fbpx
تقديرات

آليات تحقيق الاصطفاف الوطني بين القوى الثورية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مدخل:

تحقيق الاصطفاف الوطني يستدعي تكوين فريق عمل مختص بهذا الملف يتابع تطوراته ويتوفر على كل المعلومات المتاحة بشكل دقيق حتى يتم بناء استراتيجية فعالة ومرنة تتسم بالتنوع في المواقف، والظرفية في التقديرات حسب المتغيرات والتحولات وتشكيل خطابات ذات مضامين تناسب التغير في الحالة الظرفية.

على أن يحيط فريق العمل هذا بتفاصيله في المراحل الماضية، ويراكم كل الدقائق الخاصة به في المستقبل، وأن يكون هذا الفريق هو المعني برسم الاستراتيجية وتقدير المواقف والخطوات الخاصة بالتعاطي والتعامل مع هذا الملف مع الالتفات إلى أهمية التنوع في مجالات وتخصصات هذا الفريق في مجال العلوم الإنسانية والمهارات والخبرات العملية بشكل يمنح التكاملية والقدرة على رسم إستراتيجية متكاملة الأبعاد.

أولاً: طبيعة المواقف والسياسات التي يمكن أن يدار بها الموقف مع تلك القوى خاصة في اللحظة الراهنة. يمكن الحديث عن مجموعة قضايا منها:

1. عدم الدخول في معارك جانبية مع تلك القوى والانزلاق معها في اشتباكات فذلك مما يهدر الجهود ويعمق حالة القطيعة ويسد النوافذ أمام كل فرص الاستمالة وتغيير المواقف وحتى لو بدا من هذه القوى ما يبدو مستفزًّا ويحمل قدرًا من التجني.

من الواجب امتصاص كل ذلك والرد بهدوء حتى لا تتضرر صورة مناهضي الانقلاب من ناحية لدى الجمهور المتابع والمتلقي، وحتى لا يتم توفير الفرص أمام البعض ممن يستثمرون مثل تلك المشاحنات داخل تلك القوى لتعويم وتبرير مواقف القطيعة والجفاء داخل تركيبة هذه القوى التي ربما تكون بعض شرائحها لا ترغب بتلك الحالة من الجفاء أو تمتلك مقومات الاستدراك والمراجعة.

2. محاولة الانفتاح الدائم والالتقاء مع هذه القوى ورموزها وعدم استعجال النتائج في تغيير مواقفها وتبدل سياستها، وأن يكون المعنى بذلك أشخاص يتسمون بالمقبولية لدى تلك القوى، ويمتلكون مهارات الإقناع وثقافة الحوار والقبول المبدئي والقيمي بالآخر والمهارة السياسية في تقدير المواقف.

3. ابتعاد الخطاب الإعلامي عن ما يمكن أن يظهر على أنه شماتة بهذه القوى ورموزها، وما يحدث لهم من انتهاكات على يد النظام، بل وحمل تلك القضايا والمظلوميات والدفاع عنها كقضايا مبدئية وقيمية وإفساح المجال أمام هذه القوى للتعبير عن آرائها، وما قد يطالها من عنت من قِبَل النظام، والبحث دومًا عن المشتركات والابتعاد عن كل القضايا الخلافية. ويرتبط بذلك التأكيد على اعتماد الشعارات الجامعة التي تركز على قضايا المواطن المعيشية، ووقف الشعارات والخطابات التي تستعدي البعض، أو ذات طابع فئوي ضيق، مثل الشعارات الخاصة بالشرعية أو صور الدكتور مرسي.

4. البحث عن صيغ ومبادرات تحمل الحلول الملائمة لتجاوز الإشكاليات المستعصية والقضايا محل الاختلاف، مثل دستور 2012، وبرلمان 2012، وعودة الدكتور مرسي، والموقف من الجيش، والموقف من الأقباط، والاستعداد لتقديم قدر من التنازلات فلا توافق أو تقارب بين القوى المجتمعية دون أن تكون هناك تنازلات وبالنظر للطبيعة الرسالية للتيار الإسلامي؛ فإن كل تنازل لصالح المجموع العام لا يمكن أن يُقرأ على أنه سذاجة سياسية بقدر ما يكون أحيانًا قمة التقدير المناسب والفعل الملائم الذي تتوفر من حلاله مردودات إيجابية لصالح الكيانية الجمعية.

5. العرض الموضوعي للاختلافات الجوهرية وبلغة متزنة وعقلانية ومهنية بين طبيعة نظام مرسي الذي لم يصادر المجال العام، ولم تشهد خلاله الحياة السياسية مثل هذا الانسداد، ولم تحدث تلك الملاحقات والمذابح، مع الاعتراف بما يمكن أن يكون حدث من تقصير وخطأ دون مواربة أو تبرير.

فمن شأن ذلك الخطاب أن يضيق الخناق على هذه القوى ومنتسبيها في السجال الحجاجي، ومحاولة استخدم لغة أكثر موضوعية مراعاة للرقابة المجتمعية التي تنجم عن المتابعة لطبيعة الخطاب الصادر عن تلك القوى ورموزها.

6. عدم الإفصاح عن أية مبادرات لم تكتمل مع هذه القوى والتكتم على ما يمكن أن يجرى من محاولات للتوافق وعدم التسرع في الإعلان عن تقاربات وحلحلة للمواقف دون التأكد التام من توافق تلك القوى وقاعدة منتسبيها على ذلك تجنباً لحالة الإرباك وافتقاد المصداقية وعدم التفات النظام لتلك المحاولات لسعيه الدائم لإفشالها.

7. التركيز على الاصطفاف المجتمعي، وليس السياسي فقط، بما يتطلبه ذلك من بناء رؤية للاصطفاف على أسس وطنية وثورية جامعة لكل المكونات السياسية والاجتماعية والشعبية، وليس على أسس حزبية أو طائفية، أو أية تصنيفات أخرى.

وهو ما يعني الانطلاق من مبدأ الاصطفاف حول الوطن، وحول المواطن وقضاياه، وليس حول أشخاص أو كيانات سواء ما تعلق منها بالإخوان المسلمين أو غير الإخوان، فوجود رؤية جامعة حول هدف واحد وقضية رئيسة، هو المعيار الجامع، ويمكن ترك التفاصيل والآليات والإجراءات والشعارات لكل طرف طالما يؤمن بنفس الهدف ويتفق خلف نفس القضية، مع الاتفاق على ما يمكن تسميته بـ”كود أخلاقي” لبناء الثقة وتحسين الصورة الذهنية للقوى الثورية.

8. الكف عن اعتبار الانقلاب ممثلاً للدولة، أو اعتبار الدولة وجهًا للانقلاب، فالانقلاب إنما يختطف الدولة، والثورة تعمل على استعادتها لتصبح دولة الشعب لا دولة الانقلاب، في المقابل، يجب التسليم بأن أي فصيل، مهما بلغت قدراته، وتعاظمت تضحياته، لن يكون قادرًا بمفرده على إسقاط الانقلاب أو على حمل عبء إدارة الدولة بعد سقوطه.

9. الانتقال من حالة انتظار سقوط الانقلاب بسبب فشله وضعفه وتهافت قدراته، إلى مرحلة طرح البديل القادر على الانتقال بالدولة بأمان إلى استعادة المسار الديمقراطي وتحقيق العدالة الاجتماعية وبناء المستقبل، مع الإيمان بأن الجماعة الوطنية المصرية – وليست الانقلابات أو سلطات القمع – لديها البديل القادر على إنقاذ الدولة واستعادة السلم المجتمعي والعودة لطريق الحرية وتحقيق العدالة الاجتماعية والتطور الاقتصادي الذي تستحقه مصر ويستطيع شعبها أن يُنجزه.

ثانياً: خصائص الإطار التنفيذي المطلوب:

لأن هذا الاصطفاف، هو أهم شروط تجدُّد الحس الثوري في مصر؛ فإنه لن يكون بالأمر السهل؛ لأن النظام الحالي في مصر يدرك ذلك، ويحاول منعه بشتى الطرق، ومن ثَمَّ؛ فإن تحقيقه يحتاج إلى استراتيجية تتميز بالآتي:

1- بعيدة المدى؛ حيث إنه ثبت أن الدولة ليست الكيان الهش الذي كان الجميع يظنه، وأنها وريثة دولة فرعون ومحمد علي.

2- واقعية؛ بحيث تستند إلى الواقع الصلب القائم حاليًا في مصر، وما يرتبط به من إطار إقليمي ودولي، ولا شيء سواه، حتى ولو كان هذا الواقع لا يقول إن هناك إمكانية لاستعادة الواقع الثوري في الوقت الراهن.

3- شاملة، على المستويَيْن الأفقي والرأسي، أي تشمل كل الأدوات، والأبعاد، وكل المستويات الاجتماعية والسياسية في مصر.

4- أن تكون مبنية على الأسس الموضوعية التي تعتمد على الأساليب العلمية المجردة من أية قناعات ذاتية أو قيمية، وأن يشمل ذلك إطارًا مؤسسيًّا مثل مراكز البحوث والتفكير، وغيرها، مما يضبط الحراك وفق الأسس العلمية.

5- أن يتمتع القائمون على تنفيذها بحس الانفتاح الكامل على مختلف الأفكار والكيانات الأخرى، وهو الشرط الأهم؛ لأنه من دونه لن يتم تكوين شراكات قوية مع القوى الأخرى، والحصول على دعمها.

ثالثاً: الفئات المستهدفة:

هناك فئات يجب وضعها على قائمة التواصل والتنسيق، مهما كانت الظروف؛ لأنه من دونها لا يمكن أن يكون هناك نواة مجتمعية صُلبة للعمل من خلالها على إسقاط الانقلاب:

(أ) استقطاب غير المنتمين سياسيًّا أو حركيًّا، وهم شرائح متباينة وبالملايين، ومن ثَمَّ؛ فإن أي جهد للتواصل معهم، يجب أن يكون متنوعًا بتنوع كلٍّ منها. وهنا يمكن التفكير في مظلة أو تنسيقية عليا تتعدد داخلها الأطر التنظيمية أو اللجان أو التكوينات، تتفق التنسيقية (اياً كان مسماها في الأهداف والمبادئ، وتتنوع في الإجراءات والأدوات والشعارات)

(ب) القوى الثورية السابقة، التي كانت مصطفَّة في ميدان التحرير والميادين الأخرى، قبل وبعد الثورة، مثل حركة شباب 6 أبريل، والاشتراكيين الثوريين.

(ج) التواصل الحذر مع القوى السياسية التي دعمت الثورة ضد مبارك، ولكنها أيدت انقلاب 3 يوليو.

(د) شريحة الشباب، بمختلف ألوان طيفها السياسي.

(هـ) جمهور المكون الديني غير المنتمي سياسيًّا أو حركيًّا، وخصوصًا: الأقباط والسلفيين، بعيدًا عن الكنيسة في الحالة الأولى، وحزب النور والمشائخ المؤطَّرين من جانب الدولة، في الحالة الثانية.

(و) القوى المجتمعية التقليدية، مثل شيوخ العائلات والقبائل في مختلف ربوع مصر.

(ز) القوى النوعية ذات التأثير، مثل العمال والطلبة والمرأة.

مع عدم وضع الفئتَيْن التاليتَيْن في الحسبان بالمطلق؛ إما لفسادهما الكامل، أو عدم وجود أي فاعلية من وراء التحالف، في مقابل خسائر أمام الرأي العام الثوري، أو كونهما يستمدان وجودهما من “شرعية” النظام الحالي، وهاتان الفئتان هما: (أ) الأحزاب السياسية. (ب) رجال الأعمال.

رابعاً: البدائل والسياسات المقترحة لتحقيق الاصطفاف.. إطار عام للعمل:

المستوى الداخلي

(أ). على المستوى التنظيمي والسياسي:

1. البدء بعملية إصلاح داخلي واسعة النطاق من جانب القوى الثورية، قبل أي حديث عن اصطفاف؛ لأنه لا معنى لعمل لا يستند إلى قاعدة تنظيمية قوية، على أن يشتمل هذا الإطار التنظيمي على مجموعات العمل التالية:

  • مراكز بحوث أو لجان ومجموعات تفكير تتواصل معًا لرسم السياسات والخطط، وتقييم الواقع، وكل خطوة يتم تنفيذها، وتعتمد في أنساق عملها على نتائج أنشطة مجموعات العمل الأخرى. ويشمل ذلك، تكوين لجان لدراسة ومراجعة السياسات والقرارات والخطابات التي أدت إلى الانقسام، والخروج بتوصيات عملية لصناع القرار السياسي والإعلامي.
  • لجان للاتصال مع وسائل الإعلام، تكون من المتخصصين في مجال العلاقات العامة والإعلام.
  • مجموعات من السياسيين والأكاديميين والرموز والشخصيات العامة، تتولى قضية التنسيق والاتصال مع القوى السياسية والاجتماعية الأخرى.
  • مجموعات متخصصة في مجال المعلومات، تتولى جمع المعلومات وتصنيفها، أولاً بأول، ورفد مختلف الأنساق الأخرى بها، حول الحالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الداخلية.

2. يتضمن الإطار التنظيمي الموحد المقترح، العمل على تحقيق المهام الآتية:

  • التسويق السياسي والدعاية، سواءً في الأفق الزمني المُمْتدُ، أو في خلال نقاط زمنية بعينها.
  • تحقيق التنسيق مع القوى السياسية المختلفة، وعرض الخطط السياسية للقوى الثورية خلال الفترة القادمة أمامها، لإمكان تحقيق المثل، ومعرفة طبيعة اتجاه الريح السياسية خلال المرحلة القادمة.
  • تقوية العلاقات ما بين القواعد وبين المستوى المركزي، وتهيئة الأجواء الإيجابية والمُريحة في العمل الجماعي العام، وتعميق الشُعور بالانتماء وشعور المسؤلية الفردية تجاه تحقيق الجماعة لأهدافها، وإظهار اهتمام القيادة الاهتمام بالمستويات الإدارية والتنظيمية الأهم.

3. بدء سلسلة من الاتصالات الهادئة والاستكشافية الطابع، مع مختلف القوى والرموز التي يجب أن يتم إعداد قائمة متكاملة بها، وهي مهمة اللجان السابقة، وتتضمن توسيع نطاق هذه القوى والرموز، داخل مصر، في مختلف الشرائح والطبقات، والبدء في تأسيس فكرة الاصطفاف وأهميتها في صناعة نواة مجتمعية صلبة مطلوبة للوصول إلى الكتلة الثورية الحرجة.

ويشمل ذلك، استغلال إطار نوادي هيئات التدريس في الجامعات المصرية، للدّخول إلى الوسط الأكاديمي في الجامعات المصرية، مع التركيز في هذا المجال على الجامعات خارج القاهرة الكبرى، حتى يتم تخفيف حدة الضغط الأمني على مثل هذه الأنشطة، في أفرع الأزهر والجامعات الأخرى في الإسكندرية والغربية مثلاً.

كما يتم إجراء اتصالات “تنسيقية” مع بعض الأكاديميين، على أنْ يتم اختيارهم من خلال قوائم “الاستقلال” ومن أعضاء الجمعيات العمومية في نوادي هيئة التدريس في الجامعات المصرية، من أجل تنسيق مجموعةٌ من الإستراتيجيات العامة حول الحالة الاجتماعية والسياسية في مصر والعالم العربي والإسلامي، على أنْ يشمل هذا التنسيق الاتفاق على عقد سلسلة من الندوات ووِرَشِ العمل.

وبعد هذه السلسة من الاتصالات، والتي يجب أن تشمل لقاءات على أرض الواقع، لاستطلاع المواقف والآراء والمطالب؛ يتم تقييم الواقع، ورسم خريطة متكاملة بالآتي:

  • القوى السياسية والمجتمعية التي قَبِلَتْ التعاون والفعل، ولم تزل فكرة الثورة لديها حاضرة، ولديها قواعد تحركها.
  • مطالبها، وهي النقطة الأهم، لأن هذه المطالب سوف تحدد رؤية الحركة بعد ذلك.
  • العمل على تشكيل لجان مشتركة مع هذه القوى، من خلال لجان العمل الأربع السابقة، وخصوصًا اللجان المسئولة عن العمل الإعلامي والاتصال والعلاقات العامة، من أجل بدء حوار معها، يتطور فيما بعد إلى إطار تنسيقي حركي.

4. بعد التأكيد الكامل على الإصلاح الداخلي، والتنسيق المبدئي، يتم طرح الأمر على الرأي العام، من خلال استراتيجية إعلامية رصينة، لا علاقة لها بأطر العمل التي يتبناها البعض حاليًا، مثل “باكوس” و”جو تيوب” وصابر مشهور، وهذا الكلام الهزلي الذي أفقد الرأي العام أية مصداقية في إعلام الشرعية، مع اعتماد رموز جديدة بالكامل، لطرح الأفكار والتواصل مع الرأي العام، على أن يتضمن البيان الأول الإعلان عن الآتي:

  • تأسيس أمانة وطنية للحوار والتنسيق؛ تعمل على التواصل بين القوى الوطنية والثورية والمجتمعية، يتم فيها تمثيل كافة التيارات والشخصيات المستقلة، على أن يكون هذا التمثيل عاكسًا لمختلف شرائح وقوى المجتمع المصري من دون استثناء.
  • تطلب دعم المجتمع المصري “للحفاظ على الوطن وحقوقه وحقوق الأجيال القادمة من الضياع”.

5. بالتوازي مع ذلك يتم طرح الآتي على الرأي العام، بمختلف الوسائل التي تضمن وصول الرسالة إلى جميع أبناء الشعب المصري في الداخل والخارج:

  • صياغة مشروع إعلان مبادئ جامع، يكون محل اتفاق جميع القوى السياسية والثورية الوطنية، ويقوم على دراسة وافية لكافة البيانات وإعلانات المبادئ التي صدرت عن مختلف القوى، والوقوف على مساحات الاتفاق في إطار حوار ممتد ومتجدد بين هذه القوى.
  • خطة واضحة متكاملة للمرحلة الانتقالية، تعلن عن إجراءات سياسية واضحة لمرحلة ما بعد الانقلاب، ونبذ العنف بالكامل، وأن أية محاولة لاستخدام العنف ضد الدولة أو المجتمع، لا تعبر عن الثورة المصرية، مهما كان عنف النظام، مع التأكيد على عدم وجود أية مطالب فئوية أو شعارات أيديولوجية أو تنظيمية خاصة بالقوى التي تشكل التحالف الجديد الذي سوف يتم الإعلان عنه.

6. قبل الحديث عن قضية الحشد في الشارع، فإن هناك ضرورة للعمل على استعادة شبكتَيْ العلاقات والتواصل بين قوى الثورة وبعضها البعض، وفيما بينها جميعًا وبين قطاعات الشعب التي لا يزال الحس الثوري قائمًا لديها، أو ما أطلق عليه الدكتور سيف عبد الفتاح في مقاله المتقدم، آليات الاحتجاج خارج الحشد، أو الاحتجاج بالاصطفاف، وأهميته، حتى لو لم يكن هناك علاقة بينه وبين الحشد في الشارع، في أنه سوف يظهر للجمهور العام، توحد مواقف القوى السياسية الثورية، وأنها تجاوزت مرحلة الخلافات القديمة.

ويمكن أن يتخذ ذلك الاحتجاج أشكالاً متنوعة، أهمها:

1- الاحتجاج بمقالات الرأي:

وهذا النوع من الاحتجاج يتفرع من النوع الأول المتعلق بالاصطفاف، ويقوم على قاعدة الاتفاق على سياسة تحريرية لمقالات الرأي بين جميع المعارضين بشتى ألوانهم، ينبذ فيها النبش في خلافات الماضي وتيئيس الناس، ويجري التركيز على كل ما يساعد ويشجع عملية التوافق والاصطفاف وتحفيز المعارضين.

2- الاحتجاج بالمقاطعة:

يقوم على قاعدة “إذا لم تستطع قول الحق فلا تصفق للباطل”، ويعني ذلك مقاطعة هذا النظام، ورفض التعامل معه إطلاقًا، ويمكن البدء من الآن بحملة لمقاطعة الانتخابات البرلمانية المقبلة، يعقبها، أو يتوازى معها، ترويج مقاطعة منتجات رجال الأعمال الفاسدين المؤيدين للنظام.

3- الاحتجاج الإلكتروني:

يرتبط بعالم مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث يتم استثمار هذه المواقع في إشاعة روح التوافق والاصطفاف ونبذ الخلافات والعودة إلى التوحد الثوري، بدلاً من استثمارها في الجدل والمشاجرات الكلامية التي تزيد الفرقة والشقاق.

ويمكن البدء بصفحات القوى المختلفة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتم الاتفاق على سياسة تحريرية خاصة بهذه الصفحات من هذه المنطلقات السابقة.

ويمكن لهذه الصفحات أن تطلق حملات إلكترونية عبر فكرة “الهاشتاج” الموحدة في التوقيت نفسه، وهو ما يتوقع أن يتجاوز المليون مشارك في أول إطلاقة، نظرًا للأعداد الكبيرة المتابعة لهذه الصفحات، ويتم طرح “هاشتاج” موحدة تصب في اتجاه التوافق والاصطفاف.

4. الحِراك في الشارع:

لا يمكن البدء من دون تواصل مبدئي يرد على الأسئلة والشبهات، ويعمل على إقناع الشارع بضرورة استكمال المسار الثوري والديمقراطي الذي تم الانقلاب عليه في مصر.

ويتم ذلك من خلال الآتي:

  • تشكيل لجان عنقودية صغيرة، أقرب إلى نمط “السوفيتات” في الحزب الشيوعي الروسي، أو اللجان الإعلامية والسياسية في الشُّعَب الخاصة بالإخوان المسلمين، تشمل مختلف أركان المجتمع على المستوى الأفقي والرأسي، أي الجغرافي والفئوي، على أن يبدأ التواصل من خلال التواصل المباشر بين الجيران وزملاء العمل، ثم التوسع إلى المقاهي والمنتديات في الشارع، ووسائل المواصلات.
  • إصدار بيانات وتعميمها على الناس، بصورة مباشرة يدوية، أو من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، أو عن طريق وسائل الإعلام التابعة.
  • التوجيه إلى بعض أئمة المساجد المؤمنين بالتواصل المباشر مع الناس، بعيدًا عن المنبر، وبالمثل بعض رموز الأدب والفن والثقافة، من المؤمنين بالفكرة الثورية، ومبدأ استعادة الديمقراطية، بالانخراط في هذا الجهد، من خلال منتدياتهم، أو صفحاتهم، أو أية وسيلة أخرى يتواصلون بها مع الناس.

5ـ أطر تحقيق الاصطفاف على المستوى المجتمعي:

كمبدأ عام؛ يجب استعادة الأداء الاجتماعي للقوى الداعمة للشرعية، مهما كان الوضع الأمني؛ باعتبار أن ذلك هو الوسيلة الأهم والأقدر على الالتصاق بقضايا الناس، والتأكيد على بطلان مزاعم الإعلام المضاد.

ويشمل التحرك في هذا الإطار:

1. وضع قائمةٍ متكاملة ببيانات كاملة عن أهم مؤسسات البر والعمل الاجتماعي في مصر، مثل جمعيات “بنت مصر” و”الأورمان للأيتام” و”رسالة”، وبدء شكل من أشكال الاتصال معها، مثل ترتيب دعم أنشطة هذه الجمعيات في المجتمع المصري، مع التركيز في هذا السياق على تلك التي لم تتماه مع الانقلاب العسكري وسلطاته.

2. البدء في نشاطٍ إعلامي ودعائي لدعم مشروعاتٍ خيريةٍ وتربويةٍ كبرى في مصر، مثل مستشفى سرطان الأطفال في أبو الريش، أو حملة للتبرُّع بالدم على مستوى عموم الجمهورية، .

3. القيام بجولات على دور الرعاية الاجتماعية بصفةٍ شخصيةٍ، ووضع ميزانية لتقديم دعم لهذه الدّور خلال هذه الزيارات ماديًّا، بجانب الدعم المعنوي المقَدم من خلال هذه الزيارات.

4. استعادة وتيرة تقديم الخدمات في الشارع للمواطن، ولكن بشكل شخصي، وليس في إطار تنظيمي واضح.

5. طرح استراتيجية عامة للإصلاح الاجتماعي في مصر، مثل كيفية حصار الانحرافات بين الشباب .

وهنا تجب مراعاة أن يتم طرح رسالة الثورة والتغيير من خلال الجماهير، ومن خلال الوسائل السلمية، مثل الانتفاضات الجماهيرية والعصيان المدني والاحتجاجات الاجتماعية، وغير ذلك من الصُّور، باعتبار أن ذلك يأتي في إطار الحقوق المشروعة للمواطنين للتعبير عن آرائهم، ويعني موقفًا للأغلبية يجب أنْ يُحتَرَمَ، تمامًا كما فعل النظام العسكرى في 30 يونيو 2013م.

ويشمل هذا التوسيع نطاقًا آخر، وهو الدولة ذاتها؛ حيث إنه ثمَّة بعض المواقف التي تذهب إلى أنه حتى الحراك الجماهيري، على ما يملكه مِن قوةٍ في الفعل والحركة الذاتية، يجب أن يتمتع بتأييدٍ من جانب بعض مكونات الدولة أو النظام الحاكم، وخصوصًا ما اصطُلِحَ على تسميته بـ”القلب الصلب” للنظام؛ حيث إن ذلك ضمانة لتفادي أن تكون الدولة جبهة واحدة موحدة ضد الثورة.

فتأييد أي قسم من المؤسسة العسكرية، أو تحييده على الأقل من الصورة؛ يضمن الخصم من قوة الانقلاب.

إن “مفردات” العمل الاحتجاجي الفعال والموحَّد تعني أنه:

– نشاط جماهيري مُتحضِّر، يعتمد أساسًا على مبدأ اللا عنف.

– يحركه جانب أخلاقي، تكون المصلحة العامة هي الغالبة فيه.

– يهدف إلى التغيير.

وهناك عدة عوامل تدعم ظهور حركات التغيير، وتضمن نجاحها، وأهمها تكريس فكرة ضرورة الاعتراض على الوضع القائم بكل مظالمه، والذي أدتْ إليه قرارات وسياسات الحكومة والنظام الحاليَيْن، مع رفد تلك الفكرة بأنساق حركة تستند إلى الأطر التالية:

  • العمل في إطار ما يُعْرَفُ بثقافة الفريق أو الـ”Team Work “.
  • العلنية والابتعاد عن السرية، لأنه لا يمكن لعمل سري أو عنيف، أن يتوحد خلفه الجماهير، لأن السرية تعني ببساطة غياب الإدراك عن الجماهير بما يتم التنسيق له، أما العنف؛ فهو ضد مصالحها؛ فلن تدعمه.

6ـ أطر تحقيق الاصطفاف على المستوى الخارجي

1. حصر الأطر السياسية والإعلامية، والشخصيات المعارضة التي تقيم وتعمل في الخارج، مثل المجلس الثوري المصري، والتنسيقية والقيام بتأسيس إطار تنسيقي فيما بينها، يعمل على توحيد الخطاب والحِراك، كأن يتم تأسيس هيئة للقيام بصياغة “مشروع ميثاق شرف وطني وأخلاقي”؛ لضبط العلاقات فيما بين القوى الوطنية وبعضها البعض، وكذلك في علاقاتها وخطاباتها مع عموم الشعب المصري، بما يعظم المردود السياسي في دعم الحراك.

2. طَرْح مشروعات للتعاون مع المنظمات الإقليمية العربية والإسلامية والدولية، من خلال مبادرات ومشروعات ذات طابعٍ دعوي وثقافي، أو سياسي.

3. العمل السياسي من الخارج والداخل، من خلال تأسيس كيانات في بلدان المهاجر، تعمل على توجيه الحراك الاجتماعي في الداخل، والانتشار على مستوى الحكومات والمنظمات والرأي العام في الدول الأخرى، للضغط على النظام الانقلابي في مصر.

4. تعظيم آليات العمل الإعلامي والتواصل السياسي مع الجهات التالية: البرلمانات، النقابات ومؤسسات المجتمع المدني، الشركات الكبرى، مؤسسات حقوق الإنسان المختلفة، الرموز والشخصيات العامة، السياسية والإعلامية، المحاكم الكبرى، وخصوصًا الدستورية، الأمم المتحدة وأطرها الحقوقية والسياسية المختلفة، ووسائل الإعلام الدولية ذات التأثير.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close