الشيخ في هذه الأثناء على اتصال دائم مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عن طريق اتحاد الطلبة المسلمين حيث كانوا يوافونه بأخبار الجهاد أولاً بأول.

وكان يعد الشباب الذين لديهم التصاريح ويستطيعون الذهاب إلى فلسطين، ويرسلهم بعد الإعداد وينصحهم بأن يبقوا في فلسطين وينضموا إلى المجاهدين هناك، وكان كثيراً ما يجمع التبرعات أثناء جولاته في المدن العربية باسم الجهاد في فلسطين ويدعو الله دائماً أن يجعل له سبيلاً وطريقاً للجهاد في فلسطين من أجل تحرير مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كان الشيخ عبد الله عزام شخصية فريدة من نوعها، وقد استطاع أن ينشر أفكاره في صفوف الطلبة والطالبات في مختلف كليات الجامعة. وفي عام 1981 سافر إلى السعودية للعمل في جامعة الملك عبد العزيز في جدة، ثم طلب العمل في الجامعة الإسلامية بإسلام أباد في باكستان قريباً من الجهاد الأفغاني، فانتدب لهذا العمل، وعندما اقترب من المجاهدين الأفغان وجد ضالته المنشودة وقال: (هؤلاء الذين كنت أبحث عنهم منذ زمن بعيد).

 

ثانياً: جهاد الشيخ عبد الله عزام في أفغانستان:

بدأ الشيخ عبد الله عزام عمله الجهادي في أفغانستان عام 1982 باستقبال القادمين للجهاد من الشباب العرب، ثم قام في عام 1984 بتأسيس مكتب خدمات للمجاهدين وتفرغ له. ليكون مؤسسة إغاثية جهادية متخصصة بالعمل داخل أفغانستان وقد ساهم هذا المكتب في:

1ـ نقل قضية الجهاد الإسلامي في أفغانستان إلى قضية إسلامية عالمية، والعمل على إيقاظ الهمم واستنفار المسلمين في أرجاء العالم للوقوف بجانب هذا الجهاد.

2ـ التعريف بقضية الجهاد عن طريق مجلة الجهاد، ونشرة لهيب المعركة والكتب والمنشورات التي كان يصدرها الشيخ عبد الله عزام في باكستان، بالإضافة إلى خطبه في المساجد والمحاضرات المتخصصة التي كان يلقيها للتحريض على الجهاد، وتصوير بطولات المجاهدين إلى العالم أجمع حيث كان النافذة التي يطل الأفغان من خلالها إلى العالم.

3ـ في ميدان التربية والتعليم: إقامة الدورات التدريبية لقادة الجهاد، فتح المدارس داخل الخنادق، وإقامة المراكز التربوية في أرض المعركة، فتح دور القرآن الكريم تحت قصف المدافع، وطباعة الكتب، فقد طبع أربعمائة ألف نسخة من القرآن الكريم في سنة 1988 وأدخل معظمها إلى المدارس في أفغانستان.

4ـ تزويد القوافل وترحيلها وتجهيز الجبهات.

5ـ الاعتناء بضحايا الحرب وجرحاها: بإنشاء خمس مستشفيات في داخل أفغانستان (جاجي، تخار، غزني، فارياب، بنجشير، بالإضافة إلى تأسيس مستشفى مكة المكرمة والمختبر المركزي وعيادة الطب الطبيعي).

6ـ إيقاف سيل الهجرة المتدفق: بكفالة العلماء والقادة الذين يحرضون على الجهاد بين الحمم المتساقطة.

7ـ العناية بأبناء الشهداء وذلك بفتح قسم كفالة الأيتام والأرامل في داخل أفغانستان، وبناء دور للأيتام.

8ـ رفع معنويات الأخوة المجاهدين الأفغان.

9ـ انصهار الطاقات الجهادية في بوتقة إسلامية: عربيها وأفغانيها.

10ـ تشكيل لجنة العلماء لإصدار الفتاوى واستنهاض الهمم ودحض الآراء الفاسدة.

