ترجمات

أبعاد صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

أعلنت كل من شركة ديليك للحفر وشريكتها نوبل إنرجى في التاسع عشر من فبراير 2018 البدء في إجراء المفاوضات المتعلقة بنقل الغاز الطبيعى بين حقلى الغاز الإسرائيليين “تمار ولوثيان” اللذان تم اكتشافهما عامى 2009- 2010 إلى مصر وتحديداً لصالح شركة “دولفينوس” المصرية، وهي شركة مصرية خاصة، تضم مجموعة من رجال الأعمال، وتهدف إلى استيراد الغاز وبيعه في مصر.
ووفق وكالة رويتر للأنباء فإن شركتى ديليك ونوبل إنرجى وقعتا اتفاقات مع دولفينوس المصرية لتصدير الغاز إلى الأخيرة بما قيمته 15 مليار دولار لمدة 10 سنوات، أى بمعدل 1.5 مليار دولار سنويا. وتشير التقديرات إلى أن حجم التبادل التجارى قد يصل إلى 64 مليار متر مكعب من الغاز.
وقد نشر معهد  دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في 12 مارس 2018 تقريراً هاماً لـ أوبيد إران ,إيلي ريتنج وأوفير وينتر عن الصفقة التي أبرمتها إسرائيل مؤخراً مع مصر لتصدير الغاز إلى الأخيرة. وقد قام المعهد المصري بترجمة هذا التقرير، وفيما يلي النص الكامل:
[يُفترض أن حكومة إسرائيل قد لعبت دوراً مهماً في تأمين إبرام صفقة الغاز الطبيعي التي تبلغ قيمتها 15 مليار دولار والتي تم توقيعها مؤخراً بين مالكي حقليّ غاز تامار وليفياثان الإسرائيليين من جانب وشركة دولفينوس القابضة المصرية من الجانب الآخر. أما الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي فقد قال إن مصر بهذه الصفقة ضمنت موطئ قدم لها في شرق المتوسط، وقدمت نفسها كمركز طاقة إقليمي؛ كما أنها أحرزت “هدفاً كبيراً” من خلال ذلك، على حسب قوله. ويُمثل إبرام هذه الصفقة، إلى جانب إنشاء خط أنابيب للغاز الطبيعي يمتد إلى الأردن، قيمة استراتيجية كبيرة بالنسبة لإسرائيل والمنطقة كلها. فقد يكون لمثل هذه الصفقات ارتباط باتفاقات مستقبلية مع السلطة الفلسطينية، مما يتيح إمدادها بالغاز وربما يشمل إنتاج الغاز من ساحل غزة أيضاً. وتعمل هذه الاتفاقيات على تقوية علاقات إسرائيل مع جيرانها من خلال خلق شبكة من المصالح المتبادلة وإتاحة التعاون الإقليمي بما يتجاوز موضوع الغاز الطبيعي ليشمل كذلك تصدير واستيراد الكهرباء والمياه المحلاة على سبيل المثال.
وقد أعلنت شركة ديليك للحفر وشريكتها نوبل إنرجى في 19 فبراير 2018 عن عقد صفقة بقيمة 15 مليار دولار يتم بموجبها تصدير 64 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي إلى مصر على مدى عشر سنوات. ويستند العقد بين مالكي حقلي تمار وليفياثان من جهة وشركة دولفينوس القابضة المصرية من جهة أخرى على مذكرة تفاهم بين الجانبين يرجع تاريخها إلى أكتوبر 2014. ومن المفترض أن تكون حكومة إسرائيل قد لعبت دورا هاما في تأمين هذه الصفقة، وذلك من خلال الترويج لها عند الحكومة المصرية؛ وكذلك من خلال توفير الضمانات المطلوبة لشركة دولفينوس من أجل إتمام الصفقة.
ويعكس إعطاء الحكومة المصرية الضوء الأخضر لتوقيع هذه الصفقة، بعد تعطيلها لفترة طويلة، عدة اعتبارات منها:
أولاً: سعى مصر إلى تسوية مبلغ 1.76 مليار دولار كتعويض مطلوب من شركات الغاز المصرية دفعه لشركة الكهرباء الإسرائيلية (IEC ) كجزء من قرار تحكيم دولي صدر في عام 2015.
ثانيا: قرار الحكومة المصرية بتخصيص معظم الغاز الذي سيتم إنتاجه من حقل “ظهر” للاستهلاك المحلي داخل مصر يمهد الطريق لتدفق الغاز من إسرائيل وقبرص ودول أخرى إلى مصانع التسييل في دمياط وإدكو بغرض التصدير إلى أوروبا، وهي خطوة تعزز من القيمة الاقتصادية والسياسية لمصر باعتبارها الدولة الوحيدة في المنطقة تقريباً التي تمتلك البنية التحتية اللازمة لتسييل الغاز.
ثالثاً: تأمل مصر الحصول على عائدات تُقدر بنحو 22 مليار دولار على مدى عشر سنوات، مما سيعزز العلاقات الاقتصادية بين مصر وأوروبا.
وعلى الرغم من الفوائد المرجوة من وراء صفقة الغاز مع إسرائيل، فقد أثارت الصفقة جدلاً كبيراً في مصر. وانتقدت رموز إسلامية، لا سيما من جانب المصريين الذين يعيشون في المنفى، “استيراد الغاز العربي الإسلامي المسروق من الأراضي المحتلة، وضخ مليارات الدولارات في خزائن الصهاينة”. وبالإضافة إلى معارضة الخارج، فقد أشارت عناصر من المعارضة المصرية في الداخل إلى قلقهم تجاه تكريس تبعية مصر لإسرائيل؛ لكن انتقاداتهم ركزت على قضايا تتعلق بالمصلحة الاقتصادية التي ستعود على الشعب المصري من وراء الصفقة، بالإضافة إلى عدم الشفافية بخصوص تفاصيلها.
وردا على ذلك، فقد عزا المتحدثون باسم الحكومة المصرية هذه الانتقادات إلى ارتباطات أصحابها بتركيا وقطر. وقللوا من دور الحكومة كوسيط في الصفقة، وقللوا كذلك من أهميتها السياسية، بينما شددوا على فوائدها الاقتصادية. أما السيسي، الذي يدير حاليا حملة انتخابية للفوز بفترة رئاسية ثانية، فقد أعرب عن رضاه بأن غاز المنطقة سيتم تصديره عبر مصر وليس من خلال دول أخرى، ملمحاً إلى تركيا. وذكر أنه مع هذه الصفقة ضمنت مصر موطئ قدم لها في شرق المتوسط ​​، حيث هيأت نفسها لتكون مركز طاقة إقليمي، وعلى حد قوله، فقد “سجلت مصر هدفا كبيراً” من خلال الصفقة.
ويبدو أن “الهدف” الذي يحتفل به السيسي هو وضع إسرائيل ومصر كلاعبين في نفس “الفريق” من أجل تحقيق أهداف مشتركة لهما. وركزت مقالات في الصحافة المصرية على المكاسب التي حققتها الدولتان من وراء الصفقة، وأشار البعض إلى العلاقة بين التنسيق الأمني ​​في سيناء والتعاون الأوسع في الطاقة. وهذه الرؤية المصرية تُعطي عمقًا إضافيًا لعلاقات السلام بين البلدين، وتسلط الضوء على دور المصالح المتبادلة في تعزيز تلك العلاقات على المدى البعيد. كما تشكل صفقة الغاز المصرية الإسرائيلية منصة للتعاون الثنائي والمتعدد الأطراف بين دول المنطقة – بما في ذلك مصر وإسرائيل. ومع ذلك، فلا يزال من السابق لأوانه وصف الصفقة بأنها اختراق في تطبيع العلاقات بين البلدين. وباعتبار وجود صفقات للطاقة بين إسرائيل ومصر منذ الثمانينات، فإن الصفقة الحالية لا تشكل سابقة في حد ذاتها. وبالإضافة إلى ذلك، فإنه من الصعب في هذه المرحلة تقييم مدى وصول ثمار هذه الصفقة إلى عموم الشعب المصري وتعزيز تحمسهم باتجاه السلام مع إسرائيل.
إلا أن هناك قضية محورية لم يتم تناولها في الاتفاقية بخصوص هذه الصفقة: وهي كيفية نقل الغاز من إسرائيل إلى مصر. وقد أبلغت شركات الغاز “بورصة تل أبيب” فيما بعد بأن هناك مفاوضات تجري مع شركة غاز شرق المتوسط المصرية لإعادة توجيه خط الأنابيب القديم الذي كان قد توقف نشاطه في عام 2011. ويُعتبر هذا الخيار حلاً سريعاً وقليل التكاليف، وإن كان مليئا بالتحديات الأمنية الكبيرة، خصوصاً بعد تعرضه لأعمال تخريبية وتفجيرات في شبه جزيرة سيناء من قبل – سواء كان ذلك قد وقع لأسباب أيديولوجية أو من أجل الابتزاز من قبل القبائل المحلية هناك.
وإذا لم يتم تنفيذ هذا الحل، فسيكون هناك خيار آخر قليل التكلفة أيضاً وهو بناء 100 كيلومتر من خطوط الأنابيب فوق الأرض جنوب قطاع غزة، وذلك لربط خط أنابيب الغاز في جنوب إسرائيل بخط الأنابيب المصري في سيناء عبر معبر كرم أبو سالم. ومن شأن هذا الخيار أن يمنح إسرائيل إمكانية الوصول إلى خط الغاز العربي الممتد إلى الأردن (والذي يستمر عبر لبنان وسوريا)؛ ولكنه أيضاً معرض للتهديدات الأمنية. أما الخيار الأكثر أمنا ولكنه أكثر تكلفة، فيتمثل في مد 300 كيلومتر من خطوط الأنابيب تحت البحر بشكل مباشر من حقل تمار إلى مصر. لذلك فإنه سيكون لتوقيع الاتفاقية دون توضيح الكيفية التي سيتم نقل الغاز بها أثر كبير على ربحية الصفقة وأسعار الغاز؛ مما يرجح الاستنتاجات بأن هناك اعتبارات سياسية واقتصادية أخرى لعبت دوراً في نجاح الصفقة وخصوصاً بالنسبة لتوقيتها. وبعيداً عن مشكلة النقل، فقد يؤدي عدم حل مشكلة الديون المستحقة لشركة الكهرباء الإسرائيلية إلى عرقلة تنفيذ هذه الصفقة.
إن خيار نقل الغاز من “إسرائيل” إلى “مصر”، وفي المستقبل من “قبرص” وربما من “لبنان” أيضاً، يبدو أكثر واقعية من مد خط أنابيب إلى تركيا، وذلك في ضوء تزايد التشدد في سياسة تركيا الإقليمية، وتفاقم علاقاتها مع أوروبا. وبالإضافة إلى ذلك، فإن سياسة الطاقة الجديدة التي أطلقتها تركيا العام الماضي تهدف في المقام الأول إلى تخفيض الاستهلاك المحلي من الغاز الطبيعي والاتجاه إلى الفحم ومصادر الطاقة المتجددة (وفي مرحلة لاحقة، إلى الطاقة النووية). وهناك أيضاً احتمالات لتعزيز قوة حزب الله بعد الانتخابات القادمة في لبنان، خصوصاً وأن خط الأنابيب سيمر عبر المياه الاقتصادية اللبنانية.  أما على الجانب الآخر، فإن مصر تقدم لإسرائيل سوقاً محلياً متنامياً وإمكانية استخدام مرافق التسييل من أجل نقل الغاز إلى أوروبا. ونظراً للمنافسة القوية المتوقعة في السوق الأوروبية للغاز المسيل خلال السنوات المقبلة، فإن استخدام مصانع التسييل القائمة في مصر هو الخيار الواقعي الوحيد الذي يواجه شركات الغاز الإسرائيلية إذا أرادت تقديم أسعار تنافسية.
وبالإضافة إلى خط الأنابيب الممتد إلى مصر، فإنه يجري أيضاً مد خط أنابيب إلى الأردن، كجزء من اتفاقية تم توقيعها في عام 2016 لتوريد 45 مليار متر مكعب من الغاز على مدى 15 عامًا. وسوف يمتد خط الأنابيب من شمال بيت شيان (تل الحصن) لنقل الغاز إلى السلطة الفلسطينية، مما يسمح بزيادة حجم الغاز ثلاثة أضعاف عما هو مطلوب للصفقة الأردنية، وإتاحة الفرصة من أجل “الربط الشمالي” بخط أنابيب الغاز العربي الذي يمر عبر الأردن.
وتكتسب مثل هذه الصفقات مع الأردن ومصر قيمة استراتيجية كبيرة بالنسبة لإسرائيل والمنطقة. وربما تنضم إليهم السلطة الفلسطينية من خلال اتفاقات مستقبلية مع إسرائيل، مما يتيح إمدادها بالغاز وربما كذلك إنتاج الغاز من قبالة سواحل غزة. وتعمل هذه الاتفاقيات على تثبيت علاقات إسرائيل مع جيرانها من خلال تكوين شبكة من المصالح المتبادلة وإتاحة إمكانية التعاون الإقليمي بما قد يتجاوز موضوع الغاز الطبيعي، ليشمل على سبيل المثال تصدير واستيراد الكهرباء والمياه المحلاة.
أما من الناحية الأمنية، فإن تدفق الغاز من إسرائيل إلى مصر والأردن والسلطة الفلسطينية يجعل من هذه الأمر مصلحة إقليمية وليست مصلحة إسرائيلية فحسب. وحسب الواقع الجديد، فإن أي إضرار بقدرة إسرائيل على إنتاج الغاز من جانب حزب الله أو حماس سوف يؤثر أيضاً على إمدادات الكهرباء إلى الأردن ومصر والسلطة الفلسطينية. وسيصبح مثل هذا التهديد عنصراً مهماً في تحفيز التعاون الاستخباراتي والأمني ​​مع الدول المجاورة من أجل كشف ومنع أي أعمال تخريبية، وسيحفزهم ذلك أيضاً على العمل على التهدئة إذا اندلع قتال مع إحدى هذه المنظمات.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن أي شراكة بين إسرائيل وجيرانها الذين يتعاملون مع مصادر الطاقة ستشجع على دخول مستثمرين جدد إلى منطقة شرق المتوسط ​​حيث سيوضح ذلك لهم أنه من الممكن تنفيذ مشاريع واسعة النطاق للإنتاج والتصدير تستلزم التعاون الإقليمي.
وقد يكون للصفقة تأثير على القضية اللبنانية. فالنزاع الذي لم يحسم بعد مع لبنان حول الحدود البحرية يشكل مصدر إزعاج سياسي وأمني بالنسبة لإسرائيل. ومن جانب آخر، فالنزاع مع لبنان لم يمنع مصر أو الأردن من الدخول في ارتباطات طويلة الأمد مع إسرائيل في مجال الطاقة. لذلك فإنه من الواضح أن أي أعمال عدائية بين إسرائيل ولبنان ستكون لها عواقب مدمرة، بالنسبة للبنان على وجه الخصوص، من خلال جملة أمور من بينها الحد من قدرته على استخدام النفط والغاز في مياهه، ولكنها في الوقت نفسه ستضر بالمصالح الإسرائيلية فيما يتعلق بتطوير مخزونات الغاز القريبة من الحدود. ومن المرجح أن الخطاب اللبناني العدائي تجاه إسرائيل في الوقت الراهن والرفض المتكرر لمقترحات الولايات المتحدة للتصالح يستند في الأساس إلى حقيقة أن هناك انتخابات على الأبواب في لبنان. ومع ذلك، فإنه سيكون من الأفضل بالنسبة للدول التي تحافظ على حوار سياسي لها مع لبنان، ولا سيما تلك التي تشارك شركات الطاقة لديها في تطوير علاقات الغاز مع إسرائيل، أن تعمل من أجل الحد من هذا الصخب القادم من لبنان.]

وبعد..

فلعل هذا التقرير يجيب على بعض التساؤلات التي أثارتها التصريحات التي أعلنها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول محورية وتاريخية اتفاقية الغاز التي أبرمتها إسرائيل مع الجانب المصري؛ بالإضافة إلى أن نتنياهو يحاول تسويق هذه الصفقة سياسياً لتهدئة الشارع الإسرائيلي خاصة في ظل الاحتجاجات التي تشهدها إسرائيل والتي تطالب بمحاكمته على خلفية جرائم فساد ورشوة. أما فيما يخص “الهدف” الذي يحتفل عبدالفتاح السيسي في مصر أنه أحرزه فهو كما يتبين من هذا التقرير أن “صفقة الغاز مع إسرائيل قد وضعت كلا البلدين (مصر وإسرائيل) كلاعبين في نفس الفريق لتحقيق أهداف مشتركة” (1).

————-
الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *