دراساتخرائط قوىايران

آليات التفاعل مع القوي الداخلية في المجتمع الإيراني

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

تمهيد:

في سياق النظر إلى طبيعة الدولة الإيرانية وكيفية التعامل معها على كافة المستويات، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، يمكن اتخاذ “شخصية الدولة” الإيرانية، مدخلاً مناسباً لفهم تلك الدولة وخلفيات تفاعلاتها الداخلية والخارجية. ومن ثم إيجاد اقترابات وأدوات للتعامل معها.

“شخصية الدولة” الإيرانية، تترك بصمتها بوضوح على السياسة الإيرانية داخلياً وخارجياً. وذلك في ضوء المقومات الجغرافية والديمغرافية لهذه الدولة. بالإضافة إلى طبيعة نظام الحكم والتداخل العضوي بين الديني والسياسي فيه. جيواستراتيجياً، يجب الإقرار بتأثير اتساع الرقعة الجغرافية التي تحتلها إيران (أكثر من 1,6 مليون كم2)، وبالتالي امتداد حدودها مع الشعوب المجاورة لها إلى آلاف الكيلومترات. بالإضافة إلى الإطلال على أكثر من منفذ بحري (الخليج وبحر قزوين). هذه السمات جعلت الدولة الإيرانية احتكاكاً مستمراً بأطراف وقوى مختلفة التوجهات والمصالح. كما أعطتها قدرة كبيرة على المناورة وبدائل متعددة في إدارة علاقاتها الخارجية خصوصاً في محيطها الإقليمي. وكان لتبلور “الدولة” مبكراً واقتران ذلك بحضارة راقية، دوراً مهماً في تشكيل إدراك إيران لذاتها وللعالم من حولها.

لذا يمكن ملاحظة أن إيران طالما كانت تعتبر نفسها دولة “كبيرة” سواء كانت “قوية” أم لا. ومن ثم تتعامل مع العالم بندية وثقة، حتى وإن كانت في وضع لا يسمح بذلك وفقاً للمعايير التقليدية مثل القوة الاقتصادية أو القدرة العسكرية. لكن إيران تدرك أيضاً أن المعطيات الجيواستراتيجية التي تمنحها تلك المزايا، هي ذاتها تفرض عليها أعباء وضغوطاً موازية. تشمل تعدد الملفات والقضايا التي عليها الاعتناء بها ومعالجتها بشكل دائم. وضرورة اتباع سياسة حذرة ومرنة في آن واحد، خصوصاً في إدارة العلاقات مع دول مجاورة تتباين مصالحها وتتناقض سياساتها وتحركاتها. فضلاً عما يترتب على اتساع النطاق الجغرافي للدولة وحدودها من مشكلات وخلافات تكون إيران طرفها مع واحدة أو أكثر من دول نطاقها الحيوي.

سياسياً، تعني تلك الوضعية وقوع إيران في نطاق أكثر من نظام إقليمي في ذات الوقت. الأمر الذي يمنحها أهمية كبيرة كلاعب إقليمي في أكثر من اتجاه. ويتيح لها أيضاً توظيف تلك الأهمية الإقليمية على المستوى العالمي في علاقاتها مع الدول المعنية بتلك النطاقات الإقليمية، سواء الكبرى مثل روسيا والولايات المتحدة، أو دول أخرى مثل الهند والجزائر وبعض دول شرق إفريقيا.

ونظراً لتلك الأهمية المتزايدة، وفي ضوء التطورات الجديدة الخاصة بالعلاقات بين طهران والدول الكبرى في العالم، من المهم بل من الحتمي فهم أبعاد “شخصية الدولة” الإيرانية. وأيضاً تحليل “شخصية الشعب” الإيراني. وكلاهما يتطلب التعرف عن قرب على طبيعة الدولة والحكم في إيران، وكذلك على تركيبة المجتمع. والمشترك بينهما هو “الإعلام” الذي يمثل حلقة الوصل وأداة السلطة لمخاطبة الشعب والتأثير فيه، ونافذة الشعب على الداخل والخارج.

ولما كانت الأوراق البحثية الأولى التي تضمنها هذا الملف قد تناولت بالتفصيل محاور السياسة والاقتصاد والمجتمع والإعلام، فإن هذه الورقة توجه اهتمامها نحو مداخل وآليات التأثير في خريطة القوي الداخلية الإيرانية وذلك على وفق المحاور التالية:

المحور الأول: مداخل وآليات التأثير في الخريطة السياسية

المحور الثاني: مداخل وآليات التأثير في الخريطة الاقتصادية

المحور الثالث: مداخل وآليات التأثير في الخريطة الاجتماعية

المحور الرابع: مداخل وآليات التأثير في الخريطة الإعلامية

 

المحور الأول

مداخل وآليات التأثير في المجال السياسي

المستوي الأول: مداخل التأثير:

أولاً: التعددية المؤسسية:

يتسم النظام السياسي الإيراني بتعدد مؤسساته في مختلف المجالات، خصوصاً في نطاق السياسة العامة وإدارة الحكم. ما يعني عدم تركز السلطة والقرار على الأقل من الناحية الدستورية. ورغم أن السيطرة الفعلية على القرار الإيراني في يد المرشد وعدد من المؤسسات التابعة له، والأجهزة الأمنية. إلا أن وجود مؤسسات أخرى يفترض أن لها دوراً في إدارة السياسات الداخلية والخارجية، يتيح إمكانية العمل على التأثير في هذه السياسات عبر تلك المؤسسات. خاصة مع الخصوصية التي تميز طبيعة العلاقة بين تلك المؤسسات وبعضها البعض. وهي خصوصية يكاد يتفرد بها النظام السياسي الإيراني. حيث ترتبط مؤسسات النظام معاً في علاقة رقابة وضبط متبادلة. بحيث تقوم كل مؤسسة بدور الضابط أو المراقب لعمل مؤسسة أخرى، بينما تخضع هي لرقابة أو هيمنة مؤسسة ثالثة، وهكذا.

هذا التشابك وتعدد قنوات وصنع القرار، ينعكس بدوره في تعدد نقاط التأثير في المنظومة المؤسسية. على أن يؤخذ في الاعتبار أو المؤسسات غير المنتخبة في النظام لها سطوة ومكانتها أعلى من المؤسسات المنتخبة. الأمر الذي يقلل من فرص التغيير والتجديد في المؤسسات والسياسات، على خلفية أن ثمة سقفاً لأي تحرك من المؤسسات المنتخبة. وهو “حق النقض” أو الفيتو الذي تملكه المؤسسات التي يعينها المرشد. لكن تظل آلية “التعطيل المتبادل” فعالة في عدم انفراد أي من المؤسسات بالقرار في مجالها بشكل كامل.

1ـ التنوع السياسي:

يتسم النظام السياسي الإيراني بتعددية مؤسسية، من خصائصه أيضاً التنوع السياسي. وهي سمة متأصلة في المجتمع الإيراني من قبل اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979، فحتى في العهد الشاهنشاهي كانت توجد تيارات سياسية مختلفة خصوصاً اليساريين والقوميين. وبعد عقد واحد من الثورة، وبالتزامن مع وفاة الخميني عام 1989، بدأت تظهر على السطح إشارات عودة التنوع السياسي تنظيمياً وحركياً وليس فقط فكرياً. حتى أصبح المشهد الداخلي الراهن يحفل بحفنة من التوجهات السياسية التي تتنوع من الأصوليين المتشددين دينياً المؤيدين بشكل مطلق لسيطرة كاملة من الدولة على كل شيء. وهم الذين يطلق عليهم وصف (المحافظون)، إلى الليبراليين دعاة الحريات وحق الشعب في الاختيار والقرار. وهم من يعرفون بالإصلاحيين.

وبين النقيضين أطياف من التيارات والاتجاهات. وكما هو شأن المؤسسات، التيار المتشدد هو الذي يسيطر في النهاية على الأوضاع السياسية، غير أن الإصلاحيين متواجدون ويزدادون انتشاراً بمرور الوقت خصوصاً لدى الفئات المتعلمة من المجتمع. وهذا يمثل مدخلاً صالحاً للعمل من خلاله. على أن يراعى في تبني هذا المدخل، عدم التقاطع مع الملفات والقضايا التي تحظى بإجماع في الداخل الإيراني. وهي على وجه الخصوص القضايا الدينية والدفاعية.

فمثلاً، يمثل البرنامج النووي الإيراني مشروعاً قومياً يجسد قيمة ومكانة الدولة الإيرانية. وليس محل خلاف أو تباين ملموس بين مختلف التيارات والاتجاهات السياسية، بما فيها تلك ذات الميول الليبرالية والتي تدعو إلى علاقات جيدة مع الغرب خصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية. لكن مقابل الملفات والقضايا غير الجدلية، توجد تباينات واضحة في قضايا أخرى كثيرة خصوصاً السياسات الداخلية سواء الاقتصادية أو الاجتماعية. خاصة ما يتعلق منها بالحريات العامة وأيضاً الحريات الشخصية الخاصة بالأفراد. وتوجد درجات متفاوتة من الاختلافات بين التيارات والقوى الموجودة على الساحة الإيرانية، بما في ذلك داخل كل تيار رئيس، فالمحافظون متدرجون في تشددهم سواء في الأفكار أو عند التطبيق. والإصلاحيون أيضاً ليسوا على نفس الدرجة من الانفتاح خصوصاً لجهة عمق ونطاق التغيير المطلوب والمدى الزمني لتحقيقه.

2ـ الحراك الأفقي:

في ضوء معطيات الواقع السياسي الإيراني، يمكن ملاحظة حالة من الحراك الأفقي تجري على مستوى العمل السياسي منذ عدة سنوات. حيث بدأ الاهتمام بالتطورات السياسية والمشاركة العامة يتسع ليشمل غير المتخصصين أو العاملين بشكل مباشر في المجال الحكومي والسياسي. فأصبحت “السياسة” بمثابة ساحة تشهد عمليات انتقال من مجالات أخرى. هذا الحراك يوسع دائرة الحركة السياسية أمام مصر للدخول إلى الوسط السياسي في إيران، عبر القادمين إليه من روافد أخرى.

ومن أهم تلك الروافد، الأكاديميين من أساتذة الجامعات، والباحثين سواء في العلوم التطبيقية أو الإنسانية. كذلك بعض المهنيين مثل المهندسين والأطباء فضلاً عن الإعلاميين. إجمالاً الطبقة المتعلمة خصوصاً التعليم فوق الجامعي، هم قوام ذلك الحراك الأفقي في السياسة الإيرانية. وصاروا يمثلون شريحة واسعة تفرز كوادر سياسية تتباين وتنوع اتجاهاتها السياسية ونطاقات مشاركتها في المجال العام. وقد بدأ هذا التطور المهم ينعكس في تزايد الاهتمام بالسياسة من جانب الدوائر والقطاعات المجتمعية المحيطة بتلك الفئات المشار إليها.

مثلاً الطلبة الجامعيون يتأثرون بمواقف وتحركات الأساتذة. بالإضافة إلى الدائرة الاجتماعية الضيقة المحيطة بأفراد تلك الطبقة النشطة سياسياً، بمعنى الأسرة والمعارف وذوي التواصل معهم. ولا بد هنا من إشارة موجزة إلى الاختلاف الواضح في هذا الحراك أو عملية بناء الكوادر والقيادات السياسية في إيران عنها في مصر. ففي “السياسة” بمصر، يجري تجهيز وإعداد السياسي من خلال هياكل وآليات محددة وجامدة لم تتغير منذ مطلع القرن الماضي. العائلة الكبيرة التي تتوارث العمل السياسي والمناصب سواء تنفيذية أو نيابية. الارتباط بأجهزة أمنية تتولى إعداد وتصعيد الشخص السياسي أو الإعلامي أو الحزبي. امتلاك وفرة مالية أو ثقل اقتصادي يمنح صاحبه نفوذاً ومكانة في المجال العام، ويفرض عليه الحاجة إلى غطاء سياسي يحمي ثورته وأعماله. في هذا المسار فقط تشترك مصر مع إيران في الأثر السياسي للقدرة الاقتصادية. غير أن اتجاه العلاقة بينهما متعاكس.

ففي مصر القدرة الاقتصادية منشئة للدور والعمل السياسي، إذ يبدأ التاريخ السياسي لرجل الأعمال بفضل وضعه الاقتصادي في المجتمع. أما في إيران فكثير من رجال البازار (التجارة والأعمال) لا يمارسون السياسة بل يتجنبونها. في حين يستفيد بعض الساسة من مواقعهم وأدوارهم السياسية في ممارسة أعمال تجارية وأنشطة اقتصادية. المغزى من ذلك، أن المؤسسات الأكاديمية والمهنية في إيران، هي مواقع إنتاج وتربية الساسة والناشطين الإيرانيين. وليس الوحدات المجتمعية التقليدية كما هو الحال في مصر.

3ـ مرجعية النظام:

المرجعية الرئيسة للنظام السياسي الإيراني الحالي، هي الإمامية الإثنى عشرية. والملحق بها تطبيق مبدأ ولاية الفقيه، الذي اعتمده آية الله الخميني كأساس لنظام الحكم. ولا خلاف في إيران على المرجعية المذهبية الاثنى عشرية. لكن مبدأ ولاية الفقيه لم يكن يوماً محل إجماع. وبعد وفاة الخميني لا يزال المبدأ مطبقاً عملاً باستمرار الأمر الواقع. وهو من المسائل المسكوت عنها في السياسة الإيرانية. وهو أيضاً أحد القضايا الخلافية بين شيعة إيران ومعظم الشيعة في الدول العربية. بل إنه محل جدال وتباينات بين رجال الدين الإيرانيين أنفسهم، بمن فيهم بعض المرجعيات الدينية من رجال الحوزة في قم.

من هنا، يمثل ما يمكن تسميته “عدم رسوخ” مرجعية النظام، مدخلاً لحلحلة تماسكه وثباته الذي يتميز بهما منذ قيام الثورة قبل ما يقرب من خمسة وثلاثين عاماً. بل إن النجاح في دفع القوى الدينية والسياسية الإيرانية إلى تأييد إجراء مراجعة جادة لهذه المرجعية، ربما يفضي إلى زعزعة استقرار النظام ككل وليس فقط مبدأ الولاية للفقيه. ذلك أن هيكل نظام الحكم ينطلق من مركزية منصب المرشد، (بصفته نائب الإمام) وممثل الشرعية الإلهية (بصفته الفقيه الولي) وبالتالي فالتشكيك في لزوم حصر الولاية في الفقيه. سيمهد لإعادة النظر في أسس النظام ككل وفي الصلاحيات المفتوحة التي يمنحها للمرشد، وتبعية كل المناصب والمؤسسات الأخرى له.

4ـ الانفتاح خارجياً:

لم يعد خفياً أن التفاهم الإيراني الغربي أصبح أمراً واقعاً. وأن تجلياته في سبيلها إلى التبلور والظهور على الأرض في المدى القصير. ولم يخف مسؤولون غربيون ان أحد أهداف إبرام الاتفاق النووي مع طهران، وبالتالي التقارب الشامل معها، هو الرهان على أن خروج إيران من عزلتها وانكفائها سيضطرها تلقائياً إلى فتح أبوابها في كافة المجالات. وبغض النظر عن أن فرص نجاح أو إخفاق ذلك الرهان في المديين المتوسط والبعيد، المؤكد أنه في المدى القصير ستتاح له الفرصة للتطبيق والاختبار. من خلال انفتاح إيراني على العالم. وهو ما يعني التفاعل تأثيراً وتأثراً مع العالم الخارجي بكل مفرداته. وإن كانت طهران ستحاول الحد من تأثيرات ذلك الانفتاح وتضييق نطاقه خصوصاً في النواحي الاجتماعية والثقافية. إلا أن الاحتكاك والتفاعل السياسي سيكون في صلب ذلك الانفتاح.

المعنى، أن المشهد السياسي الجديد في إيران، سيكون من ضمن محدداته والعوامل المؤثرة فيه، التواصل مع العالم والحوارات التي ستجري مع دول كانت تعتبرها إيران في صفوف الأعداء. وهو ما يتيح مجالاً أوسع للتأثير في السياسة الإيرانية سواء الداخلية او الخارجية. أولاً بشكل مباشر بواسطة الدبلوماسية المصرية وأجهزة الدولة المختلفة والمؤسسات الرسمية في مختلف القطاعات. وثانياً بشكل غير مباشر عبر الأطراف الثالثة يمكن أن تلعب دوراً في تحسين أو تأطير العلاقات المصرية الإيرانية. بالإضافة إلى التأثير في المواقف الإيرانية بشأن بعض القضايا والتطورات الإقليمية محل الاهتمام المشترك. كما أن الانفتاح الإيراني الغربي، سيتيح إشراك إيران في فعاليات وآليات عمل وإدارة الملفات السياسية الإقليمية. ما سيتيح بدوره مجالاً لاتصال مباشر وربما تنسيق مصري إيراني في تلك الملفات دون قيود أو محاذير كما كان الوضع في السابق، عندما كانت طهران مستبعدة من المشاركة في أي مشاورات أو فعاليات متعلقة، مثلاً، بالأزمة السورية، رغم أنها طرف أصيل فيها.

المستوي الثاني: الآليات والإجراءات:

1ـ المؤسسات المفتاحية:

داخل كل قطاع من قطاعات الدولة، توجد شبكة من المؤسسات العاملة فيه، والمحكومة بالعلاقة الارتباطية المشار إليها. وفي كل منها مؤسسة تعد الأكثر تحكماً أو الأكثر قدرة على ممارسة دور “المعطل” أو المحرك للعمل في ذلك القطاع. من أمثلة ذلك، الحرس الثوري ضمن منظومة الأجهزة الأمنية والدفاعية. وعلى هذا النمط توجد كيانات أو مكاتب (وأحياناً أشخاص) تلعب هذا الدور. منها مثلاً مستشار للمرشد في الملف النووي. ومعه رئيس الفريق الفني المفاوض. وهما مفتاحا فهم الموقف الإيراني التفاوضي، وليس وزير الخارجية أو مدير الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية. في مجال السلطة التنفيذية، توجد وزارة الثقافة التي تتولى الإشراف على الإعلام وشؤون الثقافة والفكر. في حين أن المؤسسة المفتاحية المؤثرة في الإعلام وتشكيل الرأي العام هي مؤسسة الإذاعة والتلفزة الإيرانية، تتلقى تعليماتها من مكتب المرشد مباشرة. لذا هناك أهمية كبيرة لتحديد تلك المؤسسات المفتاحية في مختلف المجالات ورسم خارطة لها. من ناحية للتعرف على من يملك القرار سواء في الاتخاذ أو في التنفيذ. ومن ناحية أخرى، إذا كان التعامل مع المؤسسة المفتاحية مباشرة غير متاح لأي سبب، يمكن من خلال تلك الخارطة إيجاد قنوات ووسائل تأثير غير مباشرة.

2ـ صناعة لوبي برلماني:

في نطاق المؤسسات المنتخبة، نقترح إقامة علاقات قوية وممتدة مع المجالس النيابية الإيرانية، سواء مجلس الشورى، أو المجالس البلدية. وذلك بإبرام بروتوكولات تعاون. وتنظيم زيارات متبادلة لوفود من الجانبين. وتستحق المجالس البلدية اهتماماً خاصاً في هذا السياق، نظراً لارتباطها المباشر بالمجتمع من خلال الطبيعة الخدمية لعملها. فضلاً عما تتسم به من كثرة عددية، تتيح فرص التواصل والتأثير على نطاق واسع دون إثارة ردود فعل سلبية أو عراقيل سياسية وأمنية إيرانية. وسواء على مستوى المجالس البلدية، أو مجلس الشورى، ينبغي تدعيم نواب حاليين أو مستقبليين (مرشحين) بالتوازي مع إقامة روابط وظيفية (مصلحية) معهم لضمان استمرار عملهم بما يخدم المصالح المصرية وعدم التراجع عن ذلك الخط بعد أن يحصلوا على الدعم اللازم مرحلياً.

3ـ التشبيك المنظم:

المقصود بالتشبيك المنظم هو إقامة روابط دائمة مع القوى والتيارات السياسية الإيرانية، وتحديداً الإصلاحية منها. وذلك من خلال بروتوكولات واتفاقات “تآخي” بين أحزاب وتنظيمات سياسية مصرية، ونظيرتها الإيرانية المشابهة لها في التوجه السياسي والإطار الفكري. على أن تشمل تلك البروتوكولات عقد لقاءات ومؤتمرات فكرية دورية، وورش عمل لتبادل الخبرات في مجالات العمل السياسي المختلفة.

4ـ استقطاب القوى غير الرسمية:

في ظل صعوبة اختراق المؤسسات الرسمية. هناك ضرورة لاستقطاب عدد من القوى غير الرسمية، خصوصاً الكيانات السياسية (شبه الحزبية) والجمعيات الأهلية والخيرية. وهو ما يستلزم تحرك مؤسسات المجتمع المدني المصرية على نحو مكثف وعاجل، لبناء أرضية وفتح مسارات تفاعل متبادل مع المنظمات والأطراف المستهدفة في إيران. ولما كان العمل الحقوقي في إيران يخضع لقيود مشددة ويُنظر له من الجهات الرسمية كمدخل لأعمال تجسس أو استهداف للمجتمع والدولة الإيرانية، فإن ثمة مجالات أخرى ليست سياسية ولا حقوقية، يمكن طرقها، منها مجال التوعية والتدريب وبناء القدرات المجتمعية سواء على مستوى الأفراد بشكل عام أو شرائح اجتماعية معينة، مثل مثل المرأة والطلاب خصوصاً في التعليم قبل الجامعي.

وتلعب دورات التدريب والمعسكرات الجماعية والقوافل الميدانية، دوراً مهماً في نجاح هذه الآلية للتواصل المباشر والتأثير المنظم لمؤسسات المجتمع المدني. والتي بدورها ترسي أسس فكر سياسي وتوجهات عامة تتبلور وتنضج مع دخول تلك الفئات مرحلة المشاركة في المجال العامة، سواء السياسية أو في الأعمال والخدمات على مستوى شعبي. وفي المدى القصير، يُنصح بألا تتصدر المنظمات والمؤسسات المصرية تنفيذ هذه الآلية بشكل مباشر. لما قد يواجهها من صعوبات أمنية وبيئة غير مواتية. لذا يفضل أن يتم ذلك من خلال مؤسسات أو جمعيات إيرانية مشابهة بحيث يتم نقل النموذج المطلوب وتطبيقه بواسطة تلك الكيانات المناظرة. كما يمكن بالتوازي مع ذلك الاعتماد على منظمات وجمعيات يتم إنشاؤها لهذا الغرض في الخارج. ونطاق الخارج المقصود يشمل كلاً من الدول العربية والأجنبية. مثلاً يمكن أن تكون لبنان مكاناً مثالياً لهكذا خطوات، وكذلك العراق. لما لهما من علاقات قوية مع طهران، وبالتالي لن يكون العمل من خلالهما مدعاة لقلق الإيرانيين.

5ـ مراكز تأهيل الساسة:

من أهم الاقتراحات التي ينبغي التفكير فيها بجدية، دراسة وضع المؤسسات الأكاديمية والمهنية الإيرانية. بدءاً بالجامعات وآلية العمل فيها وأوجه ممارسة النشاط الجامعي وطبيعة الأعمال المسموح بها داخل الجامعات خلاف النشاط التعليمي المباشر. وكذلك الأمر بالنسبة للنقابات أو الجمعيات المهنية، التي تمثل مجتمعاً خاصاً بأبناء كل مهنة أي الدائرة الأولى للتفاعل وبلورة اتجاهات ومواقف أصحاب المهنة من الشأن العام. الخطوة التالية لذلك، هي إقامة جسور تواصل مؤسسي بين المؤسسات الأكاديمية والمهنية المصرية ونظيرتها هناك. مع إدراك أن الجامعات المصرية بحكم آليات العمل والاستقطاب فيها، محدودة القدرة على ممارسة دور سياسي أو التفاعل مع الجانب الآخر على هذا المستوى. على خلاف بعض النقابات التي تمارس العمل السياسي والمشاركة في المجال العام منذ عقود. لذا يتطلب الأمر بالنسبة للمؤسسات الجامعية، التركيز على الشباب أي الطلاب والأجيال الجديدة في هيئات التدريس، فهي الأكثر قابلية وقرباً من العمل السياسي.

نقترح على التوازي مع ذلك، تنظيم برامج تعليمية وتدريبية مشتركة ومتبادلة. بحيث يتم تبادل الخبرات التعليمية ومن ثم يجري احتكاك مباشر وتفاعل مستمر بين الجامعيين من الجانبين. وكذلك بالنسبة للمهنيين والنقابيين. على أن يتم التركيز على الدور المجتمعي التي يمكن للجامعات والنقابات القيام به. وأوجه الربط بين العمل المهني المتخصص (وكذلك الجامعي) والخدمة العامة التي يحتاجها المجتمع. بالإضافة إلى كيفية التنسيق والترابط بين مختلف المجالات الأكاديمية والمهنية في خدمة المجتمع.