ولقد كان الشيخ عبد الله عزام من أوائل السباقين للجبهة يقدم الشباب ويقدم نفسه أمامهم قدوة لهم في الإقدام والتضحية، استشهد الشيخ عبد الله عزام في مدينة بيشاور في باكستان، حيث يقطن وعائلته رحمه الله بتاريخ 24/11/ 1989 في أثناء توجهه لتأدية صلاة الجمعة عندما تعرضت سيارته لانفجار مروع دبرته يد الغادرة استهدفت تحريف الجهاد الأفغاني والحيلولة دون اجتماع كلمة المجاهدين الذين كانوا ينتمون إلى أحزاب وجماعات متعددة -وكان لعبد عزام جهد كبير في ربط العلاقات بينهم-، مما أدى إلى استشهاده مع ولديه (محمد وإبراهيم) الذين تناثرت أشلاؤهم على مساحة واسعة حول السيارة التي انشطرت إلى قسمين من قوة الانفجار.

الشهيد عبد الله عزام خاض تجربة رائدة في العمل الإسلامي الجهادي… ومن خلال هذه التجربة اكتسب عمقاً بعيداً في الجهاد، وقدم تراثاً ضخماً ليكون زاداً للأجيال، نذكر من هذا التراث الكتب التالية: الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان، إلحق بالقافلة، في الجهاد آداب وأحكام، عبر وبصائر للجهاد في العصر الحاضر، جهاد شعب مسلم، بشائر البصر، حماس (الجذور التاريخية والميثاق)، كلمات من خط النار الأول الجزء الأول، جريمة قتل النفس المؤمنة، في خضم المعركة.

 

ثالثاً: عزام يختصر فكره ورؤيته للجهاد:

لمعرفة عمق الفكرة التي كان الشيخ عبد الله عزام يناضل من أجلها وقدم روحه في سبيلها كما كان يعتقد دائما من خلال أقوال وتصريحات مواقف يمكن تلخيصها في المقاطع التالية:

1ـ إن الأبطال الحقيقيين هم الذين يخطون بدمائهم تاريخ أممهم ويبنون بأجسادهم أمجاد عزتها الشامخة.

2ـ لقد رأيت أن أخطر داء يودي بحياة الأمم هو داء الترف الذي يقتل النخوة ويقضي على الرجولة، ويخمد الغيرة ويكبت المروءة.

3ـ لقد عودتنا التجارب أن نرى التكالب العالمي على كل قضية إسلامية تقترب من النصر، أو على كل داعية أصبح شامة في جبين الدهر.

4ـ الجهاد بالنفس ضرورة حياتية للمسلم ليتحرر من الخوف والوهم والرعب الذي يغتصب به الطواغيت حقوق الأمم.

5ـ إن البشر لا يملكون إزاء القدر رداً، ولا يبني الأمم إلا الجماجم والأجساد.

6ـ الشهداء هم الذين يخطون تاريخ الأمم، لأن تاريخ الأمم لا يخط إلا بالعرق والدم.

7ـ الشهداء هم الذين يحفظون شجرة هذا الدين من أن تضمحل أو تذوي، لأن شجرة هذا الدين لا تروى إلا بالدماء.

8ـ المسلم أعز ما يكون حينما يكون مجاهداً في سبيل الله.

وقد جاء في الوصية الجامعة تعبير صريح عن فكر الشهيد عبد الله عزام بقلمه ننقله كما هو للأمانة العلمية (نشرت هذه الوصية يوم الثلاثاء: 13 شعبان 1406هـ، الموافق: 22 أبريل 1986): “إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا.

لقد ملك حب الجهاد على حياتي ونفسي ومشاعري وقلبي وأحاسيسي، إن سورة التوبة بآياتها المحكمة التي مثلت الشرعة النهائية للجهاد في هذا الدين وإلى يوم الدين، لتعتصر قلبي ألما وتمزق نفسي أسى وأنا أرى تقصيري وتقصير المسلمين أجمعين تجاه القتال في سبيل الله.

إن آية السيف التي نسخت قبلها نيفا وعشرين آية أو أربعين آية بعد المائة من آيات الجهاد لهي الرد الحاسم والجواب الجازم لكل من أراد أن يتلاعب بآيات القتال في سبيل الله أو يتجرأ على محكمها بتأويل أو صرفها عن ظاهرها القاطع الدلالة والقطعي الثبوت.

وآية السيف (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين)، أو آية: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم).

إن التبرير للنفس بالقعود عن النفير في سبيل الله، وإن تعليل النفس بعلل تخدر مشاعرها فترضى بالقعود عن القتال في سبيل الله لهو ولعب، بل اتخاذ دين الله لهوا، ولعبا ونحن أمرنا بالإعراض عن هؤلاء بنص القرآن (وذر الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا…).

إن التعلل بالآمال دون الإعداد لهو شأن النفوس الصغيرة التي لا تطمح آن تصل إلى القمم ولا أن ترقى إلى الذرى:وإذا كانت النفوس كبارا *** تعبت من مرادها الأجسام.

إن الجوار في المسجد الحرام وعمارته لا يمكن أن يقاس بالجهاد في سبيل الله، وفي صحيح مسلم أن آية: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الأخر وجاهد في سبيل الله لا يستون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون * يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم، خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم).

هذه الآيات نزلت عندما اختلف الصحابة في أفضل الأعمال بعد الإيمان فقال أحدهم عمارة المسجد الحرام، وقال آخر: بل سقاية الحجيج. وقال الثالث: بل الجهاد في سبيل الله. فهذه الآيات نص في المسألة أن الجهاد في سبيل الله أعظم من عمارة المسجد الحرام، وخاصة أن صورة سبب النزول هي خلاف الصحابة حول هذه المسألة. وصورة سبب النزول لا يجوز تخصيصها ولا تأويلها لأن معناها قاطع في النص.

ورحم الله عبد الله بن المبارك إذا يرسل إلى الفضيل بن عياض:

يا عابد الحرمين لو أبصرتنا      لعلمت أنك بالعبادة تلعب

من كان يخضب خده بدموعه       فنحورنا بدمائنا تتخضب

أرأيت قول الفقيه المحدث ابن المبارك للفضيل: أنه يرى أن جوار الحرم والعبادة فيه في الوقت الذي تنتهك فيه الحرمات وتسفك الدماء وتستباح الأعراض ويجتث فيه دين الله من الأرض، أقول يراه لعبا بدين الله.

نعم… إن ترك المسلمين في الأرض يذبحون ونحن نحوقل ونسترجع ونفرك أيدينا من بعيد دون أن يدفعنا هذا إلى خطوة واحدة تقدمنا نحو قضية هؤلاء لهو ولعب بدين الله ودغدة لعواطف باردة كاذبة طالما خدعت النفس التي بين جنباتها. كيف القرار وكيف يهدأ مسلم والمسلمات مع العدو المعتدي.

إني أرى كما كتبت في كتاب (الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان)، كما يرى شيخ الإسلام ابن تيمية من قبلي: “والعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا ليس أوجب بعد الإيمان من دفعه”.

إني لا أراي والله أعلم أي فرق اليوم بين تارك القتال في سبيل الله وبين تارك الصلاة والصيام والزكاة.

إني أرى أن أهل الأرض جميعا الآن أمام مسؤولية عظيمة أمام رب العالمين ثم بين يدي التاريخ.

إني أرى أنه لا يعفى عن مسؤولية ترك الجهاد شيء سواء كان ذلك دعوة أو تأليفا أو تربية أو غير ذلك.

إني أرى أن كل مسلم في الأرض اليوم منوط في عنقه تبعة ترك الجهاد القتال في سبيل الله وكل مسلم يحمل وزر ترك البندقية، وكل من لقى الله غير أولي الضرر دون أن تكون البندقية في يده فإنه يلقى الله آثما لأنه تارك القتال. والقتال الآن فرض عين على كل مسلم في الأرض غير المعذورين وتارك الفرض آثم لأن الفرض: ما يثاب فاعله ويحاسب أو يأثم تاركه.

إنني أرى والله أعلم أن الذين يعفون أمام الله بسبب تركهم الجهاد هم الأعمى والأعرج والمريض والمستضعفون من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، أي لا يستطيعون الإنتقال إلى أرض المعركة ولا يعرفون الطريق إليها.

والناس كلهم آثمون الآن بسبب ترك القتال، سواء كان القتال في فلسطين أو في أفغانستان أو أية بقعة من بقاع الأرض التي ديست من الكفار ودنست بأرجاسهم.

وإني أرى أن لا إذن لأحد اليوم في القتال والنفير في سبيل الله، لا إذن لوالد على ولده، ولا لزوج على زوجته، ولا لدائن على مدينه، ولا لشيخ على تلميذه ولا لأمير على مأموره. هذا إجماع علماء الأمة جميعا في عصور التاريخ كلها: أنه في مثل هذه الحالة يخرج الولد دون إذن والده، والزوجة دون إذن زوجها، ومن حاول أن يغالط في هذه القضية فقد تعدى وظلم، واتبع هواه بغير هدى من الله.

قضية حاسمة واضحة لا غبش فيها ولا لبس، فلا مجال لتمييعها ولا حيلة لأحد في التلاعب فيها وتأويلها. إن أمير المؤمنين لا يستأذن في الجهاد في حالات ثلاث:إذا عطل الأمير الجهاد، وإذا فوت الإستئذان المقصود، إذا علمنا منعه مقدما.

إنني أرى أن المسلمين اليوم مسؤولون عن كل عرض ينتهك في أفغانستان وعن كل دم يسفك فيها. إنهم والله أعلم مشتركون في دماءهم بسبب تقصيرهم لأنهم يملكون أن يقدموا لهم السلاح الذي يحميهم، والطبيب الذي يعالجهم والمال الذي يشترون به الطعام، والحفارة التي يحفرون بها الخنادق.

وقد جاء في حاشية الدسوقي الشرح الكبير (2/111-112):

(أن من كان يملك فضل طعام ورأى جائعا وتركه حتى مات فإن كان صاحب الطعام متأولا يظنه لا يموت فإنه يدفع ديته من عاقلته أقاربه وإن كان عامدا فقد جاءت روايتان في المذهب: إحداهما أنه يدفع ديته من ماله الخاص، والرواية الثانية أنه يقتص منه لأنه قاتل).

فأي حساب وأي عقاب ينتظر أصحاب الثروات والأموال التي تهدر على الشهوات وتراق عبثا على الأهواء والكماليات.

فيا أيها المسلمون: حياتكم الجهاد، وعزكم الجهاد، ووجودكم مرتبط ارتباطا مصيريا بالجهاد.

يا أيها الدعاة: لا قيمة لكم تحت الشمس إلا إذا امتشقتم أسلحتكم وأبدتم خضراء الطواغيت والكفار والظالمين. إن الذين يظنون أن دين الله يمكن أن ينتصر بدون جهاد وقتال ودماء وأشلاء هؤلاء واهمون، لا يدركون طبيعة هذا الدين.

إن هيبة الدعاة وشوكة الدعوة وعزة المسلمين لن تكون بدون قتال، ” ولينزعن الله من قلوب أعدائكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن “، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: (حب الدنيا وكراهية الموت)، وفي رواية: (وكراهية القتال)، (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحر ض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا).

إن الشرك سيعم ويسود بدون قتال (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)، والفتنة هي الشرك.

إن الجهاد هو الضمان الوحيد لصلاح الأرض: (ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض).

إن الجهاد هو الضمان الوحيد لحفظ الشعائر وبيوت العبادة (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا).

يا دعاة الإسلام:

إحرصوا على الموت توهب لكم الحياة ولا تغرنكم الأماني ولا يغرنكم بالله الغرور، وإياكم أن تخدعوا أنفسكم بكتب تقرأونها، وبنوافل تزاولونها، ولا يحملنكم الإنشغال بالأمور المريحة عن الأمور العظيمة (وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم…)، ولا تطيعوا أحدا في الجهاد: لا إذن لقائد في النفير إلى الجهاد، إن الجهاد قوائم دعوتكم وحصن دينكم وترس شريعتكم.

يا علماء الإسلام: تقدموا لقيادة هذا الجيل الراجح إلى ربه، ولا تنكلوا وتركنوا إلى الدنيا وإياكم وموائد الطواغيت، فإنها تظلم القلوب وتميت الأفئدة وتحجزكم عن الجيل وتحول بين قلوبهم وبينكم.

يا أيها المسلمون: لقد طال رقادكم، واستنسر البغاث في أرضكم، وما أجمل أبيات الشاعر:

طال المنام على الهوان            فأين زمجرة الأسود

واستنسرت عصب البغاث           ونحن في ذل العبيد

قيد العبيد من الخنوع             وليس من زرد الحديد

فمتى نثور على القيود             متى نثور على القيود

وقد وجه أيضا رسالة في نفس الوصية إلى النساء والأطفال ثم إلى زوجته وأبنائه، وأما مكتب الخدمات الذي كان يسيره فقال له: على الإخوة أن يحفظوا لأهل السابقة سابقتهم وكل مجاهد وسابقته في هذا المضمار، واحفظوا للإخوة القدماء قدرهم خاصة الإخوة أسامة وأبا الحسن المدني ونور الدين وأبا الحسن المقدسي وأبا سياف وأبا برهان، وأما أبا مازن فلقد خبرته فوجدته أطهر من ماء السماء، صواما قواما غيورا على الجهاد: ولقد ساقه الله هدية إلى الجهاد فخدم بصمت وكان أحد أعمدة الجهاد. وتغاضوا عن زلاتهم، واحفظوا لهم مكانتهم، ولا تنسوا فضل الأخ أبي الحسن المدني ودوره في خدمة الجهاد، وتقبلوا نصائح أبي هاجر وليصل بكم فإن فيه رقة وخشوعا.

وادعوا كثيرا لمن تكفل هذا المكتب بماله الخالص الأخ أبو عبد الله أسامة بن محمد بن لادن، أدعو الله أن يبارك له في أهله وماله ونرجوا الله أن يكثر من أمثاله، ولله أشهد أني لم أجد له نظيرا في العالم الإسلامي، فنرجو الله أن يحفظ له دينه وماله وأن يبارك في حياته. ولا تنسوا أن أبا حذيفة قد كفل كثيرا من أعمال المكتب بماله الخاص فأدعو الله له كثيرا وكان عمود الخيمة للمكتب.

وأما الأحزاب الجهادية: فاهتموا كثيرا بسياف وحكمتيار ورباني وخالص. لأننا نأمل منهم مسيرة الجهاد وأن يحفظوا مسيرته من الإنحراف ولا تنسوا القادة في الداخل خاصة جلال الدين وأحمد شاه مسعود وإنجنير بشير وصفي الله أفضلي ومولوي أرسلان وفريد، ومحمد علم وشير علم/بغمان، وسيد محمد حنيف لوجر.(انتهت وصية الشهيد عبد الله عزام).

من جهته يرى القيادي الشاب في جماعة إخوان الأردن، يمان غرايبة، في عبد الله عزام قياديا إخوانيا ومنظِّرا معروفا للحركة الإسلامية في الأردن. ويعود الغرايبة إلى الوراء قليلاً قائلاً ” فكرة إقامة دولة الإسلام اعتنقها عددٌ من الإخوان من بينهم عبد الله عزام ووقع اختيارهم على أفغانستان، وتمت مناقشة الموضوع داخل الحركة الإسلامية في الأردن فرأت القيادة عدم السير في تلك الرؤية مع ترك الباب مفتوحاً لمن يرغب في الذهاب، وكان من بين هؤلاء الشيخ عزام”.

لكن حسن أبو هنية الباحث الأردني يعتبر أن هناك تشوشاً فكرياً داخل جماعة الإخوان، ويقول “هم في حلقاتهم في الشُعبِ والأسر ما زالوا ينتهجون النظام التقليدي في التعليم، والذي أرساه حسن البنا، لكنهم بعد عام 2000 دخلوا في مراجعات فكرية نتج عنها وثيقة الإصلاح التي اعتمدها إخوان مصر في 2004 ثم استنسختها الجماعة في الأردن بعدها بعام، وهي عبارة عن مبادرة إصلاح سياسي أطلقتها الجماعة وتناولت فيها رؤيتها للعمل العام وحقوق الأقليات والحريات العامة وبدت فيها أكثر انفتاحا على الآخر”.

ويشير أبو هنية إلى عدم إنتاج جماعة الإخوان مفكرين يمكن أن يشكلوا مرجعيات بعد حسن البنا وعبد القادر عودة وحسن الهضيبي وسيد قطب «بالتالي من المنطقي أن يعود شباب الإخوان إلى المرجعيات الكبرى، لأن الجماعة باتت تفرز طبقة تكنوقراط، مهندسين وأطباء وما شابه، انظر إلى مصر مثلاً، المهندس محمد مرسي والطبيب عبدالمنعم أبو الفتوح، هم خريجو كليات تطبيقية وليس كليات اجتماعية أو مختصة بالعلوم الإنسانية، وهذا ما سبب مشكلة كبيرة لدى الإخوان، وهؤلاء التقنيون من السهل أن يذهبوا إلى الجماعات الجهادية لأنهم ليسوا منتجي أفكار، ومعظم قادة القاعدة هم من التقنيين، ابن لادن تخصص في الاقتصاد مثلاً، والظواهري طبيب، التقنيون قد ينزلقوا إلى القاعدة»، حسب قوله.

وعن مصير هذا الاختلاف بين الخط القطبي وخط حسن الهضيبي الأكثر اعتدالاً وتأنياً، يعلق أبو هنية “في حركة الإخوان سيبقى الاتجاهان ولن يقضي أحدهما على الآخر، سيبقى الاتجاه الراديكالي القطبي وسيبقى الاتجاه السلمي الهضيبي، لن تحصل انشقاقات داخل الجماعة، ولكن قد يخرج أفراد منها إلى السلفية الجهادية، قادة الإخوان في الأردن عموماً من الجناح القطبي، همام سعيد مثلاً، سلفي، ومحمد أبو فارس، أيضاً سلفي، وبالتالي شخصيات مثل رحيل الغرايبة وعلي أبو السكر، وهم غير سلفيين، أقل تأثيراً داخل الجماعة بسبب المرجعيات الفكرية”.

ويبقى الرجلان، سيد قطب وعبد الله عزام، مثالا على التداخل على صعيد الفكر في حالة سيد قطب، وعلى صعيد الممارسة في حالة عبد الله عزام، بين جماعة الإخوان المسلمين من ناحية، والسلفية الجهادية من ناحية أخرى.

غير أن الشهيد عبد الله عزام وكما يقول ابن شقيقته محمود سعيد عزام في كتابه (شيخي الذي عرفت، شركة إبداع سلسلة قادة معاصرون /162/168) (29)”وفضلا عن الأساليب التي كان يصر عليها الشيخ، التي كان لا يقبل من اتباعه وتلاميذه الخروج عنها، وهي أساليب تتعلق بعلاقة المجاهدين العرب بالأفغان، وفي مهمتهم داخل أفغانستان، ومن هذه الثوابت التي كان ينطلق منها الشيخ:

أولا: كان الشيخ عبد الله يرى عدم تجمع المجاهدين العرب في أماكن محددة، وفي معسكرات ثابتة في داخل الجبهات في أفغانستان، ورؤية الشيخ عبد الله في ذلك:

أ-أن المجاهدين العرب أعدادهم قليلة، فاذا تجمعوا في مكان ثابت صاروا هدفا محققا للشيوعيين، وبضربة واحدة قد تقتل منهم أعدادا كبيرة، ويكون العرب قد خسروا جزءا كبيرا من قوتهم وتواجدهم بين الأفغان، وليس من السهولة تعويضهم.

ب-أن الهدف الأول والأساسي من وجود العرب بين الأفغان هو التربية وتعليم القرآن واللغة العربية، وأداة فريضة القتــال في سبيل الله والإصلاح بين المجاهدين، وتثبيت الأفغان في بلادهم وجبهاتهم، فحينما يرون العربي القادم من بلاد بعيدة لنصرتهم حينها يستحيي الأفغاني ترك جبهته أو الفرار من المعركة، فاذا تجمع العرب في جبهة واحدة ومكان واحد تقلص هذا الهدف وتلاشى، وربما انعدم بالكلية.

ثانيا: كان الشيخ عبد الله يرى ان المجاهدين العرب جاؤوا لمساعدة الأفغان ومحاولة توحيدهم أو تخفيف خلافاتهم على الأقل، ولا ينبغي ان نكون عاملا مساعدا على خلافهم، أو طرفا في الخلافات الحزبية بينهم، وبالتالي يحرم قطعا القتال في صف مع حزب جهادي ضد حزب جهادي أخر، فكلهم مسلمون ومجاهدون، واي تبرير للوقوف في صف ضد صف آخر غير مقبول حسب وجهة نظر الشيخ يومها.

ثالثا: أن المجاهدين العرب جاؤوا لدعم المجاهدين الأفغان ومساعدتهم فلا يجوز لهم ان يقوموا باي عمل من شانه ان يضر بهؤلاء القوم الأفغان الغارقين في عذابهم ومشاكلهم وابتلاءاتهم، أو أي عمل يسبب لهم حرجا مع العالم الذي يدعمهم، خاصة وهم لا يحتملون مصائب جديدة من أي طرفِ كان.

وكان الشيخ يرى أن أي عمل مسلح ضد الدول الأخرى منطلقا من الأراضي الأفغانية سوف يسبب ضربة موجعة للجهاد الأفغاني ويحمل القوم تكاليف باهظة ليسوا يومها على استعداد لدفعها، وبالتالي قد تضيع ثمار الجهاد الذي ضحى الأفغان بالغالي من اجل تحقيق أهدافه، خاصة وان الجهاد الأفغاني يومها كان يمر بمراحل صعبة ومؤامرات متتالية من القريب والبعيد، بعد أن صار الغرب يطلق صفارات الإنذار من نتائج هذا الجهاد، الذي كان يقترب من تحقيق أهادفه يوما بعد يوم، فكان الغرب وأعوانه يحاولون وضع العصي في الدواليب، وإلقائها العراقيل أمامه، فكان أي عمل مسلح خارج أفغانستان من طرف الأفغان أو العرب الذين يعيشون في ظلهم بمثابة الورقة الرابحة بيد من يحاولون إحباط هذا الجهاد.

هذه بعض الثوابت التي كان الشيخ عبد الله ينطلق منها ويصر عليها، ويعلمها لتلاميذه في رسائله وكتاباته وخطبه وجلساته بينهم

لكن الشيخ أسامة وقع تحت تأثير بعض المتسرعين والمتهورين الذين يريدون قطف الثمار قبل نضجها فاقتنع بآرائهم وخالف وجهة نظر الشيخ، فقرر أن يبدأ عمله بعدة أمور:

الأول: تحويل الأموال التي كان يدعم بها مكتب الخدمات -مكتب الشيخ الجهادي –إلى معسكرات انفرادية للعرب، وتجميع كثير من العرب فيها.

الثاني: جعل هذه المعسكرات في منطقة واحدة وتحت حماية تنظيم واحد من تنظيمات المجاهدين، وحزب واحد من الأحزاب الجهادية الأفغانية

الثالث: أنشأ معسكرا جديدا منفصلا عن معسكرات الشيخ قريبا من الحدود الباكستانية (معسكر القاعدة) وصار بعض العرب يتجمعون فيه بعيدا عن مركز التربية والتوجيه من طرف الشيخ، وبهذا صار هذا المعسكر نواة جديدة لتربية فكرية جديدة مخالفة لرؤية الشيخ، وكان هذا الأمر في نهاية حياة الشيخ. ورغم محاولات الشيخ لإقناع الشيخ أسامة لتثنيه عن الاجتهادات الجديدة إلا أن الأخ أسامة أصر على موقفه، وبدأ يأخذ البيعة على الشباب في هذا المعسكر.

ووجهة نظر الشيخ عبد الله، هي وجود بعض النوعيات التي صارت تتجمع في المعسكر الجديد ممن لم يتلقوا قسطا وافيا من التربية والتوعية، ولهذا كان تخوف الشيخ من جنوح التجمع العربي بسبب هذه النوعية قليلة الثقافة من الناحية الشرعية.

أما في مرحلة ما بعد الشيخ: وهي مرحلة التباين الفكري، واستقلال الأخ أسامة أسلوبا وعملا بعد استشهاد الشيخ عبد الله، استمر الأخ أسامة في عمله منطلقا من معسكر القاعدة ينشئ كيانا مستقلا، وبدأت الأفكار الجديدة تدخل على الساحة، فبدل أن يؤثر الرجل في الشباب من حوله تأثر هو بهم وبآرائهم، ويمكن أن نجمل هذه الآراء الجديدة التي انتشرت في عناصر القاعدة بعد استشهاد الشيخ بما يأتي:

1ـ بدا عمل العرب مستقلا عن الأفغان في داخل أفغانستان، وتوسعت المعسكرات والتجمعات المستقلة باسم العرب، كما بدأ الميل والتحزب لحزب ضد أحزاب أخرى. وهذا خلاف التوجيهات التي كان الشيخ يوجهها لتلاميذه.

2ـ عندما احتدم الخلاف والقتال بين الفصائل المجاهدة -بعد تحرير أفغانستان – وقف هؤلاء الشباب المتحمسين في صف حزب ضد حزب أخر، بحجة نصرة الحق على الباطل.

3ـ بدأ عناصر القاعدة بقيادة الشيخ أسامة بترتيب عمليات عسكرية خارج أفغانستان في عدد من البلاد الإسلامية وغير الإسلامية، منطلقين من داخل الأراضي الأفغانية، قبل ان يلملم الأفغان جراحاتهم ويرتبوا أمورهم ويقووا شوكتهم ويقيموا دولتهم.

