fbpx
سياسةالسياسات العامة

أزمة تسجيل العقارات في مصر: السياسات والسيناريوهات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

في أغسطس 2020، وافق مجلس النواب في مصر على مشروع قانون مقدم من الحكومة بشأن تعديل بعض أحكام القانون ‎رقم 114 لسنة 1946 بتنظيم الشهر العقاري في مجموع مواده، عن طريق إضافة مادة مستحدثة برقم (35 مكرراً) تقضي بأنه “إذا كان سند الطلب المقدم لمكتب الشهر العقاري حكما نهائيا، يثبت إنشاء حق من الحقوق العينيـة العقاريـة الأصلية، أو نقله، أو تقريره، أو تغييره، أو زواله، يجب على أمين المكتب إعطـاء الطلب رقما وقتيا شهرا أو قيدا فى سجل خاص لكل منهما يعد لذلك بعد سداد الرسم المقرر.

ويتحول الرقم الوقتى إلى رقم نهائى، ويترتب عليه الآثار المترتبـة علـى شهر المحرر أو قيده، وذلك عند عدم الاعتراض عليه أو رفض الاعتراض ويكون الاعتراض على صدور الرقم الوقتى أمام قاضى الأمور الوقتية خـلال شهر من تاريخ نشره بإحدى الصحف اليومية واسعة الانتشار على نفقـة صـاحب الشأن، ويصدر القاضى قراره مسببا بقبول الاعتراض وإلغـاء الـرقم أو بـرفض الاعتراض، وذلك خلال سبعة أيام من تـاريخ رفـع الاعتـراض إليـه مقرونًـا بالمستندات المؤيدة له، ويكون القرار الصادر فى هذا الشأن نهائيا وعلى شركات الكهرباء والمياه والغاز وغيرهـا مـن الـشركات والجهـات والوزارات والمصالح الحكومية عدم نقل المرافق والخدمات، أو اتخـاذ أى إجراء مع صاحب الشأن يتعلق بالعقار إلا بعد تقديم السند الذى يحمل رقم الشهر أو القيد”.

وتم نشر هذا التعديل في الجريدة الرسمية بتاريخ 5 سبتمبر 2020 على أن يبدأ العمل به بعد ستة أشهر أي في 6 مارس 2021.

وفي 9 سبتمبر 202 صرح رئيس الوزراء مصطفى مدبولي “إن الحكومة تعكف حاليا على وضع منظومة رقمية، لعمل شهادة ورقم قومي لكل شقة وعقار، ولن يتم التعامل على الشقق إلا بها”[1]، في السابع من ديسمبر 2020 أعلن وزير العدل المصري أن 95% من العقارات غير مسجلة في مصر بسبب صعوبة الإجراءات،[2].

وفي 22 فبراير 2021 أكد الوزير أنه لا تعامل مع الجهات الحكومية على العقارات غير المسجلة بمعنى أنه لن يتم توصيل المرافق لمثل تلك الوحدات غير المسجلة،[3] وفي تلك الأثناء انتشرت شائعات حول توجه الحكومة لنزع ملكية الوحدات غير المسجلة وهو الأمر الذي نفته الحكومة عبر مركز معلوماتها وعبر بيانات للقنوات الدولية التي وصل إليها موضوع الجدل[4].

ولا شك أن تسجيل الحقوق العينية تمثل مشكلة عامة تحتاج لسياسة عامة لا يضعها الوزير فقط أو البرلمان دون تشاور مع أية جهات تمثل ملايين المواطنين المعنيين، كما أنه ومن الناحية الموضوعية فإنه لا بد من حل لهذه المشكلة، ولابد من سياسة عامة بشأنها حيث تتراكم في المحاكم المصرية ملايين المنازعات العقارية ويترتب على عدم وجود مثل هذا السجل الشامل للعقارات في مصر ضياع لحقوق ملايين المصريين وجرائم أخرى ترتبط بمحاولات استخلاص تلك الحقوق خارج نطاق القانون سواء في ظاهرة مافيا الأراضي وواضعي اليد أو تهرب المضاربين من ضريبة الثروة العقارية وغيرها من الرسوم والعوائد المستحقة للدولة.

الإشكالية التي تناقشها هذه الورقة مرتبطة بالجدل الذي حدث مع دخول التعديل الجديد حيز النفاذ في 6 مارس 2021، ثم تصريحات السيسي حول تأجيل التنفيذ لمدة عامين، والمهلة المحددة للمواطنين لتوفيق أوضاعهم والرسوم التي تتضمنها المادة، ومناقشة سياق التعديلات واستراتيجيات الحكومة الحالية في فرض التشريعات والبحث عن بدائل لهذه الاستراتيجية فيما يتعلق بتعديلات قانون الشهر العقاري والتوثيق.

سياقات التعديلات الجديدة:

تقول وجهة النظر الحكومية إن التعديلات جاءت لحماية الثروة العقارية والحقوق عليها، لكن جوهر التعديلات يعني وقف إدخال المرافق لكافة المباني غير المسجلة اعتبارا من 6 مارس 2021 تاريخ سريان التعديل، ويعني أيضا أن لدى المواطنين مهلة للتسجيل عاما والاعتراض على أحكام الشهر من قبل أية أطراف لشهر، وهو ما يراه المحامون والخبراء مدة قصيرة جدا، يمثل هذا الموضوع تحد حقيقي لقدرة الحكومات المصرية المتعاقبة على اتخاذ قرارات وإنفاذها في توقيتاتها ويمثل تحديا أكبر للحكومة الحالية خصوصا بعد التحدي السابق المرتبط بقانون مخالفات البناء والذي لجأت فيه الحكومة لتراجعات كبيرة ومع ذلك لم تحقق الحصيلة المرجوة من ورائه.

لكن يقف خلف إثارة هذه الإشكالية في هذا التوقيت أن على الحكومة المصرية أن تسدد قرابة 21.4 مليار دولار للدائنين في 2021[5] كانت قد اقترضتها في الأعوام السابقة حيث شهدت الفترة من 2014 تراكما غير مسبوقا للدين الخارجي وفوائدة وخدمته[6] ومع عدم توقع حدوث تغير كبير في مصادر التمويل الدولية للاقتصاد المصري وبالذات قطاع السياحة، ومع عدم قدرة الحكومة المصرية على إقناع دائنيها بالاستمرار في إقراضها فإنها ستواجه مشكلة كبيرة في سداد التزااماتها الخارجية في توقيتاتها، كذلك فإن هناك أرشيفا من إلحاح المؤسسات الدولية مرتبط بتسهيلات مناخ الأعمال والاستثمار ونقد رئيسي حول هذه المسألة المرتبطة بإجراءات تسجيل العقارات وعدم رسملة الثروة العقارية المصرية الهائلة بعد، وكذلك اشتراطات خاصة بالشفافية وتوفير قاعدة بيانات حيوية حول الثروة العقارية.

أيضا من تحليل أزمة قانون مخالفات البناء يبدو أن الحكومة المصرية والجهاز الإداري المتكلس الذي تم الاعتماد عليه في التطبيق، والضغط عليه بالتهديد بالتدخل المباشر للجيش، لم يكن يملك قاعدة بيانات تتيح له تحديد المستهدفين بالغرامات وبالتالي تحصيلها منهم، وأن لوبي القطاع العقاري الرسمي وغير الرسمي كان عادة ما يجد آليات للالتفاف على المخالفات سواء عبر آليات وإجراءات غير رسمية أو بتسجيل بعض العقارات بأسماء أموات في بعض الأحيان للتهرب من المخالفات، فالواقع المصري شديد التعقيد ويتميز بقدرة شديدة على الالتفاف على القوانين والتشريعات، كما واجه ملايين الملاك الجدد للوحدات أزمة تتعلق بمن يتحمل رسوم التصالح، والتجأت الحكومة لتعديلات شكلية لكنها لم تحصل المستهدفات، وواجهت أزمة عدم تسجيل معظم هذه العقارات، وبالتالي عدم القدرة على تحصيل الغرامات الخاصة بالتصالح من القائمين بها.

وفي السياق الحالي الذي تشير فيه تقارير أجهزة المعلومات الرسمية أن ٣٢.٥% من المصريين فقراء وفقا لبحث الدخل والانفاق والاستهلاك الصادر عام 2019[7]، وذلك قبل تأثيرات أزمة كورونا وأعبائها الاضافية والتي تشير وفقا لتقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مايو 2020 أن أغلبية المصريين (73.5%) قد انخفضت دخولهم بنسبة كبيرة جراء وباء كورونا وأن 61.1% منهم اضطر للعمل أيام أقل بأجور أقل، وأن 70% من الأسر المصرية خفّضت من استهلاكها للحوم والطيور والأسماك لتتعايش مع نقص الدخل الناجم عن الأزمة، وأن حوالي ثلث الأسر لا يكفي دخلها احتياجاتها الأساسية.[8]

فمن غير المنطقي أن تفرض الحكومة عليهم رسوما إضافية في ظل جائحة أثرت على دخول كل المصريين وفقا لهذه التقارير الرسمية ناهيك عن أن تكون رسوم وضرائب مبالغا فيها، وبالتالي تثور عدة تساؤلات منطقية حول إلغاء ضريبة التصرفات العقارية عند التسجيل لأول مرة أو على الأقل أن تقوم الدولة بتحصيلها من البائع مباشرة على فترة زمنية معقولة ويعفى منها طالب التسجيل، وكذلك تساؤلات حول المنطق وراء دفع رسوم لنقابة المحامين من قبل طالبي التسجيل دون أن تقدم لهم النقابة خدمة في المقابل، ومع ذلك يقدم المواطنون والمحامون على منصات التواصل الاجتماعي حلولا للتعايش مع هذه التعديلات تتضمن اقتراحات بتقسيم تقسيط الرسوم المنطقية للتسجيل على فواتير الكهرباء والمياه والغاز لمدة معينة، واعتماد نماذج للتقديم إلكترونيا على التسجيل في ظل الجائحة، وأن تحيل المحاكم مباشرة إلى مصلحة الشهر العقاري كافة أحكامها وأرشيفها والأوراق المقدمة إليها بشأن المنازعات على حقوق عينية مرتبطة بالعقارات وملكيتها وتسجل بناء عليها وهو ما يوفر بعض الإجراءات على المواطنين وموظفي الشهر العقاري على الأقل.

ولا ينبغي قصر تأثير الوضع الوبائي في التعامل مع هذا القانون على الأثر الاقتصادي فقط، إذ يتطلب التعديل الجديد وإجراءات التسجيل المترتبة عليه قيام ملايين المواطنين بالحضور لمقار عدة جهات حكومية في ثلاثة أشهر بحسب الوضع الحالي أو ستة أشهر وفقا للتعديلات التي يقدمها بعض النواب، تبدأ من 6 مارس وهذا يعني رسميا تكدس ملايين المواطنين على مكاتب الشهر العقاري وأماكن تحصيل الضريبة العقارية والمحاكم ومكاتب المحليات المختصة ومكاتب المحاماة، فنحن نتحدث عن ملاك ما يقترب من 43 مليون وحدة عقارية وفقا للبيانات الرسمية [9].

وهو ما يزيد من احتمالية حدوث كارثة صحية كبيرة، فالفترة نفسها هي التي ستشهد ذروة الموجة الثانية لفيروس كورونا والتي تلاحظ آخر الدراسات الإحصائية الرسمية أن معدل انتشار الإصابات بين المصريين بفيروس كورونا في الموجة الثانية أسرع وأشرس من معدل انتشار الإصابات بالموجة الأولي.[10] وبالتالي فالإصرار على التطبيق الفوري مع قصر الفترة الزمنية للتطبيق لا يتوافق هذا مع أي منطق علمي وإجراءات وقاية من الجائحة، ويثير التساؤلات حول إمكانية وقدرات نظامنا الصحي على أن تستوعب الكارثة التي يمكن أن تترتب على هذا الإصرار؟

يعاني السوق العقاري المصري من أزمة حقيقية إذ دائما هناك فقاعة عقارية متوقعة لكنها تظل مؤجلة، ويعلم جميع المتعاملين في السوق أن الأسعار مبالغ فيها بشدة لكنهم لا يجدون بديلا جيدا للاستثمار فيه إذ تتبنى الحكومة ورجال الأعمال المقربون منها مقولات “العقار أفضل استثمار” والقطاع العقاري رافعة الاقتصاد المصري، وبرغم أن هذه المقولات أصبحت تجد قبولا ومنطقا بين الاقتصاديين وخبراء الاستثمار إلا أنها تعبر عن خلل في السياسات المالية والاقتصادية، ناهيك عن أن غالبية المواطنين العاديين لا يجدون سبيلا للدخول لسوق العقارات بأوضاعهم المالية والمعيشية الحالية ونتيجة للمضاربات وعمليات السمسرة الواسعة في العقارات التي أصبحت وسيلة رئيسية للثراء في السنوات الأخيرة، ويواجه المشترون الصغارة أزمة في إعادة البيع سوف تزيدها حتما المصروفات المبالغ فيها للتسجيل وفقا للمسار الحالي إذ قد تصيب السوق بركود ولو مؤقت.

لا يخلو التوجه الجديد للحكومة من عملية رسملة كبيرة هدفها الأساسي تحصيل أكبر قدر ممكن من الضرائب والرسوم، إذ يشير تحقيق صحفي لجريدة الأهرام أن الثروة العقارية تقدر مبدئيا بتريليون دولار او ما يعادل ١٦ تريليون جنيه مصرى تضم ١٠ ملايين عقار بخلاف العقارات الحكومية، وأن هذه الإجراءات تأتي ضمن “المشروع القومى لرقمنة العقارات ووضع رقم قومى لكل عقار”، يهدف المشروع الذى من المقرر الانتهاء منه خلال 3 سنوات حسب الخبراء والمختصين إلى حصر وإدارة الثروة العقارية لتحقيق الإدارة الرشيدة وتسهيل توفير الخدمات وإنهاء النزاعات حول الملكية التى يجرى حصرها الآن بمشاركة وزارات الاتصالات والعدل والتخطيط والتنمية المحلية وتم تنفيذ المشروع بشكل تجريبى فى محافظة بورسعيد وجار التنفيذ الفعلى فى محافظة الإسكندرية بتكليف من رئيس الوزراء، يتزامن ذلك مع إعداد مشروع قانون لتعميم عملية تكويد العقارات على مستوى الجمهورية بعد الانتهاء من صياغة وتشريع قانون ينظم هذا البرنامج الذى يتابع تنفيذه الرئيس شخصيا.[11]

ومن المفارقة أنه بالتوازي مع طرح هذا المشروع القومي فإن مصلحة الشهر العقاري والتوثيق تعاني عجزا شديدا في أعداد الموظفين، فقطاع الشهر العقارى يعانى من عجز شديد فى العمالة بكل أنواعها، إذ كان يبلغ تعداد العاملين به 7885 موظفاً من كل الفئات خلال عام 2016، ونتيجة لبلوغ بعضهم سن التقاعد القانونية فقد تناقص عدد هؤلاء الموظفين حتى بلغ تعدادهم 6201 نهاية عام 2019، والذين يقع على عاتقهم عمليات التسجيل لملايين الوحدات غير المسجلة ضمن هذا الرقم هم الموثقون والفنيون والباحثون القانونيون، الذين كان يبلغ تعدادهم 3146 موثقاً فى عام 2016، وتناقص هذا العدد نتيجة لانتهاء خدمة البعض وانتداب آخرين لجهات أخرى حتى بلغ تعدادهم بنهاية عام 2019 نحو 2444 موثقاً، وهي أزمة حقيقية خاصة بعد إقرار قانون الخدمة المدنية وتوقف التعيينات بالجهات الحكومية، وهو ما استدعى أن يطلب وزير العدل من رئيس الوزراء نقل عدد 1102 موظف من جهات عملهم الأصلية للعمل بالمصلحة في ديسمبر 2019.[12]

استراتيجية فرض التشريعات:

بين الحين والآخر تطلق الحكومة المصرية بالونات اختبار للمجتمع بشأن مشكلات عامة تحتاج لسياسات عامة حقيقية وموضوعية مؤجلة منذ عقود من بين هذه المشكلات وأكثرها تعقيدا قوانين مخالفات البناء وقوانين الإيجارات القديمة ومؤخرا قانون الشهر العقاري والتسجيل، هذه القوانين تمس جميع المواطنين بشكل مباشر إذ تمس في جوهرها الحق في السكن، وتؤثر في أنماط الملكية والقوانين المتعلقة بها، والتي دائما ما كانت مرتبطة بتغييرات بنيوية في الاقتصاد والدولة والعلاقات الاجتماعية، كما تنبئنا الخبرة القريبة لقانون مخالفات البناء أن الحكومة المصرية تحاول التعامل بأسلوب الصدمة مع بعض القضايا لكن هذه الطريقة لم تفلح وانتهت بتراجعات كبيرة من قبل الحكومة وعدم تحقق لا الأهداف الموضوعية للسياسة العامة ولا الأهداف المؤقتة للحكومة بتحقيق إيرادات محددة سلفا، يشبه هذا إلى حد كبير التعامل مع المسألة الضريبية حيث دائما لا تحقق الحكومة المصرية المستهدفات على الرغم من اتباعها قبضة أمنية شديدة في التحصيل واتباعها خططا توعوية وتحفيزية، بل وعادة ما يزيد حجم التهرب الضريبي عن المتحصلات الفعلية، وبرغم أن هذا يشير إلى عدم كفاءة الجهاز البيروقراطي المسئول عن التحصيل أو نظام التحصيل ذاته رغم ما به من تطورات مؤخرا إلا أنه يشير إلى إشكاليات أكبر تتعلق بعدالة تحمل أعباء الضرائب والرسوم في مصر وإلى نموذج مضطرد من عدم عدالة توزيع الأعباء.

لطالما اتبعت الحكومة المصرية نمط التعديلات المقتضبة للقوانين بحيث يتاح لها التفصيل في اللوائح التنفيذية التي لا تأخذ حيزا كبيرا من النقاش والاهتمام العام، فبينما روجت الحكومة لأن رسوم التسجيل لن تتجاوز 2000جنيه[13] وأن هدف القانون اختصار الإجراءات، فإن محامين وخبراء قانونيين وتقارير صحفية أوضحت أنه وفقا للائحة الجديدة حتى يصل المواطن لمرحلة التسجيل حيث يتطلب الأمر دفع رسوم إلى 5 جهات حكومية، كشرط لاتمام عملية التسجيل، وهي رسوم التسجيل في الشهر العقاري تختلف حسب المساحة وتتراوح بين 500-2000جم، ورسم نقابة المحامين1% من قيمة العقار، ورسم ضريبة تصرفات 2.5% من قيمة العقار، ورسم المساحة يتراوح بين 290-570 جم، ورسم هندسي يتراوح بين 1000-2000جم ورسم دعوي صحة ونفاذ في حدود 500 جنيه تقريبا، ورسم الأمانة القضائية وهو بمقدار 4.5% (45 جنيها لكل ألف جم من ثمن الوحدة)، وهذا بالإضافة لأتعاب المحاماة عن كل تلك الإجراءات.[14]

وبعد الضجة الكبيرة التي أثارها تعديل قانون الشهر العقاري والتوثيق بالمادة 35 مكرر، فإن بعض أعضاء مجلس النواب تقدموا بطلب لتعديل المادة تلاشيا لبعض جوانب الغضب الشعبي الذي تم التعبير عنه على وسائل التواصل الاجتماعي،[15] وصولا لتعبير بعض النواب عن نقد لاذع للقانون ولائحته التنفيذية باعتباره قانون جباية[16]، لكن مجمل التعديلات المقترحة لا تمس جوهر الاعتراضات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي والمتعلقة بارتفاع الرسوم وتعدد الجهات والإجراءات التي يجب المرور بها وصولا لعملية التسجيل وإنما بمد آجال التسجيل والاعتراضات على الشهر من شهر إلى ثلاثة أشهر، أي أننا أصبحنا أمام مشروع لتعديل القانون المعدل قبل تطبيقه بأقل من أسبوعين، وهذا يشير لارتباك قانوني برغم أن البرلمان الذي أقر القانون والبرلمان الحالي كلاهما تم اختيار أعضائه بعناية شديدة من قبل الأجهزة التي تدير العملية السياسية. كما أنه وحتى كتابة هذه اللحظة لم يطلع المحامون على نص هذه اللائحة التنفيذية مثار الجدل والتي يفترض أن يتعاملوا بها خلال أيام ولم يتم نشرها على أية مواقع حكومية بعد.

إن الطريقة التي يتم بها تجريب هذه القوانين واختبارها على الناس أثبتت -على الأقل في حالة قانون مخالفات البناء- أنها تؤدي لاحتجاجات غير متوقعة وتراكم موجات الغضب وبعض التعبيرات العفوية عنها، وهذا التعبير العفوي عن الغضب المكتوم هو آخر ما تحتاجه أو تحبه هذه الحكومة، إذ يتطلب إما قمعا فوريا أو تراجعا فوريا وفي كل مرة ينجم عنه تقوية شعور المواطنين بإمكانية الضغط على هذه الحكومة وكسب بعض التنازلات منها. وإذا كان شعار برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري المفروض من قبل مؤسسات التمويل الدولية ” بالإصلاح الجريء حنقصر الطريق”، فإن هذا الطريق محفوف باللايقين والمخاطر التي تجعل منه أقل جرأة مما توقع ممهدوه والسائرين عليه.

أية بدائل وأية سيناريوهات؟

إذا كنا نسلم بداية بأهمية هذه القوانين لاستقرار علاقات الملكية بل ومطلوب أن يكون لدى الحكومة المصرية سجل عقاري لكافة الأصول العقارية وللأراضي الزراعية وأملاك الدولة والأوقاف والأرض الفضاء، ويفضل أن يتاح نشره إلكترونيا بطريقة تفاعلية وسلسة حتى يتمكن البائعون والمشترون مستقبلا من الاطلاع على تفاصيله كاملة بتواريخ البناء والمرافق المتاحة فيه والحالة الهندسية للعقار، وهو ما سيقلل حتما المنازعات القضائية المتراكمة في المحاكم ويقلل الجرائم المترتبة على تنازع المصريين على ملكيات العقارات ويساهم في ضبط منازعات المواريث والزواج والطلاق وتقليل عمليات النصب ويحسن مناخ الاستثمار ومؤشرات الشفافية وييسر ممارسة الأعمال وقد يساعد في إطلاق مئات الشركات العاملة في السوق الإلكتروني للعقارات وغيره.

 لكن ينبغي على أية حكومة مصرية أن تدرك أن هذا الإجراء يتم في العديد من البلدان بشكل مجاني تماما كما هو الحال في السعودية[17]ويتم برسوم بسيطة مقابل قيام الجهات المختصة بالتوثيق للمتعاملين في مواقعهم عن طريق اعتماد خدمات التوقيعات الخارجية المسبوقة بطلب إلكتروني من أصحاب الشأن كما هو الحال في قطر[18]ونفس الحال في الإمارات حيث تتم الخدمة إلكترونيا مقابل رسوم لا تتجاوز 300 درهم، وإذا كان معدل الدخول في هذه البلدان أضعاف نظيره في مصر وهو ضمن الأعلى عالميا وتعتمد مثل تلك الرسوم المنخفضة، فإن الرسوم المتداولة في الحالة المصرية عالية جدا وأن التوقيت غير مناسب للفرض الوقتي لهذا القانون وبالتالي عليها أن تضع خطة تتوافق مع دخول المواطنين وتوقعات تعافي الاقتصاد من تبعات جائحة كورونا وكذلك تأخذ في الحسبان مستويات الدخول والمدخرات الخاصة بالأسر والأفراد المخاطبين بهذه القوانين ومن ثم يمكنها من وضع جداول زمنية بفئات دخل محددة بعضها يمكن تقسيط هذه الرسوم لها وبعضها من أصحاب الدخول الأعلى يمكن أن يقوموا بالدفع أولا وهكذا.

كما ينبغي أن لا تكون الإجراءات معقدة وغير واضحة تماما، فالحكومة التي تتعامل مع المستثمر بمنطق الشباك الواحد أولى بها أن تتعامل مع المواطنين بنفس المنطق على الأقل وهي تتخذ إجراءات من شأنها ضخ أموال ضخمة لخزينة الدولة تفوق أضعاف الاستثمار الأجنبي المباشر الذي يضخه هؤلاء المستثمرون، كما ينبغي في سياق الجائحة أن يتم تحويل كل ما يمكن تحويله من إجراءات إلى النظام الإلكتروني تيسيرا على المواطنين وحماية لهم وللدولة من تبعات تفشي واسع ومحتمل بشدة حال تزاحم المواطنين على مكاتب الشهر العقاري والتوثيق وعلى الجهات الإدارية التي تفترض الإجراءات تواجدهم بها، وإذا كان لا بد من حضور المواطنين إلى بعض المكاتب لاستيفاء بعض الإجراءات التي لا يمكن استيفاؤها إلكترونيا هنا ينبغي أن يتم تمديد المهلة المحددة في القانون بمعادلات رياضية واضحة تضمن عدم التزاحم على المكاتب وأن يتم توزيع المواطنين على هذه التوقيتات عبر خدمات حجز مواعيد مسبقة سواء عبر مواقع إلكترونية أو رسائل تليفونية ومراكز خدمة عملاء وبطريقة أكثر احترافية من تلك الطرق المتبعة حاليا.

إذا كان هناك مشروع قومي للرقمنة للعقارات فإن هذه الرقمنة تقتضى أولا أن تبدأ الحكومة بما لديها من وثائق وأحكام محاكم وتقارير خبراء في ملايين القضايا التي رفعت أمامها فيما يخص العقارات والأراضي، وعليها أن تبدأ بأرشفتها وتكويدها إلكترونيا واستخراج ما يمكن استخراجه منها من بيانات ومعلومات وتقارير توضح تنوع حالات الملكية والمنازعات عليها في الواقع حتى يتسنى للحكومة وضع قوانين أكثر دقة واستيعابا لكل الحالات التي أفرزها الواقع ونظرتها المحاكم في العقود الماضية، وبالتالي تكون عمليات التسجيل المزمعة أدق وأكثر حفظا للحقوق والالتزامات ويكون لديها ما يشبه الدليل المرجعي لما يستجد من منازعات.

ينبغي على الحكومة المصرية أن تدرك أن منطق الترقيعات القانونية العاجلة من دون مناقشة موسعة مع الخبراء والموظفين المعنيين وأخذ رأي المواطنين وأوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية المرصودة في التقارير الرسمية في الحسبان، هذا المنطق لن يقود لتحقيق حصيلة مرجوة ولا استقرار سياسي بل إلى سلسلة قوانين يتبعها تراجعات واستثناءات تفرغها من مضمونها وهذا النهج لا ينتج استقرارا على المدى الطويل.

وفي هذا الإطار فنحن أمام أحد سيناريوهات ثلاثة:

السيناريو الأول:

أن تسير الحكومة قدما في تنفيذ قانونها الحالي دون تعديلات جوهرية وإنما فقط بتعديلات شكلية في المدد ودون مساس بالضرائب والرسوم المقررة بحيث تبدو الحكومة بمظهر المستجيب لاعتراضات المواطنين على القانون الحالي، هذا السيناريو يعززه حديث التعديلات المحدودة المقدمة من قبل بعض نواب الموالاة للحكومة وبعض برامج التوك شو ، لكن هذا السيناريو حال تطبيقه لن يحقق الحصيلة المرجوة وسيواجه عقبات كبيرة في التنفيذ وسيزيد إرباك السوق العقاري، وسيزيد من تراكم الدعاوى القضائية لدى المحاكم ويعزز قدرة مافيا الأراضي على التحايل.

السيناريو الثاني:

أن تنتبه الحكومة للتقارير الصادرة عن أجهزتها حول الفقر وانخفاض الدخول والوضع الوبائي الحالي وتحاول التوفيق بينها وبين المتحصلات المرجوة، وبالتالي تفطن إلى ضرورة خفض التكاليف والإجراءات المرتبطة بعملية التسجيل، وتحاول اتباع طرق إلكترونية قدر الإمكان والتوصل لتمديد عملية التطبيق لأكثر من عام وتقسيم الجمهورية على مراحل وفقا لفئات الدخل والمحافظات ربما على غرار قانون التأمين الصحي الشامل وإن كان من المتوقع أن تكون الفترة المطلوبة للانتهاء من التطبيق أقل بكثير من قانون التأمين الصحي، يعزز هذا السيناريو جزئيا المناقشات التي ما تزال جارية حول بعض البنود الجوهرية في قانون الشهر العقاري ومنها النقاش حول إلغاء رسوم تصديق نقابة المحامين بنسبة 1% مع احتمالية تقسيط ضريبة التصرفات العقارية على عام ونصف وتأجيل التطبيق حتى نهاية 2021.[19]

السيناريو الثالث:

وهو الأكثر عقلانية أن تلتزم الحكومة بما أعلنته في بداية الترويج للمشروع بشكل حرفي بأن لا تزيد تكاليف التسجيل عن 2000 جنيه لكل وحدة، على أن يتم إلغاء الرسوم غير المنطقية كرسم 1% المخصص لنقابة المحامين ورسوم الشهر لأحكام التسجيل وهو الإجراء الذي يمكنها تخفيضه للحد الأدني وتجميع الأحكام ونشرها في عدد إلكتروني من الجريدة الرسمية أو ملحق إلكتروني لإحدى الجرائد واسعة الإنتشار، وأن تقوم بتحصيل ضريبة التصرفات العقارية 2.5% بنفسها بعيدا عن المتقدمين بطلب التسجيل حتى لا تتسبب بأزمة ازدحام شديدة على المحاكم لرفع ملايين الدعاوى بين المشترين والبائعين لتحصيلها ومع مراعاة الظروف الاقتصادية للمطالبين بسداد تلك الرسوم والضرائب وتوزيعها على مدى زمني معقول، وهو ما سيحقق لها حصيلة مبدئية جيدة من رسوم التحصيل ومن تحريك الدورة المستندية دون ضغوط وأعباء جديدة كبيرة على المواطنين، ويحقق إنفاذا للقانون مع مراعاة ظروف المخاطبين به.

خلاصة

من الناحية الاقتصادية البحتة، إذا كانت هذه عملية رسملة بقيمة تريليونات الجنيهات والغرض الأساسي منها تحويل جزء كبير من الاقتصاد إلى النمط الرسمي وحصر قيمته الفعلية والتحكم في التعاملات عليه، فلو تمت بشكل مجاني كامل فالقائمون عليها والمسيطرون على السوق مستفيدون تماما منها، بالتالي لا معنى للإصرار على فرض تلك الرسوم المرتفعة على المواطنين بهذه الطريقة وتحويلها لغاية جبائية قصيرة النظر وبخاصة أن الحكومة تستطيع تحليل تلك البيانات الضخمة عن السوق وإعادة بيعها وتوظيفها بحيث تحصل على قيمة مضافة أعلى من المبتغى من عملية التسجيل بتلك الطرق المبتسرة.

كما أنه إذا تجاوزت المصروفات حد المعقول والمنطقي وهو فقط تكاليف الأوراق والانتقالات والإجراءات بالحدود الدنيا وغالبا فإن عملية تسجيل الثروة العقارية في مصر ستتوقف عند سنة 1946 والتي لم يتم تعديل المادة المذكورة ولا نسبة التوثيق في الواقع منذ هذا التاريخ، ولن يحدث أي تطور حقيقي في منظومة التسجيل، وقد يؤدي منطق دولة الجباية هذا إلى احتقان كبير مالم يحدث تراجع وتقليص وتبسيط كبير وحقيقي للإجراءات وتقسيط للرسوم ومضاعفة موظفي الشهر العقاري وتأجيل معقول لفترات التطبيق ربما أكثر من قانون مخالفات البناء.

كذلك يمكن القول إن تصريحات السيسي بشأن التأجيل بقرار حكومي ثم رئاسي يفرغ العملية التشريعية من مضمونها ويحول السياسات العامة لنموذج بالونات اختبار لقدرة الشعب على التحمل وقدرة الحكومة على الإنفاذ، وهو، على أهميته، ما يعني غياب رؤية واضحة لحل المشكلات الملحة واتباع سياسة تأجيل وتوريث المشكلات.


الهامش

[1] محمود مصطفى، لن يتم التعامل عليها.. مدبولي: استخراج شهادة ورقم قومي للشقق والعقارات، موقع مصراوي، بتاريخ 9/9/2020، https://bit.ly/3kG7l73

[2]  موقع جريدة المال، وزير العدل: 95% من العقارات غير مسجلة في مصر بسبب صعوبة الإجراءات، بتاريخ 7/12/2020، http://bit.ly/3bNlwmD

[3]  محمد مجدي، وزير العدل: 95% من العقارات بمصر غير مسجلة بالشهر العقاري واللي عايز يتعامل مع الحكومة لازم يسجل، موقع جريدة المال، بتاريخ 22/2/2021، http://bit.ly/2ZWQiUs

[4] صفحة رئاسة مجلس الوزراء المصري على موقع فيسبوك، بتاريخ 23/2/2021، http://bit.ly/2ZWQV0g

[5] العربية نت، كيف تدبر مصر 21.4 مليار دولار التزامات خارجية في 2021، http://bit.ly/3sxciBM

[6]  لمزيد من التفاصيل حول أرصدة الدين الخارجي المصري يمكن مراجعة موقع البنك الدولي، http://bit.ly/37TFwCN

[7] بحث الدخل والانفاق والاستهلاك، الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، 2019، https://bit.ly/3rePJBi

[8] الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، اثر فيروس كورونا علي الاسر المصرية حتي مايو 2020، https://bit.ly/2MvYasY

[9] الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، توزيع وحدات المبانى العادية* طبقا لنوع الوحدات السكنية وغير السكنية عام 2017، https://bit.ly/2MyGn4x

[10] ولاء إبراهيم وآخرون، مصر ما بين الموجة الأولى والثانية من كورونا دراسة استكشافية، الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بتاريخ فبراير 2021، http://bit.ly/2MvYasY

[11]  إبراهيم العزب، ما بين تنظيم الملكية وتوصيل المرافق .. شهادة ميلاد لكل عقار، تحقيق صحفي على بوابة الأهرام، بتاريخ 2/2/2021، http://bit.ly/3bNIIkI

[12]  أحمد ربيع، موظفو الشهر العقاري يؤيدون توجه البرلمان و”العدل”: نعانى عجزا في العمالة، جريدة الوطن، بتاريخ 25/12/2020، http://bit.ly/3r214ok

[13] بوابة الحكومة المصرية، http://bit.ly/3uFGNY0

[14] حمدي دبش، «الرسوم في 5 جهات».. تفاصيل رحلة تسجيل شقة في الشهر العقاري بالقانون الجديد، المصري اليوم، بتاريخ 24/2/2021، http://bit.ly/3uEgoK4

[15]  أمل محمود، مشروع قانون برلماني لتعديل المادة 35 المثيرة للجدل في قانون الشهر العقاري، موقع جريدة الشروق، بتاريخ 26/2/2021، http://bit.ly/2ZW0Gf4

[16]  أمل محمود، برلماني: اللائحة التنفيذية لقانون الشهر العقاري جعلت منه جباية وافتراس للمواطن، موقع جريدة الشروق، بتاريخ 28/2/2021، http://bit.ly/3srwFjI

[17]  انظر آلية تسجيل الملكية العقارية  في السعودية، على موقع وزارة العدل السعودية، على الرابط التالي http://bit.ly/2Obu12t

[18]  لمزيد من التفاصيل أنظر خدمة أبشر للتوقيعات الخارجية، على موقع الحكومة القطرية، https://bit.ly/37UVxZi

[19]  أحمد عويس، توافق نيابي حول إرجاء قانون الشهر العقاري.. وتأجيل التصويت النهائي للغد، جريدة الشروق المصرية، بتاريخ 28/2/2021، https://bit.ly/37XYIPM

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close