fbpx
تقديرات

احتمالات المصالحة بين مصر وقطر وتركيا

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تمهيد

بعد الإعلان عن التحالف الإسلامي في 15 ديسمبر 2015، كثر الحديث عن حراك دبلوماسي تقوده الرياض لإعادة العلاقات شبه المقطوعة إلا من التمثيل الدبلوماسي  بين مصر وكلا من قطر وتركيا والتي وصلت إلى أسوأ حالتها بعد الانقلاب العسكري على الرئيس محمد مرسي في يوليو2013. ودلل على تلك الانباء ما صرح به وزير الخارجية المصري سامح شكرى عن قرب إعادة العلاقات المصرية التركية مع الاحترام المتبادل بين الطرفين وعدم التدخل في شؤونهما الداخلية، أما فيما يتعلق بقطر فقبل أيام تلقى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد من عبدالفتاح السيسي التهنئة باليوم الوطني لقطر، الامر الذي اعتبر تحولا في الموقف المصري حيال قطر.

وفي هذه الورقة سنحاول تسليط الضوء على المؤشرات بشأن التطورات الأخيرة على المشهد الاقليمي والدافع إلى توصل إلى المصالحة بين الاطراف وكذلك السيناريوهات المستقبلية لتحقق المصالح، وما هو موقف جماعة الإخوان المسلمين في حال التوصل إلى هذه المصالحة؟

المستوي الأول: المؤشرات

أولاً: التحالف الإسلامي (1):

في 15 ديسمبر فاجأت المملكة العربية السعودية أغلب دول العالم، حينما أعلن وزير دفاعها الأمير محمد بن سلمان عن تدشين تحالف إسلامي لمحاربة التنظيمات الارهابية، بقيادة السعودية ويضم إلى جوارها 33 دولة إسلامية بما فيها مصر وقطر وتركيا أكثر الأطراف محل الخلاف في المنطقة، فليس من المعقول أن تشارك دولة في تحالف عسكري وهناك خلاف مع دولة أخرى في هذا التحالف، فقبول الاطراف لهذا التحالف يعد مؤشرا مهما على التحرك في تجاه التقارب(2) .

ثانياً: تصريحات وزير الخارجية المصري:

تناولت تصريحات وزير الخارجية المصري سامح شكري خلال لقاء تلفزيوني (16 ديسمبر 2015) عدة ملفات كان أبرزها التلميح لاعادة العلاقات مع كل من تركيا وقطر، ففي الشأن التركي اعتبر شكري أن علاقة بلاده بتركيا لابد وأن تعود لحاجة المنطقة لما اسماه “الجهود التركية”، كما أشار الوزير المصري إلى أن بلاده تتمنى أن تعود علاقتها مع تركيا ولكن على أساس الاحترام المتبادل بين الدولتين، كما أشار إلى الأزمة التركية الروسية قائلا إن مصر لن تنصر طرفا على حساب طرف آخر، هذه التصريحات للوزير المصري اعتبرت توجهاً مصرياً جديداً لعودة العلاقات مع تركيا مجدداً، خاصة بعد الحملة الاعلامية التي شنتها وسائل اعلام مصرية رسمية وخاصة تجاه تركيا بعد اسقاط سلاح الجو التركي لمقاتلة روسية اخترقت الأجواء التركية (24 نوفمبر 2015) (3).

أمر آخر وهو ما نشرته صحيفة الوطن المصرية والتي تعد من الصحف المقربة من النظام المصري، والتي أشارت إلى أن تفاهمات حول التقارب بين القاهرة وأنقرة جرت خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الدوحة مطلع ديسمبر 2015، على أن تستكمل التفاهمات خلال لقاء “أردوغان” والملك سلمان بن عبد العزيز (29 ديسمبر 2015).

الصحيفة ذكرت طبقا لمصادر دبلوماسية  أن هناك تقارير استراتيجية  رفعت للقيادتين السعودية والإماراتية تشير إلى أن علاقات مصر وقطر وتركيا، لن تبقى كما هي، وستشهد تحولات تدريجية نحو مزيد من التقارب المحسوب أو البارد.

ثالثاً: التهنئة المصرية لقطر ومقابلة السيسي وأمير قطر في قمة المناخ:

في 18 ديسمبر 2015 والذي يوافق اليوم الوطني لدولة قطر، تبادل أمير قطر والرئيس المصري التهاني بهذا العيد وهي المرة الأولي للسيسي منذ توتر العلاقات بين البلدين عقب الانقلاب العسكري في مصر والذي رفضته الدوحة في وقتها.

رابعاً: لقاء السيسي وأمير قطر في قمة المناخ:

ثمة مؤشر آخر على التقارب القطري المصري وهو اللقاء الذي تم بين أمير قطر والرئس المصري على هامش قمة المناخ والتي احتضنتها فرنسا مطلع شهر ديسمبر، ما اعتبره محللون مؤشر على التقارب بين البلدين(4) .

خامساً: دعوات لتهدئة الشارع قبل 25 يناير القادم:

خلال الفترة الماضية ازدات الدعوات في وسائل الإعلام التابعة للنظام لتهدئة الشارع وعدم الانجرار وراء الدعوات المطالبة بالتظاهر في الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير، خوفا من تدهور الأوضاع في مصر والوصول إلى الحالة السورية او العراقية، وكذلك خطاب السيسي في ذكرى المولد النبوي والذي أشار فيه إلى أنه مستعد لترك السلطة إذا طلب الشعب من ذلك، هذه التصريحات تعد الاولي للسيسي والتي يتحدث فيها عن ترك السلطة وعن تظاهرات الشباب ضده، المؤشر الذي يعبر عن ضعف موقفه مع زيادة حالة السخط في الشارع المصري على الأوضاع التي اوصل السيسي إليها البلاد، فربما يعد هذا مؤشرا عن  قبوله لمصالحة ما تضمن عدم التصعيد ضده في الشارع.

المستوي الثاني: السيناريوهات

السيناريو الأول: زيادة التقارب

يقوم هذا الاحتمال بالأساس على أن الفترة المقبلة ستشهد مصالحة بين مصر من طرف وتركيا وقطر من الطرف الأخر لحاجة الأطراف الثلاثة لهذه المصالحة لعدة مبررات.

(أ) الوضع الاقليمي المتشابك:

تشهد منطقة الشرق الأوسط وضعا متشابكاً وصعبا للغاية بسبب التطورات التي طرأت عليها عقب اندلاع ثورات الربيع العربي والتي تحول بعضها إلى ثورات مسلحة على غرار الثورة السورية والليبية والتي ساهمت بشكل كبير في تباين وجهات النظر واختلاف المصالح بين أغلب دول المنطقة. أيضا ما طرأ على الشرق الأوسط مؤخراٌ حول الأزمة السورية والتدخل المباشر لروسيا بقوات عسكرية في سوريا والذي تسبب في تغيير موزاين القوى في الداخل السوري مما انعكس على مستقبل الازمة التي تمثل عقبة كبرى أمام القوى الاقليمية للتوصل إلى تسوية سياسية تضمن ما تبقي في سوريا.

فالأطراف الثلاثة تسعى الآن للتوصل إلى حلول للازمات المزمنة وأبرزها الوضع السوري واليمني والليبي، والأطراف الثلاثة تحتاج إلى هذه المصالحة  للتعاون فيما بينها لإستقرار المنطقة برمتها.

(ب) ملف الارهاب:

مثل ظهور تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” بشكل علني في 2013، أزمة كبيرة لكل من مصر وتركيا خاصة وأن التنظيم ينشط بشكل كبير في سيناء المصرية وعلى الحدود التركية السورية، ومن ثم فكلا الطرفين مستهدف من قبل داعش، فالحاجة إلى تنسيق الجهود بين البلدين في فيما يخص ملف الجماعات الإرهابية يدفع في اتجاه الحديث عن المصالحة بين تركيا ومصر.

أما فيما يتعلق بقطر فلا يوجد أي نشاط لتنظيم الدولة الاسلامية فيها، ولكن كلا الطرفين عضوا في التحالف الاسلامي الذي تم تدشينه في الأساس  من أجل محاربة التنظيمات الجهادية.

(ج) حاجة الأطراف للمصالحة:

ترسم الدول في الأساس سياستها الخارجية وعلاقتها مع الدول على المصالح والتي تتغير من وقت إلى آخر ومن هذا المنطلق فإن لكل طرف ما يدفعه للمصالحة مع الآخر:

تركيا

تعاني تركيا من أزمة في مصادر الطاقة بشكل كبير كما انها الآن تبحث بشكل كبير عن فتح اسواق جديدة لها في المنطقة بعدما فرضت روسيا حظرا على منتجات أنقرة عقب اسقاط تركيا للمقاتلة الروسية التي اخترقت مجالها الجوي، فلذلك تمثل لها المصالحة مع مصر مصلحة مهمة في تخفيف الضغط على الاقتصاد التركي وتفادي أضرار الأزمة مع روسيا، حتى لو كان حجم التجارة مع مصر يمكن أن يعوض تجارتها مع روسيا

أيضا هناك مشكلة في ترسيم الحدود الجغرافية في المياه الإقليمية في البحر المتوسط بين مصر وإسرائيل وتركيا وقبرص للتنقيب على الغاز الطبيعي في المتوسط ففي حال اتمام المصلحة بينهما سيمثل ذلك اضافة للجانب التركي بشكل كبير خاصة في ظل الصراع بينها وبين اليونان حول الغاز في تلك المنطقة، مع مراعاة أن تصور حدوث مثل هذا الأمر في هذه المرحلة قد يكون نوعاً من المبالغة، ولكن يجب أخذه في الاعتبار والتحسب له

قطر

الاستفادة من حالة عدم استقلالية القرار المصري خاصة بعد الانقلاب العسكري، فقطر دول صغيرة وفي حالة التصالح مع مصر سيصبح القرار المصري إلى حد ما رهن الدول صاحبة النفوذ والتي تسعى قطر إلى تحقيقه في حال هذا التصالح.

منازعة الغريم الخليجي الدود وهي الامارات النفوذ في مصر عن طريق سحب البساط الاقليمي من تحت أقدام أبوظبي والتي اصبح القرار المصري في الفترة الاخيرة رهن إشارتها، ففي حال دخول قطر على خط المصالحة يعد ذلك انتصارا كبيرا للسياسية الخارجية القطرية على حساب الإمارات.

البحث عن استثمارات في الأسواق المصرية، وخاصة في مجالات الاستثمار العقاري والدخول بقوة إليه والاستفادة من بعض المشروعات التي تسعى القاهرة لتنفيذها خاصة فيما يخص تنمية محور  قناة السويس والتي تمثل أهمية استراتيجية في المنطقة.

فتح منافذ أخرى لموارد الطاقة القطرية والمتثلة في الغاز الطبيعي لا سيما بعد انخفاض اسعار النفط بشكل كبير، فالمصالحة بين الطرفين ستدفع القاهرة إلى تنوع ايراداتها من الغاز الطبيعي والاتجاه نحو قطر بدلا من إسرائيل.

 استغلال المصالحة في تحقيق نجاحات لقطر فيما يخص القضية الفلسطينية والتي تعد من الركائز الاساسية للسياسة الخارجية القطرية، وخاصة فيما يتعلق بقطاع غزة، ففى حال إبرام المصالحة ستضغط قطر على الجانب المصري من أجل تخفيف الأوضاع المأسوية على القطاع وفتح معبر رفح بشكل مستمر ما يضيف زخما فيما يخص الصورة الذهنية الإيجابية التي تتمتع بها الدوحة في الأوساط العربية.

مصر:

هناك عدة مبررات تدفع النظام المصري للتصالح مع قطر وتركيا أبرزها:

البحث عن شرعية للنظام المصري الذي لازالت شرعيته منقوصة عربيا وإقليمياً.

الانتهاء من مشكلة مرسي والإخوان، فكلا النظامين القطري والتركي يمثلان الداعم الاكبر لجماعة الإخوان المسلمين، فذلك يعد انتصارا كبيرا للسيسي في حال اذا ما تمت المصالحة، وفي هذه الحالة لن يكون أمام الإخوان الإ القبول بالوضع القائم والتعامل معه وهو ما سعى إليه السيسي منذ اليوم الأول للانقلاب العسكري وهو فرض الأمر الواقع على الإخوان وقبولهم بالتصالح مع السيسي بشروطه وهو ما يمثل انتصارا كبيراً له وتمكنه من السيطرة على الأوضاع في الداخل بشكل تام.

(د) الانقسام داخل الإخوان

تمثل حالة الانقسام الواقعة الآن داخل جماعة الإخوان المسلمين مبررا لتركيا وقطر في الاقدام على تلك المصالحة خاصة مع حديث البعض عن تراجع الدعم الشعبي للإخوان في الشارع المصري، نتيجة البطش السياسي والأمني الذي يمارسه النظام ضد المعارضين السياسيين مما يدفع الكثير من المصريين للبعد عن العمل السياسي. وأنه نتيجة لهذا الخلاف سيكون أحد العوامل الأساسية ربما في اتمام المصالحة خاصة وأن الإخوان لا يوجد لديهم أوراق ضغط قوية تجبر الأطراف الداعمة لهم على بقاء دعمها كما كان بعد الانقلاب العسكري، فهذا الانقسام بلا شك أضعف موقف الجماعة وسيدفع حلفاءها للتفكير في استمرار التحالف من عدمه.

السيناريو الثاني: تقارب شكلي لتعظيم المصالح بين الأطراف

تستند الفكرة الرئيسية لهذا السيناريو على أن هناك ثمة مصالحة ستوافق عليها الأطراف وتهدف في الأساس إلى استفادة كل طرف من الآخر دون التنازل عن شروطه المسبقة والتي تتمحور في الأساس على رفض الانقلاب العسكري والافراج عن الرئيس مرسي والمعتلقين السياسيين واطلاق الحريات في مصر(5) .

ففكرة هذا الاحتمال تقوم على تعظيم الجوانب الاقتصادية وتغليبها على الملفات السياسية بمعني، أن تعيد تركيا علاقتها بالنظام المصري في النواحي الاقتصادية، وتعترف بنظام السيسي في مقابل أن توقع مصر وتركيا اتفقات اقتصادية كبيرة تسمح بتدفق السلع والمنتجات التركية إلى مصر تعويضاً عن حالة الركود التي سببتها الأزمة التركية الروسية، ولكنها في ذات الوقت تفتح أبوابها لجماعة الإخوان المسلمين وأنشطتها كما تقدم لها الدعم المطلوب.

أما فيما يخص قطر فتعتمد المصالحة على التبادل الدبلوماسي والزيارات وربما الاستثمار في بعض المشروعات في مصر ، مع بقاء العلاقة بين الاخوان وقطر دون ممارسة أي عمل سياسي للجماعة من الأراضي القطرية، في مقابل أن تخفف قناة الجزيرة من لهجتها ضد النظام المصري(6) .

المبررات

تركيا

استكمال المثلث السني المتمثل في السعودية وتركيا اضافة إلى مصر والتي يعد تواجدها في صف تركيا اضافة قوية للمشروع التركي في المنطقة العربية والذي يتلخص في قيادة أنقرة لشرق الاوسط في مقابل ايران وإسرائيل.

زيادة التبادل التجاري بين مصر وتركيا خاصة بعد الحظر الاقتصادي الذي فرضته روسيا على المنتجات التركية بعد إسقاط أنقرة للمقاتلة الروسية التي اخترقت أجوائها اثناء تنفيذيها ضربات جوية على معاقل المعارضة السورية.

قطع الطريق على التغول الروسي في الشرق الأوسط عبر التقارب مع مصري وضمها  لجانب أنقرة خاصة بعد زيادة التوتر بين أنقرة وموسكو في الأزمة الأخيرة.

ضم مصر إلى صف تركيا والسعودية فيما يتعلق بالازمة السورية  وربما يطور الأمر في حال الاحتياج إلى تدخل عسكري بري على الأرض السورية، وتضييق الخناق على نظام بشار الأسد بعد الحديث عن تقديم دعم مصري له.

التنسيق بين القاهرة وأنقرة فيما يخص الصراع الدائر بين في البحر المتوسط حول التنيقب على الغاز الطبيعي في الحدود الجغرافية للبدان الأربعة (مصر، تركيا، قبرص، إسرائيل).

قطع الطريق على قبرص في تشكيل تحالف قريب من خاصرة أنقرة، يضم مصر واليونان والقبرص، والذي بدأ يتشكل مع زيارة السيسي الأخيرة إلى اليونان وعقدهق قمة ثلاثية بين مصر وقبرص واليونان في ديسمبر 2015.

التنسيق في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية في سيناء والحدود التركية السورية عبر تبادل المعلومات بين البلدين.

مصر:

لازال النظام المصري يشعر بأن شرعيته منقوصة لانه جاء بانقلاب عسكري، وعلى هذا الأساس ربما سيدفع في اتجاه التقارب.

الأزمة التي يعاني منها الاقتصاد المصري تعد عاملا ضاغطا على النظام في التوجه نحو المصالحة الشكلية للاستفادة من بعض الاستثمارات التركية والقطرية.

كسر الأمل لدى المعارضين للنظام باعتبار أن الدول الداعمه لجماعة الإخوان المسلمين والمتمثلة في قطر وتركيا قد تخلت عنها حتى ولو شكلياُ ما يعني قبولها الجماعة بأي تسوية سياسية.

مدى إمكانية تحقق هذا السيناريو:

رغم وجود مبررات لتحقق هذا السيناريو، لكنه يظل مستبعد التحقق لعدة أمور أهمها:

تمسك الحكومة التركية بشرط الافراج عن الرئيس مرسي ومن معه كشرط لأي حوار وهو ما يعني انتهاء نظام السيسي.

رفض النظام المصري لفكرة دعم تركيا وقطر للاخوان المسلمين الخصم اللدود لنظام السيسي.

البعد الاقتصادي فيما يتعلق بفتح الاسواق المصرية أمام المنتجات التركية يظل بعداً مهماُ لكن تركيا يمكنها البحث عن أسواق بديلة سواء عربية أو افريقية.

السيناريو الثالث: بقاء حالة الجمود

يقوم هذا الاحتمال على بقاء العلاقة بين مصر من ناحية وقطر وتركيا من ناحية أخرى في وضع الجمود كما هي مع عدم التصعيد، بسبب التوترات التي تسود المنطقة بسبب الحرب على داعش وكذلك الأزمة السورية والعراقية، كذلك انشغال كل الأطراف بالملفات الداخلية.

المبررات

(أ) تمسك الأطراف بمطالبها:

تظل المطالب التي يعرضها كل طرف من أجل إعادة العلاقات سبباً كافياً لبقاء الأوضاع كما هي عليه الآن لاسيما وأن كل طرف يرى أن أحقيته في التمسك بهذه المطالب، فمثلا من الشروط الأساسية لتركيا الافراج عن الرئيس مرسي وعن كل المعتقلين السياسيين ورفع الحظر عن الأحزاب السياسية وإطلاق الحريات، وهي الشروط التي يراها نظام السيسي تدخلاً في الشأن المصري، كذلك تشترط مصر على تركيا الاعتراف بالنظام القائم، وتضييق الخناق على المعارضين السياسيين وخاصة جماعة الإخوان المسلمين وعدم الحديث عن عودة الوضع في مصر إلى ما قبل 3 يوليو 2013 وهو ما لم توافق عليه أنقرة.

(ب) الصورة الذهنية الايجابية لتركيا وقطر:

تعد الصورة الذهنية الإيجابية عن تركيا لدى الشعوب الاسلامية والعربية حاضرة في أي محاولة للتقارب مع الأنظمة التي قتلت شعوبها مثل النظام المصري والسوري، فكون التقارب بين القاهرة وانقرة سينعكس بشكل سلبي على تلك الصورة خاصة في ظل الاعلان المتكرر من قبل تركيا عن عدم تقاربها مع النظام العسكري في مصر والذي جاء عبر انقلاب على الأسس الديمقراطية، والتي تحاول أنقرة بشتى الطرق عدم التعامل مع مثل هذه الأنظمة لما عانته البلاد لعشرات السنوات جراء الانقلابات العسكرية التي وقعت في تركيا وكانت سببا في تردى الأوضاع الاقتصادية والصحية والتعليمية لها، ففي حال قبولها للمصالحة مع النظام المصري في ظل وجود السيسي سيعد ذلك اعترفا منها بالانقلاب العسكري والذي سينعكس بالسلب على سمعة حزب العدالة التنمية الحاكم في تركيا داخلياً وخارجياً(7) .

أما فيما يتعلق بقطر، فقد ظلت الدوحة لفترة طويلة تقدم نُفسها على أنها داعم لخيارات الشعوب العربية والاسلامية حتى وإن كانت مخالفة مع وجهه نظر الحكام، ففي حال قبولها التصالح مع النظام المصري سيؤثر ذلك بالسلب على صورتها الذهنية لدى الشعوب العربية.

(ج) التوافق الأيدلوجي بين تركيا والإخوان:

يعد العامل الأيديولوجي أمراً مهما في الأزمة بين تركيا ومصر لاسيما وأن حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا تربطه علاقة فكرية مع جماعة الإخوان المسلمين الخصم اللدود لنظام السيسي، فالتقارب بين تركيا ومصر لابد وان يراعي طلبات جماعة الإخوان، المتمثلة في القصاص للشهداء الذين قتلهم قادة القوى الأمنية من الجيش والشرطة وعلى رأسهم عبدالفتاح السيسي ووزير الدفاع في حكومة قنديل، ووزير الداخلية في ذلك الحين محمد إبراهيم، لذا من المتوقع أن يكون هذا التقارب بين النظامين المصري والتركي أو المصالحة بينهما أمراً صعباً في المستقبل القريب.

(د) رفض بعض المؤيدين للسيسي للتقارب:

على الرغم من التصريحات الرسمية المصرية على قبول التقارب مع تركيا وقطر إلا أن قطاع كبير من الداعمين للنظام المصري يرفضون فكرة التصالح مع تلك الدولتين نتيجة للشحن الإعلامي الذي قامت به وسائل الاعلام الرسمية والخاصة المصرية ضد تركيا وقطر مما شكل رأياً عاماً مناوئاً لتلك الدولتين، ففي حال توجه النظام المصري للتصالح معهما سيشكل ذلك ضغطا على النظام وكذلك سيؤثر ذلك على مصداقية السيسي لدى قطاع كبير من مؤيديه.

مدى إمكانية تحقق هذا السيناريو:

يظل هذا التصور هو الأقرب للتحقق حتى الآن في ظل المعطيات والتطورات الاقلمية الواقعة وكذلك على الاقل سيظل هذا الوضع مستمرا حتى تمر الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير، والتي ستكون احداثها دافعا قوية للانخراط في  أياً من السيناريوهات السابقة، ففي حال تغير المشهد الثوري في مصر خلال الايام القادمة سيدفع ذلك الدول الداعمة للقوى الثورة إلى الدعم بشكل أكبر من أجل نجاح حليفها المتمثل في الإخوان المسلمين ومؤيديهم في السيطرة على المشهد في مصر بشكل كبير وحاسم، ومن هنا سيكون ما راهنت عليه كل من قطر وتركيا بعدم الاعتراف بشرعية نظام السيسي قد أتى ثماره، أما في حال تراجع المد الثوري في الشارع المصري وخفوته مع تغلب النظام على دعوات التظاهر ضده، فيسدفع ذلك كل من قطر وتركيا للتفكير مرة أخرى في التعامل مع الملف المصري بطريقة مختلفة.

السيناريو الرابع: توتر العلاقات

يفترض هذا التصور أن العلاقة بين القاهرة والدوحة وأنقرة ستشهد خلال الفترة المقبلة توتراً وتصعيداً كبيراً نظراً لشعور النظام المصري أن العقدة الأساسية في بقاء التظاهر في الشارع وعدم استتباب الحكم له في مصر تكمن في الدعم التركي والقطري للإخوان الذين لايزالون ينغصون على النظام حياته بسبب استمرار الحراك الثوري في الشارع ولو بنسبة ضعيفة.

المبررات

1ـ قضية التخابر مع قطر(8) :

من القضايا التي يحاكم عليها الرئيس محمد مرسي وفريقه الرئاسي هي قضية التخابر مع دولة أجنبية وامدادها بمعلومات تضر بالأمن القومي المصري، وهذه الدولة هي قطر التي ترى أنه زُج باسمها في الخلاف السياسي الواقع في مصر، من قبيل المناكفة السياسية بينها وبين النظام، والذي ترفضه قطر وتعتبره أمرا غير لائق دبلوماسيا، وخاصة لمعرفة الجميع أن هذه القضية ملفقة للرئيس مرسي وفريقه، فعلى الرغم من مرور أكثر من عامين على اعتقال الرئيس وحتى الآن لم يتم الحكم في تلك القضية، ربما بارتباط القضية بطرف آخر وهو قطر، ففي حال الحكم على مرسي في تلك القضية سيعتبر ذلك مؤشرا على التصعيد من قبل النظام المصري ضد قطر وهي ما ستتعامل معه الدوحة بالمثل.

2ـ الأزمة الروسية التركية:

التصريحات التي خرجت من وسائل إعلام مصرية قريبة من النظام حول دعمها لروسيا في مواجهة تركيا عكست مدى حالة الصراع بين أنقرة والقاهرة، الأمر الذي استهجنته دول عربية وإسلامية اخرى، خاصة السعودية التي دعمت بشكل كبير الموقف التركي والتي أصدر المفتي الرسمي لها الشيخ عبدالله آل الشيخ فتوىً بوجوب دعم تركيا أمام روسيا، ما سببا احراجا كبيرا للنظام المصري في ذلك الوقت (9).

أيضاً جاءت تصريحات وزير الزراعة المصري بأن مصر ستعوض روسيا عن الخضروات والفاكهة التركية بعد الحظر الاقتصادي الذي فرضته روسيا على المنتجات التركية بعد أزمة أسقاط الطائرة الروسية فوق الأجواء التركية. فالموقف المصري من الأزمة الروسية التركية كان موقفاً عدائياً لتركيا مما يعطي مؤشرا على تدهور الأوضاع في الفترة المقبلة بينهما.

3ـ التحالف بين مصر الإمارات:

يمثل التحالف بين القاهرة وأبوظبي عقدة كبيرة في علاقات القاهرة مع الدول التي تناكف الامارات سياسيا مثل قطر وتركيا، والمغرب، خاصة مع الحديث عن دور مشبوه تلعبه أبوظبي في المنطقة العربية للتخلص من تيار الإسلام السياسي الذي تعتبره الامارات العدو اللدود لها. فحكومة الإمارات تعادي أيضا تركيا ومشروعها بشكل كبير، والذي دلل على ذلك التصريحات العدائية لتركيا والتي أدلي بها وزير الخارجية الاماراتي عبدالله بن زايد والتي اعتبر فيها أن قيام تركيا بأسقاط المقاتلة الروسية عملاً إرهابياً (10)، وهو ما استنكرته الدول الإسلامية والعربية، مما دفع السياسيين الاماراتين للقول بأن هذه التصريحات فُهمت خطـأ، وبالتالي نجد أن دخول مصر في تحالف مع الإمارات ولعبها دور رأس الحربة لتحقيق المشروع الاماراتي سيزيد من التوتر بين القاهرة وأنقرة، ويدفع في اتجاه التصعيد بين الطرفين.

4ـ التقارب المصري ـ القبرصي:

جاءت الزيارات الأخيرة التي قام بها السيسي لليونان ومقابلته للرئيس القبرصي ومحاولة التقارب مع الأطراف التي تعد معادية لتركيا لتُقدم مؤشراً على التوتر في العلاقة بين البلدين مستقبلاً.

مدى تحقق هذا الاحتمال

يعد هذا التصور صعب التحقيق خاصة وأن الوضع الاقليمي والدولي الآن لا يسمح بتوتر الأوضاع بين دول محورية في المنطقة مثل مصر وتركيا، كما أن المملكة العربية السعودية تحاول الأن بشكل كبير توحيد الجبهة السنية وعلى رأسها تركيا ومصر لمحاربة التنظميات الارهابية، كما أن لكل دولة ملفها الداخلي الذي يمثل يثنيها عن الاقدام على التصعيد مع الطرف الآخر.

خلاصة:

لا شك أن أكثر الأطراف تاثرا بالتقارب او التباعد بين مصر من طرف وتركيا وقطر من طرف أخر، هي جماعة الإخوان المسلمين والتي أصبحت تمثل عبئاً كبيراً على حلفائها في ظل حالة تجمد الوضع في مصر، والانقسامات التي تضرب الجماعة في الأيام الأخيرة، إضافة إلى التقرير البريطاني حولها والذي وصفها بأنها جماعة تعد معبراً للعنف، كل هذه المعطيات لابد وأن تدفع الجماعة إلى التحرك وبشكل سريع للتعامل مع السيناريوهات المستقبلة للعلاقات بين حلفائها ونظام السيسي، حتى لا تفاجأ بأنها أمام موقف لابد وأن تتخذه دون أن يكون لديها بديل.

(1) التحالف الاسلامي والملفات الشائكة الرابط

(2) هل تقود الرياض مصالحة بين مصر وتركيا الرابط

(3)هل ينهي التحالف الإسلامي الأزمة بين قطر وتركيا ومصر الرابط

(4) السيسي وأمير قطر يتصافحان على هامش قمة المناخ الرابط

(5) مصالحة تركيا لمصر تمر عبر ملف الإخوان الرابط

(6) دول خليخية ترعى مصالحة تركية مصرية الرابط

(7) شروط تركيا للتصالح مع مصر الرابط

(8) الخلاف المصري القطري الأبعاد والتحديات الرابط

(9) مصر بديلا لتركيا في الأسواق الروسية  الرابط

(10) الامارات: اسقاط الطائرة الروسية عمل ارهابي الرابط

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close