مثلاً العلاقة المتداخلة بين الهندسة المعمارية والمدنية والبيئة والصحة. حيث يمكن لكل من الجامعيين المتخصصين في الهندسة والمهنيين العاملين في مجالي البيئة والصحة، العمل معاً بشكل تكاملي لخدمة قضايا وحل مشكلات المجتمع سواء بشكل عام، أو حسب الخصوصيات والاحتياجات الجهوية في الداخل الإيراني. في النهاية من شأن توثيق العلاقات في هذا السياق، أن يفتح الباب أمام التأثير على أكثر من مستوى في قطاعات مختلفة. فيتحقق التأثير السياسي تلقائياً من خلال هذه القنوات والمدارج التي تتم من خلالها تربية السياسيين الإيرانيين.

6ـ تفكيك المرجعية:

هناك مرجعيات شيعية غير مرجعيات قم الإيرانية. بعض تلك المرجعيات الأخرى عربي، وبعضها غير عربي، لكن معظمها لا يُقر ولاية الفقيه. ومن الضروري تقوية العلاقة مع تلك المرجعيات ودعمها أولاً لسحب البساط من تحت المرجعيات الإيرانية في قم. وكذلك لتقوية موقف من يرفضون ولاية الفقيه في الداخل الإيراني. ولهذا أثر بالغ الأهمية ليس فقط سياسياً لكن أيضاً اجتماعياً كما سيأتي توضيحه لاحقاً. وفي هذا المجال هناك دور جوهري يفترض أن تلعبه المؤسسات الدينية. وينصرف اصطلاح المؤسسات الدينية عادة على الأزهر والكنيسة. وهو تعريف ضيق يحصر المؤسسة الدينية في تلك التي تنظم أمور العبادة فقط. بينما يجب أن يشمل المصطلح كافة المؤسسات ذات العلاقة في عملها بالأديان وأصحاب الديانات وليس حصرياً بالعبادات والشعائر الدينية فقط.

بعبارة أوضح المؤسسات التي تعمل على التقريب بين المذاهب أو دراسة العلاقة بين المذاهب الدينية في الإسلام، تعد مؤسسات دينية بامتياز. ويمكن لهذه المؤسسات أن تلعب دوراً مهماً في تمهيد الطريق للتأثير في الأساس الديني للنظام في إيران. حتى لا يكون العمل من طرف مؤسسة واحدة هي مؤسسة الأزهر.

فالغرض هو إقامة حوار وتفاعل متواصل مع رجال الدين الشيعة سواء في إيران أو خارجها. بهدف تشكيل بيئة ذهنية مرنة تجاه قابلية بعض المبادئ والمفاهيم للتعديل والتطوير، منها “ولاية الفقيه”. ومن هذه المؤسسات والمحافل “اتحاد علماء المسلمين” ومركز الحوار بين الحضارات ومبادرة التقريب بين المذاهب. وغير ذلك من منتديات ومنظمات هناك دور عربي واضح ومركزي فيها. الأمر الذي يساعد على أن تأخذ مصر زمام المبادرة فيها وتعمل على تنشيط فعالياتها ووضع خطط وآليات عمل لتحقيق الهدف المطلوب.

ومن المهم في هذا السياق، العمل من داخل إيران وليس فقط من خارجها. فالمرجعيات الشيعية في قم ليست جميعها تقر ولاية الفقيه. ولدى شباب الحوزات اتجاهات يمكن اعتبارها إصلاحية بالمقارنة مع التوجهات المنغلقة المتشددة لآيات الله من الأجيال السابقة. ويجب استغلال ذلك ليس فقط في اتجاه إيجاد مرجعيات شيعية ذات ثقل خارج إيران. لكن أيضاً في العمل على جذب قطاعات من رجال الدين بعيداً عن معسكر التشدد المؤيد للنخبة الحاكمة. وهو ما يمكن القيام به من خلال دعوة طلاب الحوزات وخريجيها من الشباب لزيارة مزارات ومساجد آل البيت في مصر. وإقامة مؤتمرات ولقاءات مشتركة لهم مع رجال دين مصريين (يفضل من جيل الشباب أيضاً) بهدف تفكيك وتطوير أفكارهم الفقهية والعقيدية وتحريرها من سطوة القوالب التي تبثها فيهم حوزات قم.

7ـ الأطراف الثالثة:

طوال السنوات الماضية، كانت الأطراف الثالثة عامل تقييد وكبح لفكرة تحسين العلاقات المصرية الإيرانية. سواء كان ذلك بشكل مباشر أو متعمد، أو نتيجة تزيد من الجانب المصري في حساب ردود الفعل على أي تحسن محتمل مع طهران. وبعد انتهاء حقبة العداء الإيراني الغربي. فإن على السياسة المصرية أن تتحرر بدورها من المراعاة الطوعية لمواقف الأطراف الأخرى من العلاقة مع إيران، سواء كانت الولايات المتحدة الأمريكية، أو دول مجلس التعاون الخليجي، وتحديداً السعودية والبحرين والإمارات. فلكل من هذه الدول حساباتها وخصوصيتها في إدارة العلاقة مع إيران بالصورة الملائمة لها. والمطلوب ليس الوقوف عند حد التحرر من قيد الطرف الثالث. لكن أيضاً توظيف هذا الطرف (بل الأطراف) في إدارة العلاقة مع إيران. فمع التقارب الإيراني الغربي، أضحت الدول الغربية طرفاً يمكنه التعامل مع إيران بعيداً عن موقع العدو أو الخصم. وبالتالي يمكنها لعب دور مساند للمواقف المصرية في القضايا أو الملفات الخلافية مع طهران. وبشكل محدد، يجب على السياسة المصرية وضع مطالبها ومخاوفها تجاه إيران، ضمن حساباتها فيما تطلبه وتطرحه على الدول الغربية. وهو ما ينطبق ايضاً وربما أكثر على روسيا، الحليف الاستراتيجي لإيران.

المحور الثاني

مداخل وآليات التأثير في المجال الاقتصادي

المستوي الأول: مداخل التأثير:

1ـ تطوير السياسات الاقتصادية:

لعدة عقود، اتسمت السياسات الاقتصادية في إيران بالحمائية. إذ كانت تفرض قيوداً متزايدة على حركة الاقتصاد في مختلف القطاعات: الاستثمار، السياسات النقدية، المالية، والتجارية. كما غلب على فلسفة وتوجه الاقتصاد منذ نشوب الثورة، سيطرة الدولة على الاقتصاد، حتى في حالة تطبيق بعض المفاهيم الرأسمالية أو السياسات اللبرالية. كلها تتم تحت سيطرة شبه كاملة من الحكومة ومن خلال الكيانات الرسمية لتابعة للدولة. وفي السنوات الأخيرة، ومع بداية تصعيد الضغوط الخارجية على طهران بعد انكشاف برنامجها النووي غير المعلن، في عام 2002. حاولت السياسات الاقتصادية الإيرانية التكيف ومعالجة تداعيات العقوبات والضغوط الخارجية. تارة بمزيد من الإجراءات الحمائية. وتارة أخرى بتخفيف سيطرة الدولة وإتاحة الفرصة للقطاع الخاص وتحرير حركة التفاعلات الاقتصادية خصوصاً في مجالي التجارة وما يتطلبه من أدوات مثل سعر العملة والرسوم الجمركية. مثلاً، عام 2012، ونتيجة انخفاض سعر الريال الإيراني بشدة. طبقت طهران نظام سعر الصرف المتعدد (بعد أن كانت تخلت عنه في السابق). وذلك في محاولة للمواءمة والجمع بين ثبات سعر الصرف، والمرونة المطلوبة في التعاملات التجارية الخاصة بالسلع المهمة والحيوية. فصارت الواردات من بعض السلع مثل الأدوية، تخضع لسعر الصرف الرسمي. بينما يتم استيراد سلع أخرى لسعر صرف متوسط بين السعر الرسمي وسعر السوق غير الرسمية. وبالنمط ذاته، تم استبدال نظام الحصص على الواردات السلعية بالتعريفات الجمركية، بما يسمح بمزيد المنافسة من الواردات. من ناحية أخرة، تنوي حكومة حسن روحاني تطبيق إصلاحات اقتصادية جديدة يجري بموجبها تحويل حركة الاقتصاد الإيراني في اداخل، إلى حركة غير نقدية. وذلك بتحصين الإنتاج المحلي من خلال حوافز ضريبية، التحسين المستمر لبيئة الأعمال، ومنح البنك المركزي قدراً أعلى من الاستقلالية.

2ـ انفتاح ما بعد الاتفاق:

معروف أن للاتفاق النووي الإيراني- الغربي تداعيات سياسية واقتصادية واستراتيجية. من شأنها أن تجعل الاتفاق أهم وأعقد كثيراً من مجرد اتفاقاً “نوويا” بالمعنى الفني. كما يعرف جيداً متابعو الشأن الإيراني، ما كان لتشديد العقوبات الاقتصادية عام 2012 من أثر بالغ في تحريك الموقف الإيراني من المفاوضات النووية، باتجاه المرونة وقبول بعض مطالب الغرب وشروط للاتفاق كانت طهران ترفضها قبل التشديد. من ثم، فإن إبرام الاتفاق يفتح باباً واسعاً أمام الاقتصاد الإيراني لاستعادة عافيته، بعد سنوات من الانكماش طال معظم قطاعاته. وقد استعدت الكيانات الاقتصادية العالمية في مختلف المجالات لهذا الانفتاح المتوقع للاقتصاد الإيراني على العالم. شمل ذلك كلاً من الشركات الغربية التي كانت ممنوعة من التعامل مع طهران بحكم العقوبات، وأيضاً الشركات التابعة للدول وثيقة الصلة بإيران، مثل الصين وروسيا. هذا الشمول يجعل الانضمام إلى موجة الإقبال الاشتباك الاقتصادي مع إيران، أمراً ضرورياً للمصالح الاقتصادية المصرية. وفي الوقت ذاته أصبح لدى إيران بعد الاتفاق، استعداداً لتقبل هذا الاشتباك الاقتصادي مع أطراف خارجية، سواء في شكل استثمارات أجنبية في إيران أو تبادل تجاري. والأرجح أن تبادر طهران إلى تخفيف القيود الاقتصادية (الإجراءات الحمائية) خصوصاً التعريفة الجمركية على الواردات، أو شروط الاستثمار سواء الصناعي أو الزراعي. مجمل المشهد الاقتصادي الإيراني، داخلياً وخارجياً، يمثل حافزاً قوياً لمصر لتتحرك نحو طهران وتفعيل التعاون الاقتصادي معها في مختلف المجالات.

3ـ الميزة النسبية:

أحد أهم المداخل أو بالأحرى الفرص المواتية في التعاون الاقتصادي، وبالنسبة لقدرة مصر لاحقاً على توجيه علاقتها مع إيران اقتصادياً، الميزة النسبية التي تمتلكها كل من الدولتين. وتتركز المزايا النسبية للدولتين في المجال التجاري بصفة خاصة. حيث يمكن لكل منهما تقديم عدد من السلع والخدمات غير المتوافرة لدى الأخرى. وتملك مصر ميزة نسبية عالية بالنسبة لإيران، في السلع الغذائية، سواء المصنعة أو الزراعية الخام، مثل الفاكهة والخضروات.

كما تملك مصر خبرة واسعة في قطاع الخدمات اللوجستية مثل الشحن والنقل والتخزين. والخدمات المالية خصوصاً المصرفية. وفي ظل الانفتاح المتوقع للاقتصاد الإيراني، فأمام الشركات المالي والمصارف المصرية آفاق كبيرة للاستثمار في هذا القطاع الواعد في إيران. وفي المقابل فلدى طهران ميزة كبرى في قطاع السيارات. يعد قطاع السيارات الأكبر في الشرق الأوسط بإنتاج بلغ 1.1 مليون سيارة في 2014، ويشكل القطاع قرابة 10% من الناتج المحلي للبلاد.

وتسعى إيران إلى زيادة الإنتاج ليتراوح من 3 -4 مليون سنوياً بعد رفع العقوبات. ما يدعو إلى العمل على توسيع التعاون بين الدولتين على مستويين، إٌقامة مشروعات مشتركة لصناعة السيارات الإيرانية في مصر، حيث توجد أيدي عاملة رخيصة. وتوجد بعض مستلزمات إنتاج السيارات ذات نوعية جيدة. مثل الزجاج والمطاط والجلود. واستيراد السيارات الإيرانية بأسعار تفضيلية نتيجة انخفاض تكلفة الإنتاج مع خفض مناسب للرسوم الجمركية يوازي أو يزيد الخفض الجاري تطبيقه في مصر بدءاً من 2010 على السيارات الأوروبية بموجب اتفاقية حرية التجارة العالمية.

4ـ الفقر الاستثماري:

كل من مصر وإيران دولة مستقبلة للاستثمارات، والاقتصاد في الدولتين يفتقر إلى رؤوس الأموال اللازمة لإنعاشه. ورغم أن الحاجة المشتركة للاستثمارات تجعل الأفضلية للاستثمار الداخلي، إلا أن ثمة تباين في الفرص الاستثمارية المتاحة. الأمر الذي يتيح القيام باستثمارات متبادلة وكذلك مشروعات مشتركة في بعض المجالات. مصر بحاجة إلى استثمارات صناعية بمختلف أنواعها، الصناعات الخفيفة والتحويلية والثقيلة. بينما تعاني إيران من فقر استثماري في قطاع الزراعة. والي تملك مصر فيه خبرة فنية كبيرة. ومن أوجه النقص الاستثماري المشتركة، فقر التكنولوجيا. حيث تعاني الدولتين من الاعتماد على تقنيات قديمة وبدائية في معظم قطاعات الصناعة والزراعة.

5ـ سوق استهلاكية كبيرة:

من أكثر فرص تطوير العلاقات بين مصر وإيران والتأثير في القرار الإيراني من خلال الاقتصاد، ضخامة السوق الإيراني كسوق استهلاكية. خصوصاً في الأغذية، والملابس الجاهزة ومواد البناء ومستلزمات الإنشاءات والبنية الأساسية. إذ يبلغ حجم استهلاك الإيرانيين من الأغذية حوالي 75 مليار دولار ومن المنسوجات 20 مليار دولار. ومع اتساع الشريحة السكانية من الشباب، زاد إقبال الإيرانيين على البضائع الأجنبية في هذه القطاعات. ومن المتوقع أن تزداد تلك السلع رواجاً وانتشاراً في الداخل الإيراني بعد رفع الحظر عن التجارة مع طهران.

6ـ توسعات مستقبلية:

الطاقة الاستيعابية للاقتصاد الإيراني في الأنشطة والمشروعات والخدمات تفوق كثيراً القائم حالياً. ومن أبرز المجالات التي تتطلع إلى زيادة وتوسيع العمل فيها، الإنشاءات والخدمات. التشييد والبناء حيث تحتاج إيران إلى 19 مليار دولار لمشاريع المياه والصرف الصحي. ونحو 2.5 مليار دولار لتطوير مطار الخميني الدولي. كما يعاني قطاع الإسكان العقارات والإسكان من تدهور حاد. بما في ذلك المنشآت السياحية والفندقية التي تعاني من نقص كمي وتراجع نوعي.

كذلك من القطاعات الاستيعابية في الاقتصاد الإيراني، قطاع الخدمات اللوجستية. إذ تسعى طهران إلى أن تكون مركزاً عالمياً للخدمات اللوجستية، سواء بحرياً عبر مضيق هرمز أو برياً عبر مشروع ضخم لتطوير شبكة السكك الحديدية بتكلفة 25 مليار دولار، وذلك بحلول 2022. وبشكل عام يمثل قطاع الخدمات اللوجستية ساحة مفتوحة للاستفادة من الخبرة المصرية فيه.

المستوي الثاني: الآليات والإجراءات:

1ـ تعاون نووي:

هناك خطوات محددة يمكن للدولتين القيام بها للاستفادة من الميزات النسبية لكل منهما. ومن الأولويات في هذا السياق، الاستفادة المصرية من التقدم الكبير الذي حققته إيران في المجال النووي. معلوم بالطبع أنه ليس مجالاً اقتصادياً بالمعنى الضيق. لكن أبعاده الاقتصادية حاضرة سواء في الاستخدامات السلمية والتكنولوجية للطاقة النووية أو في المردود الاقتصادية لامتلاكها. وكانت طهران قد عرضت أكثر من مرة التعاون مع الدول العربية في المجال النووي.

وبعد إبرام الاتفاق النووي، ربما على الدول العربية ومن بينها مصر، أن تفكر جدياً في ذلك. خاصة أن القاهرة وعواصم عربية أخرى بصدد تدشين أو تفعيل براج نووية سلمية. ورغم ما لمصر من خبرة في هذا المجال وامتلاكها قدرات متميزة خصوصاً في نطاق الكفاءات البشرية، إلا أن الخبرة الفعلية التي حصلتها إيران تشمل كافة النطاقات وليس القدرات البشرية وحسب. فضلاً عن أن إيران شرعت بالفعل في تطبيق قدراتها النووية في المجال السلمي خصوصاً في الطب والهندسة الوراثية وغيرها من المجالات.

الأمر الذي يمنحها ميزة نسبية مطلوبة بشدة بالنسبة لمصر في المرحلة المقبلة. وفضلاً عن النواحي السياسية والأبعاد الاستراتيجية لهذا التوجه، له مزايا اقتصادية مهمة لا تقتصر على توفير تكاليف مالية كبيرة ستتحملها القاهرة مقابل التعاون في نفس الخطوات أو المشروعات مع أطراف أخرى من النادي النووي. وفي المقابل، فإن إيران ستكون حريصة على تثبيت ذلك التعاون وتوسيعه لما سيجلبه لها من عوائد مالية إضافة إلى تطبيق وتطوير ما حصلته من تكنولوجيا وتراكم في الاستخدام السلمي للطاقة النووية.

2ـ خطوات استثمارية:

تعاني الدولتان من الاعتماد على تقنيات قديمة وبدائية في معظم قطاعات الصناعة والزراعة. ويمثل ذلك تحدياً مشتركاً، يمكن العمل على مواجهته من خلال الدخول في كيانات اقتصادية وفنية متخصصة في تقديم الخدمات التكنولوجية المتقدمة للقطاعات الاقتصادية المختلفة، خصوصاً الصناعية منها والزراعية. ويمكن البدء في ذلك بشراكة مع شركات عالمية قائمة بالفعل. ثم لاحقاً إنشاء كونسورتيوم مصري- إيراني مشترك.

من جانبها، تدرك طهران أن تحسين بيئة الاستثمار يتطلب إصلاحات هيكلية أهمها تحسين شروط الاستثمار وتبسيط الإجراءات الإدارية. وأعلنت بالفعل بالفعل عن تعديلات واسعة على عقود الاستثمار لاسيما في صناعة النفط والغاز الطبيعي.

3ـ السفر والسياحة:

من الإجراءات الأساسية نحو تطوير العلاقات وتعميقها. تسهيل إجراءات السفر والتنقل بين الدولتين. وذلك بالتطبيق المتبادل لإلغاء التأشيرة. فقط قامت إيران بتلك الخطوة من جانب واحد. ومطلوب من الجانب المصري الشيء ذاته. ثم بعد ذلك يجب تسهيل شروط وإجراءات استقطاب العمالة من الدولتين. بما يشجع إقامة المشروعات المشتركة والاستثمارات على الجانبين. ثم تأتي السياحة كأحد أهم روافد العلاقات والعوائد الاقتصادية بالنسبة لمصر. لما تتمتع به السياحة الدينية الإيرانية من ميزة نسبية كبيرة بالنسبة لمصر. لكثرة المزارات الدينية الشيعية التي يتطلع الإيرانيون إلى زيارتها بشغف. ما يؤشر إلى أن عائدات السياحة المصرية بشكل عام، تنتظرها زيادة كبيرة حال فتح الباب أمام السياحة الدينية الإيرانية، نظراً لكثرة الأعداد التي يتوقع أن تفد إلى مصر سنوياً لهذا الغرض.

المحور الثالث

مداخل وآليات التأثير في المجال الاجتماعي

المستوي الأول: مداخل التأثير:

تناولت الورقة الخاصة بالمحور الاجتماعي، خصائص المجتمع الإيراني وأبرز المشكلات التي تواجهه وكيفية التعامل الحكومي معها. وفي ضوء ذلك، يمكن تلمس بعض المداخل الأساسية للولوج إلى هذا المجتمع، وكذلك آليات مبدئية يمكن اتباعها للتعامل معه بما يحقق المصالح المصرية، ويعظم مكاسب مصر في أي مسار للعلاقة مع إيران,

1ـ الانقسام المجتمعي:

رغم ما يبدو لغير المتابع للشأن الإيراني، من تماسك مجتمعي يميز الإيرانيين. الواضح من دراسة المجتمع الإيراني عن قرب، أن الانقسام سمة ملازمة له. مع وجود أكثر من محور للانقسام، كما سبقت الإشارة. الأمر الذي يعني في التحليل الأخير أن ذاك الانقسام يمثل مدخلاً رحباً لاختراق ذلك المجتمع والعمل من داخله بما يخدم المصالح المصرية. أو على الأقل يؤثر على موقف المجتمع الإيراني تجاه مصر إيجابياً. وبالتالي ينعكس لاحقاً على السياسة والسلوك الإيراني تجاه الدولة المصرية وتجاه القضايا التي تتقاطع مع الأمن والمصلحة المصرية.

لذا ينبغي العمل على الفجوات الحاصلة بين شرائح وطبقات المجتمع الإيراني. والانطلاق من التمييز الذي تعاني منه بعض تكوينات المجتمع لصالح أخرى. لما للمفاهيم المساواة والتمييز الإيجابي والحراك الطبقي وغيرها، من وقع إيجابي وأثر نفسي فردي وجماعي، لدى مختلف الفئات والتكوينات الاجتماعية المضطهدة أو المُهمشة. ومن المهم في هذا الخصوص الاستفادة من بعض السمات المميزة للأقليات في إيران، مثل الإيجابية والرغبة في المشاركة. فالشعور بعدم المساواة لا يدفع إلى التقوقع والانعزال، بقدر ما يمثل لدى الأقليات خصوصاً السنة، حافزاً للمشاركة والتفاعل والسعي إلى التأثير في الحياة العامة والاستحقاقات السياسية.

2ـ الانتماء والهوية:

هذا هو الوجه الآخر لمدخل الانقسام، فإذا كان الأول ينطلق من العلاقة بين التكوينات الاجتماعية والوضع المقارَن لكل منها، فإن هذا المدخل يركز على “الذات” في كل منها ويغذي الشعور بالهوية والانتماء إلى أصل أو مرجعية معينة. وبينما قد تتشابه آليات وأدوات المدخل السابق، لأنها جميعاً تعمل على فجوات وانقسامات وأوضاع متشابهة بين أكثر من طائفة أو فئة اجتماعية. الأمر يختلف في هذا المدخل، حيث تتباين انتماءات وولاءات كل مكون اجتماعي وبالتالي ستتنوع وتختلف أيضاً الأدوات وآليات التعامل المناسبة لكل منها. لكن الثابت عبرها جميعاً، هو البحث عن مصدر شعور تلك الفئة بهويتها وذاتها، واتخاذه مدخلاً للتعامل معها.

3ـ الأوضاع المعيشية:

كما هو شأن مجتمعات الدول النامية، تمثل الأوضاع المعيشية مدخلاً شديد الأهمية والوضوح للتأثير في المجتمع، بل والدولة أيضاً. ليس بالضرورة من زاوية الفقر وانخفاض مستوى المعيشة. لكن بالإضافة إلى ذلك هناك زوايا أخرى مهمة مثل الفساد وافتقاد عدالة توزيع الموارد ومستوى الخدمات التي تقدمها الدولة والقوانين المنظمة للسوق والحياة الاقتصادية بصفة عامة، خصوصاً فيما يتصل بالمشروعات الصناعية والتجارية الصغيرة والمتوسطة.

4ـ الأمراض المجتمعية:

يقصد بالأمراض المجتمعية المشكلات الناجمة مباشرة بالوضع الاجتماعي سواء بشكل عام أو بالنسبة لفئات وشرائح اجتماعية معينة. ومن أهم وأبرز تلك المشكلات، الإدمان والأمية. وهما من أكثر الأمراض الاجتماعية تأثيراً في التماسك المجتمعي الآني، وفي كفاءة المكون البشري للدولة ككل مستقبلاً. بالنسبة للمخدرات والإدمان، تفاقمت المشكلة في السنوات الأخيرة حتى تجاوز عدد المدمنين 6 ملايين شخص. وهو عدد كبير في مجتمع مسلم يفترض أنه يتسم بالتحفظ والالتزام الديني، فضلاً عن القيود الرسمية الشديدة المفروضة على السلوك الاجتماعي والشخصي. ومما يزيد معضلة المخدرات صعوبة في المجتمع الإيراني، الحدود الطويلة الممتدة بين إيران وأفغانستان، والتي تجعل الأراضي الإيرانية معبراً ومصباً لتجارة المخدرات القادمة من أفغانستان. والوجه الآخر لهذه المعضلة، أنها تجعل هناك حاجة مستمرة وقوية لمواجهة مشكلة الإدمان على المستويين الاجتماعي والصحي. وكذلك الأمر بالنسبة لمشكلة الأمية، فعدد الأميين وصل إلى 10 ملايين إيراني، 3.5 مليون منهم في سن العمل. وهو ما ينعكس بدوره على ارتفاع معدلات البطالة نتيجة نقص أو غياب التعليم. وهكذا تمثل المشكلات المجتمعية مدخلاً مهماً أمام مصر للتأثير في الوضع الداخلي في إيران، ثم لا حقاً في إدارة العلاقة بين الدولتين على المستوى الشعبي خصوصاً.

المستوي الثاني: الآليات والأدوات:

1ـ الاتصال الميداني المباشر:

أفضل آليات التعامل والتأثير في كل ما يتعلق بالجانب الإنساني والاجتماعي، هو الاتصال المباشر. ويشمل ذلك التأثير الثقافي وتوجيه الرأي العام. والمقصود بالاتصال المباشر الاحتكاك بالمجتمع ممثلاً في تكويناته المختلفة وشرائحه المتباينة. وهو ما يستلزم أولاً المعايشة الميدانية من المجموعة القائمة بالاتصال. ثم الاندماج مع الفئة الاجتماعية المستهدفة. مع الحرص على احتلال مكانة متميزة تسمح بالتواصل مع قطاع عريض من تلك الفئة، خصوصاً العناصر أو المجموعات الأكثر تأثيراً أو القيادية داخلها. وربما يكون هذا متيسراً في حالات محددة، مثلاً، عندما يكون القائم بمهمة التأثير من العاملين في المهن والأعمال ذات الصلة بالتعامل مع الجمهور. خصوصاً، المدرسين، الأطباء، موظفي المصالح الحكومية والدواوين العامة، أصحاب الحرف اليدوية والعاملين بالمتاجر. لكن مقابل الفعالية التي يحققها التواصل المباشر، تواجه هذه الآلية صعوبات ومحاذير كثيرة. من أهمها الاحتياج على مدى زمني طويل لتحقيق النتائج المرجوة. كما أن هناك مخاطر أمنية كبيرة على القائم بتلك الأعمال، خصوصاً في مجتمع تلعب أجهزة الأمن فيه دوراً محورياً في الحفاظ على نظام الحكم.

2ـ التواصل الجماعي:

يختلف التواصل الجماعي عن الاتصال المباشر سوى بشكل جزئي، وهو استهداف أعداد من الشريحة الاجتماعية أو الفئة المستهدفة بشكل متزامن، وهو ما يوفر كثيراً من الوقت والجهد الذي قد يمثل عقبة أمام التواصل الميداني المباشر (الفردي). وفي هذه الآلية يلعب الإعلام دوراً جوهرياً في تحقيق وتنفيذ المهمة. حيث يمكن لإذاعة بلغة محلية تحقيق تأثير عميق وسريع في قطاع جغرافي واسع يضم طائفة أو فئة اجتماعية معينة، مثل الأقليات القومية أو العرقية. وهو ما ينطبق أيضاً على بعض المكونات الاجتماعية التي ينبغي استهدافها، وإن لم تكن أقلية بالمعنى الطائفي، مثل الطبقات الفقيرة، أو الشباب من الجنسين. وهنا تبرز على الفور الأداة الأشهر وهي شبكات التواصل الاجتماعي (فيس بوك، تويتر،…) والقنوات الفضائية. وفي سياق مجتمعي آخر، تلعب المؤتمرات واللقاءات الجماهيرية هي الأكثر فعالية. وذلك بالنسبة لطلاب المراحل قبل الجامعية وطلبة الجامعات والأكاديميين والفئات ذات المستوى الثقافي المتوسط فأعلى.

3ـ روابط وظيفية:

الآليات السابقة، تصب كلها في وعاء التأثير الآني الذي يحتاج إلى تجديد واستمرارية، سواء للحفاظ على التأثير المتحقق مع نفس المتلقي، أو للانتقال إلى متلقين آخرين. بينما يمكن من خلال بعض الآليات ذات الصفة المستمرة أو المتجددة تحقيق ذات الأثر. وإيجاد عملية تأثير ذاتية مستمرة. وهو ما يمكن أن يتحقق من خلال إقامة استثمارات صناعية أو تجارية متوسطة وصغيرة في المناطق التي تتمركز فيها الأقليات. بحيث تكون تلك المنشآت مركز اتصال ميداني مباشر، ونقطة تنسيق وتوجيه للقائمين بالتواصل الجماعي. فضلاً عن تحولها تدريجياً وبمرور الوقت إلى أداة قوة اقتصادية مباشرة يمكن توظيفها حسب التطورات. وعلى النمط ذاته، سيكون من المهم إبرام اتفاقات تبادل تجاري (استيراد وتصدير) على نطاق محدود، تخلق روابط اقتصادية ومصالح مباشرة للفئة المستهدفة أو بعض المنتمي إليها، مع الطرف القائم بالتأثير. وأخيراً غني عن البيان مدى أهمية المنح التعليمية والبعثات التي تلعب دوراً مهماً في تشكيل اتجاهات وأفكار الطلبة سواء في المرحلة الجامعية أو الدراسات العليا. ويمكن أيضاً استخدام أداة مشابهة للمنح والبعثات التعليمية، لكن في الداخل الإيراني وعلى نطاق جهوي محلي. وذلك من خلال مراكز التدريب التي تقدم دورات وبرامج في مجالات التنمية البشرية ومهارات الاتصال وغيرها من المتطلبات التي يحتاجها الشباب بصفة خاصة. فمن خلال تلك المراكز يمكن تحقيق التواصل المباشر الجماعي، وتضمين محتوى تلك البرامج ما يخدم الهدف المطلوب.

4ـ مراكز خدمية:

من الإجراءات المهمة المطلوبة على المستوى الاجتماعي، إقامة مراكز خدمية تعمل على مواجهة المشكلات والأمراض الاجتماعية. تحديداً الإدمان والأمية. وتملك مصر خبرة طويلة في آليات وطرق مواجهة هاتين المشكلتين. لذا نقترح الاهتمام بإقامة مراكز لعلاج الإدمان واستشفاء المدمنين، برؤوس أموال مصرية أو مشتركة، وبخبرة طبية ونفسية مصرية. وبالنسبة للأمية، يمكن لمصر أيضاً المساهمة بقوة في التخلص من الأمية بتوظيف الأعداد الكبيرة المعطلة من المتخصصين المصريين في مجال التعليم بمختلف مستوياته. ويفضل أن يكون العمل في مجال محو الأمية وتعليم الكبار موجهاً بصفة خاصة للمناطق المهمشة في إيران، خصوصاً مناطق الأقليات السنية وغيرها. حيث يمكن توجيه قدر من الاهتمام في مواجهة الأمية، بتعليم اللغة العربية ولو كلغة ثانية إلى جانب الفارسية. وبشكل عام، يفضل أن تعمل تلك المراكز سواء الموجهة لعلاج الإدمان أو التعليمية، من منطلق خدمي وليس سياسي. الأمر الذي يجعلها أكثر نفاذية إلى المجتمع ومقبولية من الأجهزة الرسمية.

المحور الرابع

مداخل وآليات التأثير في المجال السياسي

أولاً: المنع والتقييد:

إنها القاعدة الشهيرة “الممنوع مرغوب” فكلما استمر المنع والتقييد الإعلامي، يصير البديل مطلوباً أياً كان مصدره. وبالتالي يمكن البحث في كيفية طرح إعلام بديل يتجاوز سقف القيود والمحاذير التي تفرضها طهران على الإعلام الداخلي. خاصة أن ما تقوم به طهران من محاولات لتوفير بدائل ذاتية للإعلام العالمي، لا تزال غير ناجحة في الاستحواذ على عقل المواطن الإيراني. وبالتالي فطالما استمر منع وتقييد الوصول إلى الاعلام غير الرسمي، ستظل الفرصة مواتية لتمرير رسائل أو وسائل إعلامية غير إيرانية، تخدم المصالح المصرية والصورة الذهنية لمصر لدى المواطن والمجتمع الإيراني.

ثانياً: الإعلام المحلي:

من أوسع المداخل التي يمكن طرقها في المجال الإعلامي، تركيز طهران على الإعلام الرسمي المركزي، خصوصاً في نطاق المرئي والمسموع. إذ لا مقارنة بين الاهتمام المتزايد إعلامياً بالعالم الخارجي، وما تبديه من تجاهل شبه كامل إعلامياً للطبقات الفقيرة والأقليات. وبالتالي فالفرصة مواتية تماماً لمخاطبة المحافظات الفقيرة والمكونات الاجتماعية المهمشة، والأقليات خصوصاً القومية، من خلال وسائل إعلام موجهة تتحدث باللغة الخاصة بهم وتتناول قضاياهم وتخاطب تطلعاتهم.

ثالثاً: تكنولوجيا الاتصال:

رغم القيود الكثيرة التي تفرضها طهران على وسائل الاتصال والتواصل. تظل التكنولوجيا الحديثة سابقة على القيود والإجراءات التقييدية التي تطبقها الحكومات. ومن المهم في هذا الخصوص الاستفادة من الطفرة الهائلة التي حدثت في مجال الاتصالات في إيران. ومثال ذلك اتساع نطاق امتلاك واستخدام الهواتف المحمولة، خصوصاً الذكية، بشكل مذهل. فقد وصل عدد أجهزة الهاتف المحمول في إيران عام 2012 إلى 58,2 مليون، ثم زادت بنسبة 11% في اقل من ثلاث سنوات، فوصلت عام 2015 إلى 71 مليون، الأمر الذي يعني أن ثمة مجالاً واسعاً للتعامل مع الشعب الإيراني من خلال تلك الأدوات النكنولوجية الحديثة، خصوصاً مع تقدم تقنيات التراسل المباشر والتواصل الإلكتروني باستخدام تلك الأجهزة.

رابعاً: وسائل إعلام موجهة: وفقاً للتقديرات المتعلقة بالتركيبة الديمغرافية للشعب الإيراني، فإن أقل قليلاً من نصف السكان يعتبرون من الأقليات، وبالتالي فإن التركيز إعلامياً على الأقليات يعني التأثير في نصف الشعب تقريباً. ويمكن لوسائل الإعلام الموجهة لعب دور أساسي وجوهري وفعال في هذا الخصوص بدءاً بإنشاء إذاعات ناطقة باللغات المحلية الخاصة بالأقليات. مروراً بتخصيص برامج ومواد تليفزيونية تُبث عبر الفضائيات وتستهدف تلك الأقليات بشكل تبادلي. ويفضل أن يتم ذلك من خلال قنوات مخصصة لهذا الغرض. سواء الفضائيات التقليدية، أو عبر الفضاء الإلكتروني من خلال YouTube أو برامج أخرى مشابهة لا تخضع للرقابة في إيران.

خامساً: برامج تواصل:

من المهم توظيف قدرات المبرمجين والخبراء المتخصصين في تكنولوجيا المعلومات. لاستحداث برامج ومواقع تواصل اجتماعي جديدة يمكن استخدامها على نطاق ضيق وتستهدف بعض الشرائح الاجتماعية في إيران. بحيث تكون بديلاً ثالثاً أمام الإيرانيين، خلاف المواقع والبرامج الغربية، وتلك التي تنشئها السلطات الإيرانية وتفرضها على الشعب هناك.

سادساً: استقطاب إعلاميين:

سنوياً، بمناسبة الاحتفال بذكرى الثورة الإسلامية في 11 فبراير 1979، تنظم إيران زيارة مطولة لعدد من الإعلاميين والشخصيات العامة من عدة بلدان، من بينها مصر. وتتم خلال هذه الزيارات السنوية لقاءات متنوعة مع مسؤولين وإعلاميين وأكاديميين إيرانيين. خلاف الجولات السياحية والفعاليات التعريفية بطبيعة الشعب والحضارة الإيرانية. ويوجد في مصر ما يمكن اعتباره “لوبي” إيراني” يدافع عن طهران ويتبنى وجهات نظرها. وإن كان هذا اللوبي محدود العدد ولا تظهر توجهاته بشكل واضح متكرر كما هو الحال مع بعض الموالين للولايات المتحدة مثلاً. والمطلوب أن تقوم مصر باستخدام تلك الأداة ذاتها، أي تكوين لوبي مصري في إيران. ومن الطبيعي أن يستغرق هذا زمناً طويلاً، لكنه أمر لا بد منه وبالتالي لا مبرر لتباطؤ إزاءه. وبالتوازي مع هذا التحرك طويل الأجل، هناك حاجة ماسة إلى التواصل المباشر مع إعلاميين وناشطين وشخصيات عامة إيرانية، خصوصاً من الإصلاحيين ودعاة التغيير هناك. وإقامة لقاءات دورية معهم وتنظيم فعاليات شبابية وثقافية يتم التركيز فيها على التواصل والتعاون ومجالات المصلحة والحوار بين الجانبين. ونقترح في هذا الخصوص، إصدار مطبوعات ودوريات متخصصة في الشأن الإيراني وتوزيعها بأسعار زهيدة للمهتمين، ومجاناً في المؤسسات التعليمية. وتخصيص فترات بث تليفزيوني وإذاعي للشأن الإيراني، على غرار ما كان في الماضي من اهتمام إعلامي توعوي بإسرائيل، وحالياً بإفريقيا.

المحور الخامس

مداخل واقتراحات عامة

حتى يمكن تحويل الاقتراحات السابقة إلى واقع فعلي وخطوات تنفيذية يمكن رصدها ومتابعتها وتطويرها وتقييمها، لا بد من تأطير العلاقات وتنظيمها من خلال مؤسسات تضطلع بتلك المهام بشكل دائم في مختلف المجالات. والركن الأساس في عملية التأطير، هي إنشاء كيانات مشتركة رسمية وغير رسمية دورها تعزيز وتدعيم العلاقات. منها على سبيل المثال:

1ـ لجنة عليا مشتركة:

يجب تشكيل لجنة عليا مشتركة على مستوى وزاري في الحد الأدنى. وعلى غرار اللجان العليا مع دول كثيرة، تتولى اللجنة وضع اقتراحات التعاون وتحويلها إلى خطط عمل ومشروعات محددة في مختلف المجالات. وتجتمع دورياً لمراجعة عملية التنفيذ وتقييم النتائج وإدخال التعديلات اللازمة. وتتولى اللجنة صياغة اتفاقيات تعاون في مختلف المجالات. بحيث تتخذ العلاقات صبغة تعاقدية دائمة، لا تقترن فقط بحالة وئام سياسي ولا ترتبط بطبيعة النظام الحاكم في أي من البلدين.

2ـ منتدى العلاقات المصرية الإيرانية:

كيان غير رسمي، يعمل بصفة موازية ومكملة للجنة العليا المشتركة. مع تميزه بعضوية مفتوحة تشمل مفكرين ومثقفين وباحثين وعلماء وغير ذلك من الشخصيات صاحبة العلم والمعرفة في مختلف التخصصات. ويكون المنتدى بمثابة مؤسسة تنويرية ذات رؤية أبعد وآفاق عمل أوسع وأرحب لا تتقيد بالقيود والأطر الرسمية. وإنما تقدم للرسميين النصائح والأفكار من خارج الصندوق.

3ـ ملتقى رجال الأعمال:

لقاء سنوي أو نصف سنوي، يضم رجال الأعمال من البلدين. يركز على رؤية أصحاب الأعمال سواء الاستثمارات أو التجارة أو الخدمات من البلدين، لمسار العلاقات الاقتصادية وكيفية تطويرها. ويعرض المشكلات والعقبات أمام تعميق وتوسيع التعاون الاقتصادي، والحلول المقترحة. أي كيان أو فعالية غير رسمية أضيق نطاقاً من منتدى العلاقات، تتركز اهتماماته وعضويته في مجال الاقتصاد.

4ـ جمعية صداقة مصر وإيران:

اللجنة المشتركة كيان رسمي، والمنتدى كيان نخبوي، والملتقى محفل لرجال الأعمال. لذا لا بد من كيان يهتم بالمستوى الشعبي في العلاقات بين الجانبين. وهو دور المنظمات غير الحكومية، تحديداً جمعيات الصداقة. حيث تتولى التعريف المتبادل بالثقافة واللغة والجوانب المجتمعية. وتنظم مارض ومهرجانات ثقافية وفنية ورياضية مشتركة في البلدين بالتبادل. وكما تهتم الجمعية بالعلاقات الشعبوية، يفترض أيضاً أن تقوم بنقل تطلعات وآراء ومطالب المستويات الشعبية في الجانبين للجهات الرسمية مثل اللجنة العليا، وأيضاً النخبوية مثل المنتدى أو الملتقى.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق