fbpx
تقاريرأسيا وافريقيا

أزمة العلاقات المغربية-الألمانية: الأسباب والتداعيات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تشهد العلاقات المغربية-الألمانية منذ فترة حالة من التوتر والفتور، قرر على إثرها المغرب وبعد إرهاصات سابقة وبقرار مفاجئ تعليق جميع آليات التواصل مع السفارة الألمانية وهيئات التعاون والمؤسسات السياسية التابعة لها، وذلك بناء على مراسلة موجهة من وزير الخارحية والتعاون المغربي ناصر بوريطة إلى رئيس الحكومة سعد الدين العثماني و إلى باقي أعضاء الحكومة، يؤكد من خلالها أن اتخاذ هذا القرار جاء بعد “سوء تفاهم عميق مع ألمانيا في قضايا مركزية ومصيرية تهم المملكة المغربية”، وذلك في إشارة ضمنية إلى قضية الصحراء على الرغم من أن البيان لم يتضمن صراحة الأسباب التي أدت إلى اتخاذ هذه الخطوة من طرف رئيس الدبلوماسية المغربية.

كما تضمنت المراسلة دعوة بوريطة كافة القطاعات الوزارية المغربية إلى وقف أي اتصال أو تعاون مع السفارة الألمانية بالإضافة إلى منظمات التعاون والمؤسسات السياسية التابعة أو التي لها علاقة بالسفارة الألمانية.

وفي هذا السياق، وفي أول تصريح رسمي لمسؤول رفيع المستوى بوزارة الخارجية المغربية لوكالة الأنباء الفرنسية، أكد من خلاله: ” أن المغرب يريد الحفاظ على علاقاته مع ألمانيا، وأن القرار هو بمثابة تنبيه واستياء من الطرف الألماني إزاء مواقفه في مسائل عدة وهامة تخص المغرب. كما شدد على أن أي تواصل لن يتم ما لم تقدم برلين توضيحات وأجوبة على استفسارات تم طرحها من طرف الخارجية المغربية.

كما أوضحت مصادر حكومية مغربية، أن الدافع وراء تعليق الرباط الاتصال أو التعاون مع السفارة الألمانية جاء بعد تراكمات سلبية لمواقف الدولة الألمانية شملت أكثر من قضية تهم المغرب-الصحراء- أو له ارتباط بها-الملف الليبي-.

وترجع أسباب الخلاف وتوتر العلاقات بين البلدين حسب مراقبين وتقارير صحفية محلية ودولية إلى العديد من الملفات من ضمنها:

ملف الصحراء:

يعتبر ملف الصحراء المغربية من أكثر الملفات الخلافية بين المغرب وألمانيا، وقد كان لحدث رفع علم ما يسمى بــــ”جبهة البوليساريو” في برلمان بريمن ذي الحكم الذاتي احتفالا بما يسمى ذكرى تأسيس “كيان البوليساريو”، دور كبير في اتخاذ المغرب لهذا القرار بعد إرهاصات ليست جديدة من الخلافات حول ملفات متعددة، أثارت حفيظة الرباط على الرغم من الموقف الرسمي الذي لا يعترف بالبوليساريو، والذي يؤكد على ضرورة حل قضية الصحراء ضمن المسار السياسي صادر عن الأمم المتحدة.

أضف إلى ذلك، رد الفعل الألماني على قرار الولايات المتحدة بالاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء، من خلال دعوتها  في ديسمبر الماضي إلى اجتماع لمجلس الأمن لبحث الأمر ومناقشة التطورات والتي تراها الرباط خطوة تمس بسيادة المغرب ووحدته الترابية. وكذلك اعتراض ألمانيا على ترتيبات الاتحاد الأوروبي-خطوة فرنسية- حول بلورة موقف مساند لقرار واشنطن بالاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء.

وقد بدأت إرهاصات النقاط الخلافية بين الرباط وبرلين حول هذا الملف تظهر إلى العلن منذ العام 2018، عندما تحفظت ألمانيا على ضم مياه الأقاليم الصحراوية إلى الشمالية المسموح بالصيد فيها ضمن اتفاقية الصيد البحري المبرمة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، بحيث طالبت ألمانيا آنذاك بضرورة مطابقة الاتفاق لمعايير قوانين الاتحاد الأوروبي والشرعية الدولية في نطاق أحكام القانون الدولي. كما أثارت تصريحات ألمانية في البرلمان الأوروبي حول ضرورة استفادة سكان الأقاليم الجنوبية من عائدات اتفاق الصيد البحري، استياء المغرب من خلال تأكيده على تمكين سكان المناطق الصحراوية العديد من الامتيازات والحقوق، بالإضافة إلى تنمية المنطقة عبر إنجاز العديد من المشاريع الحيوية. كما ترى الرباط أن برلين شكلت عقبة أمام تجديد الاتحاد الأوروبي لاتفاقيات الخاصة بشراء المنتجات الزراعية والسمكية خصوصا تلك القادمة من الأقاليم الجنوبية.

الملف الليبي:

يعتبر الملف الليبي من أحد أبرز أسباب توتر العلاقات البلدين، ظهر ذلك في يناير 2020، عندما اختارت ألمانيا عدم توجيه الدعوة إلى الرباط لحضور المؤتمر الذي كان مخصصا لمناقشة تطورات الأزمة الليبية، في مقابل دعوتها لدول  لدول الجوار الليبي كالجزائر ولاحقا تونس.

وقد ردت الدبلوماسية المغربية على الموقف الألماني ببيان قيل عنه أنه شديد اللهجة صادر عن وزارة الخارجية أكدت من خلاله على أن “المغرب يعتبر إحدى أبرز الفاعلين الذين سعوا منذ بداية الأزمة الليبية إلى البحث على حل هذا النزاع عبر المسار الدبلوماسي-السياسي هذه المساعي التي كان نتاجها اتفاق الصخيرات الموقع بتاريخ 17 ديسمبر 2015، والذي شكل الإطار السياسي الوحيد، الذي يحظى بدعم المجتمع الدولي وفي طليعته مجلس الأمن وقبول جميع الفرقاء الليبيين، من أجل تسوية الأزمة في هذا البلد المغاربي”.. كما استغربت الخارجية المغربية إقصاء وتهميش جهود المغرب لتسوية الملف الليبي وعدم إشراكه في محادثات مؤتمر برلين الذي عقد بتاريخ  19 يناير 2020، كما تساءل  ذات البيان” حول المعايير والدوافع التي تم على أساسها اختيار البلدان المشاركة في لقاء برلين، مؤكدا في الوقت ذاته، من خلال توجيه رسالة إلى الجانب الألماني على  أنه لا يمكن للبلد المضيف البعيد عن المنطقة وعن تشعبات الأزمة الليبية، تحويله إلى أداة للدفع بمصالحة وطنية”.

فرضية التجسس:

ذهبت العديد من المنابر والتقارير الإعلامية بالقول وذلك بناء على معلومات توصلت بها، على أن القرار المغربي جاء نتيجة كشف “أفعال تدخل في خانة التجسس” قامت بها بعض الجهات الألمانية التي تنشط بالمغرب، بعدما ما كشفت الاستخبارات المغربية ارتكاب هذه الجهات التابعة لمؤسسات تتواجد بالمغرب وعلى ارتباط بالسفارة الألمانية أعمالا لا تمت بصلة بالمهام المنوطة بها، وذلك لارتباطها بأنشطة استخباراتية تقوم بها هذه الجهات. لذلك ترى التقارير الإعلامية على أن تشديد البيان الصادر عن وزراة الخارجية على ضرورة وقف أي تعامل الهيئات والمؤسسات والجمعيات التي لها ارتباط وعلاقة بالسفارة الألمانية بالرباط يعزز من هذه الفرضية.

وفي هذا الإطار أكد الدكتور محمد الشرقاوي أستاذ تسوية النزاعات الدولية بجامعة جورج ميسن بواشنطن في تحليل له حول الموضوع أن: “هناك حزمة من القضايا التي أثارت حفيظة المغرب من ألمانيا بما تررد حول قضية التجسس، ويتعلق الأمر بسفر باحث ألماني إلى الصحراء وصدور تقرير منظمة الشفافية الدولية التي يوجد مقرها في برلين في فبراير الماضي خلص إلى أن المغرب يعاني” مستوىً خطيرا وممنهجا من الفساد”، وأنه ” تفاقم خلال فترة انتشار وباء كورونا، بحيث تم تقييم المغرب بنقطة 40 من أصل 100 وفق معايير الشفافية العالمية مع ازدياد معدل الفقر إلى 19.8 بالمئة في العام 2020، بالإضافة إلى إشارة التقرير أنه باتعدام الإرادة السياسية الحقيقية لمحاربة الفساد بشكل فعال.

وعلى خلفية هذا القرار المفاجئ، أعربت الخارجية الألمانية أنها لم تكن على علم بموضوع تعليق المغرب علاقاته ووقف كل أشكال التعامل مع برلين إلا عبر التقارير الإعلامية. كما وصفت علاقاتها بالمغرب عبر بوابتها الإلكترونية بـــ”التقليدية والوثيقة والودية”.

وكان الرد الألماني الرسمي عبر استدعاء سفيرة المغرب لدى ألمانيا زهرة العلوي من قبل الخارجية الألمانية، وذلك لتوضيح الأسباب التي دفعت المغرب لاتخاذ هذه الخطوة المفاجئة، بحيث صرحت الخارجية الألمانية عقب ذلك على أن الدولة الألمانية لا ترى أي سبب يمكن معه أن تًقطع على إثره العلاقات الجيدة التي تربط البلدين.

كتقييم عام، وإلى حين تقديم وزارة الخارجية المغربية تفسيرات ملموسة حول حيثيات هذا القرار المفاجئ، يمكن القول أن الدبلوماسية المغربية أخطأت وأضاعت البوصلة باتخاد قرار أقل ما يقال عنه أنه عبارة عن خطاب اندفاعي-حماسي، لم تضع في الاعتبار عند اتخاذه تداعياته وتأثيراته على مسار العلاقة بين البلدين، والتي يمكن أن تنقلب على المغرب وأن يكون لذلك انعكاسات على علاقات المغرب الاستراتيجية بالاتحاد الأوروبي على الرغم من وضعه المتقدم مع الجارة الشمالية أوروبا، خصوصا أن المخاطب هنا دولة صناعية كبرى وإحدى أكبر الاقتصاديات على الصعيد العالمي وأبرز القوى الدولية التي لها تأثير كبير على عملية صنع القرار ليس فقط إقليميا على مستوى سياسات الاتحاد الأوروبي، بل أيضا حضورها الوازن ومركزية مكانتها وصوتها المسموع على الصعيد الدولي، بحيث يعتبرها الجميع قائدة قاطرة الاتحاد الأوروبي وإحدى أقوى دوله بعد خروج بريطانيا منه. لذلك فعلى الرباط إعادة حساباتها في تقييم أو تقويم علاقاتها مع ألمانيا على أساس منطقي-عقلاني تغيب فيه الاندفاعية ويحضر فيه حكم الواقع من خلال وضع مصالح المغرب كأساس لهذه العلاقات وذلك من خلال الانفتاح على سياسة الحوار البناء لإصلاح الخلافات البينية، لأن مسايرة الدبلوماسية المغربية لهذه الخطوة التي كشفت النقاب عن الضعف والخلل الذي يعتريها من خلال اتخاذ قرارات متسرعة، من الممكن أن تنعكس سلبا على المغرب من خلال احتمالية مواجهته في حالة التصعيد لعقبات وعراقيل داخل أروقة منظمات إقليمية ودولية لألمانيا ثقل ومكانة مهمة داخل أروقتها، خصوصا أن المغرب هو في أمس الحاجة في الظرفية الراهنة إلى كسب مزيد من التأييد والاعتراف الدولي بمغربية الصحراء بعد الاعتراف الأمريكي- تحوم حوله العديد من الاستفهامات لارتباطه بقرار التطبيع مع “إسرائيل”- ، وبهذه الخطوة ستكون دبلوماسية بوريطة قد أفشلت جميع المساعي التي من ممكن أن تضع المغرب وقضية وحدته الترابية في مصاف متقدم بحصد مزيد من المواقف الإيجابية حول الملف، ومن جهة أخرى إجهاض آفاق التعاون المستقبلي مع قوة اقتصادية تحتل المرتبة الرابعة على الصعيد العالمي.

ومن كل ذلك، فعلى الرغم من الدور الذي يلعبه المغرب في خدمة ملفات حساسة تهم الجانب الأوروبي، والتي يعتبرها إحدى أوراقه الرابحة كملفات الهجرة والإرهاب والصيد البحري إلا أن كل ذلك لن يشفع لصانعي القرار بالمغرب عند الاصطدام بالماكينة الألمانية الصلبة ذات السياسة القوية.

تنامي النفوذ الصيني بالمغرب الكبير

تنامي النفوذ الصيني بالمغرب الكبير

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close