تقاريرالمغرب العربي

المغرب: العدالة والتنمية وتحديات 2017

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تمهيد:

تحتاج الحركة الإسلامية بشكل عام للرصد باستخدام عدد من المعايير الإنمائية التي مثلت إطارا لنقد الحركات الإسلامية انطلاقا من أرضية وطنية. هذه المعايير وأصحابها، من المفكرين والباحثين الإسلاميين يرون الحركة الإسلامية شريكاً في مشروع النهضة، لكنه شريك يحتاج – بنظرها ونظر شركاء المشروع الديمقراطي الوطني – دفعاً لإدارة ملف الهوية بما يجعل الحركة الإسلامية تُمثل إضافة وليس خصماً لمشروع استعادة إرادة الأمة. وفي هذا السياق، يركز اقتراب تفكيك واقع الحركة الإسلامية على معايير ثلاثة، هي المؤسسية كمقابل للهوائية، والاندماج السياسي في مقابل التفكك والتخوين والشيطنة والانعزال، ويُعبر عن هذا المعيار مدخل التواصل مع الآخر، الذي لم يعد آخرا بقدر ما هو شريك في استعادة الإرادة المفككة للأمة. أما المعيار الثالث فهو معيار النهضة بالمواطن.

ومن الأمور التي ينبغي التأكيد عليها في هذا المقام أن الحركة الإسلامية يقع على عاتقها عبء انتشال قوى الأمة من حال تردي الإرادة السياسية الذي قادتها إليه عقود من الاستبداد. وفي هذا الإطار، فإن تواصل الإسلاميين مع محيطهم “القُطري” يمثل أحد المداخل المهمة لاستكشاف دور الحركة الإسلامية في هذا الصدد.

وفي هذا السياق، نميل للتركيز – ضمن معالجة حركة المغرب – على حزب العدالة والتنمية، حيث مالت “جماعة العدل والإحسان” للانعزال عقب وفاة زعيمها عبد السلام ياسين في 13 ديسمبر 2012، ويمكن القول بأن مواقفها السياسية تنحاز للشعب، وكانت مشاركاتها لصالح “حراك الريف” قد أسفرت عن تعميق المطاردة الأمنية لها وانتهى لاعتقال 140 من أعضائها، هذا فضلا عن دورها في “أزمة الصويرة” والذي يشي بأنها ما زالت تلعب لعبة مواجهة الحكومة من دون النظر لعملية بناء المجتمع وأهمية دعم علاقات المجتمع السياسي ببعضه البعض، بدليل انسحابها من حراك 20 فبراير الذي ارتفعت فيه نسبة المشاركة اليسارية. وينظر المراقبون لحركة التوحيد والإصلاح باعتبارها “الذراع الدعوي” لحزب العدالة والتنمية. ولا تدخل الحالة السلفية العلمية المنسحبة من المجال العام، ولا السلفية الجهادية التي تميل لعسكرة وتعنيف المجال العام.

وفيما يتعلق بالعدالة والتنمية، فإن عام 2017 قد شهد 3 ظواهر نماذجية تمثل محكات للمقارنة وفق المعايير الثلاثة التي نرصد من خلالها الحركة الإسلامية. وهي ظواهر “حراك الريف”، وأزمة تعديل اللائحة للتجديد للأمين العام عبد الإله “بنكيران”، فضلا عن أزمة تشكيل الحكومة.

أولاً: التواصل والبلوكاج:

يمكن القول إن إصرار العدالة والتنمية المغربي على المؤسسية واستبدال “بنكيران” أنقذ المغرب من سيناريو مشابه لسيناريو مصر يوليو 2013، مع اختلاف في التفاصيل، وحفظ “الاستثناء المغربي” الذي جعل المغرب يجتاز عواصف ما بعد “الربيع العربي” بلا أضرار، وذلك بالنظر للسياق الدولي والإقليمي الذي يحمل توجساً من الإسلاميين ومردود تمثيلهم للإرادات الشعبية العربية والإسلامية.

وقد استقبلت المغرب عام 2017 بينما كان الأمين العام لحزب العدالة والتنمية “عبد الإله بنكيران” يجاهد لتشكيل حكومة ما بعد انتخابات 2016. وبصورة عامة، يتضمن مجلس النواب المغربي 395 مقعدا، ينتخب منها 305 عضوا عبر قوائم حزبية في 92 دائرة انتخابية، بينما ينتخب 90 مقعدا إضافيا من لائحة وطنية، ثلثيها مخصص للنساء؛ بينما الثلث الباقي للرجال الذين تقل أعمارهم عن 40 سنة. وينتخب أعضاء مجلس النواب المغربي بالاقتراع العام المباشر لمدة خمس سنوات.

وفي انتخابات 7 أكتوبر 2016، بلغ عدد الناخبين 15.7 مليون ناخب، وأدت نتائج التصويت لنيل حزب العدالة والتنمية ثقة الأغلبية حاصدا 125 مقعدا، وتلاه في المرتبة الثانية حزب الأصالة والمعاصرة بحصوله على 102 مقعدا، ثم حل حزب الاستقلال ثالثا بتمكنه من 46 مقعدا، فيما حل التجمع الوطني للأحرار في الرتبة الرابعة بعدد مقاعد بلغ 37 مقعدا، ثم الحركة الشعبية التي شغلت 27 مقعدا، تلاها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بإحرازه 20 مقعدا، فالاتحاد الدستوري بعدد 19 مقعدا، ثم حزب التقدم والاشتراكية الحائز على 12 مقعدا، ثم الحركة الديمقراطية والاجتماعية بحصوله على 3 مقاعد، ثم فيدرالية اليسار الديمقراطي 2 مقعد، ثم كل من حزب الوحدة والديموقراطية وحزب اليسار الأخضر بمقعد واحد لكل منهما1 . (جدول 1):

جدول ـ 1: نتائج انتخابات 7 أكتوبر 2016 في المغرب:

وبالرغم من أن الأدوات الهجينة في هذا النظام، القائم على المزاوجة بين وحدات سياسية معاصرة كالانتخابات، مع وحدات قديمة كالمرجعية الملكية وسلطاتها والوزارات التي يهمين عليها القصر، بدأ النظام الانتخابي وحتى العتبة الانتخابية المنخفضة نسبيا؛ مرورا بالدور الكبير لوزارة الداخلية التي تقع ضمن اختصاصات الملك، والترتيبات السلطوية لتقسيم الدوائر، والتي من وظيفتها منع حدوث أي مفاجأة تخل بقواعد النظام السياسي الذي يسمح بهامش من التعددية السياسية والمشاركة الانتخابية المضبوطة2 .

هذه المنظومة تمثل مدخلا لعرقلة المشروع الديمقراطي المغربي، إلا أنها لم تكن مسؤولة بصورة كلية عما آلت إليه جهود “بنكيران” في تشكيل الحكومة من تعثر. ويُفيد مراقبون أن “العدالة والتنمية” كان بسبيله لتشكيل أغلبية مريحة بيسر وسرعة، حيث أبدت أحزاب “الاستقلال” و”الاتحاد الاشتراكي” و”التقدم والاشتراكية” استعدادها للتحالف معه، لكن الرغبة في استرضاء الملك عبر ضم حزب “التجمع الوطني للأحرار” أدى لتعقد المفاوضات وتوقفها3 بعد مرور نحو خمسة أشهر على إعلان نتائج الانتخابات، ما أدى لتغيير التكليف بتشكيل الحكومة، رغم أن دستور المغرب لم يحدد أجلا دستورية لتشكيل الحكومة 4.

وقد شهدت محاولات “بنكيران” تشكيل الحكومة دراما كبيرة، أنتجت عنوانا طال تداوله في أروقة الإعلام والسياسة، وهو “البلوكاج”، حيث أن رغبة “بنكيران” في تضمين الحكومة شخصية “عزيز أخنوش” المُقرب من القصر، وانتظار انعقاد المؤتمر الاستثنائي في “حزب الأحرار الوطني”، والذي انتخب “أخنوش” رئيساً، هذا الاعتبار دفع “أخنوش” للإصرار على إشراك حزب الاتحاد الاشتراكي في الحكومة5 . وطالب الاتحاد بتضمين الحكومة 3 أحزاب أخرى هي: حزب الحركة الشعبية والاتحاد الدستوري والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية 6، ما دفع “بنكيران” لإبداء تصريح متصلب: “إذا تكوّنت هذه الحكومة وفيها حزب الاتحاد الاشتراكي، فأنا لست عبد الإله”7 .

