fbpx
دراسات

استثناءات حظر استخدام القوة في ميثاق الأمم المتحدة

لم يرد على مبدأ حظر استخدام القوة سوى استثناءات ثلاث، الأول يخص حالتي حق الدفاع الشرعي الفردي والجماعي عن النفس، أي أنه يحق للدول بشكل فرادى أو جماعي أن تخرج عن نطاق القاعدة القانونية (حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية)، وذلك بشكل استثنائي أجازته أحكام المادة 51 تمسكاً بحق طبيعي خاص بحالة الدفاع الشرعي عن النفس، والثاني يخص آلية نظام الأمن الجماعي وفقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة[1]، والثالث يخص حالة حق الشعوب في تقرير مصيرها، ومقاومة الاحتلال الأجنبي بكافة الوسائل، ونضالها من أجل استرجاع أراضيها المغتصبة وكرامتها المنزوعة، في إطار القواعد الدولية الملزمة التي تنظم اللجوء إلى القوة وترسم حدوداً لها، ضماناً للمصلحة الإنسانية والمجتمع الدولي[2].

لقد نصت المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة على أنه: “ليس في أحكام هذا الميثاق ما يضعف أو ينقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة، وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين، والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالاً لحق الدفاع عن النفس تُبلغ إلى المجلس فوراً، ولا تؤثر تلك التدابير بأي حال فيما للمجلس- بمقتضى سلطته ومسؤولياته المستمدة من أحكام هذا الميثاق- من الحق في أن يتخذ في أي وقت ما يرى ضرورة لاتخاذه من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه”.

 ثمة جدل فقهي وسياسي أثير حول صياغة نص المادة 51 على هذا الشكل من العموم من حيث تحديد شروط قيام حالة الدفاع الشرعي، ومن حيث سبب قيامها ومن حيث أطرافها، ومن حيث التوقيت [3]، فكثيراً ما تسترت الدول وراء المفهوم العام للدفاع الشرعي، واتخذته ذريعة للتدخل بالقوة في شؤون الدول الأخرى بهدف التوسع أو خلق مناطق نفوذ لها في واجهة دول أخرى [4].

 وقد انقسم الفقه في تفسير نص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة إلى اتجاهين، الأول اتجاه التفسير الضيق، والثاني اتجاه التفسير الواسع.

الفرع الأول: التفسير الضيق لحالة الدفاع الشرعي[5]:

إن نص المادة 51 من الميثاق قد أورد استثناءً على مبدأ حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية الذي أقرته المادة 2/4 من الميثاق، فإنه يتعين تفسيره تفسيراً ضيقاً، وبناء على ذلك، يرى بعض الفقهاء[6]، أن نص المادة 51 واضح الدلالة على أن مفهوم الدفاع الشرعي في ميثاق الأمم المتحدة يختلف عن مفهومه في القانون الدولي التقليدي، فقد أراد الميثاق تقييد حق الدفاع الشرعي بشروط واضحة ومحددة لمنع إساءة استخدامه، كما كان في الماضي[7]، فحالة الدفاع الشرعي لا تقوم إلا كرد فعل لتعرض الدولة لعدوان مسلح خارجي دون غيره من الأسباب، مستندين في ذلك إلى عبارة (إذا اعتدت قوة مسلحة) الواردة في نص المادة 51، فالعدوان المسلح هو المبرر القانوني الوحيد لقيام حالة الدفاع الشرعي، دون غيره من صور وأشكال العدوان الأخرى، فهاته الأخيرة تعتبر من الأعمال العدائية، كما أنها قد تهدد السلم والأمن الدوليين أو تخل بهما، الأمر الذي قد يؤدي إلى تطبيق آلية الأمن الجماعي بواسطة مجلس الأمن[8]، ولكنها ليست عدواناً مسلحاً يؤدي إلى قيام حالة الدفاع الشرعي الذي نصت عليه المادة 51 من الميثاق[9].

ولكن القول بأن العدوان المسلح هو المبرر الوحيد لقيام حالة الدفاع الشرعي غير كافي لإزالة إشكالية تفسير المادة 51 من الميثاق، وذلك بالنظر لاختلاف نص المادة باللغتين، الفرنسية والانجليزية، فقد نصت الصيغة الفرنسية على أن حالة الدفاع الشرعي تقوم إذا تعرضت أحد الدول الأعضاء(لعدوان مسلح)، أما الصيغة الإنجليزية فقد نصت على أن قيام حالة الدفاع الشرعي تكون بسبب (وقوع هجوم مسلح)، وحيث إن النصين هما نصان رسميان يتمتعان بنفس الحجية القانونية[10]، مما أدى إلى إثارة مشكلة تفسيرية في كلتا العبارتين باللغتين، وانتهى الجدل بتوضيح أن السبب الوحيد لقيام حالة الدفاع الشرعي هو العدوان المسلح المباشر دون صوره الأخرى، أي الذي تستخدم فيه الدولة المعتدية قواتها المسلحة الرسمية ضد السلامة الإقليمية، والاستقلال السياسي للدولة المعتدى عليها [11]، ولقد استقرت محكمة العدل الدولية إلى تفسير مثل هاته النصوص إلى مفهوم التفسير الضيق وليس التفسير الواسع [12]، ومن ثم فإن مفهوم الدفاع الشرعي وفقا لنص المادة 51 لا يطابق مفهوم الدفاع الشرعي في القانون الدولي التقليدي، لأن هذا النص (حسب مدرسة التفسير الضيق)، لا يقر حق الدفاع الشرعي إلا كرد لعدوان مسلح واقع بالفعل من جانب الدولة، سواء تم ذلك بواسطة قواتها النظامية أو تحت إدارتها وإشرافها، وبالتالي ممارسة الدفاع الشرعي مقتصرة على التصدي وبصفة مؤقتة لعدوان مسلح مباشر ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي للدولة ضحية هذا العدوان، ولا يحق لدولة أن تستخدم القوة المسلحة استنادا لحقها في الدفاع الشرعي عن النفس بهدف حماية مصالحها القومية، أو حماية مواطنيها في الخارج، أو لمكافحة الإرهاب، أو لاعتبارات إنسانية…الخ، كما أن نص المادة 51 لا يقر القصاص من الدولة المعتدية، وأيضا لا يقر بالدفاع الشرعي الوقائي [13].

 كما تنص المادة 51 من الميثاق على أن الدفاع الشرعي قد يكون فردياً وجماعياً، فهنا يرى البعض أنه لا يمكن تصور الدفاع الشرعي الجماعي منفصلاً عن المنظمات الإقليمية، فقد أضيفت المادة 51 في مؤتمر سان فرانسيسكو بهدف التنسيق بين اختصاصات الأمم المتحدة، واختصاصات المنظمات الإقليمية، في شأن حفظ السلم والأمن الدوليين أو إعادتهما إلى نصابهما، غير أن غالبية الفقه الدولي وحتى بعض من أنصار التفسير الضيق، يرون أن الدفاع الشرعي الجماعي يرتبط بالاتفاقيات الأمنية التي تعقدها الدول فيما بينها، والتي لا تتقيد بحيز إقليمي محدد، أو بإطار مؤسسي إقليمي محدد [14].

 الأمر الذي يعكس رغبة صادقة لمدرسة التفسير الضيق، في أن يقوم المجتمع الدولي ممثلاً في هيئة الأمم المتحدة، بمسؤولية حفظ السلم والأمن الدوليين أو إعادتهما إلى نصابهما، وذلك من خلال التدخل ضد أية دولة تنتهك مبدأ حظر استخدام القوة أو التهديد باستخدامها في العلاقات الدولية، وأن حق الدولة في الدفاع عن نفسها لا يقوم إلا في أضيق الحدود في حالة تعرضها لعدوان مسلح مباشر أو غير مباشر، تمهيداً لممارسة هيئة الأمم المتحدة وظيفتها الأمنية، وهو في صالح مبدأ حظر استخدام القوة وتطوره بالفعل في نظر القانون الدولي العام المعاصر بأحكامه من وجهة نظر مدرسة التفسير الضيق [15].

الفرع الثاني: التفسير الواسع لحالة الدفاع الشرعي[16]:

يرى جانب آخر من فقهاء القانون الدولي، وهو يمثل الأغلبية[17]، أن نص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة لم يضع قيوداً على ممارسة حق الدفاع الشرعي عن النفس غير تلك التي قررها القانون الدولي التقليدي، فالتطابق تام بين مفهوم الدفاع الشرعي في ميثاق الأمم المتحدة والمفهوم التقليدي له، وأن نص المادة 51 وصف حالة الدفاع الشرعي بأنها حق طبيعي، مما يعني أن النص هنا مُقرر وليس مُنشئ لهذا الحق المستمد مباشرة من قواعد القانون الدولي التقليدي، ومن ثم فهو لصيق بالدولة، كما يضيف مؤيدو مدرسة التفسير الواسع أن صياغة المادة 51 هي في الأصل ضمن مواد الفصل الثامن من الميثاق الخاص بالمنظمات الإقليمية، بهدف تحقيق التناسق بين اختصاص المنظمات الإقليمية واختصاص مجلس الأمن، في مجال حفظ السلم والآمن الدوليين، أو إعادتهما إلى نصابهما، أي بهدف التنسيق بين الأمن الجماعي الإقليمي والأمن الجماعي الدولي، لكن رأي واضعي ميثاق الأمم المتحدة مع ضرورة إخضاع اختصاص المنظمات الإقليمية في هذا الشأن لإشراف مجلس الأمن حيث لا يحق لها أن تقوم بأي عمل من أعمال القمع دون إذن من مجلس الأمن، كما هو مشار إليه في المادة 53/1 والمادة 54 من الفصل الثامن من ميثاق الأمم المتحدة[18].

وبقرار مؤتمر سان فرانسيسكو بنقل المادة 51 من الفصل الثامن إلى نهاية الفصل السابع، يتأكد أن حق الدفاع الشرعي الجماعي الذي تقوم به مجموعة من الدول، لا ينطبق عليه وصف المنظمة الإقليمية، وبالتالي يعتبر حقا مستقلا، ومن ثم لا يتطلب العدول المسبق موافقة مجلس الأمن [19].

 ويرى أنصار هذا الرأي أن المادة 51 لم تستبعد الأسباب الأخرى لقيام حالة الدفاع الشرعي، عندما أشارت بذكرها (العدوان المسلح) باعتبار أن العدوان المسلح المباشر هو أهم الأسباب المنشئة لقيام حالة الدفاع الشرعي، أما بقية الأسباب الأخرى، فيمكن حسب رأي هاته المدرسة، الرجوع إلى أحكام القانون الدولي التقليدي، حيث إن نص المادة 51 قد أغفل الكثير من شروط قيام حالة الدفاع الشرعي، كقاعدة التناسب أو تقدير اللحظة الزمنية، حيث توقيت قيام حالة الدفاع الشرعي[20]، ومن ثم فإن جميع هاته الأمور تحيل المادة 51 إلى قواعد القانون الدولي التقليدي، لذا يرى أنصار التفسير الواسع أنه لا يجوز حظر حالة الدفاع الشرعي الوقائي، مستندين في ذلك لحق الدول في الدفاع عن مصالحها القومية والحيوية، حال تعرضها للخطر، وهو ما كان محظوراً في رأي أنصار مدرسة التفسير الضيق، وإذا كانت مدرسة التفسير الضيق تعكس رغبة صادقة في تطور مبدأ حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية في ظل المنظومة الدولية الجديدة (هيئة الأمم المتحدة)، إلا أن التفسير الواسع لنص المادة 51 يكون أقرب إلى واقع البيئة الدولية، وخاصة بعد عجز هيئة الأمم المتحدة في تطبيق نظام الأمن الجماعي لاستخدام الدول الكبرى الدائمة في مجلس الأمن لحق الفيتو، الأمر الذي يؤدي بالفعل إلى التوسع في مفهوم الدفاع الشرعي[21].

لا شك أن التفسير الضيق يعكس رغبة صادقة في تطور مبدأ حظر استخدام القوة في ظل هيئة الأمم المتحدة، كما أنه يضيق في حدود حالة الدفاع الشرعي، تمهيداً لممارسة هيئة الأمم المتحدة لوظيفتها الأمنية، فكأن هاته المدرسة والتي تستند إلى فكرة اندماج المجتمع الدولي الحديث، تضع ثقة تامة وكاملة في فاعلية هيئة الأمم في إقرار السلم والأمن الدوليين في المعمورة، ولكن واقع الأمر في العلاقات الدولية لا يدعم هذا التفاؤل في فاعلية الأمم المتحدة في هذا المجال، ومنه فإن التفسير الواسع لنص المادة 51 يكون أقرب إلى الواقع شريطة عدم التمادي فيه إلى درجة إفراغ نص المادة 2/4 من الميثاق، وبالتالي إفراغ مبدأ حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية من مضمونه الحقيقي [22].

ومن ناحية أخرى، استغلت الدول هذا التفسير الواسع للدفاع الشرعي عن النفس، فاتبعت سياسة جديدة تسمى الدفاع الشرعي الوقائي، أو الدفاع الشرعي الاستباقي عن النفس[23]، في حالة اعتقادها بأنها تتعرض لتهديد بالعدوان بالرغم من مخالفة هذه السياسة لمنطوق نص المادة 51 من الميثاق، والذي ينص على أن الهجوم المسلح هو السبب الوحيد لقيام حالة الدفاع الشرعي، أو التهديد به، وبالتالي يكون من المنطق أن تستخدم دولة القوة المسلحة لمواجهة أي تهديد لها بالعدوان، إذا كان هذا التهديد مؤكداً وحالاً أو على وشك الوقوع، أي أن تكون هناك دلائل واضحة على أن العدوان المرتقب على وشك الوقوع، كأن تكون مراحله الأولى قد بدأت بالفعل وفقاً لملابسات كل حالة على حدة، أما التهديد غير المؤكد بالعدوان، فلا يمكن ممارسة حق الدفاع الشرعي الوقائي، أو الاستباقي عن النفس، ومن ثم فإن استخدام القوة في هذه الحالة يكون غير مشروع.

 ففي جميع الأحوال لا يحق لدولة ما استخدام القوة بحجة الدفاع الشرعي الوقائي، أو الاستباقي عن النفس، إلا إذا ثبتت جدية التهديد الذي تتعرض له، وأن هذا التهديد حال وعلى وشك الوقوع، وهذا ما أكده مجلس الأمن في قراره رقم (487) الذي صدر بالإجماع في 19 يونيو 1981، والذي أدان قصف إسرائيل للمفاعل النووي العراقي باعتباره انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة ولقواعد القانون الدولي العام[24] (1).

 وأخيراً، وهنا مربط الفرس، لقد تجاوزت الدول حدود مبدأ التناسب بحجة أن الدفاع الشرعي عن النفس لا يهدف إلى ردع العدوان، وإعادة الأمور إلى الوضع الذي كانت عليه قبل العدوان، ولكنه يهدف أيضا إلى ردع الدولة المعتدية، وتجريدها من عناصر القوة التي تمكنها من معاودة العدوان[25] (2).

المطلب الثاني: آلية الأمن الجماعي وفق الفصل السابع

 لقد حرص ميثاق الأمم المتحدة على وضع آلية متكاملة لتحقيق الأمن الجماعي، فإذا رأى مجلس الأمن أن هناك تهديد للسلم والأمن الدوليين، أو الإخلال بهما، أو وقع عمل من أعمال العدوان، فإنه يتعين عليه أن يقدم في ذلك توصياته، أو يقرر ما يجب اتخاذه من تدابير لحفظ السلم والأمن الدوليين، أو إعادتهما إلى نصابهما، وهذا ما نصت عليه المادة 39 من الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة[26].

إن صلاحيات مجلس الأمن في تطبيق آلية الأمن الجماعي لا ترتبط بالعدوان المسلح فقط، لكنها تشمل أيضاً العدوان بمفهومه العام، أي أن نطاق استخدام آلية الأمن الجماعي أوسع بكثير من نطاق استخدام آلية الدفاع الشرعي الجماعي عن النفس، هذا الاختلاف في نطاق نفاذ الآليتين يرجع إلى اختلاف الهدف منهما، فجوهر الأمن الجماعي يستند إلى فكرة أن السلم الدولي لا يتجزأ، فالعمل على استقراره يتطلب استعداد الدول لتحمل التزامات وتضحيات لا ترتبط بالضرورة بتحقيق مصالحها القومية الخاصة، وبناء على ذلك، فإن تطبيق آلية الأمن الجماعي يكون ضد أية دولة تهدد السلم والأمن الدوليين، أو تخل بهما، أو ترتكب عملا من أعمال العدوان، سواء كانت تلك الدولة عضوا في الأمم المتحدة، أم غير عضو فيها كما نصت على ذلك المادة 2/6 من الميثاق.

 ومنه يمكن القول بأن آلية الأمن الجماعي هي من قبيل أعمال الشرطة في المجتمع الدولي، ومن ثم تكون منظمة الأمم المتحدة هي صاحبة الكلمة العليا والوحيدة في كل المواقف التي تستدعي استخدام الوسائل القسرية، بهدف حماية المجتمع الدولي ككل ولاستقرار أمنه وسلامه، مما يلزم الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة من تمكين هاته الأخيرة من تطبيق آلية الأمن الجماعي[27]، فقد نصت المادة 25 من الميثاق، وعملاً بهذا الالتزام أن “يتعهد أعضاء الأمم المتحدة بقبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها”، ويتعهدون بأن “يضعوا تحت تصرف مجلس الأمن – بناء على طلبه وطبقاً لاتفاق أو اتفاقات خاصة – ما يلزم من القوات المسلحة والمساعدات والتسهيلات الضرورية لحفظ السلم والأمن الدوليين “( المادة 43/1)، فالاتفاقات الخاصة المحددة في هاته المادة تحدد عدد القوات التي تضعها الدول المعنية تحت تصرف المجلس وأنواعها ومدى استعدادها وأماكنها عموماً ونوع المساعدات والتسهيلات التي تقدمها المادة 43/2، وذلك حسب الخطط التي يضعها مجلس الأمن بمساعدة لجنة أركان الحرب، والتي تُلزم جميع الأعضاء بالمساعدة في تنفيذها حسب ما نصت عليه المواد 45 الى49، وبالتالي آلية الأمن الجماعي تقوم على عنصر الإلزام وليس على عنصر الرضا[28].

 ولقد رأى واضعو ميثاق الأمم المتحدة في ضرورة تحقيق الأمن الإقليمي، عن طريق المنظمات الإقليمية، ولكن لا يحق لها استخدام وسائل القمع إلا بتكليف من مجلس الأمن، أو بناء على ترخيص منه، وتحت رقابته، وبسبب هذا القيد، استعانت المنظمات الإقليمية بآلية الدفاع الشرعي الجماعي عن النفس، تحت مظلة المادة 51 من الميثاق بدلا من الاعتماد على آلية الأمن الجماعي الإقليمي في حدود الفصل الثامن من ميثاق الأمم المتحدة، وكان هذا التوجه واضحا منذ البداية[29]، وقد أصبح هذا التوجه أكثر إلحاحاً وأكثر شمولاً تحت وطأة اشتداد الحرب الباردة بين المعسكرين (الأمريكي والسوفييتي) والتي أدت إلـى استحالة تطبيق نظام الأمن الجماعي كما هو متصور من خلال الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة[30]، إضافة إلى ذلك الاتفاقات الأمنية الثنائية، وانتشار ظاهرة الأحلاف الجماعية عبر جميع القارات[31].

وهكذا أصبحت آلية الدفاع الشرعي الجماعي عن النفس هي ركيزة تحقيق السلم والأمن في مناطق مختلفة من العالم، وتوارت آلية الأمن الجماعي المنوطة أساساً بهيئة الأمم المتحدة وبصفة ثانوية بالمنظمات الإقليمية[32]، كما أن مجلس الأمن أصيب بالشلل العام بسبب استخدام الدول دائمة العضوية فيه لحق الفيتو، واستحال إبرام الاتفاقيات المنصوص عليها في المادة 43 بشأن تعهد الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة بأن تضع تحت تصرف مجلس الأمن ما يلزم من القوات المسلحة والمساعدات والتسهيلات الضرورية لحفظ السلم والأمن الدوليين وتجمد عمل لجنة أركان الحرب المنصوص عليها في المادة 47 من الميثاق[33].

 إن حق الفيتو لم يكن مجرد أداة لتمتع الدول الكبرى بمركز متميز داخل هيئة الأمم المتحدة استثناءً من مبدأ المساواة في السيادة، بقدر ما كان أداة للتوازن بين الدول الكبرى ذاتها، وعدم خضوع إحداها لإرادة دولة كبرى أخرى، وقد ترتب على ذلك عدم إقحام هيئة الأمم المتحدة في الصراعات الدولية الحادة التي ترتبط ارتباطاً مباشراً بنطاق النفوذ المطلق للدول الكبرى (كقضية نزع السلاح، وقضايا أوربا الوسطى والشرقية، وقضية فيتنام، وقضايا البحر الكاريبي، وأمريكا الوسطى، وإلى حد كبير قضايا الشرق الأوسط، خاصة القضية الفلسطينية)، فإن تدخل الأمم المتحدة في مثل هاته الصراعات قد يؤدي بالعالم إلى خوض حرب عالمية جديدة مدمرة للجميع، ولذلك تم تسوية مثل هاته الصراعات باتفاق الدول الكبرى خارج نطاق الأمم المتحدة، حتى وإن تعرض مجلس الأمن والجمعية العامة لمناقشتها بين الحين والأخر[34].

 إضافة إلى ما تقدم، فإن عناصر آلية الأمن الجماعي تشمل التنديد بالعدوان، وتوقيع عقوبات سياسية واقتصادية على الدول المتهمة بالعدوان، والتدخل العسكري المباشر ضد تلك الدولة (التدبير العسكرية القسرية المنصوص عليها في المادة 42 من الميثاق)، وقد يكتفي مجلس الأمن بعنصر منها أو يجمع بينها بشكل متداخل ومتزامن وفق مقتضى الحال، وحيث إنه قد ثبتت استحالة تطبيق الشق العسكري لآلية الأمن الجماعي حتى الآن، كما ذكرنا راجع إلى حكم الواقع في ممارسة الدول لحق الدفاع الشرعي الجماعي عن النفس تحت مظلة المادة 51 من الميثاق، والتوسع في مفهومها، إلى درجة إبقاء هذا الحق مفتوح، بالرغم من توقيته قانوناً بحكم نص المادة 51 من الميثاق، أكثر من ذلك، وإدراكاً لعجز تطبيق الشق العسكري لآلية الأمن الجماعي، فإن مجلس الأمن قد يوافق صراحة على استمرار الدول في ممارسة حقها في الدفاع عن النفس[35]، وهذا ما حدث بوضوح في حالة الغزو العراقي للكويت، فلم يكتفِ مجلس الأمن بتأكيد حق الكويت والدول المتعاونة معها في الدفاع عن النفس، فقد أجاز أيضاً للقوات المتحالفة بان تتخذ من التدابير العسكرية البحرية والجوية ما يتناسب مع الظروف المحددة، وحسب الضرورة، لفرض تنفيذ العقوبات الاقتصادية التي وقعها المجلس على العراق[36]، وحيث إن منطق العقوبات يقوم على فكرة الردع، فأصبحت قوات التحالف هي أداة ذلك الردع، والتي استخدمها مجلس الأمن في حدود صلاحياته بمقتضى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ويظهر ذلك بوضوح أكثر في قرار مجلس الأمن رقم 678 في 29/11/1990، والذي أذن للدول المتعاونة مع دولة الكويت بأن تستخدم جميع الوسائل لدعم تنفيذ القرارات ذات الصلة بحالة الكويت والعراق وإعادة السلم والأمن إلى نصابهما في المنطقة، يستنتج من هذا أن مهمة قوات التحالف لم تعد تقتصر على مواصلة ممارسة حقها في الدفاع عن النفس وتحرير الكويت من الاحتلال العراقي، ولكنها أصبحت أيضا أداة لردع العدوان وإعادة السلم والأمن الدوليين في المنطقة إلى نصابهما، وهكذا فإن هذا التفويض من مجلس الأمن في حرب تحرير الكويت جمع بين آلية الدفاع الشرعي وآلية الأمن الجماعي[37].

 وقد شكك البعض في شرعية ذلك التفويض، لأنه يتجاوز حدود اختصاصات مجلس الأمن كما هي مقررة في الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، كما أنهم انتقدوا ذلك التفويض من حيث أبعاده السياسية، لأنه حول مجلس الأمن إلى مجرد أداة لإضفاء الشرعية على أهداف الولايات المتحدة الأمريكية ومواقفها تجاه القضايا العالمية[38]. ولا يتسع المقام لإجراء مسح كامل للقضايا الخلافية التي أثارها التداخل بين آلية الأمن الجماعي وآلية الدفاع الشرعي عن النفس، والتوسع في مفهوم هذا الأخير بوصفه استثناءً وارداً على مبدأ حظر استخدام القوة، أو التهديد باستخدامها، في العلاقات الدولية، والقرارات التي صاغها مجلس الأمن، لصالح المصالح القومية للولايات المتحدة الأمريكية.

المطلب الثالث: حق الشعوب في تقرير مصيرها

لقد أضحى حق الشعوب في تقرير مصيرها من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها القانون الدولي العام المعاصر، ومن الأسس المهمة التي ينهض عليها التزام الدول، إذ أن القوى الاستعمارية والنظم العنصرية والاحتلال الأجنبي يمثلون جميعا إهدارا صارخا لحق الشعوب في تقرير مصيرها، نظرا لارتكابهم العديد من الجرائم الدولية ضد الشعوب التي تئن تحت سيطرتهم، ومن جهة أخرى فإن الشعوب الواقعة تحت الاحتلال قد تلجا إلى استخدام القوة ضد الدول الاستعمارية كنوع من المقاومة، مما يؤدي إلى اتساع دائرة العنف، ومما لا شك فيه أن احترام الدول لحق الشعوب في تقرير مصيرها يعد خطوة هامة نحو منع اتساع هذا العنف[39]، وهكذا لا يعتبر استخدام القوة في حالة ممارسة الشعوب لحقها في تقرير المصير محرما وفقا للمادة 2/4 من ميثاق الأمم المتحدة.

الفرع الأول: تعريف حق تقرير المصير وتطوره التاريخي

 فيرى جانب من الفقه الدولي أن حق تقرير المصير يشير إلى: “أن كل أمة تتمتع بسيادة كامنة فيها يمكنها أن تمارسها إذا شاءت”[40]، وعرف الفقيه كوبان حق تقرير المصير بأنه: “هو حق كل أمة في أن تكون ذات كيان مستقل وأن تقوم بتقرير شؤونها بنفسها”، كما عرفه الفقيه هرتز بأنه: “هو حق كل أمة في أن تكون هي دون غيرها السلطة العليا المختصة بتقرير كافة شؤونها دون أي تدخل أجنبي”[41]، بينما ذهب الفقيه براونلي إلى تعريف حق تقرير المصير بأنه: “هو حق كل جماعة وطنية في أن تختار بنفسها شكل نظامها السياسي، وشكل علاقتها بالجماعات الأخرى”[42]، أما الفقيه السوفييتي كرايلو فقد عرفه بأنه: “حق كل أمة في اختيار شكل نظامها السياسي وتحديد مستقبلها، سواء كان ذلك بالانفصال عن الدولة التي تشكل جزء منها، أم بتشكيل دولة جديدة”[43].

 وترجع الأصول التاريخية لحق تقرير المصير إلى أواخر القرن الثامن عشر، حيث تبنته الثورة الفرنسية، وذلك ضمن المبادئ التي أعلنتها وعملت على تحقيقها من خلال المرسوم الذي أصدرته الجمعية الوطنية الفرنسية في 19/11/1792، والتي أكدت فيه على مساندتها لكافة الشعوب المطالبة بالاستقلال، وحمايتها للمناضلين الذين يكافحون من أجل الحرية، وفي عام 1823 أعلن الرئيس الأمريكي جيمس مونرو في رسالته إلى الكونجرس عن تبنيه لمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، حيث أعلن عن رفضه لأي تدخل أجنبي في شؤون الدول الأمريكية، وذلك إزاء محاولات الدول الأوروبية الاستعمارية لفرض هيمنتها على دول القارتين الأمريكيتين، غير أن كل الدعوات المؤيدة لحق تقرير مصير الشعوب قد ذهبت أدراج الرياح، ولم تجد لها مكانا على أرض الواقع، حيث أدت السياسات الاستعمارية التي مارستها الدول الأوروبية إلى إقصاء هذا الحق عن دائرة القانون الدولي التقليدي الذي أهمل شعوب الأقاليم المستعمرة[44]، وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى جاء عهد عصبة الأمم مخيبا للأمل، حيث لم يتضمن أية إشارة لحق الشعوب في تقرير مصيرها، تحقيقا لرغبة الدول الاستعمارية في السيطرة والهيمنة على غيرها من الشعوب بما يحقق مصالحها التوسعية[45]، كما تضمنت المادة 22 من عهد عصبة الأمم ما عرف باسم نظام الانتداب، الذي حظر استخدام الشعوب لحق تقرير المصير بمعزل عن الدول المنتدبة (الدول الاستعمارية)، كما نفى حق الشعوب في استخدام الطريق الثوري لا سيما المقاومة المسلحة لتنفيذ حقها في تقرير المصير[46]، وقد تأكد عملياً أن نظام الانتداب إنما هو شكل مقَنّع من أشكال السيطرة الاستعمارية، ويتناقض بشكل كامل مع حقوق الشعوب في تقرير المصير، غير أنه يعتبر خطوة إلى الأمام بالمقارنة مع ما كان يسود العالم من تطبيقات لنظرية فتح الأقاليم[47].

 وأثناء الحرب العالمية الثانية وبالتحديد في 14/08/ 1941، وقّع الرئيس الأمريكي روزفلت ورئيس وزراء بريطانيا تشرشل تصريح الأطلسي الذي تضمن حق تقرير المصير واحترام كل الشعوب في اختيار شكل الحكم الذي بلائمها، إلا أن ورود هذا الحق في متن هذا التصريح كان الغرض منه هو تطبيقه على نطاق محدود يتمثل في الشعوب المستعمرة التي وقعت تحت نيران النازية ويهدف إلى إعادة الاستقلال والحكم الذاتي والحياة الطبيعية لهذه الشعوب، وهذا ما أدلى به صراحة رئيس الوزراء البريطاني في أعقاب إصدار هذا التصريح [48].

 ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، وظهور المنظمة الجديدة (هيئة الأمم المتحدة) أكدت في ميثاقها على مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، حيث نصت المادة 1/2 من الميثاق على أن الأمم المتحدة تهدف إلى ” إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب، وبأن يكون لكل منها الحق في تقرير مصيرها، وكذلك اتخاذ التدابير اللازمة لتعزيز السلم العالمي”، كما أكد على هذا الحق نص المادة 55 من الميثاق التي تضمنت على أنه “رغبة في تهيئة دواعي الاستقرار والرفاهية الضروريين لقيام علاقات سلمية ودية بين الأمم مؤسسة على احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها…”، وأعاد ميثاق الأمم المتحدة التأكيد على حق تقرير المصير بصفة عامة في الفصول من (11 إلى 13) المتعلقة بإدارة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي والأقاليم الخاضعة لنظام الوصاية[49].

 مما سبق يتبين لنا أن ميثاق الأمم المتحدة بتأكيده على حق تقرير المصير يكون قد حقق طموحات الشعوب المقهورة ودعم مطالبها المشروعة المتمثلة في التحرر والاستقلال وتقرير المصير.. إذ أنه بمجرد التوقيع على الميثاق تحول دور الجماعة الدولية من حماية الإمبراطوريات إلى تصفية الاستعمار بكافة أشكاله لصالح البشرية، سواء كان ذلك بطريقة سلمية، أو عن طريق الكفاح المسلح الذي تقوم به الحركات التحريرية الوطنية، فقد أُضفيت الشرعية الدولية على أعمال الكفاح المسلح الذي تقوم به المقاومة الشعبية المسلحة من خلال القرارات الصادرة الأمم المتحدة.

الفرع الثاني: حق تقرير المصير من خلال قرارات الجمعية العامة

لقد تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 545 بتاريخ 05/02/1952 الذي أكد على حق جميع الشعوب في تقرير مصيرها، وطالبت الدول التي تدير أقاليم غير متمتعة بالحكم الذاتي بمساعدتها على نيل هذا الحق[50]، والقرار رقم637 بتاريخ 16/12/1952 الذي أكد على واجب الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في دعم ومساندة الشعوب غير المتمتعة بالحكم الذاتي والخاضعة تحت إدارتها في نيل حقها في تقرير المصير طبقا لمبادئ وروح الميثاق[51]، وفي 14/12/1960 تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 1514 الخاص بمنح الاستقلال للدول والشعوب المستعمرة، ووضع حد للاستعمار بجميع أشكاله ومظاهره[52]، والقرار رقم 2105 بتاريخ 20/12/1965 الخاص باعتراف الجمعية العامة بشكل صريح بشرعية استخدام القوة من طرف الشعوب ضد الاستعمار من أجل نيل حقها الاستقلال وتقرير المصير[53]، كما اعتمدت الجمعية العامة في قرارها رقم 2200 بتاريخ 16/12/1966 العهدين الدوليين لحقوق الإنسان (العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية)، حيث تضمنت المادة الأولى من العهدين النص على أن ” لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها، وهي بمقتضى هذا الحق تتمتع بالحرية الكاملة في تقرير وضعها السياسي، وتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.. ولجميع الشعوب- تحقيقا لغايتها الخاصة – التصرف بحرية في ثرواتها ومواردها الطبيعية دون إخلال بأي من الالتزامات الناشئة عن التعاون الاقتصادي الدولي القائم على مبادئ المنفعة المشتركة والقانون الدولي، ولا يجوز بحال من الأحوال حرمان أي شعب من وسائل المعيشة الخاصة به “، وفي 12/10/1970 أصدرت الجمعية العامة قرارها رقم 2621 الذي وافقت فيه على ” برنامج عمل من أجل التنفيذ التام لإعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة”[54]، وفي 24/10/1970 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 2625 بشأن إعلان مبادئ القانون الدولي الخاص بعلاقات الصداقة والتعاون بين الدول، الذي أكد على أن إخضاع الشعوب للسيطرة والاستغلال الأجنبي فيه انتهاك لمبدأ حق تقرير المصير[55].

 غير أنه من الملاحظ من القرارات السابقة للجمعية العامة والتي أكدت من خلالها استخدام القوة من قبل الشعوب وحركات التحرير الوطنية هو استخدام مشروع، غير أنها لم تستخدم عبارة الكفاح المسلح، مما دعا بالبعض خاصة إسرائيل إلى التذرع بذلك والقول بأن المقاومة المقصودة في قرارات هيئة الأمم المتحدة هي المقاومة السلمية[56]، ولكن الجمعية العامة للأمم المتحدة حسمت الأمر من خلال قرارها رقم 3070 الصادر بتاريخ 30/11/1973 الذي أكد على شرعية كفاح الشعوب بجميع الوسائل المتاحة بما في ذلك الكفاح المسلح[57]، وفي قرارها (الجمعية العامة) رقم 3314 الصادر بتاريخ 14/12/1974 الذي استثنى من خلال المادة السابعة نضال الشعوب وحركات التحرر الوطنية من الأعمال المكونة للعدوان[58]، وفي القرار رقم 46/51 الصادر بتاريخ 09/12/1991 الذي طالب فيه الأمين العام بالتماس آراء الدول الأعضاء بشأن قضية الإرهاب الدولي، مع التأكيد على حق الشعوب في الكفاح المشروع من أجل تقرير المصير[59].

 ومما سبق ذكره نجد أن الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومن خلال القرارات الصادرة عنها، أنها أعطت المشروعية للكفاح المسلح وللمقاومة الشعبية المسلحة من أجل الحصول على الاستقلال وتقرير المصير، كما ذهب معظم فقهاء القانون الدولي إلى القول بأن هذا العمل القانوني والتشريعي الذي قامت به الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أنشأ قاعدة عرفية جديدة مضمونها التسليم لهذه الشعوب المقهورة بمباشرة النضال المسلح من أجل الحصول على الحق في تقرير المصير والقضاء على الاستعمار الأجنبي[60].

 لقد كان من شأن التفاوت في ميزان القوى بين حركات المقاومة المسلحة وبين دول الاحتلال التي تجري ضدها أعمال المقاومة، أن قامت جماعات المقاومة باستخدام أساليب قتال غير تقليدية، وكان من شأن تزايد هذه الأساليب من جانب مجموعات المقاومة، أن اختلفت الآراء وزاد الجدل بشأن المشكلات القانونية التي تثيرها أساليب القتال هذه، وذلك عند صياغة نظرية حديثة للمقاومة الشعبية المسلحة في إطار قانوني مكتوب، وفي إطار تطوير قواعد قانون النزاعات المسلحة[61].

 كما كان من شأن استخدام وسائل وأساليب قتال غير تقليدية من جانب جماعات المقاومة المسلحة، أن ذهب البعض إلى وصف أعمال المقاومة هذه بأنها أعمال إرهابية، ومن ثم حدث خلط بين أعمال المقاومة المسلحة المشروعة التي تقوم بها الجماعات المسلحة ضد دولة الاحتلال من أجل نيل الاستقلال وتقرير المصير، وأعمال الإرهاب غير المشروعة التي تقوم بها أفراد أو جماعات أو منظمات من أجل تحقيق أهداف معينة أياً كانت طبيعتها [62]. وعلى هذا الأساس تُلصق بعض الدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل تهمة الإرهاب بالنضال المشروع الذي يخوضه الشعبان الفلسطيني واللبناني ضد الاحتلال الإسرائيلي [63].

 إن النضال المسلح ضد الاحتلال هو حق مشروع ومستند إلى مبدأ حق تقرير المصير الذي تكرس في ميثاق الأمم المتحدة ويعتبر من صميم أهدافها، بالإضافة إلى القرارات العديدة الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، والاتفاقيات الدولية الخاصة بحق تقرير المصير[64].

 إن إشكالية المصالح والأبعاد السياسية أخلطت بين أعمال النضال المسلح والذي يعرف بدوافعه النبيلة والمشروعة في القانون الدولي من خلال تقرير المصير ومقاومة الاحتلال الأجنبي بكافة الوسائل، ونضال الشعوب من أجل استرجاع أراضيها المغتصبة وكرامتها المنزوعة، في إطار القواعد الدولية الملزمة التي تنظم اللجوء إلى استخدام القوة وترسم حدودا لها، ضمانا للمصلحة الإنسانية والمجتمع الدولي، وبين أعمال الإرهاب الدولي الذي يعرف بدوافعه وأهدافه التي لا تفرق بين فئات الناس في قتلهم وبث الرعب والفزع في أوساطهم، ولا ينظر لمكان وقوعها (الأعمال الإرهابية) سواء بالقيام أو الامتناع عنها، وتطرفه ومناهضته لكل الأنظمة القائمة في الدول، فهي تعتبر أعمال غير مشروعة ومستنكَرة دولياً لما تمثله من وحشية وجرائم ضد الإنسانية.

فالفرق شاسع بين الإرهاب والنضال المسلح مهما تضاربت المصالح ومهما كانت الأبعاد السياسية لبعض الدول، حيث إن الكفاح المسلح انتزع الاعتراف الدولي من خلال اقترانه بحق الشعوب في تقرير مصيرها الذي لا يمكن انتزاعه أو الاستغناء عنه.


الهامش

[1] سعيد حسين محمود حسن غلاب ، التطورات الراهنة في النظام الدولي، ص 104.

[2] أحمد حسين سويدان، الإرهاب الدولي في ظل المتغيرات الدولية، منشورات الحلبي الحقوقية، ط2، 2009، ص ص 88-89.

[3] سمعان بطرس فرج الله ،الحدود القانونية الدولية لاستخدام القوة، ص124.

[4] سمعان بطرس فرج الله ، جدلية القوة والقانون في العلاقات الدولية المعاصرة، ص 155.

[5] سمعان بطرس فرج الله ، جدلية القوة والقانون في العلاقات الدولية المعاصرة، المرجع السابق، ص 155.

[6] Comme : Ago R, Brownlie Ian, Dinh N Q, Falk R, Guggenheim P, Henkin L, Jessup PH C, Kelsen H, Sorensen Max, Wehberg H, Wright Q, Zourek J.

[7] سمعان بطرس فرج الله ، جدلية القوة والقانون في العلاقات الدولية المعاصرة، المرجع السابق، ص 156.

[8] اعتبر مجلس الأمن أن التدابير القسرية الاقتصادية أو السياسية قد تؤدي إلى مواقف من شأنها تهديد السلم و الأمن الدوليين، القرار رقم 330 بتاريخ 21 مارس 1973.

[9] ادعت بعض الدول بأن العدوان الاقتصادي قد يكون سببا لقيام حالة الدفاع الشرعي عن النفس، كتبرير غزو العراق للكويت عام 1990، بسبب طرح كميات كبيرة من البترول من طرف الكويت متجاوزة بذلك سقفها المحدد من طرف الأوبك، مسببة في ذلك انخفاض أسعار البترول مما أدى إلى انخفاض عائدات العراق من البترول، و بالتالي حرمان هاته الأخيرة من إعادة الإعمار بعد الحرب العراقية-الإيرانية، و بالتالي اعتبرت سياسة الكويت بمثابة عدوانا مسلحاً.

[10] سمعان بطرس فرج الله ، جدلية القوة والقانون في العلاقات الدولية المعاصرة، المرجع السابق، ص 156.

[11] سمعان بطرس فرج الله ،الحدود القانونية الدولية لاستخدام القوة، المرجع السابق، ص ص 124-125.

[12] سعيد حسين محمود حسن غلاب ، التطورات الراهنة في النظام الدولي…، المرجع السابق، ص 106.

[13] سمعان بطرس فرج الله ، جدلية القوة والقانون في العلاقات الدولية المعاصرة، المرجع السابق، ص 164.

[14] نفس المرجع، جدلية القوة والقانون في العلاقات الدولية المعاصرة، ص 165.

[15] نفس المرجع، جدلية القوة والقانون في العلاقات الدولية المعاصرة، ص ص 170-171.

[16] سمعان بطرس فرج الله، المرجع السابق، جدلية القوة والقانون في العلاقات الدولية المعاصرة، ص 165.

[17] Comme : Bowett D W, Fawcett J E S, Fitzmaurice G, Green L C, MacDougal M S, Feliciano F P, Moore J N, O’Connell D P, Schwebel S M, Stone J

[18] سعيد حسين محمود حسن غلاب، التطورات الراهنة في النظام الدولي…، المرجع السابق، ص 108.

[19]

[20] سمعان بطرس فرج الله، الحدود القانونية الدولية لاستخدام القوة، المرجع السابق، ص 128.

[21] يمكن معرفة هذه الشروط بشكل تفصيلي بالرجوع إلى : نفس المرجع، ص 81 و ما بعدها.

[22] سعيد حسين محمود حسن غلاب، التطورات الراهنة في النظام الدولي…، المرجع السابق، ص 109.

[23] سمعان بطرس فرج الله، جدلية القوة والقانون في العلاقات الدولية المعاصرة، المرجع السابق، ص 171.

[24] عبارة الدفاع الشرعي الوقائي، و عبارة الدفاع الشرعي الاستباقي، عابرتان مترادفتان، و لكن يمكن تصور التمييز بينهما، فالدفاع الشرعي الوقائي يعني اتخاذ تدابير عسكرية لمواجهة وضع ترى الدولة المعنية أنه قد يؤدي في المستقبل إلى وقوع عدوان بالفعل، أما الدفاع الشرعي الاستباقي فهو يعني حق استخدام القوة لمواجهة تهديد بالعدوان يكون حالا أو على وشك الوقوع.- انظر في ذلك : سمعان بطرس فرج الله، المرجع السابق، جدلية القوة …ص 189.

[25] سمعان بطرس فرج الله، جدلية القوة والقانون في العلاقات الدولية المعاصرة، المرجع السابق، ص 179.

[26] نفس المرجع، جدلية القوة والقانون في العلاقات الدولية المعاصرة، ص 177.

[27] سمعان بطرس فرج الله، المرجع السابق، جدلية القوة والقانون في العلاقات الدولية المعاصرة، ص 172-174.

[28] سمعان بطرس فرج الله، المرجع السابق، جدلية القوة والقانون في العلاقات الدولية المعاصرة، ص ص 174- 175.

[29] كالتنظيم الإقليمي الأمريكي (اتفاق شابولتيبيك 1945، و الذي تأكد في ميثاق ريو 1947، و ميثاق بوجوتا 1948)، بينما لم يستعن النظام الإقليمي العربي الذي أقامه ميثاق جامعة الدول العربية 1945 بالية الدفاع الشرعي عن النفس إلا في عام 1950، بإبرام معاهدة الدفاع المشترك و التعاون الاقتصادي .

[30] سمعان بطرس فرج الله، جدلية القوة والقانون في العلاقات الدولية المعاصرة، المرجع السابق، ص 175.

[31] كالحلف الأطلسي، حلف وارسو، حلف بغداد، حلف جنوب شرق أسيا، حلف الأنزوس، حلف ريو…

[32] سمعان بطرس فرج الله، جدلية القوة والقانون في العلاقات الدولية المعاصرة، المرجع السابق، ص 176.

[33] نفس المرجع، ص 188.

[34] سمعان بطرس فرج الله، جدلية القوة والقانون في العلاقات الدولية المعاصرة، المرجع السابق، ص ص 188- 189.

[35] نفس المرجع، ص 178.

[36] قرار مجلس الأمن رقم 661 في 06/08/1990، والقرار رقم 665 في 25/08/1990، والقرار رقم 670 في25/09/1990.

[37] سمعان بطرس فرج الله، جدلية القوة والقانون في العلاقات الدولية المعاصرة، المرجع السابق، ص 179.

[38] نفس المرجع، ص 180.

[39] سامي جاد عبد الرحمن واصل، إرهاب الدولة في إطار القانون الدولي العام، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2003، ص 302.

[40] محمد طلعت الغنيمي، الغنيمي الوسيط في قانون السلام، المرجع السابق، ص 332.

[41] سامي جاد عبد الرحمن واصل، إرهاب الدولة في إطار القانون الدولي العام، المرجع السابق، ص 303.

[42]  Brownlie Ian, Principales of Public International Law, Oxford, 1973, p 575.

[43] حسام هنداوي، حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير على ضوء قواعد النظام العالمي الجديد، المجلة المصرية للقانون الدولي، المجلد 47، 1991، ص 87.

[44] محمد طلعت الغنيمي، الغنيمي الوسيط في قانون السلام، المرجع السابق، 334.

[45] أحمد محمد رفعت، الإرهاب الدولي في ضوء أحكام القانون الدولي والاتفاقيات الدولية وقرارات الأمم المتحدة، دار النهضة العربية، القاهرة، 1992، ص ص 111- 112.

[46] سامي جاد عبد الرحمن واصل، إرهاب الدولة في إطار القانون الدولي العام، المرجع السابق، ص 305.

[47] مسعد عبد الرحمن زيدان قاسم، تدخل الأمم المتحدة في النزاعات المسلحة غير ذات الطابع الدولي، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، 2001، ص 185.

[48] هيثم موسى حسن، التفرقة بين الإرهاب الدولي ومقاومة الاحتلال في العلاقات الدولية، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة عين شمس، 1999، ص 371.

[49] ريموش نصر الدين، موقف القانون المعاصر من مشروعية استخدام القوة المسلحة في إطار المقاومة التحريرية، رسالة ماجستير، كلية الحقوق، جامعة الجزائر، 1988، ص ص 96- 97.

[50] قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 545 الصادر في دورتها السادسة بتاريخ 05/02/1952.

[51] قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 637 الصادر في دورتها السابعة بتاريخ 16/12/1952.

[52] قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1514 الصادر في دورتها الخامسة عشر بتاريخ 14/12/1960.

[53] قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2105 الصادر في دورتها العشرين بتاريخ 20/12/1965.

[54] قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2621 الصادر في دورتها الخامسة والعشرون بتاريخ 12/10/1970.

[55] قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2625 الصادر في دورتها الخامسة والعشرون بتاريخ 24/10/1970.

[56] سامي جاد عبد الرحمن واصل، إرهاب الدولة في إطار القانون الدولي العام، المرجع السابق، ص 236.

[57] قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3070 الصادر في دورتها الثامنة والعشرون بتاريخ 30/11/1973.

[58] قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 الصادر في دورتها التاسعة والعشرون بتاريخ 14/12/1974.

[59] قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 46/51 الصادر بتاريخ 09/12/1991.

[60] صلاح الدين عامر، المقاومة الشعبية المسلحة في القانون الدولي العام (مع إشارة خاصة إلى أسس الشرعية الدولية للمقاومة الفلسطينية)، دار الفكر العربي، القاهرة، 1977، ص 472.

[61] صلاح الدين عامر، المقاومة الشعبية المسلحة في القانون الدولي العام، المرجع السابق، ص485.

[62] رجب عبد المنعم متولي، الفرق بين الإرهاب و المقاومة المشروعة في ضوء القانون الدولي المعاصر، المجلة المصرية للقانون الدولي، 2004، ص271.

[63] عبد القادر زهير النقوزي، المفهوم القانوني لجرائم الإرهاب الداخلي و الدولي، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، ط1، 2008، ص130.

[64] عبد القادر زهير النقوزي، نفس المرجع، ص 130.

التدخل الإنساني في ضوء القواعد الدولية العرفية

إقرأ أيضاً: التدخل الإنساني في ضوء القواعد الدولية العرفية

كلمات مفتاحية
علاقات دولية مفاهيم سياسية التدخلات الخارجية
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close