وهذا كله مخالف لتوجيهات الشيخ وتوجهاته، الذي كان يرى أن مثل هذه العمليات –في مثل الظروف التي كان يعيشها المجاهدون الأفغان –من شأنها أن تؤلب أهل الأرض عليهم، في حين أن الأفغان مازالوا في طور البناء والتجميع القوى وإنشاء الدولة الإسلامية الخالصة. ناهيك عن بعض المخالفات الشرعية التي قد يقعوا فيها، باندفاع حماسي، كقتل المستأمن في البلاد الإسلامية الذي لا يجوز قتله دون إنذار مسبق، ولا كان غدرا لا تجيزه الشريعة الإسلامية، لأن هذا الأجنبي لم يدخل بلاد المسلمين إلا وهو يعلم انه دخل في أمان المسلمين، ولأنه يظن أن هذه البلاد وحكومات مسلمين، هذا إذا كان الأجنبي ممن يفسدون في بلاد المسلمين، وإذا لم يفسد لا يجوز الاعتداء عليه أصلا.

ومنها أيضا: أنه لا يجوز أن يأخذ المسلم تأشيرة بلد من بلاد الكفار ثم يدمر أو يقتل فيها، لأن التأشيرة بمثابة عقد وطلب أمان، فيكون قد دخل بلادهم بأمانهم، ولا يجوز شرعا الغدر بمن أخذ منهم الأمان مسبقا.

قضية مهمة لابد من ان ننبه إليها، وهي انه بعد ان انفضت الساحة وطورد العرب في باكستان وانتهى مكتب الخدمات الذي كان يديره الشيخ عبد الله في حياته، دخل كثير من العرب الذين تربوا على يد الشيخ عبد الله إلى أفغانستان وكانت حركة طالبان تسيطر على معظم أفغانستان، فاشترط –الملا عمر-قائد حركة طالبان على أي عربي في أفغانستان أن يدخل تحت قيادة الشيخ أسامة، فانضم بعض الشباب إلى القاعدة على أثر هذا القرار.

وهكذا انقسم تلاميذ الشيخ عبد الله عزام –بعد استشهاده – إلى ثلاثة أقسام: قسم وافق الشيخ أسامة في اجتهاداته، وقسم بقي متمسكا بتعليمات الشيخ عبد الله عزام، بعيدا عن أي غطاء تنظيمي، وقسم ثالث التحق بالحركة الإسلامية الذي انطلق منه نحو الجهاد.

هذه بعض الثوابت التي كان الشيخ عبد الله ينطلق منها ويصر عليها، ويعلمها لتلاميذه في رسائله وكتاباته وخطبه وجلساته بينهم، وقد كانت هذه الثوابت مصدر اختلاف كبير بينه وبين أسامة بن لادن سنعود إليها في حينها.

لكن المميز بعد هذه العروض بين الفكر والممارسة سواء تعلق الأمر بسيد قطب (مصر) أو عبد الله عزام (فلسطين والأردن) أن الفكر الإخواني الأصيل يفرق تفريقا واضحا بين الجهاد ضد الاستعمار والغازي لبلاد المسلمين وبين الاحتراب الداخلي والخروج على الحاكم وعالمية الجهاد في بلاد غير المسلمين التي تسميها الجماعات الجهادية السلفية بدار الحرب، فهنالك فروق فكرية وفقهية كبيرة بين الإخوان المسلمين والجماعات الجهادية السلفية.

ورغم وضوح فكرة الشيخ عبد الله عزام في دعوة الإخوان المسلمين إلى اعتبار أفغانستان “مدينة منورة جديدة “يمكن تأسيس الدولة فيها بالتعاون مع المجاهدين الأفغان الذين يكنون احتراما بالغا للعرب على اعتبار انهم القوم الذين احتضنوا الرسالة المحمدية، إلا أن قرار الإخوان كان غير ما ذهب إليه الشهيد عبد الله عزام حيث عملوا على دعم الجهاد الأفغاني في ميدان الإغاثة وحشد الدعم السياسي والإعلامي، ولكنهم لم يقوموا بالهجرة إلى أفغانستان كما كان يدعو إليها الشهيد عبد الله عزام وهو قرار يقف على قاعدة فكرية وفقهية وسياسية ترى جماعة الإخوان المسلمين أنها الراجحة في ذلك الوقت، وهو ما سنعود إلى التدقيق فيه بعد معرفة كيف تنظر الجماعات السلفية الجهادية إلى فكر ومواقف الإخوان المسلمين ثم عرض فكر ورؤية تنظيمين أساسين للجهاد العالمي وهما فكر القاعدة في عهد بن لادن وفكر داعش في عهد البغدادي.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *