fbpx
دراساتعسكري

اتجاهات التغيير داخل المؤسسة العسكرية المصرية ج2

الجزء الثاني: حركات الإصلاح والتغيير القانوني والسياسي

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

بخلاف حركات التغيير التي قام بها بعض الضباط داخل الجيش المصري منذ عام 1952م وإلى وقتنا هذا والتي اتخذت أسلوب العنف أو التمرد كنموذج لتصحيح مسار المؤسسة العسكرية، كانت هناك محاولات أخري نهجت مسارات مغايرة للتغيير، منها محاولات فكرية أو سياسية أو قانونية، وفي إطارها تبرز النماذج التالية:

أولاً: نموذج سعد الدين الشاذلي:

“من المؤكد أنه ستكون هناك حروب قادمة بين العرب وإسرائيل، ويؤيد ذلك الإيمان بالله، والإيمان هو الأساس، والرؤية الإيمانية تؤيدها الرؤية الاستراتيجية والتي تقول انه لابد إن عاجلاً أو أجلاً سينتصر العرب على إسرائيل”.[1]

بهذه الكلمات تحدث الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية في الفترة ما بين 16 مايو 1971 وحتى 13 ديسمبر 1973، وجاءت كلمات الفريق الشاذلي بعد أكثر من 20 سنة على اتفاقية كامب ديفيد والتي عقدت عام 1979م، لتظهر عقيدة رئيس أركان الجيش المصري الأسبق أثناء حرب أكتوبر 1973م نحو إسرائيل.

وفي كتاب “الخيار العسكري العربي” الذي كتبه الشاذلي عام 1983 تحدث عن خيار الحرب لا السلام، كحل وحيد للصراع الدائر، بين العرب وإسرائيل، حربا وصفها بأنها طالما قالت العرب عنها إنها غير مستعدة لخوضها، لكن الشاذلي في خياره العسكري وضع بخلاصة خبرته ورؤيته الاستراتيجية والعسكرية تصوراً لواقع القدرات العربية أمام الإسرائيلي في محاولة لإعادة تعريف اﻷمر الواقع الذي يقول بإن العرب يستطيعون. تركز الكتاب على فكرة أصيلة وهي عدم الاعتراف بإسرائيل وضرورة العمل الحقيقي لتحرير فلسطين ورد العدوان، وبدأ الحديث عن ملامح نشأة كيان إسرائيل بتلاقي الأهداف الدينية والقومية والاستعمارية للحركة الصهيونية مع المصالح السياسية والاستراتيجية البريطانية.[2]

وبالرجوع إلى ما قبل حرب أكتوبر 1973م، فقد كتب الفريق سعد الدين الشاذلي مقدمة كتاب «عقيدتنا الدينية طريقنا إلى النصر»، الذي وزعته وزارة الحربية (الدفاع لاحقًا) على جنود الجيش المصري لتحفيزهم على القتال، قبل انتصار حرب أكتوبر بـ 3 شهور. وبحسب البيانات الموجودة على غلاف الكتاب فهو مطبوع في 80 صفحة بواسطة إدارة المطبوعات والنشر في القوات المسلحة، وذلك بتاريخ السبت 30 يونيو 1973، أي قبل الحرب بنحو 3 شهور.

وضمت مقدمة الفريق “الشاذلي” جملًا تحفيزية ودعوات لجنود الجيش المصري بـ«الانتقام للشرف والكبرياء». وجاء فيها: «يا أبناء مصر يا جنود مصر الشرفاء.. يا أبناء العرب البواسل، آن الأوان أن نطهر أنفسنا من الهوان والذلة التي أصابتنا بعد 1967، آن الأوان لكي ننتقم لشرفنا وكبريائنا، آن الأوان لكي نثق في أنفسنا وقدراتنا التي يُشكك فيها الأعداء والأصدقاء الانهزاميين، فالقتال سلاح وعقيدة”.

ونصح الفريق “الشاذلي” جنود الجيش المصري أنهم إذا شعروا بالخوف في بداية «الحرب» فلا يحتقروا أنفسهم، قائلا إن “آباءك العرب البواسل الذين أذهلوا العالم بالفتوحات والانتصارات، كانوا يشعرون بالخوف قبل بدء المعركة وكانوا يستعينون بالصلاة”.

وحذر «الشاذلي» الجنود من الانسحاب أمام العدو، وقال: “تذكر أيها الجندي البطل أن من سينسحب أمام العدو سيلحق به الخزي والعار في الدنيا والآخرة، تذكروا أنكم ستتعرضون لفترات عصيبة تشعرون فيها بالجوع ونقص في السلاح والعتاد”.

واختتم مقدمته قائلا: “لقد جاوز اليهود حدودهم ظلما وصلفا، ونحن أبناء مصر عقدنا العزم على أن نردهم على أعقابهم وأن نقتلهم وندمرهم كي نغسل عار هزيمة 1967 ونسترد كرامتنا وحريتنا.. اقتلوهم حيث ثقفتموهم واحذروهم أن يخدعوكم فهم قوم خادعون قد يتظاهرون بالتسليم كي يتمكنوا منكم فيقتلونكم بخسة.. اقتلوهم ولا تأخذكم بهم شفقة أو رحمة فإنهم لم يرحموا أبناءنا ولم يدفنوا شهداءنا بل تركوهم في صحراء سيناء تنهش فيها الكلاب والضواري.. اشفوا نفوسكم ونفوس أهل مصر.. يجب أن ندخل المعركة وشعارنا النصر أو الشهادة، فإن كان هذا هو شعاركم فـ (النصر في ركابنا إن شاء الله)”.

اتجاهات التغيير داخل المؤسسة العسكرية المصرية ج2

يعتبر الكثيرون الفريق سعد الدين الشاذلي من الأصوات الإصلاحية داخل الجيش المصري، وأنه كان يريد حرب أكتوبر 1973م، حرباً تحريرية بالأساس وليست حرباً تحريكيه كما أرداها الرئيس محمد أنور السادات وأنه كان معارض لاتفاقية كامب ديفيد عام 1979م، التي قامت بتغيير عقيدة الجيش المصري نحو إسرائيل باعتبارها عدواً للعرب والمسلمين بشكل عام، وذلك السبب الرئيسي الذي دفع السادات للتنكيل به وإبعاده عن المؤسسة العسكرية.

واتهم الفريق الشاذلي في كتابه “حرب أكتوبر” الرئيس أنور السادات باتخاذ قرارات خاطئة رغماً عن جميع النصائح من المحيطين به من العسكريين وتدخله المستمر للخطط العسكرية أثناء سير العمليات على الجبهة، والتي أدت إلى التسبب في الثغرة، وتضليل الشعب بإخفاء حقيقة الثغرة وتدمير حائط الصواريخ وحصار الجيش الثالث لمدة فاقت الثلاثة أشهر كانت تصلهم الإمدادات تحت إشراف الجيش الإسرائيلي.

كما اتهم في تلك المذكرات الرئيس أنور السادات بالتنازل عن النصر والموافقة على سحب أغلب القوات المصرية إلى غرب القناة في مفاوضات فض الاشتباك الأولى وأنهى كتابه ببلاغ للنائب العام يتهم فيه الرئيس أنور السادات بإساءة استعمال سلطاته وهو الكتاب الذي أدى إلى محاكمته غيابيا في عهد محمد حسني مبارك عام 1983 بتهمة إفشاء أسرار عسكرية وحكم عليه بالسجن ثلاثة سنوات مع الأشغال الشاقة ووضعت أملاكه تحت الحراسة، كما تم حرمانه من التمثيل القانوني وتجريده من حقوقه السياسية.

في عام 1978 أصدر الرئيس أنور السادات مذكراته “البحث عن الذات”[3] واتهم فيها الفريق الشاذلي بالتخاذل وحمله مسؤولية التسبب بالثغرة ووصفه بأنه عاد منهاراً من الجبهة يوم 19 أكتوبر وأوصى بسحب جميع القوات في الشرق، هذا ما دفع بالفريق الشاذلي للرد على الرئيس أنور السادات بنشر مذكراته (حرب أكتوبر)، والذي يعتبر من أدق الكتب إلى تحدثت عن حرب أكتوبر.

ويقول المشير محمد عبد الغني الجمسي رئيس هيئة العمليات أثناء حرب أكتوبر في مذكراته (مذكرات الجمسي / حرب أكتوبر 1973) صفحة 421 «لقد عاصرت الفريق الشاذلي خلال الحرب، وقام بزيارة الجبهة أكثر من مرة، وكان بين القوات في سيناء في بعض هذه الزيارات. وأقرر أنه عندما عاد من الجبهة يوم 20 أكتوبر لم يكن منهاراً، كما وصفه الرئيس السادات في مذكراته (البحث عن الذات صفحة 348) بعد الحرب. لا أقول ذلك دفاعاً عن الفريق الشاذلي لهدف أو مصلحة، ولا مضاداً للرئيس السادات لهدف أو مصلحة، ولكنها الحقيقة أقولها للتاريخ.»[4]

في مساء 14 مارس 1992، عاد الفريق الشاذلي إلى مصر بعد أن قضى 14 سنة منفياً في الجزائر منها سنتان في عهد أنور السادات، و12 سنة في عهد حسني مبارك، وقُبض عليه فور وصوله مطار القاهرة وصودرت منه جميع الأوسمة والنياشين، وأجبر على قضاء مدة الحكم عليه بالسجن الحربي التابع للجيش الثالث الميداني، لأن الأحكام العسكرية ليس بها استئناف ولا نقض ولا تسقط بالتقادم.

وقد وجهت للفريق للشاذلي تهمتان، التهمة الأولى: هي نشر كتاب بدون موافقة مسبقة عليه، واعترف الفريق الشاذلي بارتكابها، والتهمة الثانية: هي إفشاء أسرار عسكرية في كتابه، وأنكر الشاذلي صحة هذه التهمة الأخيرة بشدة، بدعوى أن تلك الأسرار المزعومة كانت أسرارًا حكومية وليست أسرارًا عسكرية، وطالب الفريق الشاذلي أن تتم إعادة محاكمته وبشكل علني إلا أن طلبه قد رفض، وفي بداية أكتوبر 1993، تم الإفراج عن الفريق الشاذلي عن طريق عفو عام.

ويقول اللواء محمد على بلال وهو مساعد رئيس أركان حرب القوات المسلحة الأسبق، قائد القوات المصرية في حرب الخليج الثانية 1991 عن الفريق سعد الدين الشاذلي “هذا الرجل أكثر شخص ظلم في مصر، فهو مهندس حرب أكتوبر، وكنا نقول كضباط بالقوات المسلحة إن النصر، الذي جاء من عند الله في المقام الأول، كان عماده الفريق سعد الشاذلي. فهذا الرجل فعل المستحيل في حرب أكتوبر، بداية من مراحل الإعداد ووصولا إلى النصر.. وأصدر الشاذلي (41) توجيها (خطط عمل الحروب) تشمل النواحي كافة، وما طبقته القوات المسلحة المصرية في حرب أكتوبر هو التوجيه رقم (41) «بالحرف الواحد»، بما فيه تدمير خط بارليف وحتى ردود الفعل الإسرائيلية. ويعود سر الخلاف الذي نشب بين السادات والشاذلي إلى تدخل السادات في الخطة التي وضعها الشاذلي وأصر على تنفيذها خلال الحرب، وأدى التدخل إلى حدوث ما يعرف بالثغرة، التي كبدت الجيش خسائر فادحة، وثبت لاحقا صواب رأي الشاذلي وخطأ السادات”.[5]

ويقول عن الفريق الشاذلي اللواء أركان حرب صلاح فهمي نحلة (رئيس فرع التخطيط بهيئة عمليات القوات المسلحة في حرب أكتوبر وصاحب قرار تحديد ساعة الصفر لبدء الحرب) ” عندما أُقصى الشاذلي عن المجال العسكري وكتب مذكراته طلبت الرئاسة مني كتابة تقرير عن الكتاب بعد أن قيل إن الكتاب يمس القوات المسلحة، فقرأت الكتاب وكتبت رأيي فيه وقلت إن المؤلف دقيق فيما ورد في باب كذا وكذا وغير دقيق في باب كذا، والكتاب لا يمس القوات المسلحة من قريب أو من بعيد والخلاف يقتصر على كونه خلافاً بين المؤلف ورئيس الجمهورية. كان هذا في عام 1980. وبعدها سألني مندوب إحدى الصحف عن رأيي في الثغرة ومدى مسؤولية الشاذلي عنها، فقلت لهم: “الشاذلي لم يرتكب أي خطأ عسكري”، وتصدرت هذه الجملة عنوان الجريدة. واتصل بي الشاذلي بعدها وقال لي: “أنت الوحيد في مصر الذي أنصفني” فقلت له: “إنني لا تربطني بسيادتك سوى صلة العمل لكنني أشهد بالحق”.[6]

وعنه تحدث د. مصطفى الفقي بقوله: “إن تهميش الشاذلي واستبعاده بسبب خوف رجال النظام بعد حرب أكتوبر من بزوغ نجمه على الساحة السياسية في مصر، وأن يخطف الأضواء منهم، لقد أدركت أن نهاية الشاذلي في الحياة العملية أوشكت على النهاية عندما رأيت صورته تتصدر غلاف مجلتا (الحوادث العربية) و (الباري ماتش) الفرنسية باعتباره أول رئيس أركان الحرب العربية المنتصرة”.

ثانياً: المشير الجمسي:

المشير محمد عبد الغني الجمسي، كان رئيس هيئة العمليات في حرب 73، ثم عُين وزيراً للحربية “الدفاع حالياً” خلفاً للمشير احمد إسماعيل بعد وفاته عام 1974 وشغل هذا المنصب إلى عام 1978 وبعدها عين مستشاراً عسكرياً لرئيس الجمهورية “السادات”، وتقاعد من الخدمة من ذلك المنصب عام 1980، إلى وافته المنية يوم 7 يونيو 2003 عن عمر يناهز 82 عام، وشهد المشير الجمسي حرب 1948 في فلسطين، وشارك في الحربين التي وقعا بين مصر وإسرائيل في عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر عامي 1956م، و1967م.

كتب المشير الجمسي والذي خدم في القوات المسلحة لمدة 39 عام مذكراته ونشرت بعد وفاة الرئيس محمد أنور السادات وتحديداً عام 1989م، واختار لها اسم ” خواطر مقاتل ساهم في حرب أكتوبر 1973″ تلك المذكرات أظهرت مدي اختلاف المشير الجمسي مع القيادات الحاكمة للبلاد في تلك الفترة وأوضح كيف عملت قيادات المؤسسة العسكرية على تغيير عقيدة الجيش المصري وأوضح كيف عمل السادات على إخراجه من المؤسسة العسكرية كونه يحمل فكراً مغايراً.

وجاء في مذكرات المشير في بداية مذكراته: “خمسة أعوام مضت من أكتوبر 1973م، حتى أكتوبر 1978م، وقعت فيها أحداث جسام تركت أثرها على مصر والوطن العربي، وما زالت تؤثر فيه. ففي يوم 6 أكتوبر 1973 كنت في مركز عمليات القوات المسلحة أرتدي لبس الميدان حيث بدأت الحرب الرابعة بين العرب وإسرائيل، وكنت أقوم بعملي فيها رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة هذه الحرب التي اشتركت فيها امتداد لحروب سابقة في الصراع العربي الإسرائيلي”.

واستمر المشير الجمسي في كتابته لمقدمة مذكراته وقال: “وبعد خمس سنوات بالضبط يوم 6 أكتوبر 1978 انتهت خدمتي بالقوات المسلحة كقائد عام لها، وانتهي عملي العام بالدولة كنائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الحربية والإنتاج الحربي. وكنت في منزلي في ذلك اليوم مرتدياً ملابسي المدنية، أشاهد على شاشة التليفزيون العرض العسكري الذي قام سنوياً احتفالاً بالنصر في تلك الحرب. بدأت هذه الفترة من تاريخ مصر والعرب بحرب أكتوبر 1973 التي هزت منطقة الشرق الأوسط هزاً عنيفاً، وقلبت الموازين السياسية والعسكرية والاقتصادية في المنطقة. وعلى إثرها حدث فض الاشتباك الأول على الجبهتين المصرية والسورية، ثم فض الاشتباك الثاني على الجبهة المصرية، وأعيد فتح قناة السويس للملاحة، وألغيت معاهدة الصداقة المصرية السوفيتية.

وتابع المشير الجمسي: “قام الرئيس الراحل أنور السادات بزيارة القدس في أواخر عام 1977 التي أطلق عليها “مبادرة السلام” وبعد مفاوضات سياسية وعسكرية بين مصر وإسرائيل وصلت إلى طريق مسدود، وقع الرئيس السادات “اتفاقية كامب ديفيد” بين مصر وإسرائيل في الولايات المتحدة الأمريكية في سبتمبر من العام التالي 1978، وكان رأي الرئيس السادات كما أبداه لي بعد أسبوعين من توقيع هذه الاتفاقية، أن مصر تمر بمرحلة جديدة تتطلب تغييراً شاملاً في مؤسسات وأجهزة الدولة.

ولذلك قرر تغيير الوزارة حينئذ – وزارة ممدوح سالم التي كنت نائباً لرئيس مجلس الوزراء ووزير الحربية فيها – بوزارة أخرى، واختيار رئيس جديد لمجلس الشعب، وتغيير القيادة العسكرية – القائد العام ورئيس أركان حرب القوات المسلحة وإطلاق اسم وزارة الدفاع على وزارة الحربية. كما تتطلب المرحلة الجديدة إجراء مفاوضات مع إسرائيل لوضع اتفاقية كامب ديفيد موضع التنفيذ في صورة معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل”.

وبقراءة تلك السطور نري أن اتفاقية كامب ديفيد فرضت على الرئيس السادات تغيير القادة العسكريين التي أدارة حرب أكتوبر والمجي بقيادات أخري حتى لا تكون لديهم تلك النظرة الاستراتيجية نحو إسرائيل والتي يراها قادة حرب أكتوبر بانها عدو استراتيجي للعرب ككل، يصنفوا حالة الصراع على انه صراع عربي إسرائيلي. حتى فرضت دولة إسرائيل تغيير اسم الوزارة التي يتبع لها الجيش المصري من أسم يعبر عن أنها وزارة حرب كون هذا الاسم ضد عملية السلام، وتحويل اسمها إلى وزارة الدفاع![7]

بتلك الكلمات التي كتبها المشير الجمسي رئيس هيئة عمليات الجيش المصري أثناء حرب أكتوبر 1973م، في مذكراته أظهرت عقيدته ونظرته إلى إسرائيل والتي يراها أنها عدو استراتيجي للعرب ككل وان الصراع العربي الإسرائيلي مستمر ولن ينتهي وان على القيادات العسكرية أن تكون دائما جاهزة ومستعدة لتلك العدو الاستراتيجي، وان مقولة الرئيس الراحل السادات أن حرب أكتوبر هي أخر الحروب ما كانت تمثل عقيدة القيادات العسكرية نحو إسرائيل في ذلك الوقت. وهذا السبب في إبعاد المشير الجمسي من المؤسسة العسكرية كونه صوت إصلاحي وطني غير متماشي مع قيادات المؤسسة العسكرية التي منذ عام 1979م، بدأت تنتهج نهج مغاير للعقيدة التاريخي للجيش المصري.

ثالثاً: المشير محمد أبو غزالة:

المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة وزير دفاع مصر في أواخر عهد محمد أنور السادات وبداية عهد الرئيس محمد حسني مبارك لعدة سنوات حتى سنة 1989. وتولى بعدها منصب مساعد لرئيس الجمهورية الشرفي. وكان يتولى المشير “أبو غزالة” قيادة مدفعية الجيش الثاني أثناء حرب 6 أكتوبر 1973م، ثم عُين بعد الحرب رئيساً لأركان سلاح المدفعية، بعد حرب أكتوبر بعامين أي عام 1975، عينه السادات ملحقا عسكريا في واشنطن في 27 يونيه 1976 وهناك كان أول عسكري غير أمريكي يحصل على دبلوم الشرف من كلية كارلايل العسكرية، عاد إلى القاهرة بعد ثلاث سنوات ليكون مديرا للمخابرات العسكرية في 15 مايو 1979 ، عُين رئيسا لأركان القوات المسلحة في 15 مايو 1980 ورقى إلى رتبة فريق بعد يومين ، عُين وزيرا للدفاع قبل فترة قصيرة من مصرع أنور السادات، حصل على رتبة المشير في عام 1982.

يرى الكثير من العسكرين أن المشير محمد أو غزاله هو رمز للعسكرية المصرية الشريفة التي كانت تسعي لوضع الجيش المصري في موضع متميز لن يعتمد بالأساس على المعونات الخارجية للجيش المصري وكان يسعي لامتلاك الجيش المصري منظومة تسليحية خاصة وأنه كان يحاول إحداث طفرة تصنيعية داخل الجيش المصري، وكان يعتبر إسرائيل عدو استراتيجي وكان يحث قيادة الدولة السياسية على عدم التقارب مع إسرائيل بأي شكل من الأشكال، وكان هذا بالأساس السبب في إبعاده من داخل الجيش المصري عام 1989م. في ظل أحاديث تقال عن غضب الولايات المتحدة منه وهي وراء إقالته من منصبه وهذا بسبب محاولته المتكررة للوصول إلى مواد تدخل في صناعة الصواريخ المتقدمة.

ويري البعض ان هناك تشابه في بداية فترة حكم الرئيس الأسبق محمد حسني ووجود المشير أبو غزالة على رأس هرم الجيش المصري، كما كان الحال في وقت حكم عبد الناصر ووجود المشير عبد الحكيم عامر على رأس هرم الجيش المصري.

فكان مبارك وأبو غزالة فرسي رهان داخل المؤسسة العسكرية ولكن أبو غزالة كان يتمتع بشعبية أكبر داخل الدولة المصرية وليست فقط داخل الجيش المصري لذلك كان يعمل مبارك طيلة الوقت على إيجاد طريقة لإبعاده من داخل الجيش المصري حتي يصبح هو الرجل الأول داخل الجيش المصري، ويري البعض ان حسني مبارك أصبح رئيساً فعلياً لمصر بعد استبعاد أبو غزالة من قيادة الجيش المصري.

كتب المشير “أبو غزالة” كتابه الأول تحت اسم: “وانطلقت المدافع وقت الظهيرة.. المدفعية المصرية من خلال حرب رمضان” وشرح فيه دور المدفعية المصرية في حرب أكتوبر وكشف في كلماته عن نظرته وعقيدته نحو إسرائيل وجاء في ورقات الكتاب عدة فقرات توضح ذلك المعني، وفي إحدى فقرات الكتاب كتب المشير أبو غزالة ” أن الخطر الصهيوني ليس موجها لدولة عربية بالذات وإنما هو خطر يهدد كيان الأمة العربية كلها”.[8]

واختتم المشير أبو غزالة الذي توفي عام 2008م، كلماته في الكتاب بشرح استراتيجية مصر الجديدة نحو العدو الإسرائيلي، عند قراءة كتاب المشير أبو غزالة يتضح نظرته المختلفة لإسرائيل عن قيادات المؤسسة العسكرية المصرية وقتها وشرح للقارئ السمة الأساسية للمخطط الصهيوني في المنطقة العربية كي يفطن ويعلم خطوات تلك الدولة في تحركاتها في المنطقة واستراتيجيتها التي تسير عليها كي تحقق أهدافها، وانه على العرب أن يتعامل معها كونها عدو استراتيجي يهدد الأمة العربية ككل.

رابعاً: الضباط وثورة يناير:

في أثناء اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير 2001م، شارك عدد قليل من الضباط في الثورة كونها وسيلة من وسائل التغيير السلمي والذي أصبح متاحاً في وقت الثورة لإصلاح نهج المؤسسة العسكرية أثناء فترة الرئيس محمد حسني مبارك، فشارك ضباط في المظاهرات التي اندلعت في ميدان التحرير ومن أمثلة هؤلاء الضباط الرائد أحمد شومان الذي أعلن انضمامه إلى الثوار في ميدان التحرير الذين يطالبون بسقوط نظام الرئيس السابق محمد حسني مبارك، ويعد شومان أول ضابط بالجيش ينضم إلى الثورة, وكان شديد الانتقاد للحكم العسكري وطالب المجلس العسكري بالتخلي عن السلطة للمدنيين.

وبحسب شومان فإنه أدى قسم الولاء لجمهورية مصر وليس لأي أحد آخر وقال إنه يتشرف أن يكون مع المتظاهرين ولو كانت بزته العسكرية ستمنعه من أداء واجبه فسيخلعها. وطلب في هذا الصدد من الفريق رئيس هيئة الأركان سامي عنان وقائد القوات المركزية وقائد الحرس الجمهوري القيام بدورهم لضمان رحيل هؤلاء. ووجه أيضا رسالة لعمر سليمان نائب الرئيس المصري قال فيها “أنت كنت على رأس جهاز الأمن القومي المصري.. هذا الجهاز الذي كان يشهد له بالكفاءة.. ماذا قدمت لمصر وأنت على رأس هذا النظام؟ هل حميت فلوس المصريين من أن تسرق وتهرب إلى سويسرا”.[9]

ولكن قضت المحكمة العسكرية بسجن الرائد أحمد شومان ست سنوات، لمشاركته في المظاهرات قبل وبعد سقوط الرئيس حسني مبارك، وإدلائه بآراء سياسية، وذلك لمخالفته قواعد القوات المسلحة المصرية. كما قضت المحكمة بتأخير شومان في الأقدمية العسكرية، بعد إدانته بتهمة الغياب عن الوحدة العسكرية واشتراكه مع متظاهري التحرير في أحداث الثورة في 2011 وقيامه بتصوير مقاطع فيديو وهو يرتدي الزي العسكري ونشرها على الإنترنت. كما أدين شومان بـإهمال طاعة الأوامر العسكرية وإبداء آراء سياسية من خلال قنوات فضائية بالمخالفة للقانون الذي يحظر على العسكريين ذلك ويمنع ارتداء الزي العسكري خارج الوحدات العسكرية.

أحد هؤلاء الضباط أيضاً الذين شاركوا في ثورة يناير 2011م، كنموذج من نماذج التغيير العقيد الطيار المتقاعد هاني شرف والذي كشف بعد ثورة يناير أن فكرة ضرورة التخلص من نظام مبارك تبلورت عنده قبل الثورة بسنوات، وتحديداً عقب غرق عبارة السلام عام 2006، وبسبب معرفته الجيدة بأدق تفاصيل هذا الحادث؛ أدرك تماماً أنه لا يمكن إصلاح نظام مبارك، خاصة بعد انعدام جهود إنقاذ الضحايا.

وقال في إحدى حواراته: “في 25 يناير، كنت متواجداً في قاعدتي الجوية، حيث كنت رئيساً لأركان لواء جوي مقاتل، وتقدمت حينها بإجازة يوم 26 يناير، واتجهت فوراً إلى محافظتي السويس (شرارة الثورة)، وحينما علمت نبأ سقوط ثلاثة شهداء في اليوم الأول من الثورة في السويس، أدركت يقيناً أن الثورة ستستمر، واستمر تواجدي في ميادين الثورة بالسويس، حتى فجْر 28 يناير، حيث توجهت للقاهرة، وشاركت في المسيرة التي خرجت من مسجد الاستقامة في ميدان الجيزة، وبعد عبور كوبري قصر النيل مباشرة، أُصبت بـ”خرطوش” أسفل عيني اليمني، ثم دخلنا بعدها لميدان التحرير”.

وأضاف شرف: “القاعدة التي بنيت عليها قراري هي ذاتها قسمي العسكري الذي أقسمته حين تخرجت من الكلية الجوية المصرية ضابطا وطيارا مقاتلا، وهو: (أقسم بالله العظيم أن أكون جندياً وفياً لجمهورية مصر العربية، مخلصاً لرئيس الجمهورية، مطيعاً لأوامر رؤسائي)، ويتضح من هذا القسم أن ولاء الضابط للشعب والوطن أولاً، وإخلاصه لرئيس الجمهورية يعني أن يكون الرئيس مخلصاً للوطن، وأن يكون منتخباً انتخاباً حراً من الشعب، وهذا لم يتوافر في حسني مبارك تحديداً، وطاعة الرؤساء والقادة إنما تجب حينما تكون صدور وأسلحة الجنود موجهه لأعداء الشعب فقط”.[10]

وقال شرف أنه تم اعتقاله في أول مجموعة تم اعتقالها في الفترة من 9 أبريل وحتى 22 أبريل 2011م، وسُميت مجموعة ضباط 8 أبريل، وتم اعتقاله مع ثلاثة آخرين يوم 26 مايو2011م، وسُميت مجموعة ضباط 27 مايو، وتم اعتقال مجموعة أخرى شاركت في أحداث محمد محمود الأولى، وسُميت مجموعة 20 نوفمبر. ولكن تم الإفراج عن شرف في عام 2012 بقرار من وزير الدفاع وقتها محمد حسين طنطاوي.

وقال شرف إن العدد الإجمالي للضباط المنضمين لثورة يناير كان 29 ضابطاً، بالإضافة إلى مقدم يُدعى أيمن أحمد سالم، تم اعتقاله قبل الثورة مباشرة بسبب مطالبته الشعب المصري بالثورة على نظام “مبارك”، ودعوته على صفحته في “فيسبوك” وبين أصدقائه وزملائه إلى الخروج في كل جمعة للتظاهر لإسقاط الرئيس حسني مبارك.

والمقدم أيمن أحمد سالم، وهو ضابط مهندس بالقوات المسلحة المصرية وكان يعمل بالمخابرات الحربية وكان قد كتب على موقعه الشخصي رساله موجهه للشعب المصري يدعوه فيها للخروج لأسقاط النظام وذلك بتاريخ 3ديسمبر 2010 أي قبل اندلاع الثورة بشهرين وبعدها اختفي في ظروف غامضه.[11]

وكانت رسالة أيمن سالم على النحو التالي ” “شعب مصر بكافة فئاته سوف يخرج يوم الجمعة الموافق 10 ديسمبر 2010من أمام كافة مساجد وكنائس مصر بعد صلاة الجمعة، ويتجه لقصر الرئيس بمصر الجديدة ويقول للرئيس “شكراً، أنت طلعت معاش” “ونحن شعب مصر سوف نتحد ونلتزم جميعاً بنظام وتعليمات مجلس رؤساء الدولة الجديد ولن نقبل حدوث خلافات معهم أو حدوث انقسام فيما بيننا ولن نستجيب لأى فتن خارجية للإيقاع بين طوائف شعبنا” “وسوف تتولى هذه النخبة أمورنا بدلاً من جلالة الملك مبارك وابنه، ودون انتظار لانتخابات دستورية أو أية حلول وسطى أو بديلة. وسوف تلتزم هذه النخبة بالاستماع لمشاكل الشعب ومطالبُه يومياً ” ” وفى حالة إعلان الدولة حظر التجول يتم نزول كافة أفراد الشعب إلى الشارع متحدين هذا القرار ومجبرين من أصدره أن يلتزم هو به” “وسوف نلتزم جميعاً بكافة مبادئ التحضر والخلق الحسن مثل عدم تخريب ممتلكات الشعب من سيارات ومواصلات ومباني وخلافة، وكذا عدم التلفظ بالسباب والشتائم” يا شعب مصر أنا ضحيت بنفسي علشان مصر وعلشان شعب مصر وخاطرت بأسرتي وتركتها لوحدها في ظروف صعبة، ممكن الأجهزة الأمنية تستغلها في الضغط عليا. وأنا واثق إنكم تستحقوا التضحية دي. يا شعب مصر أسرتي أمانة في رقبتكم. أنا تركتهم وحدهم في حماية الله من خلال قيامكم بنشر رسالتي ومن خلال توجه أعداد كبيرة من المخلصين منكم ومن وسائل الإعلام للتجمُع حول منزلهم بدأً من الآن ولحين استقرار الأوضاع”.

جدير بالذكر أيضأ أن السلطات المصرية قامت باعتقال العقيد هاني شرف مجدداً في نوفمبر 2015م، في مطار القاهرة الدولي أثناء توجهه للسفر إلى روسيا، لزيارة ابنته التي تدرس الطب بإحدى الجامعات الروسية.

وبناء على ما قاله أحمد عبد الجواد رئيس حزب البديل الحضاري – تحت التأسيس، إن فريق الدفاع المشكل من الحزب قدم بلاغات للنائب العام (تحت رقم 19816 لسنة 2015 عرائض مكتب النائب العام)، ورئيس هيئة القضاء العسكري للإفصاح عن مكان احتجاز عقيد طيار متقاعد هاني شرف، القيادي بالحزب، بعد رفض السلطات الإفصاح عن مكان احتجازه، وعدم تمكين فريق الدفاع من التواصل معه أو معرفة التهم الموجهة له.[12]

خامساً: ضباط 8 إبريل:

ضباط 8 أبريل هم مجموعة من 21 ضابطًا في القوات المسلحة المصرية، شاركوا في تظاهرات جمعة 8 أبريل 2011 بزيهم العسكري هذه الجمعة التي عرفت باسم جمعة المحاكمة والتطهير. بعدما شعر هؤلاء الضباط بأن المجلس العسكري وخاصه المشير محمد حسين طنطاوي يتلاعب بمطالب الثورة، ويتعمد تصفيتها معنويًا وماديًا، فقرروا الانضمام إلى المتظاهرين في ميدان التحرير يوم 8 أبريل 2011.[13]

تتلخص مطالب الشعب المصري المؤيدة من قبل ضباط 8 أبريل في:

1-تولي مجلس رئاسي مدني قيادة البلاد وعودة القوات المسلحة لعملها في حفظ الأمن والدفاع عن مصر.

2-سرعه القبض على الرئيس محمد حسنى مبارك وعائلته وأعوانه الفاسدين ومحاكمتهم على ما اقترفوه من جرائم في حق الشعب.

3-إقالة النائب العام الذي ادعوا أنه ثبت تواطؤه في إجراء التحقيقات، وتعيين جهاز قضائي مستقل حر ونزيه لمحاكمة رجال النظام السابق.

4-إقالة نائب رئيس الوزراء يحيى الجمل، بعد سقطاته المتكررة وما أحدثه من فتن، وفشله في إدارة الحوار الوطني.

5-إقالة ومحاكمة وتطهير الأجهزة الأمنية والحكم المحلي، وسرعة الإفراج عن جميع السجناء السياسيين وتعويضهم.

6-سرعة حل المحليات وتحديد موعد قريب لأجراء انتخابات المحليات على أسس سليمة.

7-استكمال تطهير المؤسسات الإعلامية والصحفية وكافة الوزارات والمؤسسات الرسمية والبنوك من رموز النظام السابق ومحاكمة الفاسدين منهم.

8-إقالة رؤساء الجامعات وعمداء الكليات المعينين من قبل أمن الدولة وانتخاب الأكفأ، وإصلاح نظام التعليم.

9-سرعة سن قانون لتحديد حد أدنى وأقصى للأجور للقضاء على كافة صور المظاهرات الفئوية.

ألقي القبض عليهم في فض عنيف لاعتصامهم مع أهالي الشهداء والألاف من الثوار وشارك في الهجوم قوات الشرطة العسكرية والمظلات وحكم على 13 منهم بالسجن مدة 10 سنوات “خُففت بعد ذلك من عام إلى ثلاثة أعوام.

وكان من أبرز التهم التي وجهت إليهم: الاتفاق على إحداث فتنة داخل صفوف القوات المسلحة، وتحفيز ضباط القوات المسلحة على الخروج عن طاعة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وإضعاف الروح المعنوية لضباط الجيش، وامتلاك حسابات على توتير لنشر هجمات على قيادات الجيش.

وقد تم الأفراج عن جميع ضباط حركة 08 أبريل في يناير 2013م وقت حكم الرئيس محمد مرسي،[14]

سادساً: نماذج التغيير القانوني والدستوري بعد انقلاب يوليو 2013م:

يقصد بهذا المستوى من النماذج، تلك التي تقوم على التمسك والحفاظ على المؤسسة العسكرية، والإيمان بأن الطرق القانونية والدستورية هي التي ستحدث ذلك التغيير الذي يريدونه تلك الأفراد، عن طريق التخلص من القيادات الحالية للجيش المصري، التي يعتبرونها “تختطف” المؤسسة العسكرية، وقام أفراد داخل المؤسسة باتخاذ خطوات لكي يحدثوا ذلك التغيير داخل المؤسسة العسكرية، عن طريق الإعلان عن نيتهم للترشح في الانتخابات الرئاسية التي انعقدت في مارس 2018، لمنافسة السيسي على كرسي الرئاسة، وكانت خطوات تلك الأفراد على النحو التالي:[15]

1- العقيد أحمد قنصوه:

في 29 نوفمبر 2017م، أعلن العقيد أحمد عبد الغفار حسن قنصوه، وهو دكتور مهندس معماري استشاري، مدرس الهندسة المعمارية، مواليد فبراير 1976م، يبلغ من العمر 42 عام، في بيان عبر قناته على موقع اليوتيوب عن نيته الترشح للانتخابات الرئاسية في مارس 2018م وكان أهم ما جاء في بيان ترشحه: أنه ليس الوحيد الذي يقوم بالترشح للرئاسة وهو مرتدي البذلة العسكرية، وأنه لو تعرض للمساءلة فيجب على من سيحاكمه أن يقوم بمساءلة السابقين “في إشارة لعبد الفتاح السيسي”. وأنه لا يملُـك أمر خلعِ بذلته العسكرية كي يترشحَ في انتخابات رئاسة الجمهورية رغم محاولاته العديدة كي يأخذ حقوقه السياسية. أنه ليس متمردًا ولا منشقًا ولا عاصيًا للأوامر العسكرية، بل فخورٌ بعمله ومستمرٌ فيه كأحسن ما يمكنِّه حتى يتمَ تقويمُ هذا الوضع القانوني الجائر وينتزع حقه في الترشح، الذي هو حق لصيق بشخص كل مواطن بنص الدستور لا يحرمه منه انتمائه للجيش، شاء من شاء وأبى من أبى.

وتبرأ “قنصوه” من كل من فهم إعلانه للترشح على أنه تمردٌ أو دعوةٌ لاتخاذ أي موقف فردي أو جماعي داخل صفوف الجيش، وقال “أربأ بالزملاء وبنفسي أن نكون معاول هدم في البنيان الذي ندين له جميعا، أو أن نخالف يمين الولاء بأن نكون أداة باطل في يد أي عابث بوحدة وسلامة الوطن وشعبه وأرضه وجيشه، جيش مصر، وليس جيشَ كائنٍ من كان … إنما هو مجردُ إعلان فردي عن اعتزام الترشح اضطررت لإشهاره بهذا الشكلِ عندما سُـدَّت أمامي السُـبُلُ بعد ما خضت معركة قانونية طويلة ومحبطة ومستمرة حتى الآن”.

في حديث “قنصوه عن ثورة يناير قال “عز على أن يشيِّع الخبثاء ثورةَ ينايرِ وأبطالَها ومطالبَها إلى النسيان، لا وألف لا. لن ينجحوا في وأد حلمِنا بالحق والحرية. وسنصل إلى مكاسب تليق بالثمن المدفوع من دم وأعمار خيرةِ أفراد الشعب المصري”.

وأكد “قنصوه” أن الشعب يصارع قسوةَ تزداد ألمًا بمعدل متسارع مفجع في أوضحِ دليل على اختلالِ الأحوال، ويطحنُه السعيُ نحوَ أبسطِ متطلبات المعيشة، وأضاف أن الإرهاب الأسود يخيم على واقعنا ويطلُّ بوجهه الكريهِ ليحصدَ أرواح الأبرياء من المدنيين ومن أغلى الأحبة رفاق السلاح، جيشًا وشرطة. قال “قنصوه” واجبُ الوقت ألّا يتركوا الساحةَ للمشبوهين من جاهل أو فاسد أو خائن، فما عَقَمَت مصرُ عن إنجاب من يقودُها برشاد، وآن لها أن تحظى بقيادة نجبائها، وآن لثقاتها أن ينفضوا العجز عنهم ليواجهوا جَـلـَـدَ الفاجرين، ونادي مؤسسات الدولة بأن تدع الكلمةَ للشعب في انتخابات حرة عادلة شفافة يعرف فيها كلُّ مرشحٍ وزنَه.

ولم يغفل “قنصوه” الإشارة إلى الأوضاع الأمنية والمظالم التي يتعرض لها الكثير من أبناء الشعب المصري كحالات التصفية الجسدية والاختفاء القصري، وكذلك الإشارة إلى التسريبات المتعددة التي تخرج من أروقة مؤسسات الدولة وإذاعة المكالمات الشخصية للمعارضين. قال قنصوه إنه لا يحسَب نفسه على أحدٍ ولا ينتمي لأي تيار على الساحة من أقصاها إلى أدناها، إلا الوطن وجميع” أهله على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم وانتماءاتهم طالما اتخذوا السِـلم طريقًا وحقوق المواطنة منهاجا، وقال إنه مؤمنٌ أيضًا بأنه لا يبالغ حين يزعمُ قدرته على تغيير الواقع وبمساندة الأكْفاء الشرفاء في كل أجهزة الدولة “وهم كثيرون جدًا”.

كشف البيان سعي قنصوه للتغيير من داخل المؤسسة العسكرية ولكن بالطرق القانونية والدستورية، وأنه مع الحفاظ على الدولة المصرية وعدم إحداث شرخ داخل هيكل الجيش، وأنه فخور بتلك المؤسسة، وحاول أن يبرز في كلماته بان هناك مجموعات متواجدة داخل مؤسسات الدولة تؤمن بتلك الطريقة في تغيير الوضع المزدرى التي وصلت اليه الدولة المصرية نتيجة ممارسات النظام “العسكري” الحالي.

وبعد تلك الكلمات التي تحدث بها قنصوه والتي رآها البعض أنها حديث قطاع ليس بالقليل داخل المؤسسة العسكرية وخصوصاً في قطاع القيادات الوسطي ما كان له أن يكون في منأى من التنكيل والسجن، ولم يكن ليفهم أن قيادات الجيش المصري ليس لها أذان صاغية لأي محاولات للتغيير وأنهم ماضون في طريق ليس لهم أن يتراجعوا عنه مهما عاني الشعب، فقامت النيابة العسكرية باستدعاء العقيد أحمد قنصوه ووجهت له تهمتي الظهور في مقطع فيديو على موقع للتواصل الاجتماعي بزيه العسكري، إبداء آراء سياسية مرتديا نفس الزي، وإبداء رأي سياسي وهو لايزال عضوا بالمؤسسة العسكرية، بما يخالف مقتضيات النظام العسكري، والأوامر والتعليمات العسكرية، طبقا للمادتين 166 و 153 من قانون القضاء العسكري” وقضت المحكمة العسكرية بسجنه 6 سنوات مع الشغل والنفاذ، وهو ينفذ الحكم الأن بالسجن الحربي. ومنذ شهور أيدت محكمة الاستئناف العسكرية، حكم الدرجة الأولي بحبس العقيد أحمد قنصوه لمدة 6 سنوات.

2- الفريق أحمد شفيق:

في نفس اليوم الذي أعلن فيه العقيد أحمد قنصوه عن نيته للترشح لرئاسة الجمهورية، أعلن الفريق أحمد شفيق والذي كان تولي منصب رئاسة أركان القوات الجوية عام 1991، ثم عين بعدها قائدا للقوات الجوية في أبريل 1996، وقد بقي في منصبه حتى عام 2002 حيث عين وزيرا للطيران المدني، عن نيته للترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وقال شفيق في فيديو سجله في دولة الإمارات وقتها “إنني أشرف بأن أعلن عن رغبتي في التقدم للانتخابات الرئاسية القادمة في مصر لاختيار رئيسها للسنوات الأربع القادمة”.

وقال “شفيق” عن أسباب ترشحه لرئاسة الجهورية: “إن مصر تصارع كثيرًا من المشاكل التي أثرت على كل جوانب الحياة والتي أدت إلى تدهور جميع الخدمات” ودعا إلى الديمقراطية الحقيقية وحقوق الإنسان وقال “إن أي نجاح سواء كان كبيرا أو صغيرًا لن يتحقق في مصر دون نظام حكم مدني ديمقراطي نموذجي ومستقر جيد قادر على تقبل النقد”.3

وبعد إعلان ترشحه بيوم واحد فقط قال الفريق أحمد شفيق، في فيديو بثته أحدي القنوات الفضائية إن السلطات في دولة الإمارات منعته من مغادرة البلاد وذلك بعد ساعات من إعلان نيته الترشح في انتخابات الرئاسة المصرية، وبعد إعلان “شفيق” عن التضييقيات التي تمارسها معه قيادات دولة الإمارات التي تعتبر الداعم الأهم لعبد الفتاح السيسي، قامت دولة الإمارات بترحيله إلى القاهرة عبر رحلة خاصة إلى القاهرة، وهذا بحسب ما قالته ابنته، بأن مسؤولين إماراتيين جاءوا واصطحبوا والدها من المنزل ورحلوه إلى القاهرة4 ، في الوقت نفسه ذكرت وكالة أنباء الإمارات أن شفيق غادر دولة الإمارات متجها إلى مصر لكن أسرته ما زالت موجودة في البلاد، ونقلت الوكالة عن مصدر إماراتي مسؤول قوله “عائلة الفريق أحمد شفيق ما زالت موجودة في الدولة بالرعاية الكريمة لدولة الإمارات العربية المتحدة”.

وبعد وصول الفريق أحمد شفيق إلى مطار القاهرة اصطحبته المخابرات الحربية إلى أحد الفنادق بالقاهرة، ووضعته تحت الإقامة الجبرية، ومارست عليه ضغوطاً كي يتراجع عن ترشحه لرئاسة الجمهورية، وهددته بفتح بملفات فساد وملفات شخصية، والتنكيل ببناته اللاتي يتواجدن في دولة الإمارات، وفي نهاية المطاف ما كان للفريق أحمد شفيق إلا أن تراجع عن ترشحه للرئاسة، وكتب على حسابه الشخصي على “توتير” “بالمتابعة للواقع، فقد رأيت أنني لن أكون الشخص الأمثل لقيادة أمور الدولة خلال الفترة القادمة ولذلك قررت عدم الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة”.

3- الفريق سامي عنان:

سامي حافظ عنان رئيس أركان الجيش الأسبق لم يختفي من المشهد بعد خروجه من الخدمة في أغسطس 2012م، بحكم انه عضو مجلس عسكري مستدعي وفقاً للقانون الذي اتخذه المجلس العسكري بعد ثورة يناير 2011م مباشرة والذي، يقضي بأن أعضاء المجلس العسكري إبان ثورة يناير لن تنتفي عنهم الصفة العسكرية حتى لو تم إخراجهم من الخدمة بسبب ما أو عند إحالتهم للمعاش، وأنهم يظلون على قوة الاستدعاء للمجلس العسكري، وبالتالي أي قائد عسكري يصبح عضواً في المجلس العسكري في أي وقت من بعد 2011، والي وقتنا هذا يصبح مستدعي على قوة المجلس حتى لو خرج من الخدمة، ولا يتسنى لأي قائد أن يأخذ قراراً منفرداً إلا بعد أن يرجع إلى المجلس ويأخذ موافقة أعضائه الحاليين والمستدعيين، كالرغبة في الترشح لرئاسة الجمهورية أو الرغبة في الترشح في الانتخابات البرلمانية والي ما شابه ذلك.

كان أهم المشاهد التي برز فيها الفريق سامي عنان في مارس 2014م، وقبيل انتخابات الرئاسة في مايو 2014م، حيث تكاثر الكلام عن نيته للترشح للرئاسة في تلك الفترة، وأنه حاول مع المجلس العسكري في ذلك الوقت لأن يكون هو مرشح المؤسسة العسكرية في تلك الانتخابات، إلا انه لم يحظ بالقبول، ولكن مع ذلك الرفض قام الفريق عنان بالإعلان عن ترشحه لرئاسة الجمهورية في فبراير 2014م.

وبعد 29 يوم من إعلان ترشحه قام بعقد مؤتمر صحفي في13 مارس 2014م، بمقر حملته بالدقي ليعلن تراجعه عن خوض انتخابات الرئاسة بدعوي “إعلاءً للمصلحة الوطنية”، وقال إنه يحرص على تماسك الجيش، ووحدة الصف الوطني، وقال إنه يفخر بانضمامه للجيش الذي يحافظ على الدولة الوطنية، وأنه لن يتخلى يوماً عن دوره الوطني مهما كانت التضحيات وأن ذلك الدور سيظل مستمراً، وأن الجيش الوطني سيظل عقيدته لأخر لحظه في عمره وإدراكا للمخاطر التي تحاك للوطن، وقال انه أخذ ذلك القرار بقناعه شخصية دون التأثير من أحد، وفي ختام كلمته وقتها قال إن المقاتل سامي حافظ عنان سيظل وافياً لمصر. وكان ذلك قبل الإعلان حتى عن موعد بدء الترشح لانتخابات رئاسة الجمهورية في مايو 2014م رسمياً.

وكان من بين المشاهد اللافتة، أثناء مؤتمر عنان وجود الكاتب الصحفي مصطفى بكري والصحفي محمود مسلم رئيس تحرير جريدة الوطن وقتها، بجانب عنان وهما من أهم داعمي السيسي. وقبيل تراجع الفريق سامي عنان عن ترشحه لسباق انتخابات رئاسة الجمهورية في 2014م، أكدت حملته الانتخابية وقتها أنه تعرض لمحاولة اغتيال، وأصدرت الحملة بيانا تضمن التفاصيل الكاملة حول تلك المحاولة، وأكد عنان في تصريحات صحفية أن مثل هذه المحاولات لن ترهبه أو تثنيه عن عزمه ولن تؤتى ثمارها، قال المتحدث باسم الداخلية وقتها اللواء هاني عبد اللطيف إن الأجهزة الأمنية لم تتلق أي بلاغات بشأن ما أثير حول تعرض عنان لمحاولة اغتيال عقب خروجه من مكتبه بمنطقة الدقي بالجيزة. 7

منذ ذلك التاريخ لم يختف الفريق سامي عنان من المشهد كلياً بل كان يخرج من حين إلى أخر وبعد كل الأحداث السياسية والأمنية الهامة التي شهدتها مصر في تلك الفترة كي يبدو تعليقه، وكان أبرز تعليقاته بعد اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي أبرمتها مصر مع السعودية في أبريل 2016م، وتنازلت مصر بموجبها عن جزيرتي تيران وصنافير حيث كتب “عنان”، على حسابه على فيس بوك “ليس المهم الآن إثبات مصرية تيران وصنافير، فمصرتيهما ليست مشكوك فيها، ولكن المشكوك فيه هو مصرية من يعارضون مصرية الجزيرتين”.

وكانت أبرز تعليقاته أيضاً، كانت بعد حادثة الواحات البحرية التي وقعت في شهر أكتوبر 2017م، وراح على أثرها عشرات القتلى في صفوف الشرطة المصرية، حيث كتب عنان في تدوينه له على “الفيسبوك”، السبت: “حدث جلل أصاب مصر في أرقى وأكفأ قواتها. نَحّوا العواطف جانبا الآن، لغة العقل والرشد هي ما نحتاجها حاليا. ابحثوا عن الأسباب والدوافع وضعوهما في سياقهما الصحيح. شخَّصوا المرض بواقعية وبعقلانية. أدركوا حجم الكارثة التي نمر بها ونعيشها”. وتساءل “عنان”: “هل أبناؤنا أعز وأكفأ ما نملك ضحية الخيانة، وضعف وسوء التخطيط، وعدم دقة المعلومات”، مضيفا: “احترموا عقولنا تمتلكوا قلوبنا”، واستطرد قائلا إن “مصر تتشح بالسواد؛ حزنا وغما ونكدا على هذه الكارثة المروعة”9

وفاجأ الفريق “عنان” البعض وأعلن في 20 يناير 2018م، عن نيته للترشح رسميا في انتخابات الرئاسة التي انعقدت في مارس 2018م الماضي، وذلك بعد نحو ساعتين من إعلان السيسي ترشحه لولاية ثانية، ودعا عنان مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية للوقوف على الحياد في السباق الرئاسي.

وأرجع عنان قراره بالترشح إلى تردي أوضاع الشعب المصري التي قال إنها تزداد سوءا يوما بعد يوم نتيجة سياسات خاطئة حملت القوات المسلحة وحدها مسؤولية الإدارة، دون تمكين القطاع الخاص من القيام بدوره في تسيير أمور الدولة، ودعي مؤسسات الدولة للوقوف على الحياد.

وبعد أقل من 72 ساعة من إعلان عنان عن نيته للترشح في انتخابات رئاسة الجمهورية، اعتقلته قوات الأمن المصرية الفريق سامي عنان، وجاء ذلك الاعتقال بعد أن قالت قيادة الجيش المصري في بيان “منسوب لها” إن إعلان الفريق سامي عنان ترشحه للرئاسة تضمن ما يمثل تحريضا صريحا ضد القوات المسلحة “بغرض إحداث الوقيعة بينها وبين الشعب”. واستدعت القيادة العامة للقوات المسلحة عنان للتحقيق معه “لارتكابه كما تقول مخالفات قانونية” تتعلق بإعلانه الترشح لخوض الانتخابات الرئاسية المقررة في مارس المقبل.

واتهمت القيادة العامة عنان بارتكاب “جريمة التزوير في المحررات الرسمية، وبما يفيد إنهاء خدمته في القوات المسلحة على غير الحقيقة؛ “الأمر الذي أدى إلى إدراجه في قاعدة بيانات الناخبين دون وجه حق “. وأضاف البيان أنه “إعلاء لمبدأ سيادة القانون باعتباره أساس الحكم في الدولة فإنه يتعين اتخاذ كافة الإجراءات القانونية حيال ما ورد من مخالفات وجرائم تستدعي مثوله أمام جهات التحقيق المختصة”، ووصف البيان عنان بأنه يحمل رتبة فريق مستدعى.

لم تكتف قيادات المؤسسة العسكرية بالتنكيل بسامي عنان فقط، بل قامت باعتقال أكثر من 23 ضابط جيش قيل إنهم كانوا على تواصل مع سامي عنان، منهم قيادات كانوا في مراكز عليا داخل الجيش في وقت حكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، وقالت مصادر إن جهاز المخابرات الحربية، أشرف على عملية اعتقال هؤلاء الضباط في ذات اليوم الذي تم فيه اعتقال عنان. وكان موقع «ميدل إيست آي» قد كشف أن اجتماعا عُقد في القاهرة، لبحث المرشح لخلافة «السيسي»، شارك فيه عدد من كبار ضباط الجيش، منهم بالإضافة إلى «عنان»، سلفه في منصب رئيس هيئة أركان الجيش الأسبق الفريق «مجدي حتاتة»، وكذلك «أسامة عسكر»، القائد السابق للجيش الثالث الميداني، هذا بخلاف ما يقال إن إقالة مدير المخابرات العامة اللواء خالد فوزي تمت بسبب تواصله مع سامي عنان لدعمة في انتخابات الرئاسة.

بل وصل التنكيل بالفريق عنان إلى عائلته وتحديدا ابنه الأكبر الدكتور سمير سامي عنان، حيث قررت الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا في الإسكندرية، إيقافه عن العمل وإحالته للتحقيق، قال محمود رفعت منسق حملة سامي عنان في الخارج سابقا، إن الأمن ألقى القبض على نجل الفريق. وكتب رفعت على حسابه الرسمي على توتير، “وصلني توا من القاهرة أنه تم القبض على الدكتور سمير نجل الفريق سامي عنان اليوم وخضوعه طوال اليوم للتحقيقات بما نشرته حسابات مزيفة باسمه على تويتر كان هو من يحاربها ويراسل تويتر لوقفها منذ أسابيع وقد أعلن ذلك مرارا، كما طلب مبلغ مليون جنيه ككفالة لإخراجه غدا “.

وبالتالي لم يسلم الفريق سامي عنان من التنكيل الذي يطال أي شخص ينتمي للمؤسسة العسكرية بعد المطالبة والعمل على تغيير نهج المؤسسة العسكرية، ولم يشفع لعنان تاريخه العسكري لكيلا يزج به في السجن، وفي نهاية المطاف أصبح رئيس أركان الجيش الأسبق معتقلاً بالسجن الحربي.

خلاصات واستنتاجات:

بالرغم من أن جمال عبد الناصر ومجموعته رسخوا أصول الحكم العسكري غير القابل للتغيير، ورسخوا فكرة أن مصر لا يصلح لها غير الحكم العسكري، وأصبح للجيش منذ ذلك التاريخ وضع خاص داخل الدولة المصرية وأصبح للمؤسسة العسكرية والمنتمين لها امتيازات غير مسبوقة وازدادت تلك الامتيازات بمرور الوقت حتى وصلت إلى ذروتها في عهد السيسي، وأصبح الجيش مهيمناً على كل النواحي السياسية والاقتصادية والأمنية داخل الدولة المصرية.

لكن منذ نجاح تحرك الجيش في يوليو 1952م، والذي كان الهدف منه بالأساس تأسيس دولة ديمقراطية حديثة بخلاف ما قام به عبد الناصر وأسس دولة الجيش وقام بالتنكيل بكل من كان يسعى لغير ذلك، ظلت هناك مجموعات داخل الجيش المصري حاولت أن تصحح ذلك المسار لإعادة الجيش المصري إلى الدور المنوط به في تأمين وحماية حدود البلاد وأن يبتعد عن السياسة.

وبناء عليه فإنه من المنطقي القول إنه داخل المؤسسة العسكرية من يراقبون ويشاهدون ما يقوم به السيسي الآن من تغيير للعقيدة المصرية الوطنية وتعزيز التقارب مع إسرائيل التي هي من وجهة نظر البعض منهم ما زالت تمثل العدو الإستراتيجي للدولة المصرية، والتنازل عن أجزاء من أراضي الدولة المصرية التي ضحي من أجلها أبناء الجيش المصري، والتدهور التي وصلت إليه الدولة المصرية في كافة المجالات على يد نظام عبد الفتاح السيسي، والتنكيل الذي يقوم به السيسي بكل معارضيه سواء العسكريين منهم أو المدنيين.

وبقراءة حركات التمرد داخل الجيش المصري، نرى أن إحدى هذه الحركات، قد نجحت في السيطرة على الحكم، وهي حركة الضباط الأحرار يوليو 1952م، وكذلك الانقلاب الذي تم على الرئيس محمد مرسي عام 2013م، أما الانقلابات التي حاولت أن تتم على عبد الناصر والسادات والسيسي فشلت في تحقيق إي نجاحات، لأن الحاكم العسكري يكون متحسباً ويأخذ الاحتياطات اللازمة لكي يؤمن نفسه من أي محاولة انقلابية قد تطيح به، ولذلك نري أن السيسي قد قام بإنشاء قوات التدخل السريع في 2014م، قبل تولية كرسي الرئاسة والتي هدفها بالأساس هو تأمين نظامه من أي محاوله قد تهدد حكمة.

ويري البعض انه يوجد تشابه في السياسات المتبعة بين ما قام به عبد الناصر والضباط الأحرار بعد تحرك الجيش عام 1952م على الملك فاروق، وبعد الانقلاب العسكري الذي قام به السيسي والمجلس العسكري على الرئيس مرسي عام 2013م، فالاثنان قاما بالسعي مباشرة إلى الاستحواذ بشكل تام على مقاليد الحكم واستبعاد كل من يعارضونهم من داخل المؤسسة العسكرية.

فعبد الناصر نكل بكل من عارضوه داخل مجلس قيادة الثورة وبكل من حاول تهديد نظامه في صفوف الضباط بوجه عام، والسيسي صار أيضاً على نفس النهج وقام بالتنكيل والاستبعاد بكل من سعوا لإحداث تغيير داخل المؤسسة العسكرية المصرية بأي طريقة كانت، لذلك نكل السيسي بالفريق سامي عنان والفريق أحمد شفيق والعقيد أحمد قنصوه واستبعد العشرات من الضباط من داخل صفوف القوات المسلحة، وحتي يصل السيسي في نهاية الأمر بالسيطرة على مقاليد الحكم بشكل تام وتحويل الحكم من حكم المؤسسة العسكرية لحكم الفرد، قام بإخراج 36 قائداً عسكرياً من المجلس العسكري حتي يكون متفرداً بالقرار داخل الجيش.

وكما يري البعض أنه حتي لو تم التغيير من داخل الجيش المصري الآن، فإنه لن يكون تغييراً جذرياً يتغير فيه وضع الجيش المصري ويرجع إلى الدور المنوط به، ويبعد على السياسة ويكون هناك شكل من أشكال الدولة المدنية في مصر، ونري فصلاً من فصول “العلاقات المدنية العسكرية” ويرجع الجيش لدوره الرئيس. لأن محاولات التغيير التي سببت تهديداً شيئاً ما لعبد الفتاح السيسي، هي المحاولات التي اتخذت شكل التغيير الدستوري والقانوني، والذي تمثل بالأساس في الفريق سامي عنان والفريق أحمد شفيق والعقيد أحمد قنصوه، وهم بالأساس كانوا لا يرغبون في تأسيس دولة مدنية ولكن كانوا يريدون حكم عسكري، بشكل آخر وسياسات مختلفة عن سياسات عبد الفتاح السيسي في قضايا جزئية، منها التنازل عن الأرض وتغيير العقيدة، وتحميل الجيش تبعات كل الإخفاقات في كل المحاور السياسية والاقتصادية والأمنية.

لذلك يري البعض أن الراغبين في التغيير بشكل جذري داخل الدولة المصرية عليهم ألا يعولوا على الجيش المصري في التغيير القادم كعامل رئيس، وذلك لثلاثة أسباب:

السبب الأول: أن السيسي قام بالسيطرة بشكل كبير على المجلس العسكري الحالي وأخرج كل القيادات المؤثرة من داخلة وقام بتشكيل مجلس جديد يكن له كل الولاء.

السبب الثاني: القيود التي تمارس على الضباط والقيادات الوسطي المنتمين للمؤسسة العسكرية، فالمخابرات الحربية تقوم بصفة دورية بإخراج الضباط الذين يلاحظ عليهم أي توجه مخالف لسياسات النظام الحالي، وتقوم بتدقيق شديد في التحريات العسكرية على الطلبة الذين تتقدم للالتحاق بالكليات والمعاهد العسكرية، ويزداد هذا التدقيق عند نهاية رتبة العقيد والتي سينال بعدها الضابط رتبة عميد، لذلك تقوم المخابرات الحربية سنوياً بإخراج عدد كبير من الضباط على رتبة عميد بالمعاش بسبب وجود بعض الملاحظات عليهم، لأن ذلك المستوي من الضباط يسمي كبار القادة بالقوات المسلحة ولا يسمح للضابط بأن يصل لهذا المستوي إلا وتحرياته العسكرية تثبت انتمائه وولائه بشكل قوي للنظام الحاكم، حتي لا يتسبب بأي نوع من أنواع التهديد للنظام الحاكم .

ولأن تلك الرتب هي من تتولي إدارة الوحدات والتشكيلات العسكرية، وهي من تعطي الأوامر للتشكيلات العسكرية بالتحرك، وبعد تصعيد الضباط لرتبة عميد ثم لواء يأخذون بدلاً يُسمي بدل الولاء، حتي يكونوا راضين بشكل تام عن سياسات النظام الحاكم، وهذا الأمر يعمل به داخل المؤسسة العسكرية منذ حكم مبارك.

لذلك يرى البعض أنه بناء على ذلك فالضباط أمثال هشام عشماوي وعماد عبد الحميد لا تُوجد بشكل كبير نماذج مشابهة لهم الآن داخل الجيش المصري في ظل هذه القيود، ومن على شاكلتهم يقومون بالسعي للخروج من المؤسسة العسكرية حتى يحاولون التغيير من خارج المؤسسة العسكرية، فمنهم من ينضم إلى الجماعات المسلحة التي تعمل في الداخل المصري.

السبب الثالث: الامتيازات الكبيرة التي يحصل عليها الضباط داخل الجيش المصري الآن من رتبة ملازم إلى رتبة لواء، على عكس الامتيازات التي كان يتحصل عليها الضباط في عهد حسني مبارك، ويري البعض أن تلك الامتيازات تجعل قطاع كبير من الضباط يحرص على استمرار نظام الحكم القائم نظراً للامتيازات الشخصية التي يتحصلون عليها. يضاف إلى هذا القانون الذي أقره السيسي في 03 يوليو 2018م، “قانون معاملة كبار القادة” والذي منح كبار قادة الجيش المصري الكثير من الامتيازات الشخصية حتى يكسب ولاءهم لكيلا تكون لهم أي تطلعات أو محاولات عدائية ضده قد تؤثر على حكمه.[16]

ولكن بالرغم من كل ذلك فإن السيسي اكتسب عداوات عدد من الضباط، وفي مستويات مختلفة داخل الجيش المصري، بسبب سياساته التي اتبعها بعد 03 يوليو 2013م، في إدارة الدولة، يضاف إلى ذلك التنكيل الذي قام به السيسي بكل من عارضوه من داخل الجيش المصري.

وبالتالي على من يرغبون في التغيير من خارج الجيش المصري، ألا ينتظرون التغيير من داخل الجيش المصري، ولكن ليعلموا أن هناك أصوات داخل الجيش المصري، ستتفهم أي محاولة ستقوم لتغيير نظام عبد الفتاح السيسي، وربما ذلك سيدفعهم للتعامل بشكل إيجابي مع تلك المحاولات التي ترغب في التغيير من خارج المؤسسة العسكرية وهذا سيكون عامل مهم لأي محاولة تغيير بأن يكون هناك جزء من الجيش يتماشى مع تلك المحاولة، ولكن في مرحلة من مراحل ما بعد التغيير سيكون هناك تصادم في الرؤى واختلاف في وجهات النظر، لذلك يجب وضع تصور مناسب وملائم لوضع الجيش المصري داخل الدولة المصرية.

إن الممارسات التي يسير عليها السيسي قد تؤدي إلى زيادة الشرائح التي ترغب في تغيير الوضع القائم داخل الجيش المصري، وفي مستويات مختلفة داخل هيكل الجيش المصري، ومن المرجح أنهم لن يلجؤا إلى المحاولات القانونية والسياسية التي قد أثبتت فشلها وكتبت شهادة وفاتها، ولكنهم سيسلكون طرقاً أكثر خشونة لمواجهة ذلك النظام، الذي نكل وما زال ينكل بكل من يطالب بالتغيير، وخاصة بعد أن أعلن رأس هذا النظام، أنه على من يرغب في التغيير فعليه أن يتخلص منه أولاً[17].


الهامش

[1] لقاء الفريق سعد الدين الشاذلي مع المذيع أحمد منصور في برنامج بلا حدود، تاريخ الدخول 20 مارس 2018، الرابط

[2] الشاذلي في «الخيار العسكري العربي»: هكذا كان علينا استئصال إسرائيل!، إضاءات، تاريخ النشر 02 مارس 2016م، تاريخ الدخول 21 مارس 2018م، الرابط

[3] كتاب البحث عن الذات (مذكرات أنور السادات ) – أنور السادات، الرابط

[4] مذكرات الجمسي – حرب أكتوبر 1973، الرابط

[5] سر ظهور «مُهندس حرب أكتوبر» في قضية جزيرتي “تيران وصنافير”، النبأ، تاريخ النشر 16 يناير 2017م، تاريخ الدخول 29 ديسمبر 018م، الرابط

[6] اللواء صلاح فهمى نحلة الذى حدد موعد حرب أكتوبر يتكلم لـ «المصري اليوم: اقترحت موعد ساعة الصفر في «كراسة ابنتي» ووصلت إلى السادات، المصري اليوم، تاريخ النشر 15 أكتوبر 2013م، تاريخ الدخول 29 ديسمبر 2018م، الرابط

[7] مذكرات المشير محمد عبد الغني الجمسي، تنفيذ هيئة الكتاب، الطبعة الأولي 1989، ص 7، الربط

[8] كتاب ” وانطلقت المدافع عند الظهر: المدفعية المصرية من خلال حرب رمضان للمشير أبو غزالة” ص 53، الرابط

[9] أحمد شومان.. ضابط شجاع تحول إلى واحد من الناس، موقع الراكوبة، تاريخ النشر 21 فبراير 2011م، تاريخ الدخول 28 ديسمبر 2018م، الرابط

[10] عقيد مصري يروي لـ”عربي21″ قصة “ضباط 8 أبريل”، عربي 21، تاريخ النشر 24 يناير 2015م، تاريخ الدخول 28 ديسمبر 2018م، الرابط

[11] قصة المقدم أيمن سالم تبدأ مع اول رسالة منه للشعب يوم 03 ديسمبر 2010، الرابط

[12] البديل الحضاري: اعتقال هاني شرف واحتجازه بالمخابرات العسكرية، المصريون، تاريخ النشر 19 نوفمبر 2015م، تاريخ الدخول 28 ديسمبر 2018م، الرابط

[13] “ضباط 8 إبريل”.. شاركوا في “التطهير” فحبستهم قوانين “العسكرية”.. وتحولوا لـ”كبش فداء”، بوابة الأهرام، تاريخ النشر 29 سبتمبر 2012م، تاريخ الدخول 28 ديسمبر 2018م، الرابط

[14] الإفراج عن محمد وديع أخر ضباط 8 إبريل المعتقلين، الصباح، تاريخ النشر 10 يناير 2013م، تاريخ الدخول 28 ديسمبر 2018م، الرابط

[15] كيف تصنع انقلاباً داخل المؤسسة العسكرية؟، محمود جمال، المعهد المصري للدراسات، الرابط

[16] قادة المؤسسة العسكرية تحصين أم تأميم؟، تقدير موقف، محمود جمال، المعهد المصري للدراسات، الرابط

[17] الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Close