fbpx
دراسات

الأزمات السياسية الدولية: المفهوم ـ الأنواع ـ الإدارة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

الأزمات السياسية الدولية

كلمة “أزمة” ليست حديثة العهد، فقد عُرفت الكلمة منذ العهد الإغريقي في القرن الرابع قبل الميلاد، بمعنى نقطة التحول الحرجة في حياة المريض، واستخدمها العرب كذلك بنفس المعنى. وفي القرن السادس عشر شاع استخدام هذا المصطلح في المعاجم الطبية، وتم اقتباسه في القرن السابع عشر للدلالة على ظهور مشكلات اجتماعية خطيرة أو لحظات تحول فاصلة في تطور العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتم استعمال المصطلح بعد ذلك في مختلف فروع العلوم الإنسانية وبات يعني مجموعة الظروف والأحداث المفاجئة التي تنطوي على تهديد واضح للوضع الراهن المستقر في طبيعة الأشياء.[1]

تفيد كلمة الأزمة في اللغة العربية معنى الضيق والشدة، يقال أزَمَت عليهم السنة أي: اشتد قحطها، وتأزَم أي أصابته الأزمة. وكلمة أزمة باللغة الإنجليزية هي Asthma وتعني نفس المفهوم الطبي. وعلى الرغم من أن أدبيات بحوث السلام استخدمت كلمة Crisis إلا أن المعنى الطبي هو الغالب في التسمية من ناحية المضمون لا من ناحية الاسم.[2]ويعرف معجم ويبستر Webster الأزمة بأنها “نقطة تحول إلى الأفضل أو الأسوأ، وهي لحظة حاسمة، أو وقت عصيب، أي وضع وصل إلى مرحلة حرجة”.

2- مفهوم الأزمة اصطلاحاً:

توجد تعريفات متعددة للأزمة في الأدبيات العربية، فيذهب أحد تلك التعريفات إلى أن الأزمة هي “خلل يؤثر تأثيراً مادياً على النظام كله، ويهدد الافتراضات الرئيسية التي يقوم عليها النظام”[3]، ويذهب تعريف آخر للأزمة بأنها (حدث مفاجئ “غير متوقع” يؤدي إلى صعوبة التعامل معه، ومن ثم ضرورة البحث عن وسائل وطرق لإدارته بشكل يحد من آثاره السلبية).[4]

ثانياً: تعريف الأزمة السياسية وتحديد أهم سماتها:

تعني الأزمة السياسية في أوسع معانيها “موقفاً مفاجئاً يُهدد بتحول جذري في الوضع القائم بسبب المفاجأة وضيق الوقت المتاح لاتخاذ القرار، والتهديد القائم للمصالح الحيوية”. وبهذا المعنى تحدث الأزمة للفرد، كما تحدث للجماعة والدول.[5]

وتتسم الأزمة بعدة سمات، من بينها:[6]

1- أنها نقطة تحول جوهري في تطور الأحداث الجارية.

2- موقف يتطلب عملاً عاجلاً، يستدعي التدخل الفوري لمنع تدهور الأمور.

3- موقف يهدد أولويات النظام القائم، أو يهدد النظام في وجوده.

4- من المتوقع أن تقود إلى نتائج مهمة ذات آثار محورية على أطرافها.

5- وجود أحداث محورية تفرز مجموعة نتائج جديدة تماماً.

6- تشكل موقفاً عصيباً يتزايد فيه الغموض بشأن طبيعة الموقف المطروح والبدائل المتاحة.

7- عدم القدرة على التحكم في الأحداث أو في نتائجها.

8- الإحساس بالأهمية القصوى لما يجري urgency)) مما يشكل ضغطاً على الأطراف المسئولين عن إدارتها.

9- قلة المعلومات الصحيحة المتاحة (وبالذات في الدول المتخلفة حيث لا توجد برامج محاكاة الأزمات: منع الأزمة والتحذير من وقوعها وإدارة الأزمات)، أو برامج الإنذار المبكر للأزمات.

10- الضغوط المفروضة بسبب ضيق الوقت.

11- ارتفاع حدة التوتر بين أطراف الأزمة.

ثالثاً: مدارس دراسة الأزمة:

نظراً لتعدد تعريفات الأزمة بتعدد الباحثين، فقد جرت محاولات لتجميع تلك التعريفات في مجموعات فكرية معينة، من أهمها مدرسة النظم، مدرسة صنع القرار، مدرسة بحوث السلام. وترتبط تلك المدارس ببعضها البعض، ولكنها تتميز من حيث التركيز على حيز معين. وعلى سبيل المثال تركز مدرسة النسق ومن أنصارها كينيث بولدنج وأوران يونج وكورال بيل وتشارلز ماكليلاند على أن الأزمة الدولية هي نقطة تطور في نظام دولي ما عام أو فرعي، وأنها تزيد من احتمالات الحرب واللجوء إلى استخدام القوة العسكرية بدرجة تُهدد باختلال وظيفي للوضع القائم.[7]

أما مدرسة صنع القرار فقد اهتمت بتحديد خصائص موقف الأزمة كالمفاجأة والتهديد وقصر الوقت المتاح، كما ركزت على الأزمة من خلال اتخاذ القرار. ومن أهم رواد مدرسة صنع القرار هيرمان كان وجيمس روبنسون وأنتوني فينر وتشارلز هيرمان ومارجريت هيرمان ورايموند كوهين.

وقد اتخذت مدرسة بحوث السلام اتجاهاً توفيقياً يجمع بين بعض عناصر تعريف الأزمة كما جاءت في مدرستي النظم وصنع القرار.

وقد عرّف جيمس روبنسون وتشارلز هيرمان ومارجريت هيرمان الأزمة بأنها “موقف أو حدث يشكل تهديداً لشيء موضع اهتمام طرف آخر بدرجة كبيرة”. وقد قسموا الأزمة إلى نوعين هما:[8]

1- الأزمة الشديدة The Most Loaded Crisis

يكون الفعل فيها مفاجئاً وغير متوقع ويتضمن درجة عالية من التهديد للأهداف ويتوجب على صانع القرار الرد الفوري.

2- الأزمة الأقل شدة The Least Crisis

  تشبه الموقف الروتيني حيث الفعل متوقع من قبل صانع القرار، ويتضمن درجة أقل من التهديد في إطار وقت قراري متسع.

ومجمل تركيز هذه المدرسة أن الأزمة الدولية نابعة من موقف يتسبب في حدوث تغيير في البيئة الخارجية أو الداخلية التي تؤثر على القرار السياسي من ثلاث زوايا رئيسية:

أ- وجود تهديد لقيم وأهداف ومصالح أطراف الأزمة.

ب- محدودية الوقت المتاح لاتخاذ القرار.

ج- وجود عنصر المفاجأة، بحيث يفاجئ تصاعد الأحداث صانع القرار ومتخذه على حين غرة.

  حاول رواد هذه المدرسة قدر طاقتهم إيجاد اجتهادات خاصة نحو تدقيق اتخاذ القرار وقت الأزمة فيما يتعلق بعناصر التهديد، وضيق الوقت والمفاجأة من خلال عدة وسائل منها توفير المعلومات من خلال برامج المحاكاة Simulation Program والتحذير من الأزمة Crisis Warning. وعلى الرغم من التشابه بين مدرسة النظم ومدرسة صنع القرار في دراسة الأزمة، إلا أن مدارس صنع القرار تركز على مواقف معينة في أوقات معينة وتدرس حالات محددة في أزمات أنظمة الحكم المقارنة.

رابعاً: إدارة الأزمة:

تعني إدارة الأزمة التعامل مع عناصر موقف الأزمة باستخدام مزيج من أدوات المساومة الضاغطة والتوفيقية، بما يحقق أهداف الدولة ويحافظ على مصالحها الوطنية، وهي أيضاً عبارة عن محاولة لتطبيق مجموعة من الإجراءات والقواعد والأسس المبتكرة، تتجاوز الأشكال التنظيمية المألوفة وأساليب الإدارة الروتينية المتعارف عليها، وذلك بهدف السيطرة على الأزمة والتحكم فيها وتوجيهها وفقاً لمصلحة الدولة. وبالتالي فإن إدارة الأزمة Crisis Management تعني معالجتها على نحو يمكن من تحقيق أكبر قدر ممكن من الأهداف المنشودة والنتائج الجيدة.

ومن بين التعريفات التي قدمت لمفهوم إدارة الأزمة أنها نظام يُستخدم للتعامل مع الأزمة، من أجل تجنب وقوعها، والتخطيط للحالات التي يصعب تجنبها، بهدف التحكم في النتائج، والحد من الآثار السلبية”، وبالتالي فلابد أن تشتمل على خطوات لتقليل مخاطر حدوث الأزمة. وتختلف إدارة الأزمة بالمعاني السابقة عن مفهوم “الإدارة بالأزمة” Provocation of Crisis والذي يعبر عن “آلية تقوم على خلق الأزمة وإثارتها والإعداد المسبق لها والتخطيط المبكر لوقوعها بهدف تحقيق مصالح محددة، وهي قدرة لا تتوفر إلا لعدد محدود من الدول والمنظمات التي تمتلك من القوة والوسائل ما يمكنها من خلق الأزمة وإدارتها بما يحقق أهدافها.[9]

كانت أزمة الصواريخ الكوبية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق عام 1962 نقطة التحول المركزية نحو تحويل إدارة الأزمة إلى حقل علمي مستقل، وبالتالي بحوث السلام. وقد أدرك الجميع، ومن بينهم وزير الدفاع الأمريكي الأسبق روبرت مكنمارا أنه من الآن فصاعداً لم يعد هناك ما يُسمى بالإستراتيجية بل إدارة الأزمة. ومنذ ذلك الحين، صارت ألفاظ وأدبيات إدارة الأزمة وإدارة الصراع هي اللغة السائدة في العلاقات الدولية.

  حددت أدبيات دراسة الأزمة الدولية بعض العوامل التي تُعتبر مصادر للأزمات الدولية، ومن بينها العوامل الاقتصادية، النزعة العسكرية، أنظمة الأحلاف، إلا أن أحد الدارسين وجد من تحليله لسبع حالات دراسية تتمثل في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وحرب 1967 بين العرب وإسرائيل، وأزمة فيتنام، وأزمتي الخليج الأولى والثانية أنه لم يكن لأي من العوامل السابقة دور في اندلاع تلك الأزمات، وأن شخصيات القادة والبيئة النفسية لهم كانت أكثر حسماً.[10]

خامساً: تأثير أزمة 11 سبتمبر 2001 على دراسة الأزمة الدولية:

بدت أزمة 11 سبتمبر 2001 لأول وهلة أزمة داخلية، إلا أنها مثلت في واقع الأمر نقطة تحول جذرية نحو نظام دولي جديد، سعت الولايات المتحدة إلى تكريسه منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، ويتمثل في العمل على بقاء الوضع الفريد للولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة، حيث استغلت الإدارة الأمريكية أحداث 11 سبتمبر وحولتها إلى أزمة طاحنة تمسك بخناق النظام الدولي، وتم تصعيد الأزمة إلى حربين ضد أفغانستان والعراق في إطار الحرب الشاملة على “الإرهاب” التي شنتها الولايات المتحدة في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001م.

كانت أزمة 11 سبتمبر 2001 أيضاً عاملاً مهماً في تكريس العديد من المتغيرات ذات التأثير على الأزمة الدولية، والتي أدت إلى تغير النظرة إلى دراسة الأزمة الدولية في الشكل والمضمون والمنهج. ومن أهم تلك المتغيرات ذات الصلة بموضوع الدراسة:[11]

1- الانفرادية في اتخاذ القرار في الأزمة الدوليةUnilateralism :

اعتبرت الولايات المتحدة وحلفاؤها لأول مرة منذ حرب الخليج الثانية أن الشرعية الدولية لم تعد تسعفها في إدارة الأزمة العراقية، وهو ما مثّل نقلة نوعية في العلاقات الدولية وفي التنظيم الدولي عموماً، وكانت دراسات كثيرة عن الأزمة الدولية قد تنبأت بمثل هذه الانفرادية في اتخاذ القرار الدولي، لتنفيذ السلام الأمريكي على العالم من خلال وسائل الاستعمار القديم كروما وبريطانيا، وذلك من خلال السير في عدد من الاتجاهات بهدف السيطرة على العالم في فترة ما بعد الحرب الباردة، وخصوصاً بعد هجمات 11 سبتمبر 2001. وتعرضت تلك الأفكار لانتقادات من جانب معارضي هذا التوجه من خلال تصويره بأنه يسعى إلى تكريس الانفرادية والتوجه العسكري والرئاسة الاستعمارية، في ظل الافتقاد إلى رؤية موضوعية للأمور.

2- استمرار أحادية القطبية Polarity:

المعنى المقصود بالقطبية Polarity هو تأثير الدولة المسيطرة على النظام الكوني على الأزمة الدولية، أي العلاقات الارتباطية القائمة بين عدد القوى الكبرى والعظمى في مركز صنع القرار في النظام الدولي عند انفجار الأزمة وإدارتها.

3-صعود السلام الأمريكي Pax Americana

وهو ما يعكس الرؤية الأمريكية لسلام العالم وبالتالي للأزمة الدولية، كما حدث في السلام الروماني والسلام البريطاني من قبل، فالعديد من الأزمات التي نشبت في أعقاب الحرب الباردة تمت بتخطيط أمريكي سواء في البداية أم في النهاية أم في إدارة الأزمة، وكلها تمت وفق المفهوم الأمريكي لسلام العالم، ومن هنا كان تدخل الولايات المتحدة كطرف ثالث في أزمات العالم يستهدف أساساً إنجاز المصالح الأمريكية.

وسواء أكانت الولايات المتحدة تستخدم الإدارة بالأزمات أم إدارة الأزمة الدولية، فالأرجح أنها ستظل لسنوات قادمة تطبع الأزمات الدولية بطابعها القومي (ما هو في صالح الولايات المتحدة لابد أن يكون في صالح العالم بالضرورة). وبمعنى أصح نشر السلام الأمريكي على العالم. وسوف ينعكس ذلك بالضرورة على دراسة الأزمات الدولية مستقبلاً، وبالذات في المدرسة الأمريكية لدراسة الأزمة.

4- التحويل Transformation

يعني التحويل تأجيل أو نقل وضع الأزمة إلى منطقة أخرى أو مجال آخر أو زمان آخر. وُيقصد به أنه لعجز بعض الدول عن إنهاء أو حل مشاكلها المحلية تتجه لتحويل صراعاتها لأزمات خارجية قد تتسبب في أزمة دولية قد تقود إلى حرب كحرب الخليج الثانية على الجانب العراقي عام 1990 أو النموذج اليوغسلافي خلال التسعينيات.

إن الانكفاء للخارج لتغطية مشاكل الداخل هو مبدأ معروف في علم السياسة منذ فترة طويلة، ولكن الجديد هو استخدامه خلال العقد الماضي بطريقة مكثفة. والنتيجة غير المتوقعة أن يزداد عدد الأزمات الدولية للأطراف محل الدراسة بسبب حالة الاستضعاف الهيكلي في النظام الدولي وحالة السيولة التي تتجه إلى الاستقرار النسبي فيه. ومن هنا تتعرض هذه الدول لأن تكون حقل تجارب للعبة الصراع بين الأمم نحو نظام دولي ما. وتنطبق على الولايات المتحدة نفس القاعدة “الانكفاء للخارج”. وبما أنها هي العنصر الأقوى والمسيطر في النظام الدولي، فيمكنها التلاعب بمصير هذه البلدان لقاء مكاسب محلية للرئيس في الانتخابات أو لحل مشاكله الداخلية التي يتعرض لها.[12]

وهناك أزمات لا يشعر بها الطرف الآخر المقصود، خصوصاً إذا كانت دولة عظمى، فقد لا يهم مصالحها في شيء أن تتصاعد هذه الأزمة، وربما تستخدمها لأغراض أخرى تحولت إليها على الساحة المحلية أو الدولية، وهو ما يُطلق عليها أحياناً “الأزمة ذات الجانب الواحد” One- Sided Crisis ولاشك أن تحول الأنظار عن الفشل في “الحرب على الإرهاب”، كما حدث في أفغانستان ونقل الأنظار إلى الحرب على العراق قد يقدم نموذجاً يمثل هذا التحول في السلوك المتعلق بالأزمة.

5- ازدياد حدة العنف Violence

العنف هو المحدد الرئيس لحدة الأزمة. وقد شغلت هذه المسألة جانباً لا بأس به من أدبيات الأزمة الدولية. ويمكن القول إن حدة العنف قد زادت بصورة ملحوظة في الأزمات الدولية منذ حرب الخليج الثانية مع قلة عدد الأزمات التي تحولت إلى حروب. وهناك عدة أمثلة على ذلك، من بينها حرب الصومال، وحصار العراق ويوغسلافيا وضربهما في التسعينيات من القرن العشرين، والحرب التي خاضها التحالف الأنجلو أمريكي على أفغانستان والعراق في العامين 2001، 2003 على التوالي.

تختلف إدارة الأزمة الدولية حسب عدة أبعاد، من بينها نظام القطبية السائد، والموقع الجغرافي ونوع النظام السياسي ونوع الصراع (ممتد أو غير ممتد)، ولكن أهم هذه الأبعاد على الإطلاق هو حدة العنف المستخدم وكثافته عند تصعيد الأزمة إلى حرب. وقد ركزت أدبيات إدارة الأزمة المعاصرة على ثلاث مراحل “تخص صانع القرار” هي على التوالي: العنف في بداية الأزمة، التيقن من مصدر العنف. وبما أن المصدر هو المحور الأساسي في إدارة الأزمة، فقد تركزت حوله معظم الدراسات كمصدر لهذا العنف.

6- ازدياد دور الطرف الثالث:

دور الطرف الثالث من الأدوار المعروفة في إدارة الأزمة. وثمة علاقة طردية طوال عقد التسعينيات من القرن العشرين بين سرعة حل الأزمات والتدخل الأمريكي كطرف ثالث للحل. ويمكن التمييز هنا في إدارة الصراعات والأزمات بين عدة مستويات مختلفة، أولها عمليات الحل والتسوية والتأجيل والتجنب والإنهاء، وثانيها تدخل الطرف الثالث، الذي يأخذ أشكالاً متعددة، منها الإكراه بالقوة، التفاوض، المساومة، الوساطة، التحكيم، المساعي الحميدة، ورش العمل.. الخ، وثالثها وسائل الحل مثل القوات متعددة الجنسيات أو قوات طرف ثالث، أو لقاءات المتخصصين في ورش عمل مشتركة، وإجراءات بناء الثقة، ولقاءات القمة ..الخ.[13]

وعادة ما يكون الطرف الثالث في أي صراع أو أزمة له مصلحة في الحل عن طريق توفير الموارد المالية أو البشرية، كما أنه عادة ما يكون مقبولاً من الطرفين وموثوق به، ومن ثم له القدرة على التأثير نحو الحل. ومن هنا يكون للطرف الثالث عدة مزايا، من بينها:

أ- المشاركة الإيجابية الفعالة للوصول إلى اتفاق يرضي الطرفين من خلال برنامج حد أدنى يتجنب المسائل الصعبة الحل، وجدول أعمال زمني لتطوير الاتفاق المشترك.

ب- تخفيف حدة القيود المفروضة على الأطراف الرئيسية للحل.

ج- تخفيض مدة الوصول إلى اتفاق وتكلفته من خلال بعث المرونة في الموقف التساومي بين الأطراف.

وقد لعبت الولايات المتحدة في فترة ما بعد انتهاء الحرب الباردة دور الطرف الثالث سواء بمفردها أم مع آخرين أم من خلال المنظمة الدولية كما في يوغسلافيا السابقة والعراق وأفريقيا وغيرها. ومن خلال متابعة أدبيات الصراع والتعاون منذ نهاية الحرب الباردة، يمكن التأكيد على نتيجتين أساسيتين، فيما يتعلق بالطرف الثالث الأمريكي، كما يلي:

أ- أن الدراسة المقارنة لإدارة الأزمات في فترة ما بعد الحرب الباردة تعطي الانطباع بإعادة تدوير دور مجلس الأمن “وبالتالي السكرتير العام” في ظل النظام الأحادي القطبية ليكون في خدمة الرؤية الأمريكية لسلام العالم “السلام الأمريكي” للتدخل في الشئون الداخلية للدول الأعضاء بشكل مستمر.

ب- أن تعاون القوى العظمى والكبرى في التدخل لحل الأزمة الدولية ربما يتم في المراحل الأولى لكنه ينقطع في أعلى درجات الأزمة كما حدث في حرب الخليج الثانية 1991، والاتفاق على منطقة حظر الطيران في العراق بين الولايات المتحدة وروسيا في عام 1992. وفي الأخيرة وقفت روسيا مع أمريكا، ولكنها لم تمارس أي نشاط من شأنه تنفيذ القرار. أما التجاوز الأخطر، فتمثل في استغناء الولايات المتحدة وحلفائها عن الأمم المتحدة لتشن حربها على العراق عام 2003، مثلما فعلت ألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية.

7- تخطي الشرعية الدولية والتحول إلى فرض سياسات الأمر الواقع:

تشكل الحرب الأمريكية على العراق نقطة تحول جوهرية في تاريخ العلاقات الدولية، وبالذات في الشق المتعلق بالتنظيم الدولي، فقد درج النموذج الأمريكي على الارتكاز على الأمم المتحدة في التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى دون إذنها، وذلك بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، سواء فيما يتعلق بتبني قضية عادلة من قضايا الميثاق، أم أخذ قرار من الشرعية الدولية، غالباً من مجلس الأمن، ثم بتفويض منها أيضاً تتكون قوات متعددة الجنسية تحت علم الأمم المتحدة وبقيادة أمريكية. تخطت الولايات المتحدة هذه المرة هذا السقف، وذلك على الرغم من محاولة إضفاء شرعية لاحقة على الغزو.

ومن الملاحظ أن الحرب على العراق ستشكل متغيراً محورياً في شكل العلاقات الدولية وجوهرها مستقبلاً، ومن ثم دراسة الأزمة الدولية. ويُلاحظ هنا أن الولايات المتحدة في إدارتها للأزمة قد تخلت عن العديد من السلوكيات السابقة عبر ما يزيد عن عقد، ويتضح ذلك فيما يلي:

  • عدم الحرص على أخذ قرار بالحرب أو الالتزام بقرارات من مجلس الأمن الدولي.
  • محاولة إضفاء الشرعية على العدوان بقبول التدخل الإنساني للمنظمة بأثر رجعي.
  • عدم قبول وساطة أية أطراف ثالثة.
  • عدم الاهتمام بمواقف الحلفاء التقليديين المعارضين في الناتو أو غيرهم.
  • عدم قبول مبدأ توازن المصالح مع الدول الأخرى الذي كان سائداً قبل العدوان.
  • عدم الاكتراث بالرأي العام العالمي المعادي للحرب.
  • القبول بمبدأ تغيير الأنظمة من الخارج.
  • القبول بتراجع دور الأمم المتحدة إلى الصفوف الخلفية في إدارة الأزمة الدولية.
  • القبول بعودة الاستعمار التقليدي في تسيير الجيوش لشن العدوان على الدول الأخرى.

ومن المتغيرات المعاصرة الأخرى التي أثرت على الأزمة الدولية منذ انتهاء الحرب الباردة ازدياد أزمات الصراع الممتد Protracted Conflict- Crisis Model ، والارتفاع المضطرد في الصراعات الإثنية “أو العرقية” Ethnicity ، واستمرار أهمية الموقع الجغرافي.[14]

 ولا شك أن ذلك كله سوف يكون تحدياً ثقيلاً، ليس فقط لتحولات النظام الدولي بل لبحوث السلام الدولية، التي أصبح عليها تغيير العديد من النظريات والنماذج والمناهج التي طبقت خلال عقد التسعينيات من القرن العشرين.


الهامش

1 ولاء البحيري، “إدارة الأزمة”، القاهرة، المركز الدولي للدراسات المستقبلية والإستراتيجية، مفاهيم، العدد 38، فبراير 2008.، ص 9.

2 د. حسن بكر، إدارة الأزمات الدولية بين النظرية والتطبيق (أسيوط: جامعة أسيوط، كلية التجارة، 2007)، ص 96. 

3 محمد رشاد الحملاوي، إدارة الأزمات (أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث، 1997)، ص ص 5-10.

4 د. أحمد عامر، مقدمة في إدارة الأزمات (الإسماعيلية: كلية التجارة، جامعة قناة السويس)، 1989، ص ص 2-11.

[5] Saad Eddin Ibrahim, “Crisis, Elites, and Democratization in Arab World”, Middle East Journal, Vol.27, No.2, Spring, 1993.

6 د. حسن بكر، المرجع السابق، ص ص 100-101

7 لمزيد من التفاصيل راجع مصطفى علوي، سلوك مصر الدولي خلال أزمة مايو – يونيو 1967، رسالة دكتوراه غير منشورة (القاهرة: جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 1981)، ص ص 4-28.

[8] James A. Robinson, Charles F. Hermann & Margaret G. Hermann, Search under Crisis in Political Causes of War ( New York: N. J. Prenic-Hall INC, Englaood Cliffs, 1980), p. 80.

9  ولاء البحيري، “إدارة الأزمة”، مرجع سابق، ص ص 17-23.

[10] John G. Stoessinger,  Why Nations Go to War (New York: The Macmillan Press, 1993), pp, 211-218.

11 د. حسن بكر، إدارة الأزمات الدولية بين النظرية والتطبيق، مرجع سابق، ص ص 181-209

12 لمزيد من التفاصيل أنظر د. سيد عليوة، إدارة الأزمات والكوارث، حلول عملية – أساليب وقائية، سلسلة دليل صنع القرار (2) (القاهرة: مركز القرار للاستشارات1997) & د. محمد نصر مهنا، إدارة الأزمات السياسية: قراءة في المنهج (أسيوط: جامعة أسيوط، كلية التجارة، 2001).

13 د. حسن بكر، إدارة الأزمات الدولية بين النظرية والتطبيق، مرجع سابق، ص ص 205 – 208.

14 لواء د. أحمد محمود عبد الحليم، الأساليب الكمية لتحليل وإدارة الأزمة السياسية، رسالة دكتوراه غير منشورة (القاهرة: أكاديمية ناصر العسكرية/ كلية الدفاع الوطني، 1996).

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close