كان من شأن مواجهات “بنكيران” أن تدفع إسلاميي المغرب الوسطيين، للمربع الأمني مجددا، وتعصف بجهود تطبيع السلطة مع وجودهم السياسي، وهو تطبيع كان محل إنكار برغم ما لهم من شعبية واسعة. غير أن السياسة العربية لا مجال بها للشعبية إلى الآن، بل إن الشعبية كانت أحد مفاتيح فزع الملك من “بنكيران” ومواقفه النقدية للقصر. يضاف إلى ذلك وجود حالة إقليمية رافضة للإسلاميين تتزعمها دول عربية ذات فوائض مالية ضخمة، وظفت نسبة منها في المغرب للإطاحة بالإسلاميين. هذا فضلا عن قلق الدول الأوروبية المحافظة مثل فرنسا وإسبانيا من وجود قوي لحكومات إسلامية عبر المتوسط، وهو ما يفسر دعم هذه الدول لإدارة 3 يوليو في مصر، وجهود دعم العسكري خليفة حفتر في ليبيا، ومساندة رؤى التهميش السياسي للإسلاميين في الجزائر.

ومع تعذر بناء الحكومة طيلة هذا المدة، وحدوث الفراغ الدستوري الناجم عن صعوبة بناء استراتيجية لعمل الحكومة، بدا أن الأمين رئيس الوزراء المكلف سيعلن فشل جهوده، ما فتح الباب على مصراعيه أمام تأويلات مختلفة للدستور8 ، الأمر الذي حسمه القصر باختيار الرجل الثاني في نفس الحزب “سعد الدين العثماني” لتشكيل الحكومة، وذلك بعد يومين فقط من إلغاء تكليف “بنكيران” بهذا الصدد9 ، كبديل للجوء لانتخابات مبكرة. ونجح “العثماني” في احتواء الأزمة الاتصال مع الشركاء السياسيين في المغرب، وقبل الشروط التي كان يرفضها “بنكيران”، وشكل أغلبيته الحكومية في نحو 10 أيام10 . وسط اتهامات من “جناح “بنكيران” بأن هذا الاختيار يعصف بشعبية الحزب.

وتوزعت حقائب حكومة العثماني على 6 أحزاب بين 12 وزيرا لحزب العدالة والتنمية، و7 وزراء للتجمع الوطني للأحرار، و5 وزراء للحركة الشعبية، و3 وزراء للتقدم والاشتراكية، و3 للاتحاد الاشتراكي، ووزيران للاتحاد الدستوري11 . ولافت في هذا الصدد أن “العثماني” لم يستثن “حزب الأصالة والمعاصرة” من المشاورات برغم أن هذا الأخير يحظى بدعم إماراتي سخي، ويمثل الخصم اللدود للعدالة والتنمية12 .

غير أن التواصل الفعال للعثماني مع القوى السياسية المغربية يخضع لامتحان مجددا، حيث مرت قرابة الشهرين، حتى تاريخ كتابة هذا التقرير، في انتظار تنصيب بدائل للوزراء الذين أعفاهم الملك على خلفية حراك الريف، وتمس قطاعات مهمة في التربية والتعليم والصحة والسكن والعمران13 . هذا فضلا عن هجوم العثماني على وزراء “حزب التقدم والاشتراكية”، وهو ما يبدو الأمر الذي يعطل تعيين وزراء جدد يحلون محل وزراء “التقدم والاشتراكية” 14.

لكن نهج “العثماني” بحاجة لتقويم سياسي. فبينما كان “بنكيران” يميل لتشكيل جبهة وطنية من “حزب الاستقلال” و”حزب التقدم والاشتراكية”، وهو ما يفيد في تعزيز المجتمع في مواجهة السلطة، فإن سعد الدين العثماني يعمل كحزب سياسي محترف تقدمي، يميل لإنتاج التوازنات والمناورة ولعب السياسة أكثر منه سعي لبناء جبهة وطنية. ويبقى السؤال: هل كان منهج “بنكيران” لينجح في مقاومة الدولة إذا ما أرادت التغول على المجتمع؟

ثانياً: المؤسسية بين العثماني و”بنكيران”

خلال عام 2017، مر حزب العدالة والتنمية المغربي بأزمة قوية تخص قيادته، حيث اضطر للمفاضلة بين زعيمين على قدر عال من المقبولية والنضال الوطني فضلا عن الحزبي. وتمثل جوهر الأزمة في اضطرار الحزب للاختيار مر بين فقدان مؤسسيته مع الاحتفاظ بزعيمه أو تغيير قيادته والاحتفاظ بمؤسسيته ودوره.

لا يتعلق الأمر في هذا الإطار بالبيت الداخلي للحزب، بل تكاتفت بيئة محلية ودولية لتأجيج الخلاف حول قيادته، وأمكن رصد عدة صيغ لاستدراج حزب العدالة والتنمية لأزمة قد تعصف به. بدأت هذه الحملة مع تكليف القصر للرجل الثاني بحزب العدالة والتنمية سعد الدين العثماني بتشكيل الحكومة. وفي هذا السياق، بدأنا نلحظ محاولات البيئة الداخلية استدراج “بنكيران” لافتعال أزمة داخل حزب العدالة والتنمية. وربما كان الداخل المغربي أكثر شعورا بوطأة هذه الحملة، لكن من أمثلة هذه العناوين “هكذا أصبح حزب العدالة والتنمية بالمغرب بعد عزل “بنكيران”15 ،و”العدالة والتنمية.. بداية النهاية”16 .

ومن جهة ثانية، بدا أن ثمة دعم من حملة خارجية لاستدراج “بنكيران” للتهور، مستغلة في ذلك نمط شخصيته الثوري والميال للشعبوية. وبينما نجد شبكة الجزيرة – كمثال – تتعامل مع الحكومة الجديدة تحت عنوان “المغرب.. العثماني وحكومة السياق الصعب”17 ، نجد فضائية “فرانس 24” تتحدث عن كون حكومة العثماني “قشرة موز” تحت أقدام العدالة والتنمية18 ، كما تحدثت دويتشه فيله عن اتجاه القصر لتلجيم حزب “العدالة والتنمية” عبر إبعاد “بنكيران”19 ، وعن كون ” تشكيل الحكومة في المغرب.. نجاح للعثماني وفشل لـ”بنكيران”20 .

وبينما تحدثت الصحف والمواقع عن تمسك “العدالة والتنمية” بمؤسسيته ورفض السماح بتجديد الولاية لثالث مرة، نجد موقع “فرانس 24” يقول: “بنكيران” يخسر رهان الولاية الثالثة”21 . اللغة المستخدمة، والتي لا تتصف بالمهنية، يبدو استخدامها لاستفزاز “بنكيران” وفريقه، وهو ما يهدف للإبقاء على “بنكيران” وصداماته وصورة الإسلاميين معه كعقبة للتواصل المدني22 .

وحده القصر كان الواضح في مراميه، إذ أنه سرب عبر قنوات عدة أنه يرى في “بنكيران” مشروع أزمة، إذ أن ميوله الشعبوية تطلق لسانه في حق الجميع، ومن بينهم القصر، وما يلبث أن يعود للاعتذار عبر مذكرات رسمية، وهو أمر تكرر ثلاث مرات في عامين. هذا فضلا عن التخوفات من شعبية وشرعية “بنكيران” تزداد النظرة السلبية لها مع ارتباطها باصطدامه بالقصر، ما يعني تهديد الوجود السياسي للحزب.

الحديث عن توجهات إعلامية ليس استنتاجا في ضوء المعطيات، بل حقيقة خلصت إليها دراسة أعدها الباحث المغربي محمد أجغوغ، أشار فيها لدور الإمارات في الساحة الحزبية المغربية، وجهودها في مواجهة وتشويه القوى الإسلامية المقبولة شعبيا، وتمويل المنابر الإعلامية المختلفة (6 منابر إعلامية) لتحقيق هذا الهدف23 .

وفي اللقاء الوطني لمنتخبي مجالس الجماعات، والذي عقد بمدينة “المعمورة”، في 21 نوفمبر 2017، تحدث “بنكيران” في كلمته عن دوره وأدوار إخوانه خلال الحملة الانتخابية لسنة 2011، ووجه انتقادات لقيادات حزبه، وهو ما أثار أزمة داخل الحزب، مصحوبة بتساؤلات حول تأثير “جماهيرية” “بنكيران” على الحزب وصورته24 ، وبخاصة مع بدء ردود الأفعال من قيادات الحزب، والتي توجت بالبيان الحاد الذي أصدره مصطفى الرميد، عضو الأمانة العامة للحزب، ضد “بنكيران” وتصريحاته، ما فتح الباب لجدال قوي داخل الحزب حول مستقبل “بنكيران”25 .

وخلال هذه الفترة، كان “بنكيران” يعد لتعديل في اللائحة الداخلية للحزب، تسمح له بتجديد ولاية ثالثة له لا تتيحها له اللائحة الداخلية الراهنة26 . واتجه قطاع واسع من الحزب لرفض تعديلات “بنكيران” على اللائحة الداخلية لإضرارها بمؤسسية الحزب27 . وانتهى النقاش بالحزب إلى التصويت برفض التعديلات في اقتراع 25 نوفمبر 2017 بأغلبية بلغت 55%، وكانت الأصوات الرافضة للتعديلات 126 صوتا من بين 232 إجمالي عدد الأعضاء، فيما صوت 101 عضوا لصالح التعديلات، واعتبرت 4 أصوات ملغاة28 ، وهو ما يعكس عمق الأزمة. وفي انتخابات قيادات الحزب في 10 ديسمبر 2017، حصل سعد الدين العثماني على 51.7%، أي: 1006 صوت من أصل 1943 تمثل العدد الإجمالي للمصوتين، فيما حصل منافسه إدريس الأزمي الإدريسي، رئيس الفريق النيابي للحزب، على 912 صوتا29 .

ومع إدراك الرموز الإسلامية بالمغرب عمق الأزمة، حرص بعضهم على نزع فتيل تفجير الحزب، كان من بينها ما وفره الرمز الإسلامي الفقيه أحمد الريسوني من غطاء لسعد الدين العثماني بالإشارة إلى أن تكليفه تكريم للعلم، بالإشارة لحصول العثماني على درجة الدكتوراه في الطب، والماجستير من دار الحديث الحسنية، ودكتوراه أخرى من كلية الآداب والعلوم الإنسانية30 .

وبرغم نهاية 2017، ما زالت النقاشات التي تعكس انقسام الحزب عميقة لدرجة تعبير سليمان العمراني النائب الأول للأمين العام للحزب عن حدة هذه النقاشات بتصريحه أن “وحدة الحزب خط أحمر”31 . وتبقى الكرة في ملعب “بنكيران” للحفاظ على تجربة “العدالة والتنمية” المغربي.

ثالثاً: “حراك الريف” والعلاقة مع المواطن

البعد الثالث من أبعاد رصد أداء حزب العدالة والتنمية ما يتعلق بالعلاقة مع “رجل الشارع”، وهو بعد مكمل لبعد التواصل مع القوى السياسية، ويستهدف قياس أولويات الحركة الإسلامية فيما يتعلق باحتياجات نهضة “الأمة”. وفي هذا الإطار نتناول امرين، أولهما “حراك الريف”، وثانيهما أولوية حكومة “العثماني” فيما يخص المواطن.

لا يمكن تجاهل أزمة “حراك الريف” عند تقييم علاقة الحركة الإسلامية بالمواطن. وبدأت أزمة “الحراك” بداية شبه “بوعزيزية”، عندما “سُحق” المواطن “محسن فكري” وهو يحاول منع السلطات المحلية داخل ميناء مدينة الحسيمة من مصادرة أسماك اصطادها لغرض بيعها، وهو السحق الذي ارتبط بلا مبالاة من سؤول “حملة البلدية”. وبرغم تعليمات الملك محمد السادس بعدم التسامح مع أي مسؤول عن وفاة محسن فكري، إلا أن التحقيق لم ينصف الضحية، ما تسبب في إشعال الحراك الشعبي وتطوره واستمراره لنحو عام، إلى أن انتهى نهاية أمنية تترقب المعالجة التنموية.

رابعاً: بين السياسي والأمني والتنموي:

بينما فُرضت المعالجة الأمنية على حكومة العثماني، إلا أن الحكومة نفسها تماشت مع الحل الأمني، لكنها أرفقته بمعالجة سياسية. فمن ناحية، بادر “العثماني” الأزمة باستخدام 4 وزراء من الريف، منهم وزيران من إقليم الحسيمة. فقد تضمنت الحكومة عبد الوافي لفتيت من قبيلة “ثفرسيث” على رأس وزارة الداخلية، والحسن الوردي ابن منطقة “ميضار” على رأس وزارة الصحة، ووزير الثقافة والاتصال الحركي محمد لعرج من دائرة “كتامة”؛ وهو برلماني عن إقليم الحسيمة نفسه، إلى جانب وزير العدل والحريات محمد أوجار من منطقة “تاركسيت” عن حزب التجمع الوطني للأحرار32 .

ومن جهة أخرى، أعلن “العثماني” أن الأزمة تحتاج لمعالجة سياسية بجانب المعالجة التنموية، ولفت إلى أن المدخل السياسي يرتكز على الحوار، واكتفى بإبداء استعداد حكومته للتجاوب مع كل مبادرات الحوار ومع نتائجها33 . ومن جهة أخرى، فقد نظم “العثماني” مجموعة من الاجتماعات الدورية مع برلماني وممثلي مجلس جهة طنجة وتطوان والحسيمة، وحرص على تكثيف مناقشة الاستجابات التنموية للحكومة مع هؤلاء النواب، ووجه دعوة للحوار السياسي عبر هذه المجموعة البرلمانية34 .

وبرغم أن وزارة الداخلية والمؤسسة العدلية ليستا ضمن الوزارات الخاضعة لسلطة رئيس الحكومة المغربية، ويتبعان القصر مباشرة، إلا أنهما لعبتا دورا كبيرا في إدارة أزمة “حراك الريف”، حيث بادرت بمعالجة أمنية للقضية35 ، كما تباطأت التحقيقات الأولية وانتهت لغير إنصاف الحراك أو “محسن فكري” نفسه. أكد العثماني أنه لا يملك – كحكومة – تقديم دعم قضائي للمعتقلين من صفوف الحراك، لافتا لتوفير الأمر الملكي ضمانة للمحاكمة العادلة للمتهمين في قضية “المساس بالسلامة الداخلية للدولة”، وهو ما يعني مطالبة المغاربة بإعفائه من اللوم حيال المعالجة الأمنية التي لا تقع برمتها في يده36 . غير أن حكومة “العثماني” لعبت دورا مهما في كبح جماح الدولة في تعاملها مع الملف بصورة انتقامية، وعمل جنبا إلى جنب مع “حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” المشارك فيها و”حزب الاستقلال” المعارض، في بلورة مبادرة لحث الدولة على عدم تجاوز القانون في تعاطيها مع حراك الريف37 .

ومن ناحية ثانية، كشفت تطورات الأزمة عن وقوع اختلالات واسعة في مشروع ملكي أُطلق عام 2015 لتنمية الحسيمة، وهو مشروع “منارة المتوسط”، الذي ظل منذ حكومة “بنكيران” الثانية حبرا على ورق. وكشفت التحقيقات في تأخر هذا المشروع عن تراجع أولويته في سياسات بعض الوزارات، ومنها وزارات يتقلدها حليف “حزب العدالة والتنمية” المستقر وهو “حزب التقدم والاشتراكية”، وهو ما دفع القصر لإقالة عدة وزراء وموظفين كبار ضمن ما يعرفه الساسة المغاربة باسم “الغضبة الملكية”. كانت أسماء هؤلاء الوزراء ضمن تشكيل حكومة “بنكيران” الثانية، وينسب إليها تأخير “منارة المتوسط”38 ، وكان “محمد حصاد” وزير الداخلية إبان حكومة “بنكيران” الثانية ضمن هذه الأسماء، وإن لم يكن تحت سلطة الحكومة. نفس المناسبة التي شهدت إقالة هذه المجموعة تضمنت إشادة بجهود حكومة “العثماني” في تنفيذ البرامج التنموية. ووفرت حكومة “العثماني” تمويلا لمشروعات تنمية الشمال، بلغت قيمتها نحو 9 مليارات درهم (قرابة مليار دولار)39 .

نحو المستقبل

لا يمكن التغاضي عن كون إسلاميي المغرب هم قطاع من مواطني هذا البلد، مهمومون بآلامه بقدر ما هم شركاء في أحلامه. ومن هنا، فإن حصول العدالة والتنمية على أكبر عدد من المقاعد لا يعني فقط الثقة فيه وفي قدرته على تمثيل قواعده الاجتماعية، في مجتمع يوازن بين روافد الموروث والوافد، بل يعني مسؤوليته – ضمن القوى المغربية – عن قيادة هذا البلد نحو مستقبل أفضل. كما لا تخفى التحديات التي يواجهها حزب إسلامي في شمال أفريقيا في ظرف تاريخي ما زال يحمل تشككا كبيرا في طموحات الإسلاميين على نحو ما لمسنا.

من هنا تكون المؤسسية في ضوء الشفافية والكفاءة والديمقراطية الداخلية هدف يُعزز مناعة هذا الحزب، ويضمن تمتعه بالقدرة على التجديد الذاتي التي تفتقر إليها بعض مسارات إسلاميي المنطقة. كما أن تعزيز العلاقة بالآخر شريك الوطن مهمة، وبخاصة في ضوء فهم خاطئ للديمقراطية يعزز التنافس في توقيت تحتاج فيه الدول العربية القطرية لبناء حد أدنى من التماسك الضامن لمسارات المستقبل؛ حيث يمسي تعزيز التماسك هدفا أسمى من الظفر والمغالبة المفضية إلى تفتت لا يخدم المغرب. ويبقى الرهان على المواطن وتحسين أحواله الاقتصادية – الاجتماعية والتي تمثل الضامن الأهم لاستمرار مسيرة “الاستثناء المغربي” (40 ).

————–

الهامش

1 وزارة الداخلية بالمملكة المغربية، نتائج الانتخابات التشريعية: https://goo.gl/EVSJmc

2 المركز العربي للأبحاث، المغرب بلا حكومة: مهمة “بنكيران” المستحيلة؟، موقع المدن، 4 مارس 2017. https://goo.gl/YLW8VA

3 علي أنوزلا، المغرب.. عام الريف و”البلوكاج”، صحيفة العربي الجديد، 20 ديسمبر 2017. https://goo.gl/HiBR8R

4 المركز العربي للأبحاث، المغرب بلا حكومة: مهمة “بنكيران” المستحيلة؟، موقع المدن، 4 مارس 2017. https://goo.gl/YLW8VA

5 الحياة، تكليف العثماني «الوسطي» تشكيل الحكومة المغربية، صحيفة الحياة اللندنية، 18 مارس 2017. https://goo.gl/obFHU6

6 المحرر، المغرب: هل فشل “بنكيران” في تشكيل الحكومة أم تم إفشاله؟، موقع بي بي سي العربي، 16 مارس 2017.

7 المحرر، “بنكيران”: لن أكون عبد الإله إذا دخل الاتحاد الاشتراكي للحكومة، موقع سي إن إن العربي، 11 مارس 2017.

8 المركز العربي للأبحاث، المغرب بلا حكومة: مهمة “بنكيران” المستحيلة؟، موقع المدن، 4 مارس 2017.

9 وكالات، العاهل المغربي يكلف سعد الدين العثماني تشكيل الحكومة، صحيفة الشرق الأوسط، 17 مارس 2017.

10 وكالات، ملك المغرب يوافق على تشكيلة حكومة سعد الدين العثماني، موقع دويتشه فيله، 5 أبريل 2017.

11 محمد طاهري، حكومة العثماني.. أخف الأضرار، موقع وكالة الأناضول، 7 أبريل 2017. https://goo.gl/mhm5jD

12 سي إن إن، لأول مرة.. مشاورات الحكومة المغربية الجديدة تشمل حزب الأصالة والمعاصرة، موقع سي إن إن العربي، 19 مارس 2017. https://goo.gl/X76R2Q

13 علي أنوزلا، المغرب.. عام الريف و”البلوكاج”، صحيفة العربي الجديد، 20 ديسمبر 2017. https://goo.gl/HiBR8R

14 المحرر، العثماني يخرج عن صمته و يقصف “بنكيران” و حزب التقدم و الاشتراكية بالثقيل، موقع المغرب 24، 22 ديسمبر 2017. https://goo.gl/HknKa8

15 المحرر، لوموند: هكذا أصبح حزب العدالة والتنمية بالمغرب بعد عزل “بنكيران”، موقع العمق المغربي، 22 مايو 2017. https://goo.gl/Z9Wfr4

16 عبد اللطيف أوهابي، العدالة والتنمية.. بداية النهاية، موقع اليوم 24، 19 ديسمبر 2017. https://goo.gl/QRRQz3

17 الجزيرة، المغرب.. العثماني وحكومة السياق الصعب، شبكة الجزيرة، 26 مارس 2017. https://goo.gl/TZxawx

18 جمال بدومة، حكومة سعد الدين العثماني: قشرة موز تحت أقدام “العدالة والتنمية”؛ تسجيل لبرنامج “حديث العواصم”، موقع فرانس 24، 1 مايو 2017. https://goo.gl/b613WV

19 منصف السليمي، بإبعاد “بنكيران”.. هل يُلجِم القصرُ حزبَ العدالة والتنمية الإسلامي؟، موقع دويتشه فيله، 3 أبريل 2017. https://goo.gl/GEfdRE

20 المحرر، تشكيل الحكومة في المغرب.. نجاح للعثماني وفشل لـ”بنكيران”؟، موقع دويتشه فيله، 28 مارس 2017. https://goo.gl/EzkeLW

21 المحرر، المغرب- حزب العدالة والتنمية.. “بنكيران” يخسر رهان الولاية الثالثة، موقع فرانس 24، 29 نوفمبر 2017. https://goo.gl/svWiB8

22 وكالات، العاهل المغربي يكلف سعد الدين العثماني تشكيل الحكومة، صحيفة الشرق الأوسط، 17 مارس 2017. https://goo.gl/o6s1HJ

23 المحرر، باحث مغربي ينتقد دور الإمارات في الساحة الداخلية لبلاده، موقع الإمارات 71، 23 ديسمبر 2017. https://goo.gl/CoZrs6

24 المحرر، “زلزال سياسي” ينذر بزعزعة “بيت الإخوان” .. الرميد يهاجم “بنكيران”، موقع هيسبريس، 27 اكتوبر 2017.

25 سعيد سونة، الأسباب الخطيرة الثماني وراء تكليف سعد الدين العثماني، هيبة زووم، 19 مارس 2017. https://goo.gl/LnsdCk

26 تنص المادة 16 من اللائحة الداخلية للحزب على أنه “لا يمكن لأي عضو أن يتولى إحدى المسؤوليات الآتية لأكثر من ولايتين متتاليتين كاملتين: الأمانة العامة، رئيس المجلس الوطني، الكاتب الجهوي، الكاتب الإقليمي، الكاتب المحلي”.

27 المحرر، الرميد: الولاية الثالثة ل”بنكيران” تعني موت العدالة والتنمية، موقع كازاوي، 25 نوفمبر 2017.

28 وكالات، “العدالة والتنمية” المغربي يمنع “بنكيران” من ولاية ثالثة، صحيفة القدس العربي، 26 نوفمبر 2017. https://goo.gl/BR1Nfk

29 المحرر، العثماني يخلف “بنكيران” على رأس “العدالة والتنمية” المغربي، موقع عربي 21، 10 ديسمبر 2017. https://goo.gl/8t4TwC

30 المحرر، الريسوني.. تكليف العثماني بتشكيل الحكومة تكريم رمزي للعلماء والمفكرين، موقع اليوم 24، 19 مارس 2017. https://goo.gl/bgqfNj

31 وكالات، قيادي بـ”العدالة والتنمية” المغربي: وحدة الحزب خط أحمر، شبكة الجزيرة، 20 ديسمبر 2017. https://goo.gl/rxVFsy

32 عبد الغفور الطرهوشي، أربع وزراء من الريف في حكومة العثماني، اثنين منهم من الحسيمة، موقع الريف الحر، 6 أبريل 2017. https://goo.gl/7EUs4q

33 المحرر، رئيس الحكومة المغربية يهاجم حراك الريف ويؤكد استعداده للحوار، موقع الخليج أونلاين، 2 يوليو 2017. https://goo.gl/ouHFEC

34 المحرر، العثماني يجتمع ببرلمانيي الحسيمة حول “حراك الريف”، هيبة بريس، 5 يونيو 2017. https://goo.gl/fW3eJe

35 وكالات، اعتقال قائد حراك الحسيمة وسط مظاهرات متضامنة، شبكة الجزيرة، 29 مايو 2017. https://goo.gl/2PCAAD

36 المحرر، العثماني: إطلاق سراح معتقلي حراك الريف ليس بيد الحكومة، موقع نون وطنية، 2 يوليو 2017. https://goo.gl/gwmprP

37 المحرر، حراك الحسيمة بين طموحات الريف وحسابات “المخزن”، موقع دويتشه فيله، 29 مايو 2017. https://goo.gl/KWEwXc

38 إسماعيل عزام، بعد قرارات العاهل المغربي..هل تبدأ أزمة الريف في الانفراج؟، موقع دويتشه فيله، 25 أكتوبر 2017. https://goo.gl/3zFCVo

39 ، رئيس الحكومة المغربية يهاجم حراك الريف ويؤكد استعداده للحوار، موقع الخليج أونلاين، 2 يوليو 2017. https://goo.gl/ouHFEC

40 الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *