fbpx
دراسات

الأوضاع السياسية للعرقيات وبنية الأمن القومي الإسرائيلي

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تتناول هذه الدراسة الآثار المختلفة التي خلفها تعدد وتباين الأوضاع السياسية للعرقيات المختلفة على الأمن القومي الإسرائيلي وذلك من خلال التركيز على أزمة الهوية والمواطنة، فنتيجة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المختلفة، فإن ارتباط الأعراق والطوائف المختلفة بالدولة قد تباين بشكل كبير قد يكون له تأثير على ولائهم للدولة ومن ثم أمنها القومي.

أولا: يهودية الدولة وعدم يهودية المواطنين

إن معظم دول العالم، بغض النظر عن نظامها السياسي لديها تعددية عرقية، وفي الدول الديمقراطية فإن القانون يساوي بين جميع المواطنين بغض النظر عن لونهم أو لغتهم أو أصلهم العرقي أو حتى انتماءاتهم السياسية، وتصبح المواطنة هي السبيل الوحيد للانضمام للمجتمع والحصول على كافة الحقوق والحريات والفرص المتاحة، ويثار العديد من النقاشات حول ما إذا كان على الدول ذات التعددية العرقية الحادة أو الكبيرة أن توفر حقوق للجماعات المختلفة أعلى من الحقوق الفردية لضمان حق العرقية أمام الأغلبية.

 وتعرف الدولة العرقية على أنها وطن لواحدة من جماعاتها العرقية المتعددة، وفي تلك الحالة فإن الدولة تخدم الأهداف الوطنية لجماعة عرقية واحدة من خلال إقصاء الجماعات العرقية الأخرى المتواجدة داخل الدولة، بغض النظر عن حالة المواطنة، وهنا يصبح الانضمام للجماعة العرقية المسيطرة والغالبة هو السبيل الوحيد للحصول على المزايا والفرص والحقوق التي توفرها الدولة للأفراد والجماعات، وليس المواطنة أو المشاركة في النظام السياسي للدولة. وتصبح المواطنة بالتالي في درجة أقل أهمية من الانتماء للجماعة العرقية التي تشكل الدولة.[1]

فكما سبق الذكر في إسرائيل فإن الدولة نشأت كوطن قومي لليهود، وهو ما لا يعني أن لليهود ميزات قانونية وفرص أكبر عن غيرهم من غير اليهود في إسرائيل، أو يعني أن اليهود هم الأغلبية العددية في إسرائيل، بل يعني بالأساس أن إسرائيل هي وطن لليهود بغض النظر عن المواطنة أو الإقامة[2]، وعليه فالانتماء للدولة هنا مرهون بالانتماء لليهودية وليس الحصول على صفة المواطنة، ومن هنا يرى العديد من المفكرين بأن إسرائيل تتبنى نظرياً وايديولوجيا، وحتى على جانب الممارسة العملية، فكرة الدولة العرقية التي تعمل على إقصاء جميع المواطنين لصالح المواطنين اليهود، وإن كان ذلك لا يمنع من أنها توفر العديد من الحقوق المدنية لباقي المواطنين، ولقد رسخت إسرائيل لتلك الفكرة والمعتقد من خلال قوانينها الدستورية، حيث تم تعديل القانون الأساسي للكنيست عام 1985 ليقر بأن إسرائيل هي وطن لليهود فقط، وتصبح بذلك إسرائيل واحدة من الدول القلائل التي تدعي كونها دولة ليبرالية ديمقراطية في الوقت الذي ترسخ لعنصريتها في قوانينها الدستورية، وبناء على ذلك، صنفت إسرائيل تارةً على أنها “دستورياً، دولة عرقية إقصائية”.[3]

وعلى النقيض من ذلك صنفت تارةً أخرى إسرائيل على أنها دولة قومية، وبطبيعة الحال فإن كل الدول القومية تعطي ميزات للأمة التي تقوم عليها الدول[4]، من هنا فيمكن النظر للمزايا التي يحصل عليها اليهود دون غيرهم من اليهود، والحصرية التي يتعامل بها اليهود في داخل الدولة كأمر عادل وطبيعي نظراً لما تعطيه الدول القومية كمزايا لأعضائها، وبالتالي فكما تعطي الدولة القومية مزايا لمواطنيها، فإن إسرائيل تعطي مزايا لليهود التي قامت عليهم ولهم الدولة، وفي هذا الصدد، فإنه لو تم تعريف الدولة القومية في الديمقراطية الغربية على أنها دولة مواطنيها وحدهم فقط فإننا سنجد إسرائيل تنحرف عن ذلك التعريف لسببين رئيسيين، أولهما أن إسرائيل رسمياً تعرف “اليهودية” وليس “المواطنة الإسرائيلية” على أنها الصفة أو المعيار للدخول في تعريف الدولة، فهي تستثني دستوريا وواقعياً من هويتها كل من هو غير يهودي حتى ولد وعاش على أرضها، وثانيهما هو أن إسرائيل تمد نطاق الهوية لكل من هو يهودي، ولو لم يكن مواطن لديها، بغض النظر عن الانتماءات الأيديولوجية، والتعلق العاطفي، والوعي القومي، أو حتى بناءً على رغبة الأفراد أنفسهم ليكونوا جزءًا من الدولة فقط يلزم أن تكون يهودياً حتى تحمل الهوية الإسرائيلية.

وعادة ما يميل الأفراد في الجماعات الاجتماعية المختلفة إلى بناء حس الهوية الجماعية على أساس نوعين من التصورات، الأول هو وجود صفات مشتركة مع الجماعة، وثانياً هو تصور الاختلاف بين تلك الصفات والصفات المرتبطة بالجماعات الاجتماعية الأخرى، صور الهوية والاختلاف، بغض النظر عما إذا كانت موروثة، أو متصورة أو مكتسبه، وتشكل المادة اللاصقة التي تربط الأفراد في الكل الاجتماعي المتصور، وفي نفس الإطار فإنها تشكل كأساس للحس بالاستثنائية، وهو أحد المتطلبات الضرورية لتكوين الجماعات الدينية والأثنية وحتى الوطنية، فعلى سبيل المثال فإن البريطانيين خلال القرن السابع عشر ظلوا يفتخرون بأنفسهم على كونهم عقلانيين وعلميين بشكل استثنائي، والشعب الأمريكي حتى الآن ينظر لنفسه على أن لديه عقيدة مثالية بشكل استثنائي.[5]

ولكن في نفس الوقت فإن الإحساس بالاستثناء يمكنه أنه يخدم الجماعات بطرق مختلفة، فعندما يحدث التزاوج بين السلطة وفكرة الاستثنائية، فإن ذلك من شأنه أن يخلف العنف والعدوان، فالدول والأمم التي تصبح قوية عادة ما تكون تقتنع أن نجاحها هو دليل على تميزها واستثنائها الثقافي والعلمي والاجتماعي، في حين أن إحساس المستضعفون بالاستثنائية يأتي بشكل مختلف في صورة “عقدة النقص”، أو الإحساس الموروث بالضعف الاستثنائي، وفي الوقت الذي قد يخدم فيه مثل هذا المزيج الأوطان، فإنه قد يحدث بها خللاً اجتماعيَا كفيلاَ بتدميرها.

جانب كبير من المجتمع الإسرائيل وقادته مقتنع تماماً أن اليهود هما استثناء رئيسي نظراً لخبرتهم التاريخية ومشاكلهم الأمنية، تستند تلك الرؤية الاستثنائية على أسس استراتيجية وتاريخية وثقافية، يمكن أن نرى الجذور الثقافية للرؤية الاستثنائية في الأفكار التوراتية التي تخاطب اليهود على أنهم – وحدهم- شعب الله المختار، وتنتشر تلك الأفكار بشكل واسع بين اليهود لأن معظهم تعلم على أن يفكر بتلك الطريقة من ناحية، ولأن معظمهم يؤمن بالمبادئ اليهودية.[6]

وقد اتخذت تلك النزعة الاستثنائية العديد من الأشكال، فعلى سبيل المثال، يقول ابن جوريون في أحد خطابته في عام 1950 “ربما كنا الوحيدون غير الملتزمون في هذا العالم … نحن لا ندخل في الإطار العام للبشرية، الآخرون ربما يقولون إن ذلك بسبب أننا معيبون، ولكني أعتقد أن السبب هو أن الإطار العام معيب، ونحن لم نقبل بذلك أو نتعود عليه”. ويقول جيدون عيزرا مسؤول سابق في جهاز الأمن الإسرائيلي وعضو في البرلمان عن حزب الليكود، إنه يؤمن بالله فقط “لأن الله وحده من يملك أن يخلق أناساً متميزون جداً كاليهود”، وفي خطاب آخر له موجه للشباب، يقول ابن جوريون “أنت … تعرف أننا كنا دوماً أناساً قليلون، دائماً محاطون بأمم كبرى دخلنا معها في نضال سياسي وروحي، وكان سر بقائنا خلال آلاف السنوات تلك هو مصدر واحد: سمو نوعنا، ميزتنا الفكرية والأخلاقية التي تجعلنا متفردين حتى يومنا هذا كما فعلت مع الأجيال السابقة”.[7]

تلك النزعة نحو يهودية الدولة ولدت حالة من الشعور الاستثنائي الإيجابي والسلبي، إيجابي لصالح اليهود، وسلبي ضد العرب غير اليهود، ففي الوقت الذي يحصل فيه اليهودي على أفضل الخدمات وأكبر الفرص، فإن العربي يحصل على أسوأ الخدمات وأقل الفرص، وفي بعض الأحيان لا يحصل على شيء.

 ولقد عرض الفصل السابق أوضاع العرقية العربية اقتصاديًا واجتماعياً وكيف أن تلك العرقية، مقارنة بالأغلبية اليهودية تعاني من أوضاع متردية للغاية، بل إن الأمر لا يقتصر على تردي الأوضاع فقط، بل يمتد ليشمل قمع للحريات ظهر بشكل جلي في أحداث عام 2000، وقد ولد ذلك عند العرقية العربية شعور استثنائي بالضعف وهشاشة الوضع داخل المجتمع الإسرائيلي، ولم يقتصر ذلك الوضع عند العرب فقط، بل امتد ليشمل قطاعات مختلفة من اليهود أنفسهم وعلى رأسهم يهود الفلاشا ويهود السفارد .

 والذين رأوا أن اليهود الأوروبيين يحصلون على أوضاع أفضل منهم اقتصادياً واجتماعياً، في الوقت الذي ظنوا هم أن إسرائيل وطن لليهود، يتساوى فيه اليهود، بغض النظر عن أصولهم العرقية.

وعليه، فغداة إعلان قيامها في 1948، بدأت إسرائيل في تدشين سياسة لتهويد الدولة، فيما رآه البعض على أنها سياسة لإزالة الجذور العربية للدولة بالأساس، بعد عدة أشهر من إعلان ابن جوريون لقيام دولة إسرائيل، استقبلت إسرائيل وفد رسمي من منظمة “النداء اليهودي الموحد”، والتي تضم مؤسسات المعونة الخيرية اليهودية في الولايات المتحدة، وتوجه الوفد إلى ابن جوريون بالسؤال حول ما تريده الدولة الجديدة وما يمكنها أن تقدمه، وهنا رد قائلاً بحده “ما نريده هو اليهود”.[8]

وبدأت تلك الاستراتيجية بترحيل حوالي 750.000 فلسطيني لاجئ من أراضيهم خلال الفترة من 1947 وحتى 1949، وهو ما خلف مساحات شاسعة من الأراضي استولت عليها السلطة الإسرائيلية وبدأت في إعادة توطينها بالسكان اليهود والمهاجرين واللاجئين.

وتمثل الجانب الأسوأ في تلك العملية في تدمير 418 قرية ومدينة فلسطينية، ليصبح عودة اللاجئين إلى بيوتهم مرة أخرى احتمالاً غير وارد، وهكذا فإن الثنائية التي تقوم عليها الدولة بين الادعاء بأنها ديمقراطية وحقيقة أنها عرقية بدأت منذ اللحظة الأولى لقيامها، فلقد أقامت الدولة العديد من المؤشرات والمظاهر الديمقراطية تمثلت في وجود انتخابات وتداول سلمي للسلطة ولكنها في نفس الوقت أسست لنظام عنصري من مختلف الجوانب، دستورياً وقانونياً وثقافياً بهدف تهويد الدولة.[9]

ولقد اتضحت تلك العنصرية بشكل أكبر مع احتلال السلطة الإسرائيلية للمزيد من الأراضي الفلسطينية بعد عام 1967، وتستمر تلك السياسة حتى الآن تحت عنوان “إسرائيل المناسبة”، أي إسرائيل في حدود 1967 ونظراً لأن اليهود جاءوا إلى إسرائيل في شكل هجرات متتالية، إذًا فيمكن القول بأن ما حدث هو “استعمار عرقي”.[10]

ويدفع البعض بنظرية التنمية الطبيعية، كإطار يمكن من خلاله فهم العلاقة بين إسرائيل والعرقية العربية والتنبؤ بمستقبلها، وتقوم فكرة تلك النظرية على أن العرقية العربية تتعرض لعملية دائمة من النمو والتطور السريع بعد حرب 1948 ودخول تلك العرقية في نطاق السلطة الإسرائيلية، فعلى نطاق العلاقة مع دولة إسرائيل، يرى بعض الباحثين أن الفلسطينيين في إسرائيل ينظرون لأنفسهم على أنهم عرقية وطنية تطمح بالاستمرار في العيش داخل إسرائيل ولا تسعى للتدمير الذاتي أو الهروب من إسرائيل، بل أن أفضل دليل على تقبل الفلسطينيين لوضعهم كأقلية داخل إسرائيل هو في عملية أسرلتهم، فيما يرى آخرون أن الفلسطينيين قد استطاعوا بناء هوية إسرائيلية راسخة بداخلهم إلى جانب الهوية الفلسطينية.[11]

وبالإضافة إلى ذلك الاتجاه، يرى البعض أن الفلسطينيين في إسرائيل وتحت وطأة تأثير المجتمع الإسرائيلي والتواصل الشديد معه، قد خضعوا لعملية موازية من التحضر الشديد في كل أنحاء الحياة، تلك العملية الموازية من شأنها تغيير القيم والعادات القديمة والعربية، إلى قيم المجتمعات الغربية الحديثة، وهو ما من شأنه تحقيق التكامل الكلي للعرقية العربية غير اليهودية في نسيج المجتمع الإسرائيلي.

وأما من ناحية الرؤية الإسرائيلية للفلسطينيين، فطبقاً لاقتراب التنمية الطبيعية، فإن الفلسطينيين قد دخلوا في عملية من الانخراط الشديد في النسيج الإسرائيلي، وينبع ذلك بالأساس من عاملين هامين، أولهما أن العرقية العربية الفلسطينية داخل إسرائيل دخلت في عملية سريعة من الاندماج في الهوية الإسرائيلية من خلال توضيح هويتها الفلسطينية من ناحية، ومحاولة إدماج تلك الهوية في الهوية الجماعية إما من خلال تحقيق التكامل التام داخل الهوية الإسرائيلية، أو من خلال تحقيق التوازن مع قوى الرفض.

وأما العامل الثاني في منظومة اندماج الإسرائيليين في النسيج الإسرائيلي فينبع من توحد أفكار الفلسطينيين أنفسهم داخل إسرائيل أو خارجها من الرغبة في تحقيق السلام وبناء دولتين منفصلتين، وإن كانت تلك النقطة موضع جدل واسع، ويدعم تلك الرؤية الإسرائيلية سرعة تطور التنظيم السياسي للفلسطينيين داخل إسرائيل، حيث شهدت الثمانينات ظهور العديد من الأحزاب السياسية العربية مثل “الحركة الإسلامية” و”اللائحة التقدمية للسلام” و”الحزب العربي الديمقراطي” وغيرها، بعد أن كان العرب في إسرائيل يقعون في الاختيار بين “الحزب الاشتراكي الإسرائيلي” و”الحزب الصهيوني” فقط.

 وهكذا، فإن التقدم في علاقة الفلسطينيين بالدولة من ناحية، وتطور رؤية الدولة الإسرائيلية للعرقية العربية الفلسطينية من ناحية أخرى سوف يساعد كله في احتواء الفلسطينيين داخل الدولة القومية اليهودية.[12]

ويمكن القول بأن ذلك الاقتراب يجانبه الصواب إلى حد كبير لعدة أسباب أهمها:

  • أن الفلسطينيين في إسرائيل يواجهون أزمة تتعلق بالمساواة مع الإسرائيليين في الداخل، وعدم التوافق مع التيار العربي في الخارج، فعلى الصعيد الداخلي نجد أن الأقليات بشكل عام تواجه أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية تتعلق بالأساس بالهيكل البنائي للدولة العرقية.
  • الدولة العرقية، من خلال التعريف، تقصي الجماعات القومية العرقية التي لا تنتمي للجماعات العرقية المهيمنة من الأهداف الوطنية للدولة وتعطي للجماعة العرقية المهيمنة معاملة تفضيلية تضرب بجذورها في النظام القانوني للدولة.
  • أزمة الجماعة العرقية التي يتم التمييز ضدها تنبع من رفض الدولة الاستراتيجي لمطالب تلك الجماعة بالمساواة، والانتماء، والعدالة في داخل الدولة.
  • كل جماعة عرقية تسعى لتكون جزءاً من نظام الدولة سوف تسعى بشكل طبيعي لتحقيق المساواة، والانتماء والحصول على الهوية لأنها متطلبات إنسانية لا يمكن التفاوض حولها، أوإهمالها، أو قمعها بشكل دائم.

 وبالنظر إلى المستوى المناسب للوعي السياسي والضمير الجماعي، فإن كل جماعة عرقية أو أقلية عرقية سوف تسعى لتحقيق المساواة في الفرص وفي الحصول على مصادر القوة، في هذا المجال ظلت العرقية العربية الفلسطينية في إسرائيل تسعى جاهدة لتحقيق المساواة بينها وبين الأغلبية اليهودية، ولكن بالأخذ في الاعتبار الطبيعة الطائفية التي تقوم عليها الدولة وسياساتها، فإن تحقيق المساواة يصبح أمراً غير قابل للتحقيق بالقانون الدستوري، لتواجه بذلك العرقية العربية الفلسطينية أزمة تتخلل وجودها الجماعي على عدة مستويات.

وعلى الرغم من أن كل من اليهود والعرب يعيشون داخل إسرائيل ويقبلون بوضع العرب كمواطنين في إسرائيل، فإن أزمة الفلسطينيين على المستوى اليومي تنبع من نقطتين هامتين، — الأولى هي أن الطرفين على وعي تام، وبدرجات مختلفة، بالتمييز المنهجي على المستويات المختلفة على حساب العرب ولصالح اليهود، وهو التمييز الذي يدعمه الرأي العام اليهودي.

–  الثانية هي وجود توجهات مختلفة بين العرب واليهود تجاه شعارات وقيم الدولة، في كلا الحالتين فإن ذلك يؤدي إلى التمييز ضد العرب وعدم تحقيق المساواة بينهم وبين اليهود من ناحية، أو بين العرب والسلطات الإسرائيلية من ناحية أخرى.

 كما اتضح بالإشارة إلى الأوضاع الاجتماعية للعرب غير اليهود خاصة في المجال الصحي، حيث يعاني الكثير منهم من تدني البنية التحتية للعديد من المدن من ناحية، وبعد بعضها الأخر عن المشفى القريب من ناحية أخرى بالشكل الذي قد يؤدي لحالات وفاة فقط لعدم جودة الطرق الممهدة أو عدم وجود المستشفيات القريبة، وعلى المنوال في قطاعات أخرى من الخدمات مثل التعليم وجد أن نسبة الدعم الحكومي على المدارس اليهودية يتخطى بكثير نسبة الدعم للمدارس العربية وإن كان بعضها لا يحصل على الدعم من الأساس، وعلى نفس المنوال ظل العديد من العرب ممنوعون من الحصول على أي مناصب رسمية رفيعة في مختلف القطاعات الحكومية، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أو حتى القضائية، والقليل فقط هو من استطاع التواجد على الساحة الاقتصادية للقطاع الخاص.

وبالإضافة إلى عدم المساواة في المصادر المتاحة، فإن الثقافة العربية والفلسطينية لم تحصل على الانتباه الكافي من مؤسسات الدولة، فعلى الرغم من أن اللغة العربية لها وضع رسمي مساوي للعبرية، إلا أن الواقع العملي يشهد غير ذلك، فلا يوجد ما يضمن لها الوضع المتساوي في الممارسة، بل أن وضعها القانوني المساوي يكاد يكون مهمل.

 الثقافة العربية والتراث والهوية الفلسطينية يتم التصدي لها وقمعها من خلال الدولة والرأي العام، وظلت الأصول اليهودية للدولة هي ما يتم التأكيد عليه في ظل التغاضي عن الخلفية العربية لفلسطين ما قبل إسرائيل، ومن ناحية أخرى يظهر التمييز ضد العرب في العادات والتقاليد والرموز التي يتم تبنيها في إسرائيل والتي تزيد من تعمق هوة الاختلاف بين الطرفين نظراً لأنها مستمدة بالأساس من خلفية دينية وتاريخية لا يتشارك فيها الطرفان، ليصبح بناء أرضية مشتركة يتعايش عليها الطرفين بدون تمييز أمراً صعب المنال.

 وتم تقنين التمييز ضد العرقية العربية غير اليهودية من خلال إسناد شؤونها وصنع السياسات الخاصة بها إلى وكالات حكومية معنية، تدار هي الأخرى من قبل الشاباك، ومن خلال مكتب مستشار رئيس الوزراء للشئون العربية.

ونتيجة لعملية التمييز اليومي ضد الفلسطينيين في إسرائيل، تولد لديهم شعور بأن سياسات الحكومة الإسرائيلية لن تستوعبهم أو تحل من أزمتهم، بل على العكس فإن الإحساس بوجود الأزمة قد تعمق أكثر ضمن قطاعات كبيرة في المجتمع، ويرى العديد من الخبراء بأن استمرار السياسات الحكومية على نفس المنوال وعدم وجود خطوات استراتيجية حقيقية لعملية إدماج الفلسطينيين في الدولة الإسرائيلية، فإن ذلك قد يخلف أعمال عنف من الأولى تجاه الثانية في وسيلة للتعبير عن السخط وعدم الرضا.

وبالانتقال من النطاق اليومي إلى النطاق الاستراتيجي العام، نجد أن أزمة الفلسطينيين تنبع من الشخصية اليهودية-الصهيونية للدولة، والتي تجعل من المساواة للمواطنين العرب أمراً غير قابل للحدوث، فإمكانية التكامل العملي للعرب على أسس متساوية في الدولة نفسها أمر غير مقبول لأن تكاملهم لأي سبب كان يخالف يهودية الدولة.

ويضع ذلك الموقف العرقية العربية أمام خمس حقائق رئيسية، هي:

1)أن العرب يكونون عرقية عدائية يجب مراقبتها، 2) أن العرب عليهم أن يكونوا شاكرين للتقدم الذي أصابهم منذ 1948، 3) إسرائيل هي دولة الشعب اليهودي والصهاينة، وأن العرب يجب أن يكونوا سعداء بالحقوق الفردية المحدودة ولا يطالبوا بالاعتراف كأقلية قومية، 4) العرب يؤسسون جماعة عرقية جديدة لا تربطها بالشعب الفلسطيني صلات، 5)العرب عليهم أن يتقبلوا حقيقة أنهم خارج ميزان القوة وعملية صنع القرار في الدولة.

 ووقع الفلسطينيين في إسرائيل أمام تحدي آخر صعب ينبع بالأساس من فتور العلاقة بينهم وبين ذويهم في الضفة الغربية وغزة، وظهر ذلك بشكل جلي عندما بدأت المفاوضات بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، حيث غابت العرقية العربية الفلسطينية في إسرائيل عن مائدة الحوار بشكل تام.

 ولقد أبرز ذلك وبوضوح الطريقة التي تتعامل بها منظمة التحرير الفلسطينية مع قضية الفلسطينيين في إسرائيل، ومستوى التفاعل بين الطرفين، فلم يكن الفلسطينيين في إسرائيل شركاء في تأسيس المؤسسات الفلسطينية السياسية والوطنية التي بدأت في المنفى في ستينات القرن الماضي[13].

ومن ناحية أخرى، فإن إسرائيل نفسها أصرت على أن تبقى قضية العرقية العربية الفلسطينية في إسرائيل كمسألة داخلية لا شأن للفلسطينيين بها، ومن ناحيتها لم تكلف السلطة الفلسطينية نفسها العناء في إحضار القضية إلى طاولة المفاوضات، بل أن الصحف والحركات الخاصة بالعرقية العربية الفلسطينية في إسرائيل هي الأخرى لم تشر إلى تجاهل العرقية العربية في إسرائيل على مائدة الحوار بين منظمة التحرير وإسرائيل ربما لأنهم أدركوا مدى الخطر الذي يمكن أن يترتب على تلك الخطوة على مستقبل مفاوضات السلام بين الطرفين من ناحية، ومستقبل علاقتهم أنفسهم بالدولة في إسرائيل من ناحية أخرى.

ومن ثم، يمكن القول إن توافق ما بين الأطراف الثلاثة – إسرائيل، منظمة التحرير، العرقية العربية الفلسطينية – كان من شأنه أن يجعل العرقية العربية الفلسطينية في إسرائيل جزء غير مرئ من الشعب الفلسطيني.

ويمكن القول هنا إن الفلسطينيين في إسرائيل يعانون من أزمة كبيرة في الهوية بشكل كبير، فإذا ما أخذنا في الاعتبار أن الهوية هي انتماء نفسي يضم عوامل وأبعاد اجتماعية وسياسية وثقافية، فلا الهوية الإسرائيلية ولا الهوية الفلسطينية يمكن القول بتشبعها الكامل داخل الفلسطينيين في إسرائيل.

فعلى الرغم من أن الهوية الفلسطينية راسخة وثابته ومهيمنة بين الفلسطينيين في إسرائيل، إلا أنه لا يمكن القول بوجودها الكامل، نظراً لأن فلسطين التي تنبع منها الهوية توجد في مكان مختلف عما يعيشون عليه.

 ومن ناحية أخرى لا يمكن القول بوجود الهوية اليهودية وتشبعها عند الفلسطينيين في إسرائيل لأنها هوية نابعة بالأساس من الديانة اليهودية والتي بدونها لا يمكن القول بوجود الهوية اليهودية، حتى لو كان المرء مواطناً في دولة إسرائيل، ومن ثم فأزمة الهوية لدى الفلسطينيين لا تنبع من وجود صراع بين الهوية الفلسطينية والإسرائيلية، وإنما محاولة تغليب الهوية اليهودية الصهيونية.

وتجدر الإشارة إلى أن تحسن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية للعرقية العربية في إسرائيل لا يكفي وحده في تحسين أوضاع العرب في إسرائيل بشكل عام، لأن تحسن مستويات المعيشة سوف يكون على أساس فردي أو جماعي، وليس على أساس أن الفلسطينيين أقلية في دولة قومية، ومن ثم ففي الوقت الذي قد تتحسن فيه الأحوال المعيشية، فإن علاقة العرقية العربية الفلسطينية بالدولة الإسرائيلية لن تشهد أي تغيير، وستظل المتطلبات الطبيعية للجماعة بالانتماء والمساواة والأمن غير قابلة للتحقق وستظل هوية الدولة حصرية لليهود فقط.

ويرى جروسمان أن الأغلبية اليهودية تعامل المواطنين الفلسطينيين على أنهم الغائب الحاضر، هم مقتنعون بذلك والإعلام يعرضهم على نفس المنوال؛ جماعة موجودة لكنها بلا ملامح أو وجه أو اسم وكلهم لديهم نفس الصفات وكلهم سلبيين”[14]، لقد اتبعت السلطة الإسرائيلية سياسة لتهميش العرقية العربية الفلسطينية وإفقادها هويتها في إسرائيل وكأن أهم أدوات تلك السياسة هو التقسيم.

تقوم سياسة الحكومة في مجال التقسيم على إبقاء الفلسطينيين بعيدين كل البعد عن المجتمع اليهودي، سياسياً، اجتماعياً، وإدارياً، وعلى عكس تجارب العديد من السكان الأصليين، فإن العرب الفلسطينيين في إسرائيل لم يخضعوا لأي سياسات استيعابيه لأن الوافدين اليهود لم تكن لديهم أي نية في امتصاص أي فصيل غير يهودي داخل مجتمعهم الجديد، وكانت الميزة الوحيدة لذلك الاقتراب، هو أنه لم يتم المساس أو الاهتمام بلغة العرقية العربية أو ديانتها، ولم يتم أخذ الأطفال من عائلاتهم بهدف “تحضرهم” وإشراكهم في المجتمع اليهودي.

ولكن سلبيات ذلك الاتجاه تعددت بين معاملة العرب على أنهم غرباء، أجانب، دخلاء وفصيل غير مرغوب في وجوده في الدولة اليهودية، من ناحية أخرى تم استبعاد الفلسطينيين من الهوية الوطنية للدولة، ولم يسمح لهم في نفس الوقت بتطوير هويتهم الجماعية داخل الدولة الوطنية، وفي الوقت الذي تسمح فيه إسرائيل بحرية الممارسة العقائدية من ناحية، إلا أنها تتحكم فيمن يقدمون بعض الخدمات الدينية من ناحية أخرى (مثل الزواج، الطلاق، الوسطاء في الخلافات)، وتفرض في نفس الوقت قيود معينة (منع الزواج بين الأديان)، وأما بالنسبة للغة فإن الدولة تفرض طوقاً من التحكم الكامل على برامج تعليم اللغة العربية في المدارس، ووسائل الإعلام الحكومي وغيره، ولم تكتف سياسة التقسيم بفصل العرب عن المجتمع اليهودي فقط، بل إنها امتدت لتقسيم العرقية العربية نفسها على أسس مختلفة قد تكون دينية (دروز، مسلمين، مسيحيين) أو جغرافية (منطقة الجليل “المنطقة الشمالية”، منطقة المثلث “المنطقة المركزية”، منطقة النقب “المنطقة الجنوبية”).[15]

الأداة الثانية التي تستخدمها السلطة الإسرائيلية لإحكام قبضتها على العرقية العربية الفلسطينية في إسرائيل هي خلق حالة من الاعتماد، بمعنى أن يتم تهميش العرقية العربية الفلسطينية اقتصادياً وجعلها أكثر اعتماداً على البنية التحتية اليهودية، وقد تم تحقيق ذلك من خلال الاستيلاء الكبير على الأراضي الفلسطينية، حيث كانت خسارة مثل تلك الأراضي الزراعية الخصبة سبباً مباشراً في خلق حالة من البطالة والفقر بين الفلسطينيين في إسرائيل، ليتحول عرض العمالة هنا إلى الصناعات والزراعات المملوكة للمجتمع اليهودي.

 بالإضافة لذلك، فإن وجود حكومة مركزية وقوية مسئولة عن أمور التعليم، والإسكان والتخطيط المحلي، قد دفع العرقية العربية لمحاولة خطب ود السلطة السياسية وإقامة علاقات جيدة معها من أجل ضمان الحصول على متطلبات الحياة الضرورية، ويعد مبدأ الخيار المشترك هو الأداة الثالثة التي استخدمتها السلطة الإسرائيلية للتحكم في العرقية العربية الفلسطينية على أرضها، وتم الخيار المشترك هنا من خلال استخدام “المدفوعات الجانبية” لنخب العرقية العربية الفلسطينية بهدف إبقاء اليد الأولى للدولة فوق المجتمع بكاملة، ويقر لستك بأنه لعدة سنوات لم يعين مدرس أو موظف مدني بدون التمتع بعلاقات وطيدة مع عملاء الدولة[16]، وكنتيجة لتلك السياسات يظل المجتمع الفلسطيني مقسم على الناحية الوطنية والداخلية وخاضع بالضرورة للمجتمع اليهودي فيما يخصل التعليم، والعمل، والإسكان، والوظائف.

يرى البعض أن ردود الفعل المحتملة للعرقية العربية لما تتعرض له من ضغوط من السلطة الإسرائيلية تمثلت بالأساس في الجور على حقوقها كأقلية في دولة وطنية وحصرها في مناطق جغرافية تتميز بعدم توافر الخدمات كما في غيرها من المدن اليهودية يمكن أن تعدد بشكل كبير من أدنى درجات السلمية إلى أقصى درجات العنف المحتمل، وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى نوعين من ردود الفعل التي تعبر بشكل واضح عن رغبة العرقية العربية في التحرك لتحسين موقفها.

 الموقف الأول، وربما الأكثر كفاءةً هو تأسيس البدائل الدينية، فلقد زادت المؤسسات الدينية بشكل كبير وزادت أهميتها بين العرب الفلسطينيين، حيث زاد دور “الحركة الإسلامية” وأصبحت قوة كبرى، وبين السفارد من ناحية أخرى زاد دور حزب “شاس” الديني ليصبح أحد الفاعلين المحليين والوطنيين، ولفترة طويلة من الزمن كانت الأحزاب التي ترتبط بكلا الحركتين تحصل على أكبر الأصوات في الانتخابات.

وتكمن أهمية تلك الأحزاب في أنها تسعى من خلال الوسائل السياسية والاجتماعية السلمية، والتي تعتمد بالأساس على الحشد وتوحيد المطالب، إلى بناء هويات ثابتة ومستقرة يمكن إدخالها في كيان المجتمع الإسرائيلي لتتخطى حاجز الهوية اليهودية التي تقوم عليها الدولة.

 الموقف الثاني كرد فعل على عملية الكبت التي يعيش فيها الفلسطينيين في إسرائيل تمثل في اتباع مستقبل علماني للدولة في إسرائيل، خاصة بين المفكرين من العرقيات والأقليات المختلفة، ولقد كان ذلك الموقف دافعاً إلى إعادة ظهور فكرة إسرائيل كلها/إقليم فلسطين، وهي فكرة على الرغم من قدمها إلى أنها مثلت في وجهة نظر البعض مخرجًا للأزمة.

 وبين السفارد تم تبني فكرة إسرائيل ذات التعددية الثقافية، وهي الفكرة التي تقوم على خلق مجتمع إسرائيلي يسمح بالتعددية الثقافية لدى أبنائه ويعطي لكل أقلية الفرصة لعرض رؤيتها “للمجتمع الجيد”.[17]

ومن ناحيتهم، ظل السفارد يعانون طويلاً بسبب موقف السلطة الإسرائيلية والأشكناز منهم، فلطالما تم تفضيل المجموعة الثانية على الأولى، وظهر ذلك بشكل واضح على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية للسفارد، ولقد نتج عن تلك الأوضاع وجود حالة من الاغتراب لدى السفارد في إسرائيل، فعلى الرغم من كونهم يهوداً، إلا أنهم ليسوا النوع المفضل من اليهود، في 1997 قامت مجموعة من السفارد معروفة باسم “جماعة قوس قزح الديمقراطية المزراحية” بتدشين حملة تحت شعار “تلك الأرض أيضاً ملكنا” للمطالبة بحقوق متساوية في أراضي الدولة الواسعة والمملوكة لليهود الأشكناز والموجودة في الكيبوتسيم والموشافيم.

ولكن الأمر تم التصدي له من خلال السياسيين الأشكناز ولم يكتب للحركة النجاح، بعد ذلك دشن جماعة قوس قزح المزراحيه لحملة جديدة تطالب الدولة بتحويل ملكية مشروعات الإسكان التي يقيم بها السفارد ذوي الدخل المتوسط إلى ملكية المقيمين بها للتأكيد على مشاركتهم في هوية الدولة، وبالفعل نجح المشروع إلى حد كبير وتحول بعد ذلك إلى تشريع كتب لها النجاح، ويشرح ذلك الموقفين كيف أن الدولة الإسرائيلية منذ نشأتها وحتى عهد قريب كانت تنظر للسفارد على أنها عرب يهود، وعلى الرغم من أنه كانت لهم مساحات أوسع من الحرية والحقوق عن نظرائهم من العرب، إلا أنها كانت أضيق مقارنة بنظرائهم من الأشكناز.

ثانيا: قيام الاحتجاجات وتهديد الاستقرار الداخلي

شهد القرن العشرين توسعاً كبيراً في مفهوم الأمن القومي ليضم بين أبعاده الأمنية والسياسية والاقتصادية بعداً جديداً وهو البعد الديمغرافي، والأمن الديمغرافي هو: عبارة عن البقاء المتوازن للسكان من خلال استثمارهم فيما يدر عليهم النفع، وفي هذا الصدد تنتشر مقولة هامة مفادها أنه “كلما كان عدد السكان أكبر، كلما زادت العوائق أمام الأمن القومي”، ولقد جاء تشكيل ذلك المبدأ من زاوية اقتصادية مفادها أن زيادة عدد السكان هي لعنة تلاحق عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية بشكل خاص، والتنمية الشاملة بشكل عام، وتلقي بعبء كبير على كاهل الحكومة مهما كانت درجة كفاءتها[18]، وفي إسرائيل فإن الوضع يعد مغايراً لتلك الحقيقة، فعلى الرغم من قلة عدد السكان، إلا أن الدولة لازالت لا تلبي الحاجات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لكثير من السكان، بالإضافة إلى ذلك فقد أغلقت أمامهم الساحة السياسية لعرض مطالبهم ومتطلباتهم، فلم تكن الاحتجاجات إلا سبيلاً لا بد منه.

 

 

 

جدول أعداد المظاهرات وأعدادها في إسرائيل

العقد

المعدل السنوي للمظاهرات

متوسط عدد المظاهرات في المدن الكبرى

متوسط عدد المظاهرات في المدن

متوسط عدد المظاهرات في المناطق الريفية

العدد

النسبة المئوية

العدد

النسبة المئوية

العدد

النسبة المئوية

الخمسينيات

40.0

28.3

70.8

9.1

22.7

2.6

6.5

الستينيات

43.1

29.4

68.2

10.5

24.4

3.2

7.4

السبعينيات

126.8

90.4

71.3

23.9

18.8

12.5

9.9

Source: Sam N. Lehman-Wilzig, “Public Protests against Central and Local Government in Israel: 1950-1979”, The Jewish Journal of Sociology, Vol. 24, No. 2 (Dec. 1982), p. 102

ويرى منظرو الثورات أن الجماعات المهمشة (طبقياً، عرقياً، اثنياً، دينياً، ثقافياً، قومياً…الخ) سوف تسعى إلى القيام بحركة كبرى للتصدي للجماعة المهيمنة في حال توافر شرطين:

الأول: هو عدم توافر فضاء سياسي يمكن من خلاله التعبير عن مطالبهم، وعدم الاعتراف بهوياتهم وافكارهم وعدم توفير إطار مشروع يمكن من خلاله تمثيل تلك الجماعة.

ثانياً :عندما تضعف مؤقتًا أو تزول الآليات السياسية التي كانت تستخدم في السابق من قبل الجماعات المهيمنة لإغلاق فضائهم السياسي، وتجدر الإشارة هنا إلى أن الأسئلة لا تثار حول هيكل الفرصة السياسية وإذا ما كان مغلق أو متاح، ولكن القضية تدور حول الغلق التام لكل القنوات الشرعية للتمثيل، ولا تقتصر المسألة على مجرد سياسات هيكلية، مؤسسية أو رسمية فقط، ولكنها تصبح قضية رمزية لاضطهاد الهويات والمطالب والتطلعات، ومن هنا يصعب التنبؤ بالثورات وتوقيتات حدوثها، فالحراك الاجتماعي لا يتسم بكونه حركة دائرية، أو ناتج لسبب واحد.

وفي إسرائيل، فيمكن القول بأن الاحتجاجات والمظاهرات الطائفية، والعمالية، والفئوية كانت أحد السمات المميزة للساحة السياسية، في دليل على غياب أو ضعف القنوات الشرعية التي يمكن من خلالها عرض المطالب بشكل سلمي وحضاري، وكما نرى في الجدول رقم(4)، فإن عدد المظاهرات في إسرائيل على اختلاف أسبابها قد تطورت من 40 مظاهرة سنوياً في الخمسينيات من القرن العشرين، إلى حوالي 128 مظاهرة في السبعينيات من نفس القرن. وتعددت الأسباب وراء تلك المظاهرات ولكن الأسباب الرئيسية كانت الشعور بالحرمان والنقص الاجتماعي والاقتصادي ضمن بعض الطبقات والأعراق المختلفة، ارتفاع معدلات التضخم، وانهيار التوافق حول القضايا التي تخص الأمن القومي، وانتشار التليفزيون.

وباستثناء التلفاز، فإن جميع العوامل الأخرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية هي نتاج لسياسات الحكومة بشكل أساسي، ومن بين تلك المظاهرات كان للعرب وحدهم في الفترة من 1950 وحتى 1965 حوالي 27 مظاهرة، وفي الفترة من 1966 وحتى 1975 كان لهم 23 مظاهرة، وفي الفترة من 1976 وحتى 1979 قاموا بحوالي 49 مظاهرة، معظمها جاءت للاعتراض على سياسة الحكومة الإسرائيلية في الاستيلاء على أراضيهم قطعة تلو الأخرى من جانب، وسوء معاملتهم وتدنى وضعهم الاقتصادي من ناحية أخرى.[19]

ويلاحظ أن التلفاز كان له دور كبير في تعبئة وحشد الجماهير في مختلف المظاهرات في إسرائيل، حيث ساهم التليفزيون في توضيح أماكن المظاهرات وأسبابها والقائمين عليها، مما أتاح للمزيد من الأفراد القدرة على المشاركة فيها، وبدون التلفاز فقد افتقدت العديد من المظاهرات للدعم والتأييد الشعبي. ويلاحظ أن المظاهرات كانت تتجه في مطالبها بالأساس إلى الحكومة المركزية وليست الحكومات المحلية. ففي الخمسينيات من القرن العشرين كانت نسبة المظاهرات الموجهة للحكومة المركزية تصل إلى 40% من إجمالي المظاهرات، في الستينيات كانت النسبة تصل إلى 52.9% وفي السبعينيات كانت النسبة تصل إلى 58.3%، ولكنها زادت بعد حرب أكتوبر إلى 62.7%.[20]

شكل رقم (2): الصراعات في المجتمع الإسرائيلي 2012

 

Source: Rafi Smith and Olga Pnie (ed.), 2012 Israel Religion and State Index No. 4: Key Findings, Hiddush- Freedom of Religion for Israel, 2012, p. 5

وفي استطلاع رأي تم إجراؤه في ديسمبر 1981 عن المظاهرات على عينة من الأفراد، أجاب نصف أفراد العينة (49.7%) أنهم يرون أنه لا يوجد طرق كافية يمكن من خلالها التعبير عن النفس وعرض المطالب للسلطات، وذلك عندما تم سؤالهم عن أسباب كثرة المظاهرات، ومع الأخذ في الاعتبار عاملين هامين وهما كثرة الاعتراض على سياسات الحكومة المركزية وليست المحلية من ناحية، وانتشار الاعتراض بين مختلف الطبقات، يصبح على الحكومة الإسرائيلية أن تغير من سياساتها إذا ما أرادت أن تحدث حالة من التهدئة والاستقرار في داخل البلاد.

وفي تقرير مؤشر الدين والدولة في إسرائيل، والصادر عن مؤسسة هيدوش لعام 2012، تم إجراء استطلاع رأي بشأن الصراعات المتواجدة في المجتمع الإسرائيلي، وجاء ترتيب تلك الصراعات كما في الشكل رقم (2).

يلاحظ أن الصراع ما بين الفقراء والأغنياء قد تصدر المرتبة الثالثة كأكبر الصراعات الداخلية في إسرائيل من وجهة نظر الرأي العام الإسرائيلي، على الرغم من أن الدراسة قد تم إجراؤها بالأساس بين اليهود، ولم تتناول العرقية العربية، على الرغم من أن أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية أكثر سوءًا من أوضاع اليهود، وبالرغم من تعدد المظاهرات التي تطالب الحكومة الإسرائيلية بتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين العرقيات والطبقات المختلفة، إلا أن أي من تلك المظاهرات لم تكن بنفس قدر مظاهرات عام 2013.

مظاهرات الرابع عشر من يوليو

بعد عزل مبارك كنتيجة لثورة الخامس والعشرين من يناير في عام 2011 ثار سؤال هام على الساحة الإسرائيلية وهو: لماذا لا يمكننا أن نفعل شيئاً مماثلاً في إسرائيل؟ ولكن السؤال لم يكن مدوياً بشكل كبير في إسرائيل، فالبلد ديمقراطي وبه انتخابات برلمانية نزيهة ودورية يتم على إثرها تغيير الحكومة، وعلى الرغم من ذلك ظل هناك إحساس عام بأن عدم الرضا العام غير قادر على تعبئة الجماهير للتغيير في السياسات، ولم يمر نصف العام حتى شهدت إسرائيل هي الأخرى مظاهرات واضطرابات أمنية عارمة عرفت بأسماء مختلفة، وإن كانت مشهورة باسم “مظاهرات الإسكان”.

 وأصبحت الاعتصامات هي السمة الغالبة على أغلب الميادين في إسرائيل، ولم يمض شهرين حتى قامت مظاهرات “احتلوا وول ستريت” في الولايات المتحدة، وبالرغم أن هذه المظاهرات لم تكن عرقية بالأساس إلا أن الطابع العرقي غلب عليها حيث أن أغلب المتظاهرين المطالبين بالعدالة الاجتماعية والمساواة كانوا من الفئات العرقية الأقل حظًا في إسرائيل وأكثر اضطهادًا من حيث الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية والسياسية وغيرها كالعرب واليهود الفلاشا والسفارد وأغلبهم من شباب هذه العرقيات.

كانت المظاهرات في إسرائيل تلك المرة كبيرة في حجمها وواسعة في انتشارها وشعبية في تكوينها ومتأثره إلى حد بعيد بالثورة المصرية والحراك الذي شهدته إسبانيا، وخلال تلك المظاهرات فإن حوالي 10% من إجمالي السكان في إسرائيل كانوا معتصمين في الشوارع والميادين المختلفة أغلبهم الشباب اليافع المنتمي للعرقيات المضطهدة في إسرائيل الذي تكسرت أحلامه وطموحاته على أيدي السياسات الليبرالية الاقتصادية التي اتبعها الاقتصاديون والسياسيون وتسببت في خلق المزيد من الفجوات والأعباء على العرقيات المضطهدة.[21]

  أي أن نسبة المتظاهرين تلك المرة كانت أكثر من أي نسبة متظاهرين في أي دولة في العالم تشهد مظاهرات مماثلة ماعدا مصر التي ارتقت المظاهرات فيها الى درجة الثورة، ولمدة 52 يوم (14 يوليو – 3 سبتمبر) ظل المتظاهرين في حالة اعتصام للاعتراض على الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين الطبقات والأعراق.[22]

وفي 14 يوليو تم نصب أول مجموعة من الخيام في منطقة “روثشايلد بولفارد”، وكانت الاستراتيجية الكبرى من وراء المظاهرات هي احتلال الميدان الأكبر في إسرائيل، وكان الشعار الرسمي للاحتجاجات هو “الشعب يريد عدالة” [23]، وسرعان ما أجبرت الشعبية الكبيرة التي تمتعت بها تلك المظاهرات الحكومة الإسرائيلية على الاعتراف بتحملها المسئولية عن الأزمات، وبدأت الحكومة في اتخاذ القرارات التي اقترحتها لها لجنة تركتن برج في 2011، والتي تضمنت فرض المزيد من الضرائب على الأغنياء، تقليص الميزانية العسكرية، إلا أنها لم تدشن المزيد من السياسات التي تهدف إلى تقليص الفوارق الاقتصادية والاجتماعية ما بين العرقيات، وبالتالي لم تقدم الحكومة حلاً جذريًا للتظاهرات مما أدى لاتباعها بالمليونية التي شهدتها إسرائيل في 3 سبتمبر 2011.

وهو ما يعطي دلالة واضحة حول إمكانية استثمار هذه العرقيات المضطهدة والمكبوتة لفترات انشغال النظام بالتوترات المحيطة داخليًا وخارجيًا لاسيما مع اندلاع الثورات والمظاهرات في الدول المجاورة كمصر وتونس للطفو على السطح وإحداث قلاقل واضطرابات تطالب بحقوقهم المهضومة باعتبارهم مواطنين لهم كافة حقوق المواطنة ومتساوون مع غيرهم من الإسرائيليين وهو الحق الذي تنكره الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ نشأة الدولة.. مما ينذر بوجود خطر كامن يقبع داخل الكيان الإسرائيلي قادر على الانفجار في أي وقت بما يهدد أمن الدولة ويحول المظاهرات من كونها ظاهرة صحية إلى ظاهرة سلبية لاسيما مع تكرارها ومصاحبتها للاضطرابات الأمنية واقترنها بشكل أساسي بعنصر عدم المساواة والتمييز بين المواطنين الذي يهدم سمة ديمقراطية الدولة، ولجوء النظام إلى أسلوب المسكنات في التصدي لهذه الاضطرابات وعدم إيجاد حلول نهائية عادلة للأزمة وبالنظر إلا هذا الوضع فيمكن القول:

“إن التظاهرات سمة للدول الديمقراطية ولكن في الدول التي تدعي الديمقراطية كإسرائيل هي مؤشر للخطر يعبر عن لحظات ضعف النظام التي تتربص بها المجتمعات المضطهدة والمكبوتة لتنقض فيها مطالبة بحقوقها بغض النظر عما يخلفه ذلك من آثار على الأمن القومي للدولة”.

وفي إسرائيل، فإن الوضع كان أشبه بمزيج أو خليط بين الطرفين، بين نظام ديمقراطي للإسرائيليين لاسيما الأشكناز ونظام عسكري لعرب والإسرائليين من العرقيات الأخرى، وهو ما أطلق عليه جرين برج لقب النظام “الديمقراطي-العسكري”، وهو ما شكل العقبة الرئيسية وراء التعبئة والحشد في إسرائيل، ففي الوقت الذي كان الفضاء السياسي لتمثيل الفلسطينيين تحت الاحتلال مغلق بشكل واضح، فإن غلق الفضاء السياسي لتمثيل مصالح ومطالب المواطنين الإسرائيليين لم يكن بنفس الحدة بل أرق بكثير.

ويمكن القول إن الاحتجاجات في إسرائيل لم تكن وليدة اللحظة أو جاءت كنتيجة لسبب واحد مباشر، بل إنها قامت لعدة أسباب مختلفة، على رأسها عدم وجود حدود داخل الدولة توضح بالضبط من هم المواطنين المتساويين، فبعد احتلال الأراضي الفلسطينية في عام 1967 ثم الاتفاق على تسوية السلام في أوسلو ظهر تيارين سياسيين في إسرائيل “اليمين” ويهتم بالطبقات الدنيا، “اليسار” ويهتم بالطبقة المتوسطة والعليا، ولكن كلاهما لم يعط للفلسطينيين داخل إسرائيل أدني اهتمام في المجال السياسي.

بل حتى في المجال الإعلامي، كان يتم التعامل مع الفلسطينيين على أنهم أقلية هامشية لم يتم الالتفات لمطالبها أو تطلعاتها، فعلى الرغم من أن العرب في إسرائيل يشكلون 20% من السكان، إلا أنه في الفترة من 1973 وحتى مطلع القرن الجديد فإن كمية المقالات التي دارت حول العرب في كل من يديعوت أحرونوت وهآرتز، الجريدتين الكبيرتين في إسرائيل، لم تتعدى واحد 1%، ويمتد عدم الاهتمام بالعرب في إسرائيل ليشمل أسلوب التغطية والنشر نفسه، فبالنظر إلى مواضع المقالات المنشورة حول العرب نجد أن 82.5% منها تأتي من الصفحة الرابعة وحتى النهاية، 14.6% تأتي بين الصفحة الثانية والثالثة، في حين أن 3.5% فقط من تلك المقالات والأخبار نشر في الصفحة الأولى، وحول نوعية تلك المقالات وجد أن 31% منها تناولت الأنشطة الإجرامية للفلسطينيين في إسرائيل، في حن أن 15% تناولت العرب باعتبارهم تهديد للأمن القومي لإسرائيل.[24]

وقد عبرت أزمة الهوية عن نفسها بشكل واضح في الاحتجاجات في إسرائيل، حيث تم استخدام الحرف B في الإشارة إلى كلمة “Baitona” أي “بيت”، ومع نصب الخيام الأولى كتب المتظاهرون عليه “B هي المنزل” أي أن الخيمة هي المنزل، وتراوح متوسط العمر للمتظاهرين من 25 إلى 35 عاماً-  وهم الجيل الذي كان يبلغ من العمر ما بين عشرة وعشرون عاماً عند اغتيال إسحاق رابين الذي كان يطمح لخلق دولتين فلسطينية وإسرائيلية وينهي الصراع بين الطرفين- وعليه، فإن ذلك الجيل كان يحلم بحل سلمي ينهي عملية الصراع، لكنه واجه مقتل الزعيم الذي كانت تنعقد عليه الآمال.

 وفي نفس الوقت فإن ذلك الجيل قد واجه فيما بعد اتفاقيات الأجور الجماعية في التسعينيات والعقد الأول من القرن الواحد والعشرين، وهي الاتفاقيات التي تضطهد حقوق العمال الجدد على صعيد الأجور والحقوق الاجتماعية والمعاشات.[25]

ومع وجود السياسات الاقتصادية الرأسمالية، نشأ جيل ثائر ومتمرد في إسرائيل وهو يرى أمام عينية تصاعد الفجوات الاقتصادية بين الطبقات واختفاء مفهوم العدالة الاجتماعية، خاصة مع تدهور مراكزهم الاجتماعية والاقتصادية مقارنة بآبائهم، وهو ما جعل ذلك الجيل يبتعد تماماً عن الأحزاب السياسية في إسرائيل ويتجه لخلق أفكاره وراءه وتوجهاته الخاصة، وكان الاهتمام الأكبر لهم هو العمل التطوعي والاشتراك في منظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية.

وكانت بداية الظهور لمثل ذلك الجيل في الحياة السياسية في إسرائيل في 1998 في اعتصام الطلاب الذي شهدته إسرائيل، حيث قام الاتحاد القومي للطلاب بتنظيم اعتصام استمر لمدة خمسين يوماً وأصاب جميع الكليات والجامعات والمعاهد العلمية في إسرائيل داخل حدود 1967 بالشلل التام والتوقف عن العمل، ولقد تشابهت تلك الاعتصامات مع احتجاجات 2011 في وجود التغطية الإعلامية المباشرة والحصرية والداعمة لأخبار التظاهرات إلى جانب الدعم الشعبي الذي وصل إلى 80%، وكانت أهم الشعارات التي ترددت في 1998 و2011 هو المطالبة بجعل التعليم متاح للجميع دون تمييز بين يهودي وعربي، يميني ويساري، متدين وعلماني، شرقي أو أوروبي، مهاجر أو من مواليد إسرائيل.[26]

وفي ظل غياب قوى التوازن بين الطبقات المسيطرة والمغلوبة على أمرها وفي ظل غياب قدرات الدولة، لم تستطع الأحزاب السياسية أن تفي بوعودها لناخبيها، ومن ثم لم يكن هناك حزب قادر على تشكيل حكومة أغلبية، وكانت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تستخدم أداة “الخطر الخارجي” كغطاء لسياستها الاقتصادية والاجتماعية وكمهرب لها من المطالب العمالية والفئوية المتكررة، وساعدها على ذلك وجود الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية وحرب لبنان 2006 والإغارة على قطاع غزة 2008.

ويمكن القول بأن الخلفية المباشرة للاحتجاجات في 2011 تبدأ مع الانتخابات البرلمانية في 2003، فقد كان بنيامين نتانياهو هو رئيس الوزراء في الفترة من 1996-1999، ومع التوجه إلى انتخابات 2003 حاول مرة أخرى أن يزيح رئيس الوزراء في تلك الفترة آرييل شارون في انتخابات الليكود الداخلية، ومع الغزو الأمريكي للعراق وضغطها على إسرائيل لتطبيق خارطة الطريق، فإن الأجندة الاقتصادية لنتانياهو ظلت هامشية.

 ومع ذلك، فعندما نجح شارون في الحصول على منصب رئيس الوزراء، فإنه قد كلف نتانياهو بحقيبة المالية، داعياً إياه بتطبيق خطة الإصلاح الاقتصادي، ولقد كان لتطبيق خطة الإصلاح الاقتصادي بما تتضمنه من عمليات خصخصة واسعة النطاق وتقليص لدور الدولة في العملية الاقتصادية من ناحية، وقبول الفلسطينيين بخارطة الطريق ووقف النار أحادي الجانب والذي قلل من أهمية “التهديد الخارجي” من ناحية أخرى دور كبير في فتح الساحة السياسية أمام الجميع، وفي صيف 2003 كانت أولى المظاهرات التي قادتها النساء العازبات المعترضين على إصلاحات الهيكل الضريبي وتبعاته أمام مكتب وزارة المالية.[27]

 وعلى الرغم من ذلك، فإن المواجهة الحقيقية كانت مع النقابات العمالية، التي أجبرت على استثمار أموال المعاشات لديها في سوق البورصة بدلاً من شراء السندات الحكومية ذات العائد الثابت، ولقد كانت الإصلاحات في هيكل الضرائب وسوق رأس المال الخطوات الأولى ذات الأهمية الكبيرة، تلاها بعد ذلك تقليص في ميزانية الدولة نتيجة لتقلص الدخل القومي.

ولقد قوبلت تلك السياسات الاقتصادية بالكثير من النقد والمعارضة، ومثل الهستدروت ورئيسه أمير بيريز الجبهة الأكثر معارضة لإصلاحات نتانياهو، وبعد الانسحاب من غزة في 2005، وتقلص خطر الحرب أصبحت الاجندة الاقتصادية هي موضع الكلم في نقاشات المجال العام الإسرائيلي، وانتخب أمير بيريز مرشحاً لحزب العمل لمنصب رئيس الوزراء.

 بعيد ذلك انفصل شارون عن حزبه، مبعداً نفسه عن سياسات نتانياهو الليبرالية من ناحية، ومعارضة حزب الليكود للانسحاب من غزه، وبالتعاون مع شيمون بيريز، الذي خسر الانتخابات الداخلية في حزبه لصالح بيريز، أسس شارون حزب كاديما الذي استقبل المنفصلين عن كل من حزب الليكود وحزب العمل، واعدين ناخبيهم بسياسة اقتصادية أكثر اعتدالاً بدلاً من سياسة نتانياهو التي وصفوها بأنها “رأسمالية شرهة”، واقترحوا في نفس الوقت سياسة جديدة للانسحاب أحادي الجانب من الضفة الغربية بناء على عدم وجود شريك.[28]

كان التصويت في الانتخابات بالأساس هو تصويت بالرفض للسياسات الليبرالية الجديدة مدموجة بالرفض التام لمستقبل العلاقات مع الفلسطينيين، وعلى إثر الانتخابات تم تشكيل ائتلاف من الوسط واليسار بقيادة حزب كاديما، وفشل أمير بيريز في الحصول على منصب وزير المالية، وخاب ظن ناخبي بيريز بعد قبوله للحصول على منصب وزير الداخلية.

مما زاد الغضب الشعبي من حكومة أولمرت بعد استكمالها لخطة نتانياهو الاقتصادية من ناحية، ودخول إسرائيل في حرب لبنان وفشلها في الاستمرار من ناحية أخرى، ثم جاءت انتخابات 2009 متأخرة لمدة شهرين نتيجة لعملية اجتياح غزة، لم يتم مناقشة الخطط الاقتصادية، بل كان الاتجاه العام هو توجيه رسالة شديدة اللهجة من غير العرب من خلال حزب “إسرائيل بيتنا” الذي يتكون بالأساس من المهاجرين الروس الذين طالبوا بإزالة الجنسية من المتظاهرين الذين ليس لهم ولاء للوطن ويتظاهرون ضد الهجمات الإسرائيلية على غزة، وأصبح حزب إسرائيل بيتنا هو ثالث أكبر حزب في إسرائيل (15 عضو) بعد حزب كاديما (28 عضو) والليكود (27 عضو)،[29]

في الوقت الذي حصل حزب العمل على 13 عضوًا فقط، وقامت الحكومة الجديدة بقيادة نتانياهو بتدشين بعض الإجراءات غير الديمقراطية ضد منظمات حقوق الانسان، حرية الرأي والتعبير في الصحف، وبشكل خاص ضد المواطنين الفلسطينيين القاطنين بإسرائيل، وسار تطبيق الخطة الاقتصادية لنتانياهو على قدم وساق، وللمرة الأولى يجد بيروقراطيو الجهاز المالي أنفسهم معارضين وبشده لسياسات نتانياهو الليبرالية، وتسربت إلى الإعلام أخبار الصدامات بين الطرفين لاحقاً، وكانت تلك الصدامات هي الوقود الذي حرك مظاهرات 2011 ضد سياسات نتانياهو الاقتصادية.[30]

وعلى الرغم من الاختلافات بين النخب الاقتصادية، ظلت فكرة “العدو الخارجي” هي المسيطرة على ساحة العمل والنقاش السياسي، فبالرغم من استمرار سياسات نتانياهو الاقتصادية، فقد كان التركيز موجه إلى المحاولات الفلسطينية للحصول على عضوية الأمم المتحدة، وخلال النصف الأول من عام 2011 كانت وسائل الإعلام الإسرائيلية كلها مشغولة بتبعات حصول فلسطين على مقعد دائم في الأمم المتحدة وما قد يمثله من تغير نوعي في القضية برمتها، وتم التركيز في تلك الفترة على خطاب نتانياهو في 24 مايو أمام الكونجرس الأمريكي بمجلسيه لمده 40 دقيقة حول مخاطر انضمام فلسطين للأمم المتحدة.

 وعلى الرغم من اهتمام الإعلام بما يمثله التهديد الفلسطيني حال حصول فلسطين على عضوية الأمم المتحدة، كان الرأي العام في إسرائيل أكثر اهتماماً بالأسعار الآخذة في الارتفاع بوتيرة سريعة، وأنشئت على موقع التواصل الاجتماعي “الفيس بوك” حملة كبيرة ضد ارتفاع أسعار الجبن، وقدر لتلك الحملة أن تبدأ في أول يوليو، وسرعان ما انضم للصفحة ما يزيد عن مائة ألف عضو في وقت قياسي جعل القائمين على الحملة يقدمون الموعد إلى منتصف شهر يونية.[31]

وبالفعل قام أكثر من نصف مليون إسرائيلي بمقاطعة شركات الجبن الإسرائيلية الثلاث (شتراوس، تنيفا، تارا)، وعلى الرغم من الحملات الدعائية الواسعة والتخفيضات الكبيرة على منتجات الجبن من قبل الشركات الثلاث، فإن أحداً لم يقبل على الشراء، وأفادت محلات التجزئة بأن هناك انخفاض كبير في الطلب على الجبن وأن المواطنين يرفضون الشراء ما لم يكن سعر الجبن أقل من خمسة شيكل إسرائيلي.

وهدد القائمون على الحملة الشركات الثلاث بأن عدم الاستجابة لمطالبهم سوف يدفعهم لمقاطعة منتج ثاني وثالث، وهو ما جعل الحكومة تضطر في النهاية للتدخل لإنهاء الأزمة من خلال تقليل الضرائب على تصدير الجبن مما قلل من ثمنه، وإن كان الفلاحون قد بدأوا في الاعتراض على ذلك القرار.[32]

وعلى الرغم من أن قادة الاعتصام والقائمين عليه يعدون من شباب الطبقة المتوسطة الذين ينحدرون من أصول أوروبية، إلا أن الاعتصامات حول تل أبيب وفي باقي المدن كانت تمثلها الطبقات الفقيرة والعائلات التي لا تملك مأوى، ولقد نظم العرب هم الآخرين العديد من أماكن الاعتصامات بالقرب من مدنهم، وفي وسط تل أبيب كان المتظاهرين أغلبهم من العمال الكادحين الذين لا يرون زيادة في الأجور.

 ولم يقدم الإسرائيليين أو الفلسطينيين على التصدي لمثل تلك المظاهرات أو محاولة إزالة خيم المعتصمين، ولقد أوضحت المظاهرات والاحتجاجات بشكل كبير نطاق الحدود الإسرائيلية، إلا أن القائمين على المظاهرات تفادوا الحديث حول الإعانات المقدمة خصيصاً لليهود المستوطنين وإزالة منازل الفلسطينيين ومشاكل الحدود مع السلطة الفلسطينية، وفي البداية كانت هناك العديد من المحاولات لإفقاد المعتصمين الشرعية ووصمهم بأنهم حركات يسارية بالنظر لانتمائهم إلى الطبقة المتوسطة وأنهم لهم خلفية علمانية،[33] وتم التركيز في هذا الصدد على مكان الاعتصام الأنيق ووجود أجواء من الاحتفال بين المعتصمين، كانت تلك الاستراتيجية نابعة بالأساس من الحكومة والجرائد المؤيدة لها وعلى رأسها جريدة “إسرائيل اليوم”، ولكن تلك الاستراتيجية كان مصيرها الفشل، لقد كان للانضمام السريع للمزيد من الجماعات الاجتماعية الأخرى، وخاصة الجماعات والطبقات الهامشية، عادة المصوتين اليمينيين، وانضمام الحركات الطلابية غير الحزبية دور كبير في إضفاء الشرعية على تلك الحركات.[34]

وعلى الرغم من ذلك، فإن الاختلافات والخلافات ما بين اليهود الأشكناز وغيرهم من اليهود الروس والسفارد والفلاشا في أثناء الاحتجاجات ظلت متواجدة وواضحة للعيان، وانضم للمظاهرات الكثير من منظمات المجتمع المدني مثل الحركات الشبابية المرتبطة باتحاد الهستدروت للنقابات العمالية، ومنظمة السلطة للعمال الحقوقية، مكتب النقد الإسرائيلي الجديد، وبعض الأطباء الذين كانوا بالفعل في اضراب وقت وقوع الاحتجاجات، ولقد كان لسرعة انتشار تلك المظاهرات والاحتجاجات أوقع الأثر على السلطة الإسرائيلية، فبعد عشرة أيام فقط من بداية الاحتجاجات في 14 يوليو انضم للاعتصام من 20.000 إلى 40.000 مواطن.

 ولم يمض أسبوع بعد ذلك حتى كانت الأعداد تصل إلى 150.000 معتصم، وبعد أسبوع آخر وصلت إلى 300.000 معتصم، وفي اليوم الذي تم فيه الدعوة للنزول إلى المسيرة المليونية، كان هناك أكثر من نصف مليون مواطن يملئون شوارع 12 مدينة إسرائيلية، وتجدر الإشارة إلى أن إسرائيل لم تشهد احتجاجات بتلك القوة والحشد في تاريخها للاعتراض على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وإن كانت المظاهرات المماثلة لمظاهرات 2011 من حيث الحجم وقوة الاعتراض كانت المظاهرات الرافضة للحرب على لبنان في 1982.[35]

وظل الطابع الغالب على تلك المطالب على تعددها واختلافها هو عدم المساواة والتمييز داخل حدود 1967، ويمكن القول بأن هذه المظاهرات لم يكن لها أن تتكون إلا لتوافر العديد من الأسباب أهمها:

  • أن المساحة السياسية لعرض المطالب الاقتصادية والاجتماعية تعتبر مغلقة ليس فقط لسطوة قضية الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني على الساحة السياسية والتلاعب بمبدأ “الخطر الخارجي” كوسيلة لتبرير خطوات الحكومة وعدم إضافة المطالب إليها، ولكن لأن الساحة السياسية للنقاش المبني على أساس الهوية المشتركة كانت مغلقة بواسطة القلاقل الداخلية ما بين الجماعات العرقية الطبقية.
  • إن الاختلافات العرقية الطبقية في إسرائيل شهدت عملية مؤسسة من خلال الأحزاب السياسية العرقية والسياسات الحكومية التي تفضل جماعة عرقية عن أخرى.

وعلى خلفية السياسات الاقتصادية الليبرالية، استطاعت بعض الأحزاب القليلة التي تمثل بعض الجماعات الاجتماعية مثل اليهود الحريديم- المتدينين- واليهود الروس، أن تحصل على بعض الميزات لناخبيها، مما أحدث المزيد من الفرقة داخل المجتمع الإسرائيلي وزاد من حدة الصراع والتنافس بين طبقاته وأعراقه.[36]

وعلى الرغم من كل ما حدث، فمن الصعب الحديث عن تغيرات جذرية في السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي يخططها وينفذها النظام الحاكم في إسرائيل كنتيجة مباشرة لاحتجاجات الرابع عشر من يوليو.

من ناحيتها، بدأت الحكومة الإسرائيلية ترتب أولويات أجندتها على نطاق واسع وبشكل غير مسبوق، حيث بدأت القضايا والمطالب الاقتصادية والاجتماعية تحتل المركز الأول بعد أن كانت القضايا الأمنية والسياسية ذات الأولوية الأولى، وقامت الحكومة بتعيين “مانويل تراكتن بيرج” على رأس لجنة لدراسة مطالب المحتجين وعرضها على الحكومة لتفعل ما بوسعها لتنفيذ تلك المطالب في غضون شهر ونصف، وعلى الرغم من أن هذا الموقف الحكومي مؤقت، وما لبثت الحكومة الإسرائيلية أن مضت قدماً في سياساتها الاقتصادية الليبرالية بعد انتخاب نتانياهو للمرة الثالثة في 2012، وعمله على تغطية خطواته بإعلاء القضايا الأمنية، خاصة بعد العمليات العسكرية المصرية في سيناء، إلا أنه استجابت الحكومة مثلت اعترافها بالعديد من الحقوق والقيم التي كانت ترفضها من قبل وعلى رأسها فكرة العدالة الاجتماعية والتأسيس لدولة الرفاهية.[37]

وعلى جانب آخر، فإن احتجاجات الرابع عشر من يوليو ساعدت الكثير من طبقات وأعراق المجتمع الإسرائيلي على الدخول في الأنشطة السياسية بعد أن كانوا ابتعدوا عنها لسبب أو آخر خلال العقود الثلاثة الأخيرة، إلا أن شبح المظاهرات الداخلية في إسرائيل لم ينتهي عند هذا الحد وفقط، ففي الخامس عشر من يوليو 2013 شهدت عدد من المدن العربية في إسرائيل مظاهرات وإعلان إضراب شامل احتجاجًا على ما يعرف باسم “خطة برافر” التي تقضي بإعادة “تنظيم إسكان البدو في النقب”، الأمر الذي يعتبره البدو تهجيرًا لهم ومصادرة لنحو 800 ألف دونم من أراضيهم وإزالة نحو أربعين قرية بدوية غير معترف بها.[38]

ومرة أخرى، في السابع عشر من يناير 2014، شهدت إسرائيل العديد من المظاهرات التي جاب فيها مئات المهاجرين الأفارقة من النساء والأطفال شوارع العاصمة الإسرائيلية تل أبيب، وصولاً إلى مكتب الأمم المتحدة والسفارة الأمريكية حيث تظاهروا هناك من أجل الاعتراض على قانون الكنيست الإسرائيلي الذي يمنح للسلطات الإسرائيلية حق ترحيل الأفارقة إلى خارج إسرائيل دون قيد أو شرط، مع العلم أن إسرائيل لديها 53 ألف مهاجر[39]، وقد تجددت الاضطرابات الأمنية والاحتجاجات من قبل العرقية الفلاشية في مايو 2015 وقد فجرها حادثة الاعتداء على جندي يهودي من أصل ضافة إلى السياسات العنصرية من قبل الحكومة الإسرائيلية تجاه هذه الفئة العرقية [40].


الهامش

[1] Maynes, C., “Containing Ethnic Conflict”, Foreign Policy, Vol. 90 (Spring 1993), pp. 3-21.

[2] عزمي بشارة، “دوافع إسرائيل إلى الاعتراف بها دولة يهودية”، مجلة الدراسات الفلسطينية، المجلد 19، العدد 73، 2008، ص 5

[3] Nadim N. Rouhana, Palestinian Citizens in an Ethnic Jewish State: Identities in Conflict (New Haven: Yale University Press), pp. 2-11

[4] للمزيد من التفاصيل يمكن الاطلاع على:

Yehoshua, A. B., “I Am an Israeli,” Mifgash-Liqd’, the Hebrew Arabic Cultural Forum, July-August, 1987.

Klein, C., Israel as a Nation-State and the Problem of the Arab Minority: In Search of a Status (Tel Aviv: International Center for Peace in the Middle East, 1987).

[5] لمزيد من المعلومات يمكن الاطلاع على:

Liah Greenfeld, Nationalism (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1992), p. 78-86.

Huntington, “American Ideals Versus American Institutions”, Political Science Quarterly, Vo. 97 (Spring 1982), p. 1-37

[6] Shlomit Levy, Hanna Levinsohn, and Elihu Katz, Belief, Observance and Social Interaction among Israeli Jews (Jerusalem: The Louis Guttman Israel Institute of Applied Social Research, 1993), pp. 12, 119

[7] Benjamin Netanyahu, A Place Among the Nations: Israel and the World (London: Batnam Press, 1993), p. 400-401

[8] إدوارد تيفنان، حسن عبد ربه المصري (مترجم)، اللوبي: القوة السياسية اليهودية والسياسة الخارجية الأمريكية (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2003)، ص 47.

[9] سيمون راينولدز، “أزمة الهوية الإسرائيلية: قراءة في المعيقات العملية للجمع ما بين يهودية الدولة وديمقراطيتها”، جريدة حق العودة، العدد 52، 2013، ص 7

[10] Ghazi Falah, “The 1948 Israeli-Palestinian War and Its Aftermath: The Trans-formation and De-Signification of Palestine’s Cultural Landscape,” Annals of the Association of American Geographers, Vol. 8, No. 6 (June 1996), pp. 256-285.

[11] Smooha, S., Arabs and Jews in Israel: Conflicting and Shared Attitudes in a Divided Society (San Francisco: Westview Press, 1989), pp. 52-78

[12] Majid Al-Haj and Henry Rosenfeld, The Arab Local Government in Israel (Boulder, Colo.: Westview Press, 1990), pp. 112-115

[13] Nadim Rouhana and Asad Ghanem, “The Crisis of Minorities in Ethnic States: The Case of Palestinian Citizens in Israel”, International Journal of Middle East Studies, Vol. 30, No. 3 (Aug., 1998), pp. 333

[14] David Grossman, Haim Watzman, Sleeping on a wire: Conversations with Palestinians in Israel (New York: Farrar, Strauss & Giroux, 1993), 295

[15] Ophira Seliktar, “The Arabs in Israel: Some observations on the psychology of the system of controls”, Journal of Conflict Resolution, Vol. 28, No. 2, 1984, pp. 247-269.

[16] Ian Lustick, Arabs in the Jewish State: Israel’s control of a national minority (Austin: University of Texas Press, 1980), p. 77

[17] عزمي بشارة، مرجع سبق ذكره، 26-27

[18] Prabhakaran Paleri, National Security: Imperatives and Challenges (New Delhi: Tara Mcgraw-Hill Publishing Company, 2008), p. 207

[19] Sam N. Lehman-Wilzig, “Public Protests against Central and Local Government in Israel: 1950-1979”, The Jewish Journal of Sociology, Vol. 24, No. 2 (Dec. 1982), p. 101-102

[20] Ibid., p. 104

[21] سلافوي جيجيك، ترجمة أمير زكي، سنة الأحلام الخطيرة (القاهرة: دار التنوير، 2012)، ص ص 5-32

[22] http://teachingisrael.wordpress.com/2012/01/04/summer-2011-the-israeli-revolution/

[23] Melanie Lidman, “Scale of Social Justice Protests Surprises Experts”, The Jerusalem Post, 8/11/2011, Available on:

http://www.jpost.com/National-News/Scale-of-social-justice-protests-surprises-experts

[24] Eli Avraham, Gadi Wolfsfeld and Isaam Aburaiya, “Dynamics in the News Coverage of Minorities: The Case of the Arab Citizens of Israel”, Journal of Communication Inquiry, Vol. 24, No. 2, 2000, p. 124

[25] لمزيد من المعلومات حول أثر الاتفاقيات الجماعية وأثرها على هيكل الأجور في إسرائيل يمكن الاطلاع على:

Tali Kristal and Yinon Cohen, Decentralization of Collective Agreements and Rising Wage Inequality in Israel (California: Blackwell Publishing, 2007).

[26] Gidron B, Katz H, Bar-Mor H, “Through a new lens: The third sector and Israeli soci­ety”, Israel Studies, Vol. 8, No. 1, 2003, pp. 20–59.

[27] Joel Peters, “Israel under Netanyahu”, the Royal Institute of International Affairs Israel’s New Government Middle East Programme, Briefing Paper, No. 33, July 1996, pp. 1-14

[28] http://www.aljazeera.net/news/pages/91fc7ff3-4382-460a-8e77-f918b89c4d3b

[29] سعيد عكاشة، العقدة الأمريكية: دوافع نتنياهو لإجراء انتخابات مبكرة، السياسة الدولية، متاح على  الرابط

[30] De Malach D., “Where are the occupation, discrimination and imperialism? Comments to the discussion of globalization in Israel”, Theory and Criticism, Vol. 35, 2009, pp. 111–140 (Hebrew).

[31] الرابط

[32] الرابط

[33] Arab Center for Research and Policy Studies, The Israeli Protest Movement: Motivations and Opportunities for Change, Assessment Report, Doha Institute, Doha, September 2011, p. 5

[34] Joseph Dana and Max Blumenthal, “J14: The Exclusive Revolution”, available on: link

[35] الرابط

[36] Joseph Dana and Max Blumenthal, Op. Cit.

[37] Arab Center for Research and Policy Studies, Op. Cit., p. 7

[38] الرابط

[39] الرابط

[40] الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المعهد المصري للدراسات.

الفلاشا في إسرائيل مجتمع عنصري وعرقية مأزومة

اقرأ ايضاً الفلاشا في إسرائيل: مجتمع عنصري وعرقية مأزومة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
كلمات مفتاحية
إسرائيل
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close