fbpx
دراساتمجتمع

الألفاظ البذيئة: ثورة غضب أم ثقافة مرحلة؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

– هل تعملين حقا على فهم فكرة استخدام “أحا” في المجتمع؟
– نعم، هذا صحيح.
– أحا! [1]

في عام 2012، نشر موقع زائد 18 مقطع فيديو قصير بعنوان “كيف يسب المصريون؟”[2] يظهر الفيديو الذي يمتد لـ 1:29 دقيقة مشاهد قصيرة لبرامج تليفزيونية مصرية، ولمقدمي برامج حوارية وضيوفهم، وهم يستخدمون الكلمات الأكثر فظاظة في العامية المصرية. جميعهم معروفون، وبرامجهم كانت ولا زالت الأعلى مشاهدة، ورواتبهم الأعلى، وهم جميعا يناقشون ويحللون الموقف السياسي في مصر بصفة يومية طوال أعوام مضت. والمصريون الذين يقدمون أنفسهم على أنهم شعب متدين يتقبلون تلقي معلوماتهم وتحليلات حياتهم اليومية بينما يستمعون إلى كلمات لا يقبلون مطلقا السماح لأطفالهم باستخدامها.

في 21 ديسمبر 2017، قرر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام منع بث إعلان فودافون لأبلة فاهيتا؛ [3] لأنه احتوى عبارات ومشاهد لا تناسب الآداب العامة، وتتناقض مع مبادئ المجتمع المصري، وتشجع على سوء السلوك، إضافة إلى انحطاط لغته. (Ashour, 2017)

هذان المشهدان يمثلان حالة من التناقض حول تعريف الحكومة المصرية والمجتمع المصري لمبادئ المجتمع ومعنى قواعده الأخلاقية. في الفيديو اﻷول، نرى سدنة النظام، الذين يقومون بالدفاع عن أي فعل تقوم به الحكومة، ويهاجمون الثورة وكل من ينحاز إليها، يتجرؤون على السماح لضيوفهم باستخدام أكثر الكلمات وقاحة في اللغة العربية-باللهجة المصرية لوصف خصومهم. في حين في الفيديو الثاني، لا يمكنك أن تمنع نفسك من التساؤل عن أي المبادئ المصرية التي هددت بسبب عروسة استخدمت كلمة “حقه”؟ (وتعني: آه، حقا؟) لأنها تتناغم مع “أحا”، الكلمة غير المقبولة والتي تعتبر غير مؤدبة.

١ – “أحا” صرخة الحروف الثلاثة المصرية المدوية

تعبير “أحا”، والذي يكتب أيضا “A7a” ليمثل بشكل أفضل صوت قوي وعميق لحرف `H` [اللاتيني] والحرف العربي [حاء]، أشير إليه على أنه “صرخة مصر المدوية ذات الحروف الثلاثة”. ومع ذلك فالمصطلح، الذي من الصعب تفكيك أصوله اللغوية التاريخية، يبقى جزءا صامتا من تعبير المصريين الذي يفيد خيبة اﻷمل، والصدمة، واﻷلم، والغضب، وعدد كبير من الحالات الشعورية المتطرفة. (Iskandar, 2012)

ليس المصطلح وافدا جديدا على العامية المصرية. فتفيد الرواية والشهادات أن الجماهير التي طالبت الرئيس السابق جمال عبد الناصر بعدم التنحي بعد الهزيمة المذلة في 1967 قد هتفت (“أحا”، “أحا”، لا تتنحى). (ibid)

شكل 1: أحا بالعربية

منذ الثمانية عشر يوما للثورة المصرية في يناير 2011، تشير “أحا” عملاقة إلى نقطة التحول من الخوف المطلق من مبارك ونظامه إلى السيطرة الكاملة على كل شيء. ومنذ ذلك الحين تحولت “أحا” إلى الكلمة الأكثر شعبية بين الشباب الذين شهدوا الثورة وفشلها التدريجي الذي توازى مع انحطاط أحلامهم وآمالهم في وطن أكثر ديموقراطية.

 (Iskandar, 2012) برغم أن “أحا” كانت يوما، صيحة الفقراء “الرعاع”، المتفجرة، والصارخة، والمخيفة، والمزعجة، والمدوية، فقد أصبحت واحدة من المكونات المحلية البارزة بعد زعزعة الوعي الطبقي حتى النخاع تحت وطأة الحركة الثورية الجماهيرية. تسود “أحا” اليوم الطبقات الاجتماعية بقوة، محطمة المعايير الاجتماعية وأخلاق النخبة، كما يتابع إسكندر في أطروحته.

وللمفارقة، آمن هذا الجيل يوما بقدرته على تشكيل المستقبل في صورة أفضل، ثم شاهد أصدقاءه إما يقتلون في مناسبات مختلفة بعد يناير 2011 وحتى مذبحة رابعة المُشينة [4] والمظاهرات التي نددت بالعنف العسكري والتي أدت إلى مزيد من القتل، أو إلى سجن اﻵلاف منذ اليوم اﻷول للانقلاب العسكري في يوليو 2013 حتى اليوم. وتتراوح التقديرات للسجناء السياسيين في عهد السيسي بين 40-60 ألف سجين. (AlewaaNewspaper, 2016) وتستخدم “أحا” بشكل واسع في منشورات الفيسبوك وتعليقاته، ولا يمر يوم لا أرى فيه هذه الكلمة بينما أمر بمنشورات اﻷصدقاء من الذكور أو اﻹناث.

في نوفمبر 2011 صدرت أغنية (“أحا” يا ثورة) [5] على موقع اليوتيوب، بكلمات أحمد الصاوي، وإنتاج القناة الرسمية لماجد هلال، والتي تقول كلماتها:

“أحا” يا ثورة و”أحا” يا مجلس .. “أحا” لكل البني آدمين
“أحا” لكل سياسي محنك .. ركب الموجة باسم الدين
“أحا” مهمة و”أحا” بذمة .. “أحا” كبيرة وهم كبير
“أحا” لكل اللي بيقتلنا .. وبيوهمنا إننا عايشين
“أحا” لمجلس اسمه مؤقت .. والفعل في سلطته تكدير
“أحا” باسم المجلس كله .. و”أحا” كبيرة باسم مشير

“أحا” ومليون “أحا” و”أحا” .. بصرخ صرختي مش بسمعها

“أحا” نسيت إن أنا إنسان .. “أحا” بقولها في كل مكان
يسقط يسقط حكم العسكر  .. تسقط حتى الـ “أحا” كمان

ترى أمي وأخواتها وصديقاتها اللاتي في أواخر الأربعينات من أعمارهن أو أكبر أن مثل هذه الكلمة علامة فظيعة تثبت انحطاط مؤسسة اﻷخلاق والقيم. وقد سألتها كيف تجد رؤية كلمة “أحا” بصفة يومية تقريبا من خلال الفيسبوك، عندما نشارك نحن، أولادها، شيئا أو تعليقا على منشور والتعليقات حينها مفتوحة لكل اﻷصدقاء.

“كل شيء في المجتمع يتفكك، ليس ثمة إيمان بأي شيء، عندما قتل اﻷمل، تحول اﻹيمان إلى غضب. كل شيء متصل ببعضه، الشباب غاضبون من الإله وغاضبون من الدولة، وهم فقط يحاولون بقوة أن يذهبوا إلى الجانب المتطرف، بعيدا عن الدين، والتقاليد، والعادات.” [6] (يناير 2018، محادثة شخصية)

وبرغم أن أمي كانت دائما إلى جانب الثورة وكانت معنا في الميدان منذ اليوم اﻷول في 2011، فهي مسلمة ملتزمة وترى أن المسلم الحق يجب ألا يستخدم كلمات وقحة وينبغي أن يكون مؤدبا ومحترما.

2 – كيف انتهت سياسات مبارك بثورة؟

كان الوضع في مصر مشتعلا لسنوات قبل 2011، خلال عهد مبارك ونظرا لسياساته، حُرم المجتمع من حاجاته التعليمية والصحية والزراعية والاقتصادية اﻷساسية كما انفصل عن قيمه ومعاييره المجتمعية العائلية التقليدية. وقد تم التأكيد بوضوح وبشكل متعمد من خلال أنظمة القضاء واﻹعلام، أن الشرطة “فوق القانون” وأنه بمقدورها “العمل تحت الحصانة”. (مقتبس في Helmy & Frerichs, 2013)

“يوم اﻷحد، 6 يونيو 2010، كان خالد سعيد في مقهى إنترنت حوالي الساعة 11:30 مساء. طلب رجلا شرطة منه نقودا وعندما قال إنه لا يملك أي نقود، ضرباه،” صرح بذلك لجريدة المصري اليوم، محمد عبد العزيز، محامي بمركز النديم، وقال: “بينما كان يُضرب، اصطدم رأسه بطاولة من الرخام وبدأ ينزف” (ElAmrani, 2010)

أثار مقتل خالد العنيف موجات من الاحتجاجات والتضامن، ونشأت مجموعات شبابية نظمت مظاهرات عبر البلاد. وبدأ كل شيء بهتافات للخبز، والحرية، والعدالة الاجتماعية، ولإقالة حبيب العادلي وزير الداخلية ثم مباشرة لتنحي مبارك نفسه.

كان إذلال الشرطة للناس كبيرا خلال اﻷيام اﻷولى للثورة، أيضا. وبصفة أساسية من الجيد ذكر أن الخامس والعشرين من يناير كان العيد القومي للشرطة في مصر، وكانت الدعوات تستهدف عيدهم بشكل متعمد لإظهار أن الناس لم يعد يمكنهم قبول سلوكهم. في 28 يناير المعروف بجمعة الغضب، كان رد فعل قطاع الشرطة تجاه الهتافات والغضب هو الانسحاب من كل البلد خلال عدة ساعات بعد فتح السجون، كلها [7]، ونزل جنود الجيش ودباباته إلى الشوارع لسد الفراغ الناشئ عن غياب الشرطة. من وجهة نظر ثوري، كان هذا فعلا جبانا، أضيف إلى السجل السلبي لوزارة الداخلية.

كان مايو 2011 هو أول حضور رسمي للشرطة لتأمين حدث أثناء مباريات الدوري المصري الممتاز. ورحب أولتراس الوايت نايتس -مشجعو نادي الزمالك -بالشرطة في المباراة التي كانت بين الزمالك ونادي طلائع الجيش، بالهتاف التالي:

(مش ناسيين التحرير يا “ولاد الوسخة”
الثورة كانت بالنسبة لكم نكسة
هنروح ونقول لمين؟
ضباطنا “معرصين”
أكلتوا علقة ما أكلتوهاش في سنين) [8]

بالنظر في الكلمات المستخدمة في هذا الهتاف سنرى كيف استخدم اﻷولتراس اثنتين من اﻹهانات المعروفة بكونها غير مقبولة للغاية، وهي “ولاد الوسخة” و”معرصين”، بصوت مرتفع في الاستاد، وهي علامة على الشجاعة وكسر الخوف. هذه الشجاعة لم تمر بسلام، فمن المعتقد أن ما حدث في استاد بورسعيد في 1 فبراير 2012 كان نتيجة للغياب المتعمد للشرطة والجيش. وكما اقتبست (news, 2012) عن جوزيف بلاتر رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، قال “هذا يوم أسود لكرة القدم. مثل هذا الوضع الكارثي لا يمكن تخيله ولم يكن ينبغي أن يحدث.”

3 – يوميات ما بعد الثورة من خلال “الكلمات” البذيئة

مجلس “ابن حرام”

كان رامي عصام، الذي غادر مصر في 2014، في الثالثة والعشرين من عمره في عام 2011 يغني بجيتاره للثورة التي أطاحت بالديكتاتور. في نهاية الثمانية عشر يوما كان رامي يغني على منصة الميدان. (Peisner, 2015) بعد تسلم المجلس العسكري للسلطة بعد مبارك في فبراير 2011، أصبحوا أكثر شجاعة في استخدام القوة ضد المتظاهرين بعنف أكبر، مثل الشرطة في عهد مبارك. وبرغم أن عصام تعرض للتعذيب في المتحف المصري في القاهرة، (shayfenak, 2011) فقد أمضى الأعوام الثلاثة التالية يغني ضد المجلس العسكري، ومحمد مرسي، وأخيرا السيسي نفسه. أولا، أغنيته (آه يا مجلس “ابن حرام”) [9] في الدقيقة 00:05 من الفيديو الرسمي، يظهر بوستر كتب عليه عبارة (“ك س أم الداخلية”) (انظر شكل 2)

شكل ٢: لقطة من فيديو (آه يا مجلس “ابن حرام”) لرامي عصام

ربما لم يكن استخدام مثل هذه الكلمات البذيئة نظرا للغضب الشديد على الشرطة، مفاجئا كثيرا. كان سلوك قطاع الشرطة في مصر متجاوزا للحدود. ولم يفوت النظام أية فرصة لقمع المصريين باستخدام قوة الشرطة. وفي جميع الحالات كان يجب حماية النظام. كان لوزارة الداخلية، وزارة الخوف، 1.5 مليون موظف، في هيئة اﻷمن الوطني، والخدمات السرية، والشرطة، و”بلطجية الدول”، وحافظت على الوضع القائم وفرضت كل أنواع التفتيش العشوائي، والاعتقال، و”الاقتحامات المفاجئة”، دون سبب واضح، لمواطنين عاديين من قبل أعضاء مباحث اﻷمن الوطني، أو رجال شرطة بملابس مدنية، مثل حالة خالد سعيد. (مقتبس في Helmy & Frerichs, 2013)، وهو ما خلق مناخا مستمرا من الخوف، والقمع، وغياب العدالة.

للمصريين تابوهان محافظان كبيران رئيسيان هما الدين والجنس. ويمكن لهذا أن يوضح لماذا يميلون إلى الاقتراب كثيرا من أي منهما ﻹهانة شخص ما إلى أقصى حد. عنوان أغنية عصام المذكورة أخيرا “ابن حرام” يضرب عميقا ﻷنه حرفيا يعني أن اﻷم قد مارست الجنس خارج إطار الزواج، وهو المحرم دينيا. وﻷن للأم مكان خاص في المجتمعات الشرقية في العموم، فهي كذلك تحوز كثيرا من اﻹهانات الخاصة، فقط للتأكد من أنك قد أهنت الشيء اﻷكثر قيمة ﻷحدهم وجه إهانتك ﻷمه أو أحد أعضاء جسدها! هذه اليافطة من الميدان، الظاهرة في (الصورة 1)، توضح كيف يكره المصريون الشرطة أكثر من غيرها. فاستخدام كلمات شديدة السوقية خلال الثورة كما في أغنية أو في هتاف هنا وهناك لم يكن غريبا عن المظاهرات الغاضبة التي استهدفت باﻷساس ازدراء النظام. والناس الذين اعتادوا الخوف من مبارك ونظامه طوال 30 عاما، قد قرروا فجأة أخذ زمام اﻷمور.

عهد اﻹخوان المسلمين القصير

كانت سنة صعبة في ظل حكم المجلس العسكري، وكان وقت الانتخابات الرئاسية اﻷولى مليئا بالأمل مرة أخرى. ولكن عندما فاز محمد مرسي مرشح اﻹخوان المسلمين بالانتخابات في يونيو 2012، واجه تظاهرات ضخمة تطالبه بالتنحي بعد عام بالضبط من الانتخابات. وأصدر رامي عصام أغنيته الجديدة ضد مرسي في يونيو 2013. وكان عنوانها (“أحا”، اتنحى”) [10] وشوهدت 555,175 مرة على قناة عصام الرسمية على يوتيوب، وقد قام بتأدية هذا الفيديو الموسيقي رجال ونساء.

وحصل الاقتباس الشهير من اﻷغنية (لقد فقدت الـ “أحا” قدرتها على التعبير” على أكثر من ألف تعليق، في كل منها “أحا” واحدة على اﻷقل إضافة إلى كلمات بذيئة أخرى. وكانت معظم التعليقات تهاجم عصام وتلومه هو ومن على شاكلته على عزل مرسي، وهو الأمر الذي أدى إلى المجيء بعبد الفتاح السيسي المعروف بـ “العرص”.

عبد الفتاح السيسي “#العرص”

شكل ٣: الهاشتاج مكتوب على أحد الباصات العامة في القاهرة

بعد عام آخر من الحكم العسكري للحكومة في مصر، أعلن عبد الفتاح السيسي رسميا في 24 مارس 2014 أنه سيترشح للرئاسة. بعد يومين أنشأ المصريون المعادون للانقلاب هاشتاج “#انتخبوا_العرص”. واكتسح الهاشتاج تويتر وأخذ المركز اﻷول بعد أسبوعين من بدئه. في منتصف أبريل كان الهاشتاج قد استخدم أكثر من 770 مليون مرة على تويتر، إضافة إلى فيسبوك أيضا. وقد سُجل كواحد من أقوى الحملات الإلكترونية في تاريخ تويتر. [12] واستخدم المصريون الباصات، وأوراق البنكنوت، والحوائط، إلى جانب الفراغات اﻹلكترونية ليخبروا السيسي بمدى عدم احترامهم له. (أشكال 3، و4، و5)

شكل 4: ورقة بنكنوت فئة 5 جنيهات مصرية كتب عليها انتخبوا العرص C.C
شكل 5: جرافيتي بأحد شوارع حلوان-القاهرة به صورة للسيسي والهاشتاج.

هل نعود إلى رامي عصام؟ نعم، ولم لا؟ فالرجل أُطلق عليه مطرب الثورة! بالطبع، كان ضد الانقلاب، ويبدو أنه لا يمكنه تفويت فرصة إلا وأن يعلن فيها كيف أنه لا يحترم السياسة في مصر. “عهد العرص” [13] عنوان مناسب تماما لأغنية جديدة له صدرت في ديسمبر 2014، وشوهدت أكثر من 981 ألف مرة. وتنتقد الكلمات بسخرية وضع البلاد وتلوم السيسي الذي ذكر فقط باسم الـ “العرص” في كل سطر، على كل شيء.

من صندوق بريد فيسبوك

خلال الصفحات الماضية، حاولت استكشاف التغير الرئيسي للغة الشباب خلال السنوات السبع اﻷخيرة. وهي ليست نظرية أقرأ عنها في الكتب، إنما هي ظاهرة. فأنا كمصرية أبلغ من العمر 31 عاما شهدتها في وقت حدوثها حتى وإن كنت أعيش بالخارج منذ عام 2012. الفيسبوك هو منصة حية للشباب المصري. وقد نشرت على حسابي متسائلة عن استخدام “الكلمات البذيئة” في الحادي عشر من فبراير:

صباح الخير. أنا محتاجة أكلم حد عايش في مصر أو عاش فيها شوية بعد الثورة عن استخدام الكلمات “البذيئة”، لو كنا نقدر نسميها كدة، قبل وبعد الثورة. في حد شايف الشباب بيميلوا لاستخدام الكلمات دي أكثر في تجمعاتهم أو في القعدات المختلطة (ذكور وإناث)؟ أو أن الكلمات دي انتقلت من الفراغ الخاص للعام خلال السنين اللي فاتت؟ من القهاوي لفيسبوك؟ من القعدات الرجالي للقعدات المختلطة؟ ولو ده متصل بالثورة بأي طريقة؟ مين مستعد يفكر بصوت عالي معايا؟

تلقيت 25 تعليقا، خمسة منها حول الظاهرة، أن الكلمات البذيئة يرجح استخدامها أكثر من ذي قبل ﻷن الشباب لم يعد محترما. البقية وافقت على الملاحظة أيضا. وقالوا إنهم بالطبع يمكن أن يستمعوا إلى كلمات سباب مختلفة خلال اليوم، ويقرأونها على حساباتهم على شبكات التواصل المختلفة أو يستخدمونها هم أنفسهم.

ويمكنني جمع أسبابهم تحت ثلاثة تصنيفات:

  1. عدم اﻹيمان بالجيل اﻷكبر الذي ربانا على رفض هذه الكلمات. اﻵباء الذين أمضوا حياتهم يعلمون أبناءهم القواعد الأخلاقية للمجتمع المحافظ وكيف ينبغي للطفل المؤدب أن يتحدث وأية كلمات عليه تجنبها ولكنهم مع ذلك يقبلون رؤية الناس يُقتلون في الشوارع فقط ﻷن لهم أفكارا سياسية مختلفة! أي أخلاق يتحدثون عنها إذًا؟ وما هو اﻷسوأ واﻷكثر وحشية، الكلمات البذيئة أم الدم المراق؟
  2. عدم اﻹيمان المذكور سابقا هذا هو ما أدى بجيل الثورة إلى تمثيل غضبهم على المؤسسة القديمة كلها من خلال شبكات التواصل وأعطاهم الشجاعة لكتابة أي كلمة على اﻹنترنت، وأثر أيضا على الأجيال اﻷصغر التي وجدت نفسها تعيش في مجال مفتوح بالكامل. لذا، فبينما قبل 15 عاما، لم يكن التلميذ الذي يبلغ من العمر الخامسة عشر يسمع بالكاد كلمة “بذيئة” من حين إلى آخر، فأمثالهم اليوم يرونها ويسمعونها عشرات المرات كل يوم. ومن ثم فإن ذلك لم يعد “تابو” محرما.
  3. صناعة اﻹعلام والسينما. بتغير مواضيع (تيمات) اﻷفلام عن ذي قبل، يقال إن الشائع مؤخرا هو الميل إلى الحط من الذوق العام. وأفلام السبكي هي مثال جيد على هذا، حيث إنها واحدة من شركات اﻹنتاج السينمائي الرئيسية في مصر ويدور 9 من كل 10 من أفلامها حول الموضوع نفسه “الراقصة، ومغني الراب، وخليط من الكلمات البذيئة.”[14]

قدم ثلاثة من اﻷصدقاء المقربين قصصا من خلال صندوق البريد، فتاة شابة (سندعوها ميمي ﻷغراض الخصوصية)، وشابين، محمد وأحمد، كلهم في بدايات الثلاثينات من العمر.

قالت ميمي إنها تستخدم تقريبا كل الكلمات البذيئة المذكورة في الصفحات السابقة، “أحا”، و”عرص”، و”ابن الوسخة”، و”ك س أمك”، و”خ ول”، و”ش رموطة، إلخ.

“بدأت في استخدام الإهانات والسباب بالتدريج. لا يمكنني أن أتذكر متى بالضبط، ولكني أتذكر أنه في السنة التالية للثورة، كنت ذاهبة إلى مسيرة للأولتراس وكانت صيحاتهم ملأى بالسباب، وقد صدمني وآلمني هذا. بالتالي لابد أن تحولي حدث بعد ذلك. ومع الوقت، كانت الأمور تتهاوي من حولي، كنت غاضبة بشدة، وبدأت أسب، وكان هذا يهدئني. كان مهدئا لي أن أصف الواقع البذيء حيث نعيش كل يوم بكلماته الحقيقية. إنني أصف الحقيقة فحسب. أعلم أنه ليس أمرا حسنا، أعلم أن من السيئ أن ابتعد عن تعاليم النبي بسبب كلماتي، وإذا ما توقفت عن استخدامها في يوم ما، فسيكون ذلك خشية من الله، وليس ﻷنني فتاة وﻷن المجتمع لا يتقبلها، فليذهب المجتمع إلى الجحيم. وأنا أيضا لا أستخدم الكلمات البذيئة في الشجار أو عندما أكون غاضبة على أحد، في هذه الحالة سيكون هذا فظا وأنا أرفض ذلك”.

لــ ميمي دوائر مختلفة، وتختلف البذاءات التي تستخدمها بناء على من حولها. وتقول إنها تسب أيضا أمام أبويها وإنهم صدموا في البداية، ولكنها تعتقد أنهما قد اعتادا اﻷمر.

 “ولاد الكلب”، أو “ولاد الوسخة”، هي الكلمات التي يمكنني استخدامها أمام أبي. أي شيء آخر يمكنك تخيله يمكنني استخدامه عندما تكون أمي بالجوار. وأنا أيضا أسب فقط بين أصدقائي المقربين. وليست “أحا” على سبيل المثال لفظ سباب على اﻹطلاق، إنها علامة على الغضب أو السخرية.”

محمد وهو أب لطفلين صغيرين أخبرني أنه قد استخدم الإهانات والسباب حتى سنته اﻷولى في الجامعة، لا لشيء بالخصوص ولكنه كبر وهو يرى الصبية في سنه يستخدموا مثل هذه اﻷلفاظ. ثم طور أفكارا جديدة وهو يكبر، رافضا أي نوع من التلفظ غير المهذب.

“بعد الثورة، تبدل الوضع، فكل من أعرفهم، خاصة الرجال، كانوا يسبون، وقررت أن ألغي صداقتي ومتابعتي ﻷي أحد على قائمة أصدقائي بالفيسبوك يستخدم ألفاظا بذيئة، واكتشفت بعد فترة أنني لن يبقى لي أصدقاء. ولذلك تخليت عن الفكرة. إنني استخدم بعض الألفاظ الوقحة، ولكن ليس الوقحة كثيرا، وفقط بين أصدقائي، ولكن ليس مع عائلتي أو في العلن على اﻹطلاق.

أحمد وهو أب لابنتين صغيرتين وصديق قديم لي، أرسل إلىّ رسالة قصيرة.

 “انظري! هل تعلمين لم نبدو كجيل متفرد بعادات جديدة مثل استخدام اﻷلفاظ ‘البذيئة’ علانية؟ لقد مررنا سويا بلحظة خاصة، تحطمت الحدود اﻷكثر قوة في لحظة أمام أعيننا، تلك التي عرفت العوائق بيننا. أتعرفين أنه عندما يمضي قليل من الرجال خدمتهم العسكرية معا، لا يخجلون من تغيير ملابسهم أمام بعضهم البعض مرة أخرى. مع ما حدث لنا، حتى ولو لم نؤدي الخدمة العسكرية حقا، فنحن ما زلنا نؤديها! بعد 70 عاما من الحكم العسكري وثورة فاشلة، هذا ما تحصلين عليه.”

خاتمة:

يبدو أن قواعد اﻷخلاق المصرية تمر بعملية إعادة كتابة طويلة. فالقمع السياسي في السنوات الماضية أعقبه فترة تمثل ذروة اﻷمل والتحكم بين عامي 2011 و2013، فقط ليعقبها قمع أسوأ، وقد يقول البعض إنه حتى أسوأ مما كان في عهد مبارك.

قبل 2011 بسنوات، كان اﻹسلاميون يلعبون دور أداة تحكم للحفاظ على سياسات المجتمع، وكان لهم الهيمنة التي سمحت لهم بالتمييز بين الخطأ والصواب، وبين الحلال والحرام. وبدا أن المجتمع المصري اختار المرجعية اﻹسلامية كعلامة أخلاقية حاكمة، ولكن إذا كان اﻹسلاميون قد خذلوا الثورة، فهل لم تعد مرجعيتهم مقبولة؟ إن هذا الأمر يثير سؤالا حول ما إذا كان “الإسلام” الذي نمارسه في مصر لا يزال صالحا ليكون عنواناً لهذا المجتمع. لقد سقطت الثورة من أيدي الإخوان المسلمين مباشرة إلى أيدي العسكر، ودعم السلفيون الانقلاب العسكري، فمن بقي إذًا ليلعب هذا الدور؟

إن المجتمع يكتب قواعده اﻵن بحرية أكبر، وحتى المحافظون لا يشعرون بالحرج من السباب إذا ما تعلق اﻷمر بوصف الفشل السياسي. فما هو اﻷسوأ؟ أن تستخدم كلمة قذرة، أم أن ترى رأس صديقك يفجره بجانبك أحد جنود بلادك؟

استخدام السباب، واللغة البذيئة، والإيماءات المهينة يحدث وفق نص ثقافي؛ فليس ذلك أبدا علامة على فقدان السيطرة، ولكنها على العكس، مسيطر عليها وموضوعة في السياق.

قبل الثورة، كان الإخوان المسلمون كانوا يروجون لصورة سائدة ومثل أعلى ‘للمسلم المثالي’، تُظهر الشاب حسن التعليم، الناجح في كل من مساره الأكاديمي والمهني؛ الرجل الخلوق الذي يواظب على العبادات، والمرأة المؤدبة ذات الحجاب؛ الشخص الاجتماعي الذي يحب الجميع وفوق كل شيء يضحي بنفسه من أجل معتقداته. (Alaa, 2017)

تقوضت هذه المثالية عندما فتحت الثورة مسارات جديدة للهيمنة، وخُلق خيال اجتماعي جديد، بعيدا عن المعادلة ثنائية القطب للمسلم اﻷكثر تديناً والمسلم اﻷقل تديناً. وهو خيال اجتماعي له تعريفات جديدة للصواب والخطأ، والحرية والثورة هما مقاييسها، كما يضيف علاء.

عندما كان موقف اﻹخوان المسلمين غير ثوري بالقدر الذي ينبغي أن يكون عليه، بزغ نموذج جديد في المشهد، مضاد للإسلامي، وهو النموذج الثوري. ولا تحب “مصر السيسي” أي من النموذجين، وإنما تحب فقط المواطن المنضبط غير المتدين كثيراً وغير الثوري على اﻹطلاق. الآن تحتاج الثورة إلى إيجاد سبيل لتمثيل نفسها؛ فقد سقطت الهيمنة اﻹسلامية، ولم تخلق الحكومة هيمنة خاصة بها. ينبغي كتابة قواعد جديدة.

بعد 2013 ظهرت موضوعات جديدة على السطح لم يكن لدى الجمهور شجاعة مناقشتها من قبل، الحدود بين الغزل والتحرش على سبيل المثال. فهل سيعتبر المسلم المثالي (الأكثر تديناً) الغزل موضوعا قابلا للنقاش في المقام اﻷول؟ لقد خلقت شبكات التواصل فراغات جديدة للحرية حيث يمكن لأي شخص التعرض ﻷفكار جديدة ووجهات نظر حول أي شيء، وهي تعطي للجميع حرية التعبير عن أفكارهم، ومساءلة آرائهم وربما إعلان آرائهم الجديدة. ويمكن رؤية كثير من التناقضات في تغير أيديولوجية اللغة بين نسختين من الشخص نفسه قبل وبعد 2011. فهل هو التحول من الأصغر إلى الأكبر؟ من الساذج إلى الناضج؟ من المحافظ إلى الليبرالي؟ أو من المتدين إلى اﻷقل تدينا، وحتى الملحد؟ في هذه اﻷثناء، هذه اﻷسئلة ذات صلة بجيل البالغين في العشرينات من أعمارهم خلال الأعوام 2011-2013 والذين يحاولون التعبير عن غضبهم، وخيبة أملهم، والمعتقدات الجديدة التي تبنوها.

ولكن دعني أذكر أيضا أن جيلا آخر كان ينتقل من الطفولة إلى البلوغ أثناء هذه الفترة الحرجة، وكانوا يكبرون في عهد ‘القواعد الجديدة’. وهم يشهدون السنوات الحرجة للبلاد ولديهم مساحة مفتوحة أكثر مما كان لجيلنا، وهم يستخدمون لغتهم كورقة بيضاء. فليس عليهم مواجهة حيرة الأكبر منهم تجاه إعادة كتابة قصة بلغة لا تشبه لغتهم القديمة.

هذه الكلمات ‘البذيئة’ التي ذكرت في هذه الورقة وقليل غيرها يتم تضمينها ببطء في لغة الشباب برغم رفض الكبار. وبينما نبقي عيوننا مفتوحة على حسابات شبكات التواصل لنرى بأي سرعة يحدث تقبل الكلمات ‘المسيئة’، من المهم أن نرى إلى متى يمكن ‘للمحافظين’ أن يستمروا في إنكار أن اﻷيديولوجية لن تكون مطلقا هي ذاتها كما كانت قبل كل من الثورة وفيسبوك. وتستطيع الخبرات الثقافية والسياسية العكسية وحدها أن تحجم من المد المتصاعد للذكورية بين الأجيال الأصغر، ولكن إرادة ‘رؤية’ الحقيقة تبقى شرطا مسبقا ﻷي صورة للتغير اﻹيجابي في المستقبل.

المصادر

  • بلال علاء، الأريحية المخادعة: من يكتب “الكود الأخلاقي” الجديد؟ ـ منشور – 20/11/2017 الرابط
  • جريدة اللواء الدولية، تقرير حقوقي: 60 ألف معتقل سياسي في مصر، 5/9/2016. الرابط
  • محمد عاشور، إيقاف إعلان “أبلة فاهيتا” لهذه الأسباب، في الفن، 21/12/2017 الرابط
  • ElAmrani, I. (2010, June 14). The Arabist. Retrieved January 2018, from  link
  • Helmy, Mohamed M; Frerichs, Sabine. (2013, June 26). Stripping the Boss: The Powerful Role of Humor. Integr Psych Behav.
  • Iskandar, A. (2012, July 17). Egypt’s deafening three-letter yell. Retrieved January 2018, from  link
  • Langlois, Jill, Massacre in Cairo’s Rabaa al-Adaweya Square, Public Radio International (2013, Ahugust 14). link

حواشي

[1] من محادثة مع أحد أصدقائي، رجل في التاسعة والعشرين من عمره، في ديسمبر 2016.

[2] الرابط (تاريخ الزيارة يناير 2018)

[3] الرابط (تاريخ الزيارة يناير 2018)

[4] هوجم آلاف من مؤيدي الرئيس السابق محمد مرسي من قبل قوات الشرطة والجيش في ميدان رابعة العدوية بالقاهرة. (Langlois, 2013

[5] الرابط (تاريخ الزيارة يناير 2018)

[6] جميع المحادثات في هذه الروقة جرت بالعربية وترجمتها إلى الإنجليزية بنفسي.

[7] يمكنك أن تجد سيناريوهات مختلفة إذا ما عدت إلى الصحف الرسمية وقصة مؤسسات مؤيدي النظام. فهي تلوم اﻹخوان المسلمين، وحماس وإيران، وقطر على أحداث 28 يناير.

[8] الرابط (تاريخ الزيارة يناير 2018)

[9] الرابط (تاريخ الزيارة يناير 2018)

[10] الرابط (تاريخ الزيارة يناير 2018)

[11] الرابط

[12] الرابط

[13] الرابط

[14] الرابط


* الآراء المعبر عنها في هذا المقال هي لكاتبه بالكامل ولا تعكس بالضرورة آراء المعهد المصري للدراسات.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close