fbpx
دراسات

الأيديولوجيا: قراءة تأسيسية في البنية المفاهيمية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

عندما يتوجه قصدُ باحثٍ ما لدراسة قضية معينة فإن أول ما يتبادر إلى ذهنه هو عملية تحديد مفهوم هذه القضية موضوع البحث، وباتّضاح المفهوم يبدأ السير قُدمًا نحو دراسته. وبالعودة إلى المصادر التي تناولت هذا المصطلح نجد أن مصطلح «الأيديولوجيا Ideology» ينتمي للّغات الهندية الأوروبية، وهو مكون من مقطعين أصلهما إغريقي: (Ideo) وتعني: (فكرة) أو تصور (Idea)، و(logos) وتعني حرفيًّا «كلمة»، ولكنها تعني «دراسةً» أو «علمًا».

ومن هنا جاء معناها الذي هو (علم الأفكار) [1]، أو (علم التصوّر)، أو (علم الآراء)، أو (علم العقيدة). وهي -حسب قول الدكتور المسيري- منبتّة الصلة بنسقنا اللغوي وبالتالي الفكري، وهي -فضلًا عن ذلك- كلمة مختلطة الدلالة في لغتها الأصلية؛ فهي تعني الشيء وعكسه، ولذلك كثرت التعريفات.

وقد سلّط الدكتور المسيري في مقاله: «في الأيديولوجيا والقول» الضوء على هذا التناقض فقال: إنها تعني -فيما تعني: «نسقًا من المعتقدات يفسر الواقع بعد تبسيطه تبسيطًا ضروريًّا». كما تعني -أيضًا- «نسقًا يعكس الواقع». وكذا «نسقًا يفسّر بعض جوانب الواقع بعد تبسيطه تبسيطًا مخلًا». وكذا «نسقًا يشوه الواقع»، بل و«نسقًا يزيّف الواقع للإنسان ويعميه عن رؤية واقعه». ولذا فالأيديولوجيا تصلح أحيانًا كدليل للسلوك الإنساني، ولكنها لا تصلح أحيانًا أخرى، ومن هنا معارضة «الفكر الأيديولوجي» بالفكر «الموضوعي والعلمي».

ويستطرد قائلًا: بل إن الأيديولوجية شبهت بالصورة الشعرية أو بالصورة المجازية الأساسية التي يمكن عن طريقها إدراك الواقع السياسي، وبالتالي فهي أداة تعبيرية لتوصيل رسالة، بل هي قد تفلح عندما تخيب، أي: عندما تشوّه الواقع فتطمس بعض الحقائق وتعكس وتؤكد بعض الحقائق الأخرى، فتوصل رسالة مجردة للمؤمنين بها فتجندهم حولها.

ومن هنا نجاح النظريات الفاشية (أي: الصهيونية والنازية)، فهي تبسّط الواقع بدرجة مريحة فتزداد مقدرتها التعبوية (للجماهير السريعة الانقياد). وكذا الأمر بالنسبة للنظريات التآمرية (أي: التي تؤمن بوجود مؤامرات).

والأيديولوجية في بعض المعاني تنبع من الماضي وتحنّ إليه، وفي البعض الآخر تعكس الحاضر والأمر الواقع، وفي معنى ثالث تبشّر بالمستقبل والمثل الأعلى، وفي معنى رابع تربط الماضي بالحاضر بالمستقبل فيتحول الماضي إلى المستقبل أو العصر الذهبي أداة لتغيير الحاضر، وهكذا دواليك. والأيديولوجية لها فعالية -حسب رأيٍ ما؛ لأنها تعزل الجماهير عن الواقع. وهي لها فعالية -حسب رأيٍ آخر؛ لأنها تبسط لهم الواقع وتفهمهم إياه.

وبعد هذا العرض للتعريفات الكثيرة المتضاربة والمتعارضة للأيديولوجية يخلص الدكتور المسيري إلى نتيجة فيقول: لكل هذا فالأيديولوجية تعني كل شيء وعكسه، وبوسع كلمة «أيديولوجية» أن تؤدي معاني مختلفة حسب منظور المتكلم. ثم يزيد هذه النتيجة وضوحًا فيقول: فالماركسي حينما يتحدث عن «أيديولوجية الطبقة العاملة» يشير في غالب الأمر إلى نسق فكري يعبر عن رؤية هذه الطبقة الصاعدة التي ترفض الأمر الواقع (المنحل)، وتعبر عن الحركة التاريخية الكامنة التي ستتحقق من خلالها.

أما إن استخدم مفكر يميني نفس المصطلح فلعله يعني بأنه (فكر الغوغاء) التي لا يمكنها إدراك التاريخ، وبالتالي تصدر أحكامًا مباشرة هوجاء نابعة من استجابتها المباشرة للواقع المادي، وتعبيرًا عن مصالحها المادية الضيقة.

وعبارة مثل: «إن هذه النخبة الحاكمة تفتقد الرؤية الأيديولوجية» تعني أن هذه النخبة ليس عندها «أيديولوجية متكاملة»، أي أنها ليس عندها رؤية متكاملة للواقع. وفي عبارة مثل: «إن هذه مجرد رؤية أيديولوجية» تعني أنها رؤية مجتزئة للواقع تلوي عنقه حتى يمكن أن يتناسب الواقع مع الأيديولوجية لا العكس.

المصطلح إذن مختلط الدلالة، وحتى لا يكون عرضنا لكلام الدكتور المسيري حُكمًا مسبقًا نؤاخذ عليه نبسط بعض التعريفات لكبار الفلاسفة الذين حددوا المفهوم حسب رؤاهم وتوجهاتهم. فتراسي يعني بالأيديولوجية: العلم الذي يدرس الأفكار [2]، أي: العلم الذي يدرس مدى صحة أو خطأ الأفكار التي يحملها الناس، هذه الأفكار التي تبنى منها النظريات والفرضيات التي تتلاءم مع العمليات العقلية لأعضاء المجتمع. وذهب بعضهم إلى أنها مجموعة منظمة من الأفكار تشكل رؤية شاملة comprehensive vision، وطريقة لرؤية القضايا والأمور التي تتعلق بالأمور اليومية، أو تتعلق بمناحٍ فلسفية معينة سياسية بشكل خاص. أو قد تكون مجموعة من الأفكار التي تفرضها الطبقة المهيمنة في المجتمع على باقي أفراد المجتمع. وهذا تعريف كارل ماركس [1818-1883م].

وقد عرفه قاموس (علم الاجتماع) أنه نسق من المعتقدات والمفاهيم (واقعية وعيارية) يسعى إلى تفسير ظواهر اجتماعية معقدة من خلال منطق يوجه ويبسّط الاختيارات السياسية /الاجتماعية للأفراد والجماعات [3].

وهي من منظار آخر نظام الأفكار المتداخلة مثل: المعتقدات والأساطير التي تؤمن بها جماعة معينة أو مجتمع ما، وتعكس مصالحها واهتماماتها الاجتماعية والأخلاقية والدينية والسياسية والاقتصادية، وتبررها في الوقت نفسه.

وقد حدد البروفسور كارل منهايم (Karl Mannheim) [1893-1947م] معنى الأيديولوجية في كتابه «الأيديولوجية والطوبائية» الذي نشره عام 1936 فيقول بأنها الأفكار المشوهة التي تطلقها الطبقة الحاكمة لتحافظ على النظام الاجتماعي الحالي، أو النظام الاجتماعي السابق، أو هي التعبير الفكري لجماعة من الجماعات، وهذا التعبير يساعدها على تحقيق أهدافها وطموحاتها [4].

وقد عرف أنطونيو غرامشي [1891-1937م] الأيديولوجيا على أنها تضم مجموع البُنى الفوقية الثقافية، ويجمل فيها الحقوق والفن والدين وكذلك العلم [5]. وفي رسالة من أنجلز [1820-1895م] إلى فرانز مهرنغ (14 تموز 1893) ذهب إلى أن الأيديولوجيا عملية تجري في ذهن المفكرين الأدعياء بكيفية واعية فعلًا، لكن بوعي خاطئ.

ويعرفها لوي ألتوسير [1918-1990م] بأنها نسق له منطقه ودقته الخاصتين من التمثّلات من: صور وأساطير وأفكار وتصورات حسب الأحوال، يتمتع داخل مجتمعٍ ما بوجودٍ ودورٍ تاريخيين. أما غابيل فيقول: هي منظومة من الأفكار المرتبطة اجتماعيًّا بمجموعة اقتصادية أو سياسية أو عرقيه أو غيرها، منظومة تعبر بدون تبادل عن المصالح الواعية بهذا القدر أو ذاك لهذه المجموعة على شكل نزعة مضادة للتاريخ، ومقاومة للتغيير ومفككة للكليات. إنها تشكّل التبلور النظري لشكل من أشكال الوعي الخاطئ.

وهناك من يرى أن الأيديولوجيا في واقع الأمر توريات، أي: التعبير بكيفية ملتوية عن حقائق ملموسة. وهناك من رآها نظامًا مغلقًا من الأفكار، يعطي المعنى المطلق للعالم، بناء على وصف ثابت ومطلق لهذا العالم.

وهناك من اعتبرها التعبير غير المطابق للواقع، بسبب حدود موضوعية تحدّ من رؤية الفرد. ويرى المغربي (عبد الله العروي) أن كلمة أيديولوجيا عند ماركس تحمل معاني مختلفة، معنى النظرة العامة إلى الكون والإنسان، ومعنى العقيدة ومجموعة القيم، ومعنى التأويل الخاطئ غير العلمي للظواهر الطبيعية.

ولعل أبرز العوائق التي تحول دون تحديد مفهوم جامع مانع -أو على الأقل متماسك وواضح لكلمة أيديولوجيا- هو مدلولها الواسع، واستعمالاتها المتنوعة إلى حد التضارب، والالتباس الحاصل بينها وبين الكثير من المصطلحات التي تتلاقى مضمونيًّا معها؛ فتوهمنا بأنها تحيل إليها، كـ: الذهنية، والعقيدة، والمذهب، والرأي، والفكر، والمنظومة الفكرية والسياسية والثقافية، ورؤية العالم، والرؤية الكونية، فضلًا عن تراوح معنى الأيديولوجيا بين الدلالة المجردة الواسعة التي تكاد ترادف مفهوم الثقافة بالمعنى الأنثروبولوجي -كل مظاهر النشاط والإنتاج الفكري والروحي في المجتمع- وبين المعني الحصري الضيق الذي يستعمل في إطار علم الاجتماع السياسي أو في علم السياسة، والذي يحيل إلى «مجموعة حالات الشعور والوعي المرتبطين بالعمل السياسي».

أو هي جملة التمثلات المصاحبة للعمل السياسي في مجتمع معين، والهادفة إلى الاستيلاء على السلطة أو الحفاظ عليها. فهي من ثمّ تشكيلة قولية سجالية وظيفتها تكريس ممارسة السلطة في المجتمع.

ولعل تتبعنا لحصر التعاريف -مهما تعدد- لن يجدينا في شيء بخصوص تكوين مفهوم واضح محدد لمصطلح الأيديولوجيا وما يحيط به من غموض والتباس؛ ذلك أن الأيديولوجيا ظاهرة كلية تتعلق بمستويات الوجود الاجتماعي كافة: المستوى الاجتماعي، والمستوى السياسي، والمستوى النفسي، والمستوى المنطقي، بحيث إن علم الاجتماع يمكنه أن يكشف عن الوظيفة الإدماجية للأيديولوجيا، وعالِم السياسة بمقدوره أن يحلل الوظائف الأساسية للأيديولوجيا بوصفها مصدرًا للمشروعية وإطارًا مرجعيًّا للعمل السياسي، وعالِم النفس يمكنه أن يحلل وظائفها النفسية لدى الفرد وارتباطها باستعاراته النفسية الخاصة، أما المنطقي فبوسعه أن يحلل آليات التفكير الأيديولوجية في كل هذه المستويات الأساسية[6].

ولكن يبدو لي أن المصطلح وإن حمل دلالات متناقضة إلا أنه أصبح بين عموم الباحثين أو المثقفين يحمل معنى محددًا إلى حدٍّ ما، ألا وهو أن الأيديولوجيا هي: (الفكرة المنظمة)، فتنظيم بلا فكر جسد بلا رأس، وفكرٌ بلا تنظيم يحمله هو محض كلامٍ في الهواء.

هل هناك ترجمة عربية لهذا المصطلح؟

يذهب العروي إلى أن «كلمة (أيديولوجيا) دخيلة على جميع اللغات الحية؛ فهي تعني لغويًّا في أصلها الفرنسي: (علم الأفكار)، لكنها لم تحتفظ بالمعنى اللغوي؛ إذ استعارها الألمان وضمّنوها معنى آخر، ثم رجعت إلى الفرنسية فأصبحت دخيلة حتى في لغتها الأصلية» [7].

وعلى الرغم من أن هذا المصطلح دخيل على الثقافة العربية وبنيتها اللغوية إلا أن العروي وفرحان اليحيى وغيرهما يرون أنه يمكن تعريب المصطلح بكلمة (أدلوجة) على وزن أفعولة، وتصريفه وفق قواعد اللغة العربية.

وقد يقابله كلمة عقيدة.

وثمة كلمات قريبة من هذا المعنى كـ: المذهبية والملّة والنحلة.

وهذا هو المعنى الذي حدا بالشهرستاني أن يسمي كتابه (الملل والنحل).

غير أن هذه الكلمات لم يَعُدْ لها على اللسان العربي الحديث ذلك الإيحاء بمعناها الحقيقي.

من هنا كان مصطلح العقيدة -فيما يرى اليحيى في مقالة: «الأيديولوجيا المفهوم والدلالة» – أنسب وأقرب إلى الأيديولوجيا؛ فهما مفهومان متقاربان في المضمون والتوجه، بوصفهما نسقًا من الأفكار والتصورات، يعبران عن مصالح طبقة أو فئة أو أمة، ويهدف كل منهما إلى فهم الواقع وإدراكه.

إلا أن الدكتور عبد الوهاب المسيري في مقال: «في الأيديولوجيا والقول» كان على النقيض من ذلك فقال: إن هذا المصطلح غريب على اللغة العربية، ونظرًا لغرابته يصبح نحت فعل منه مسألة صعبة للغاية.

وقد استخدم عبد الله العروي وآخرون فعل «يؤدلج»، وهو فعل جرسه قبيح لا يستدعي أي شيء للعقل، يكاد يكون دالًا دون مدلول -إن أردنا استخدام مصطلح التفكيكيين، أو مجرد حروف متتالية تشبه في رنينها مصطلح «أيديولوجية»، ولكن لا يمكن للمرء بأية حال أن يتخيل النشاط الذهني الذي يقوم به هذا الإنسان الذي «يؤدلج».

ويقول الدكتور المسيري: أنا أزعم أن اصطلاح «أيديولوجية» -نظرًا لمواطن القصور التي أشرنا إليها- يمكّننا الاستغناء عنه حتى لا نكبل العربية به.

وسأقترح كلمة «قال» ومشتقاتها ومجموعة من الكلمات الأخرى المرتبطة بها كمصطلح لا ليحل محل «أيديولوجية» ولا كترجمة له وإنما كنقطة بدء مغايرة، تشير إلى رقعة واسعة من النشاط الإنساني تحتاج إلى تسمية.

وقد سُميت جوانب من هذا النشاط بـ«أيديولوجية» في النسق المعرفي الغربي، وإن كان من الصعب استخدام اصطلاح «أيديولوجية» للإشارة إلى «نشاط».

فالاسم هنا يشير إلى «ثمرة النشاط» أكثر من النشاط ذاته، ولذا يضطرون في لغة مثل الإنجليزية إلى إضافة كلمة (process) التي نترجمها نحن بكلمة «عملية».

أما فعل (Ideologize) فهو فعل نادر الاستخدام، غريب في الإنجليزية غربته في العربية.

وقد جاء في المعاجم العربية أن القول هو «الكلام»، ولكنه -أيضًا- «الرأي والمعتقد»، فيقال: ما قولك؟ أي: «ما رأيك».

ويحمل معنى الظن فينصب بعده المبتدأ والخبر عند بعض العرب مثل: «أتقول مسافرًا قادمًا اليوم».

ويقال: «القول الفصل»، أي: الفاصل بين الحق والباطل، في مقابل «القول الباطل»، أي: الزائف الكاذب.

وترتبط بهذه الكلمة عدة كلمات هامّة تثري من معنى المصطلح الذي نود استخدامه، فهناك كلمة «القال»، وهي «فضول القول مما يوقع الخصومة بين الناس».

وقد نهى الرسول -عليه الصلاة والسلام- عن «القيل والقال» [8]. وهناك -أيضًا- «المقال» (لكل مقام مقال)، و«المقالة» (المقالة الافتتاحية)، و«المقولة» (الفلسفية أو المعرفية).

أما فعل «قال» وهو الجذر الأساسي فإمكاناته متعددة، وعلى سبيل المثال لا الحصر هناك «يقول له» بمعنى: «خاطبه»، و«يقول عليه» بمعنى: «اجتهد»، و«يقول به» بمعنى: رآه رأيًا.

وميزان الصرف العربي يمكنه أن يولد العديد من الكلمات مثل: «أُقوّله» ما لم يقل، و«تقوّل عليه قولًا»، و«قاوله» في الأمر، وغيرها من الكلمات.

وفعل «قال» ومشتقاته يشير إلى نشاط إنساني عريض يمكن أن نعرفه بأنه كلٌّ من عملية التفكير والإفصاح، أي: ثمرة التفكير.

فالكلمة العربية لا تفصل بين الفكر والإفصاح عنه، وإن كانت تراهما على أنهما نفس الشيء أيضًا، أي أن ثمة وحدة بين الفكر والإفصاح، ولكنها وحدة غير عضوية، وحدة داخلها ثغرات تتسم بالاستمرار وعدم الاستمرار.

إن جعلنا جذر «قال» وكلمة «القول» نقطة البدء يمكننا أن نشير إلى أنه لا يوجد في اللغات الأوروبية ما يؤدي معناهما على وجه الدقة، بل هناك عدة كلمات منها (ideology) أيديولوجية، وكلمة (discourse) التي تترجم بكلمة «خطاب»، وكلمة (sayings) التي تترجم بكلمة «أقوال» بمعنى: ما قاله شخص ما وحسب.

وأعتقد أن ما يحدث الآن في الحضارة العربية هو أننا نترجم عن اللغات الأوروبية حتى حينما نفكر، فنحدد المجال الدلالي لكلمة «قول» بالمجال الدلالي لكلمة (sayings)، مع أن المجال الدلالي للكلمة العربية مختلف تمامًا عن المجال الدلالي للكلمة الإنجليزية، ثم نحكم على كلمة «قول» بأنها سطحية ولا تؤدي المعاني التي نود أن نفصح عنها.

ثم نلقي بالكلمة العربية في سلة المهملات، أو نقصر استخدامها على مدلولها السطحي الذي اكتسبته من الكلمة الغربية، ونبدأ في الاستعارة من المعجم الغربي، وندخل في الطريق المسدود!

وهذه العملية ستحكم علينا بتبعية أزلية للغرب، وتقف سدًّا منيعًا ضد أي إبداع عربي حقيقي في مجال العلوم الإنسانية.

لكل هذا يقترح المسيري أن ننسى كلمة «أيديولوجية» دون أن ننسى بالضرورة القضايا الفلسفية التي تثار بخصوص علاقة الفكر بالواقع والوعي بالفكر، فهي قضايا أساسية لا يمكن إسقاطها.

ويرى أن إسقاط مصطلح «أيديولوجيا» هذا سيمكننا أن ندرك الطبيعة الفلسفية الإنسانية العامة لهذه القضايا، وسنحررها من أي خصوصية غربية بسبب ارتباطها بالمصطلح الغربي، فنحن لا نريد أن نترجم عن الغرب، وإنما نود أن نفكر ونبدع من خلال حوارنا مع كل الحضارات.

وأظن أن الدكتور المسيري عندما ذهب إلى هذا الرأي كان واضعًا نصب عينيه كتاب إمام أهل السنة والجماعة الإمام أبي الحسن الأشعري «مقالات الإسلاميين»، فمضمون الكتاب يحمل تلك المضامين لكلمة أيديولوجية.

مصطلح الأيديولوجيا: النشأة والتاريخ

أول من استخدم تعبير «الأيديولوجيا» الفيلسوف الفرنسي أنطوان دستوت دو تراسي [Antoine Destut de Tracy] (1754 أو 1755 – 1836) في كتابه: «مشروع عناصر الأيديولوجيا» (1801م)، وهو فيلسوف ينتمي إلى المثقفين الفرنسيين ذوي النزعة الأنوارية [9].

ثم استعمله بعد ذلك نابليون بطريقة سلبية للحطّ من شأن هؤلاء المثقفين الأحرار أصدقاء (دو تراسي)، وهم أعضاء «أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية»، أمثال الفيلسوف الحسي: كونديلاك (Condillac)، والطبيب كابانيس (1808) (Cabanis)، والأخلاقي فولني (C. Volney).

وقد أطلق عليهم اسم: «الأيديولوجيين».

ومن الملاحظ أن معظم هؤلاء قد ارتبطوا بالثورة الفرنسية، وتأثروا بالتقليد التجريبي في المعرفة، وبفلسفة الأنوار، وبمناهضة الفكر الميتافيزيقي الذي يمثل -من وجهة نظرهم- طفولة الإنسانية، وكانوا مولعين بتقدم العلوم الطبيعية، ومن الداعين لإقامة نظام سياسي تربوي جديد.

وعليه، فهذه اللفظة من صنع مدرسة فلسفية تجريبية حسية مع ميل إلى المادية، وقد كان لها شأن كبير ونفوذ بالغ في فرنسا أواخر القرن الثامن عشر ومطلع التاسع عشر الميلاديين.

وقد عرف مجتمعنا العربي هذا المصطلح عندما بدأت فئات -ادّعت أنها- متنورة تدخل إلى الساحة في مواجهة -ما سمته- التركيبات التقليدية، وذلك منذ منتصف القرن العشرين [10].

تطور مفهوم الأيديولوجيا

الأفكار تشبه الكائن الحي من ناحية النشأة والنمو؛ فالفكرة لا تولد كبيرة وكاملة، ولكنها تمر بمراحل من حيث التولد والنمو، ثم التطور والرقي والكمال، ثم الانحدار والتلاشي، والأيديولوجيا ليست بدعًا في ذلك، فقد سبق أن ذكرنا أن تراسي أول من استخدم هذا التعبير، وقد عرّفه بأنه علم الأفكار، أو العلم الذي يدرس مدى صحة أو خطأ الأفكار التي يحملها الناس، هذه الأفكار التي تبنى منها النظريات والفرضيات التي تتلاءم مع العمليات العقلية لأعضاء المجتمع.

وانتشر استعمال هذا الاصطلاح بحيث أصبح لا يعني علم الأفكار فحسب، بل النظام الفكري والعاطفي الشامل الذي يعبر عن مواقف الأفراد حول العالم والمجتمع والإنسان.

وقد طُبّق هذا الاصطلاح بصورة خاصة على الأفكار والعواطف والمواقف السياسية التي هي أساس العمل السياسي، وأساس تنفيذه وشرعيته.

وعندما دخل المصطلح إلى لغة الفلسفة والجدل السياسي، اتخذ معنى جديدًا على يد ماركس، وأنجلز، وقد وصفها الأخير بـ (الوعي الزائف)، باعتبارها تشويهًا للفكر والحقيقة؛ لأن الطبقة الحاكمة تحجب الوعي والرؤية الصحيحة عن الطبقة المنتجة، وتدّعي الحقيقة المطلقة؛ لتسويغ موقفها، وتثبيت شرعيتها.

وممن أشار إلى هذا التطور الدكتور اليحيى في مقاله «الأيديولوجيا المفهوم والدلالة» بقوله: المفكر الذي توسّع في معنى الأيديولوجيا حتى شمل دلالته الحديثة هو لينين [1870-1924م]، وأضاف إلى هذا المصطلح معنى جديدًا وأسماه: (الحزبية)، ليس بمعنى التحزّب أو التشيّع، وإنما بالمفهوم السياسي المؤدلج، والذي يدلّ على الوعي الحزبي الفعلي.

أما في عصرنا الحديث فقد انحصرت وظيفة الأيديولوجيا بالتعمق في دراسة قضية التقدم والتخلف في مجتمع معين، وقد ترتبط بأي مذهب سياسي أو ديني، أو فلسفي أو اجتماعي، فلا يكاد حزب يخلو من الأيديولوجيا بما هي منهج فكري – فلسفي ودليل نظري، فالحزب الذي لا يمتلك أيديولوجية هو حزب انتهازي ظرفي.

المفاهيم الأساسية للأيديولوجيا

إن مصطلح الأيديولوجيا ليس مفهومًا يعبّر عن واقع محسوس، وليس نابعًا من المسلّمات فيحدّ حدًّا مجردًا، وإنما هو مفهوم اجتماعي تاريخي، يحمل في ذاته آثارًا لتطورات وصراعات ومناظرات اجتماعية وسياسية متعددة، على حد تعبير العروي.

وإن قراءة عابرة لهذه الكلمة -حسب وجهة نظره- تظهر ثلاثة مفاهيم أساسية تجسّد المفاهيم الكبرى للأيديولوجيا، وهي على النحو التالي:

أ- المفهوم السياسي.

ب- المفهوم الكوني/ رؤية العالم.

ج- المفهوم المعرفي.

أ- المفهوم السياسي

إن الأيديولوجيا السياسية يمكن النظر إليها من الجانب النفعي (البراغماتي)، باعتباره حاسمًا في هذا المقام.

فالأيديولوجيا بالنسبة إلى المتكلم تهدف إلى إقناع الناس واستمالتهم من أجل كسب أنصار له ومؤيدين، وذلك لتحقيق الغلبة في الميدان الاجتماعي.

ومن هذا المنطلق ترتكز الأيديولوجيا السياسية على عناصر اجتماعية أهمها: الطبقة أو الفئات الاجتماعية المنتمية إلى المجتمع، أو العالم على مستوى العقائد الكبرى كـ: الإسلام، أو الشيوعية أو العولمة.

وقد تعتمد على أطر تقليدية ما قبل عصر الأيديولوجيا كـ: العشيرة، والعِرق، والنسب، أو على أشكال عصرية حديثة كـ: الدولة والحزب، والقومية، أو منظمات دولية وإنسانية كـ: الجمعيات المدنية ذات التوجه السياسي – الاجتماعي مثل: حقوق الإنسان، والناشطين السياسيين الممثلين لهيئات أو منظمات دولية.

وقد نظر عبد الله العروي إلى الأيديولوجيا السياسية باعتبارها قناعًا في مجال المناظرة السياسية، تكوّن تفكيرًا وهميًّا تتضمن أحكامًا وتقريرات حول المجتمع، وتعبّر عن مصلحة طبقة أو شريحة اجتماعية تنتمي إلى حزب أو أمة، وتهدف إلى تحقيق إنجازات أو خطة عمل مرسومة، وتقود إلى قيم نسبية من الناحية النظرية أو المنطلقات.

ويرى اليحيى في مقاله «مفاهيم الأيديولوجيا» أن مثل هذا الحوار بين المؤدلجين في ميدان المناظرة، يجسّد الممارسة السياسية على الصعيد العملي في أبرز تجلياته؛ لأنه يفصح عن الأفكار والآراء والتصوّرات، فضلًا عن الأهداف والنوايا والتطلعات والبرامج السياسية التي يريد كل طرف أن يوصلها إلى الجمهور المستمع عبر شبكة الإبلاغ أو وسائل الإعلام.

وأما مضمون الخطاب الأيديولوجي ـ السياسي لدى الطرفين فهو يحتوي على نقيضه، ومن خلالها تفصح الأيديولوجيات عن مضمونها الجدالي؛ لأن الأيديولوجيات المتجادلة ليست على مستوى واحد من الطبيعة والتوجه، كما أنها ليست على مستوى واحد من حيث الواقع والتصوّر، فمنها: الطبقية كـ: الماركسية، ومنها: غير الطبقية كـ: القومية، والعقائد الدينية التي لا يمكن تحويلها إلى طبقة.

والتركيز على القوة الاقتصادية بوصفها معيارًا أيديولوجيًّا في التنافس والجذب السياسي ليس دائمًا هو الغالب؛ لأن الاقتصاد ليس هو الحاسم في هذا المجال؛ فقد يكون العامل الثقافي محور الجدال.

المهم أن مثل هذه المناظرات السياسية باعتبارها فعاليات مهمة قد تظهر الأطراف المؤدلجة على حقيقتها أمام المجتمع حتى وإن لجأت إلى الأقنعة أو البراهين المنطقية الصورية والمعطيات المادية الملموسة.

فقد تستند إلى معيار قانوني أو روحي.

وإن الجانب الزائف في الأيديولوجيا جعل التعريف الماركسي الأول يصفها بأنها وهمية، ولكن المفهوم الماركسي تطور إلى درجة أصبحت فيه الأيديولوجيا ذات فاعلية لا تقل أهمية عن فاعلية الشرط الاقتصادي.

ووهمية الأيديولوجيا لا تنفي أهميتها في الحركة التاريخية؛ ذلك أن الاستقلال النسبي عن البنية الاقتصادية يقدم في ضوء التحولات التاريخية.

ومثال ذلك: التغيرات التي حصلت في روسيا والصين كانت أيديولوجية أولًا، واقتصادية ثانيًا، ووصول طبقة اجتماعية جديدة إلى الحكم لم يتم نتيجة للتغيرات الاقتصادية فقط، بل للتغير الأيديولوجي.

وتفاعل الدين مع السياسية أحيانًا أقوى من تأثير تفاعل السياسة مع الاقتصاد، فلا وجود لأيديولوجيا محضة، ولا دولة علمانية مطلقة.

وعندما تنفصل الدولة عن الكنيسة، فإنها تتحد مع كنيسة أخرى لكي تدعم السلطة السياسية بالسلطة الدينية.

ب- الرؤية للعالم

المفهوم الكوني للأيديولوجيا يتمثل في النظرة التاريخية للعالم، بعيدًا عن التعصب السياسي لحزب أو اتجاه، وهذا الارتقاء من الخاص إلى العام، ومن الجزئي إلى الكلي، ليس معناه الشمولي بالمفهوم الأيديولوجي الحزبي، وإنما بمفهوم الرؤية للعالم.

ومن هنا يتبين الفارق بين المفهوم السياسي والكوني للأيديولوجيا، بوصف الرؤية للعالم مجموعة من الطموحات والأحاسيس والأفكار التي تجمع بين أعضاء جماعة ما غالبًا ما تنتمي إلى النخبة المثقفة، والتي تتجرد من أية نزعة حزبية أو نفعية، وتعترف بالأيديولوجيات الأخرى وما فيها من مزايا.

المهم أن الرؤية للعالم تتجاوز الرؤية الجزئية ـ الطبقية أو القومية من خلال منظور إنساني قيمي قصد إدراك سيرورة التاريخ وتحولاته.

فالفرد بإمكانه أن يتجاوز مصلحته داخل الجماعة، وينظر إلى ذاته وإلى أيديولوجيته بصفتها واحدة من الأيديولوجيات، ثم ينتقل إلى الأيديولوجيات كرؤية شمولية، وهذا يحتاج إلى أفراد بلغوا مستوى عاليًا من الثقافة والموضوعية تؤهلهم لإصدار أحكام وتقييمات حول العالم؛ لإدراك دور من أدوار التاريخ كقصد يتحقق عبر الزمن، كأن يتصدى عالم أو فقيه أو مفكر لمنعطف تاريخي أو دراسة ظاهرة الاستعمار العالمي بحياد تام.

وهذه النظرة لا تتحقق إلا عند العلماء والكتّاب الكبار، في حدود النسبية التاريخية بوصفها مرجعًا وتفكيرًا، وفي مجال الندوات الثقافية والمؤتمرات العالمية التي تتناول قضايا كونية كـ: الحرب والسلام، ومستقبل العالم.

ج- المفهوم المعرفي

تستعمل الأيديولوجيا في معرفة الظواهر الجزئية والكلية في مجال نظرية المعرفة، ونظرية الكائن التي تتضمن أحكامًا حول الحق والخير والجمال، وغايتها إظهار كينونة الإنسان المادية والمعنوية في إطار النظرية الجدلية.

وقد خرج د. اليحيى بنتيجة مفادها أن ثمة علاقة وثيقة ومتداخلة بين المفاهيم الثلاثة للأيديولوجيا؛ فالمفهوم السياسي للأيديولوجيا يتجسد حين تدخل مع الأيديولوجيات الأخرى في حوار أو جدل، ويظهر التعصب والدفاع لدى كل فرد ينتمي إلى حزب أو تيار.

أما عندما يقف من الأيديولوجيات جميعها في المسافة نفسها، ويتأمل في موقعها، ويكشف عن نقائصها وعيوبها، ثم يبين مزاياها، تكون رؤيته كونية للعالم.

وحينما يلجأ المرء إلى الأيديولوجيا كرؤية للعالم يستطيع من خلالها معرفة ظاهرة آنية أو جزئية يكون قد نظر إليها نظرة كونية عبر قانون الجدل في مجال النظرية، وقد أصبحت أكثر مرونة بدعوى أن في وسعها إخراجنا من مأزق الطبقة والأحزاب الضيقة [11].

استعمالات مفهوم الأيديولوجيا

يذكر عبد الله العروي أن لمفهوم الأيديولوجيا خمس استعمالات رئيسة:

أولًا: استعمال القرن الثامن عشر حيث تعني الأدلوجة: الأفكار المسبقة الموروثة عن عصور الجهل والاستعباد والاستغفال. يتقابل في هذا الاستعمال التقليد الجاهل مع العقل الكاشف عن البديهية، وهو عقل لا يختلف في الفرد وفي الإنسانية جمعاء. فينظر إلى الأدلوجة انطلاقًا من العقل الفردي.

ثانيًا: استعمال الفلاسفة الألمان: هيغل والرومانسيين بوجه خاص، حيث تعني الأدلوجة: منظومة فكرية تعبر عن الروح التي تحفز حقبة تاريخية إلى هدف مرسوم في خطة التاريخ العام. فينظر إلى الأدلوجة انطلاقًا من التاريخ كخطة واعية بذاتها.

ثالثًا: الاستعمال الماركسي حيث الأدلوجة: منظومة فكرية تعكس بنية النظام الاجتماعي. فينظر إلى الأدلوجة انطلاقًا من البنية الباطنة للمجتمع الإنساني الذي يتميز بإنتاج وسائل استمراريته.

رابعًا: استعمال نيتشه حيث الأدلوجة: مجموع الأوهام والتعديلات والحيل التي يعاكس بها الإنسان/ الضحية قانون الحياة. فينظر إلى الأدلوجة انطلاقًا من الحياة كظاهرة عامة تفصل عالم الجماد عن عالم الأحياء.

خامسًا: استعمال فرويد حيث الأدلوجة: مجموعة الفكرات الناتجة عن التعاقل الذي يبرز السلوك المعاكس لقانون اللذة، والضروري لبناء الحضارة. فينظر إلى الأدلوجة انطلاقًا من اللذة، وهي ميزة الحيوان، وبالتالي ميزة الإنسان الأولى» [12].

نقد الأيديولوجيا

تعرضت الأيديولوجيا لحملة عنيفة من النقد الإبستمولوجي (المعرفي)، انطلاقًا من التعارض المطلق بينها وبين العلم من ناحية، وبين النقد الفلسفي من ناحية ثانية، حيث يرى النقد الفلسفي في التفكير الأيديولوجي مجرد تفكير تبسيطي جاهز، ومن ثم فهو أقرب إلى طريقة التفكير الأسطوري حسب «كاسيرر». أما «كارل بوبر» فيُرجع التفكير الأيديولوجي إلى أفلاطون، ويعده تفكيرًا لا علاقة له بالواقع، وأنه نوع من الهرطقة التي تحل محل فهم الأحداث.

أما «إيسيا برلين» (Berline. I) فيرى أن نجاح الأيديولوجيا لا يرجع إلى كونها حقيقة صادقة، ولكن يرجع إلى بساطتها وسذاجتها فحسب، ولهذا تقوم الأيديولوجيا مقام التفكير بالنسبة للجماهير غير الواعية.

ومع الماركسية أصبح يُنظر إلى الأيديولوجيا انطلاقًا من «الأيديولوجيا الألمانية لماركس»، وصولًا إلى «الأيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية» لألتوسير (Althusser)، بصفتها الوعي الزائف أو المغلوط الذي يتكون للفعلة الاجتماعيين، تحت تأثير السيطرة الطبقية والنفوذ السياسي للذين يملكون الثروة والسلطة، فيبرر لهم الاندماج في النظام الاجتماعي، أو القبول به، أو التعايش معه.

فالأيديولوجيا في الخطاب الماركسي مرتبطة بالذات الفردية الفاعلة، وهو ما جعل ميشال فوكو (Michel Faucault) ينتقد ربط الأيديولوجيا بالذات الفردية الفاعلة والوعي، وعدّ النظر إلى الأيديولوجيا بوصفها وعيًا زائفًا نظرًا مثاليًّا ذا نزعة إنسانية، ما دامت الأيديولوجيا بالنسبة له تنتمي إلى ميدان الوعي والشعور، فهي مرتبطة ببنيات خارجية بالنسبة للذات والوعي، ومندرجة -إنتاجًا وتوزيعًا- في إطار مؤسسات وأجهزة اجتماعية تتولى تعهدها ورعايتها وتوزيعها على الأفراد.

أما مولينو (Molino. J) فيوجه بدوره نقدًا لاذعًا للتصور الماركسي للأيديولوجيا الذي يقوم حول مصادرةٍ قوامها أن الرمز انعكاس، وهي المصادرة التي لم يستطع حتى ألتوسير تخطيها.

وبالنسبة لهايديجر (Heidegger) فإن الأيديولوجيا: تفكير جاهز تمارسه الجماعة، ويعفى الفرد من عناء التحليل والتساؤل.

فالذين ينخرطون في أيديولوجيا معينة بوصفها فكرًا جاهزًا يشعرون بفخر المعرفة، وغبطة امتلاك الحقيقة، ويكتفون بترديد الصيغ الجاهزة [13].

أهمية الأيديولوجيا

يرى (لوي ألتوسير) أن الأيديولوجية ليست «شذوذًا، أو شيئًا زائدًا عرضيًّا في التاريخ، إنها بنية جوهرية أساسية بالنسبة للحياة التاريخية للمجتمعات، وإن وجودها والاعتراف بضرورتها هما وحدهما اللذان يسمحان بالتأثير على الأيديولوجيا وجعلها وسيلة واعية فعالة في التاريخ» [14].

ويرى د. فرحان اليحيى في مقالة «الأيديولوجيا المفهوم والدلالة» أن الأيديولوجيا تمثل دورًا فاعلًا في السلوك الخارجي للإنسان وفق مبادئ المدرسة السلوكية، التي تؤسس منهجها على الملاحظة الموضوعية للسلوك الخارجي، دون النظر إلى العوامل الباطنية.

وتجدر الملاحظة أن الفارق بين أيديولوجيا علمية وأخرى غير علمية ظهر مع ظهور الفكر الماركسي، فطبقًا للماركسية تعد أيديولوجيا الطبقة العاملة وحدها المعبر العلمي عن الرسالة التاريخية للعمال من خلال تحرير المجتمع كله.

أما الأيديولوجيات المعبرة عن الفئات التقليدية (العشيرة، القبيلة، العائلة..)، و(العنصرية، والفاشية، والصهيونية، والماسونية..) فهي زائفة ومضللة؛ لأنها تسوّغ قهر مجموعة لمجموعة أخرى، أو تدعم أو تُعلي قومًا على أقوام أخرى، كـ: الصهيونية والعنصرية.

وبهذا المعنى تبدو الأيديولوجيا أساسية لأي مجتمع، وبُعدًا من أبعاده، وأن نفيها يُعدّ خروجًا على الحقيقة والموضوعية.

وهي ليست منظومة فكرية ومنهجًا فلسفيًّا فقط، وإنما هي عامل ارتقاء واستشراف لآفاق المستقبل لتشكيلة اجتماعية، بوصفها تساميًا لحياة واقعية عملية محددة لشريحة أو فئة اجتماعية، منظورًا إليها لا في مصالحها الآنية فحسب، بل في مطامحها وتطلعاتها البعيدة المدى.

أبعاد الأيديولوجيا

يرى د. فرحان اليحيى في مقاله عن «الأيديولوجيا المفهوم والدلالة» أن الأيديولوجيا تبدو مسألة معقدة وصعبة على صعيد الواقع، لا يمكن معرفتها والكشف عن طبيعتها إلا بتحليلها من خلال آليات اشتغالها داخل تشكيلة اجتماعية معينة، فهي ليست معارف ولا شيئًا زائدًا ينضاف إلى الواقع، بل لها أبعاد ومفاهيم وغايات.

أ- البعد الاجتماعي والتاريخي

الأيديولوجية ظاهرة جماعية جماهيرية؛ فالأيديولوجيا تنشأ وتعمل في المجتمع، وهي على صلة وثيقة بالنزعات والرغبات والمصالح الجماعية، وبالرموز والقيم والتطلعات التي تجعل الجماعات معنى حياتها التاريخي متعلقًا بها [15].

وباعتبار أن أيديولوجية ما -عند البعض- هي منظومة مفاهيم اجتماعية تعبر عن مصالح طبقية محددة، فيرى مؤسسو الشيوعية أن أفكار الطبقات السائدة هي «الأفكار السائدة في كل العصور.

أو بعبارة أخرى: فإن الطبقة التي تشكل القوة المادية السائدة للمجتمع هي -أيضًا- قوته الروحية السائدة.

إن الأفكار السائدة ليست أكثر من كونها التعبير الفكري عن العلاقات المادية السائدة.

أو هي العلاقات المادية السائدة مدركة على هيئة أفكار.

وبالنتيجة فهي العلاقات التي تجعل من طبقتها طبقة سائدة، فهي إذن أفكار سيادتها.

إن الأفراد الذين يكوّنون الطبقة السائدة واعون ويفكرون، فمن حيث إنهم يسيطرون كطبقة، ويحددون فترة تاريخية على امتدادها، فمن البدهي أن يسيطروا في كل الاتجاهات، وأن يسودوا، من جملة ما يسودون ككائنات مفكرة، كمنتجين للأفكار، وأن ينظموا إنتاج وتوزيع أفكار عصرهم، ومن ثمة فإن أفكارهم هي الأفكار السائدة في العصر» [16].

ويتضمن تعريف الأيديولوجية بأنها منظومة مفاهيم اجتماعية تعبّر عن مصالح طبقية محددة بُعدين: اجتماعيًّا، وطبقيًّا، وذلك من خلال العلاقة بين الأيديولوجية بما هي مجموعة مفاهيم اجتماعية، ومصالح طبقية بعينها، أي: بين البنى التحتية، والبنى العليا لمجتمعٍ ما.

ففي داخل مجتمع محدد تاريخيًّا تظهر أيديولوجيات لا أيديولوجية واحدة، نتيجة لانقسام المجتمع إلى طبقات، وبروز أيديولوجيات ملموسة ومحددة.

فإن البنية الأيديولوجية في تركيبة اجتماعيةٍ ما تتكون من سلسلة من الأيديولوجيات بينها أيديولوجية مسيطرة تعبر عن الطبقة أو الفئة السائدة، وعلاقتها الوهمية مع علاقاتها الحقيقية بشروط وجودها العيانية، وظروف وجود أعدائها الطبقيين.

وفي هذه الحالة تؤدي الأيديولوجيا الحاكمة وظيفة مزدوجة؛ إذ تعمل على تأمين مصالحها، وتحجب الحقيقة عن الطبقات الأخرى.

وتنبغي الإشارة إلى أن مفهوم الطبقة يشكّل نقطة خلاف بين الأيديولوجيات، في حين ترى الماركسية أن الطبقة الاجتماعية تتوافر على بنيات داخلية خاصة بها، تعارض مذاهب فلسفية واجتماعية أخرى.

وفي هذا المقام، فإن الماركسية ترى في الطبقة الاجتماعية أنه يجمعها موقف قياسًا على المجتمع كله.

أضف إلى ذلك أن العلاقة تكون بين الأيديولوجية والمجتمع. فالفكر الأيديولوجي اجتماعي بطبعه، يميل إلى تغليب موقف فئة أو طبقة على موقف الفرد، أي أنها لا تتجسد إلا في ممارستها ضد فئة معينة من البشر، كـ: البورجوازية ضد العمال والفئات الفقيرة، والعنصرية ضد الأجناس البشرية الأخرى.

ومن هنا تبدو الأيديولوجيا ضرورية؛ إذ لا تستطيع أية جماعة أن تنطلق من مشروع إصلاحي أو تحديثي إذا لم تكن لديها أيديولوجيا تسترشد بها في تحقيق أهدافها.

فالأيديولوجيا بمعناها الاجتماعي هي: مجموعة أفكار وتصورات حول المجتمع، بها يعي الناس وضعهم، ويعبرون عن مصالحهم ومواقعهم في المجتمع.

والأيديولوجيات ليست على مستوى واحد من السلوك الاجتماعي، فبينما تؤمن الماركسية أن الأيديولوجيا تصدر عن الفعل الاجتماعي بوصفها انعكاسًا معرفيًّا له، يعتقد التيار المعاصر أن الأيديولوجيا تمثل أساسًا وليس انعكاسًا للفعل الاجتماعي، استنادًا إلى اعتقادٍ منها أن الفعل الاجتماعي ما هو إلا التجسيد المباشر للسلوك؛ لأن الفكر هو السلوك ولا شيء سواه.

ب- البعد الفكري والعلمي

يرى الدكتور اليحيى أنه إذا كان غرض الأيديولوجيا -في الأصل- إدراك الواقع واستيعابه على أساس موضوعي، فإن العلاقة بين الأيديولوجيا والعلم -بوصفهما وجهين مختلفين للواقع- على طرفي نقيض.

وقد تعرض ألتوسير للصلة بين العلمي والأيديولوجي، فيرى أن العلمي يختلف عن الأيديولوجي من منطلقين:

الأول: أن الأيديولوجيا تركز على الجانب العملي – الاجتماعي، وعلى التجربة الحية، فهي توفق بين الفرد ومجتمعه، وبهذا الفعل تطغى الممارسة على النظرية، بينما يطغى النظري في العلم على التطبيقي.

ويمكن القول: إن الأيديولوجيا هي التجسيد الفعلي للعلاقات المتنوعة التي يقيمها الإنسان مع سائر الناس، وقد ينطوي هذا التكييف على حقائق أو على تزييف، وقد تكون مقولاته عقلانية أو غير عقلانية.

والمنطلق الثاني: الأيديولوجيا منظومة مفاهيم واعتقادات تجريدية تفصل بين الإنسان وواقعه المحسوس، فهي بهذا انعكاس غير واعٍ لعلاقات الناس بظروف حياتهم المعيشية، في حين أن العلم ينبني على الوعي.

ومع ذلك فالأيديولوجيا لا تناهض العلم؛ فهي تدرك مكانته، وكذا العلم لا ينفيها تمامًا ما دامت ترجع إليه، وتبني بعض الحقائق عليه.

أما من حيث الحقيقة، فالعلم لا يعرف أية حقيقة تتحول إلى يقين؛ لأنه مبني على الشك، كما أنه يستند على براهين علمية، على حين تقدم الأيديولوجيا تفسيرًا شاملًا للواقع له صفة اليقين.

وقد استنتج مما تقدم أن الأيديولوجيا ليست علمًا قائمًا بذاته، وليست نقيضًا للعلم، لكن العلم يدحضها ويكشف عيوبها، ومع ذلك لا ينفيها، فهي أمر موضوع.

ج- المظهر العملي / التطبيقي

الأيديولوجيا لها وجود فعلي يتجلّى عبر جهاز أيديولوجي، كـ: الأسرة والمدرسة والإعلام والمعبد وغير ذلك.

كما أن لها أجهزة دفاعية كـ: الإدارة والجيش والأمن والقانون والسجن.

فالأجهزة الأولى تشتغل بالأيديولوجيا، والثانية تمارس القمع والإرهاب، أو المحافظة على الأمن.

وفي هذه وتلك تهدف الأيديولوجيا إلى تكييف الأفراد والجماعات مع الواقع المعيش في إطار الدولة والمجتمع، ولكي تضمن الدولة إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لا بد من أن تبسط سيطرتها على الأجهزة الأيديولوجية.

وهذا يعني أن الأيديولوجيا -على الصعيد العملي- لها وظيفة محددة تكمن في إعداد أفراد فاعلين ومسئولين عن أفعالهم.

والأدلوجة بهذا السلوك منحازة إلى فئة أو طبقة أو أمة أو تيار كـ: الحداثة، أو نظام كـ: الليبرالية، أو عقيدة كـ: الشيوعية أو الإسلام، غايتها نشر تعاليمها، والدفاع عن أفكارها ومعتقداتها التي تؤمن بها، وتعبّر عن مصالحها واهتماماتها وشئونها الاجتماعية والاقتصادية وأهدافها الآنية والمستقبلية.

وهي بذلك كله تسعى إلى الحكم واستلام السلطة.

فهي إذن لها مستويان: نظري – معرفي، وعملي – تطبيقي، أي أنها تشمل جانبًا نظريًّا يفسّر الواقع، وآخر عمليًّا يترجم بيانيًّا إلى مواقف وممارسات وإنجازات ملموسة.

بين الدين والأيديولوجيا

العلاقة بين الدين والأيديولوجيا فيها إشكال كبير بين المنظّرين والفلاسفة، وقد لخص هذه الإشكالية (ب. إيتين) بقوله: «يؤكد البعض أن الدين أيديولوجيا كباقي الأيديولوجيات، وأنا أعتقد أن الأمر ليس بهذه البساطة» [17].

وهو يرى أن هذه الإشكالية تتعمق بالنسبة للدين الإسلامي فيقول: «إن العلاقة الإشكالية تتخذ أشكالًا متعددة حسب ما إذا كان التصور الديني المقصود يعطي الأولوية المطلقة للدين على السياسة، ويختزل العنصر السياسي إلى العنصر الديني، وهذا هو التصور السائد لدى المسلمين.

وهناك أشكال تاريخية أخرى تؤكد على أولوية السياسة على الدين وخضوع هذا لتلك، لكن الفصل القاطع بين الدين والسياسة لتجنب أي صراع بينهما فكرة غريبة عن الإسلام الذي لا يقبل تدجين الدين (أي: اختزاله إلى دائرة المجال الخاص)، والحالة الوحيدة التي قدمت فيها اقتراحات نظرية بهذا الصدد كانت موضع انتقادات لاذعة من طرف الاتجاهات الإسلامية الأصولية» [18].

بينما يرى لابيير أن الأيديولوجيا «هي بالمعنى الدقيق ظاهرة دينية، وحسب الاشتقاق اللاتيني للكلمة فإن الدين (Religion) هو ما يربط (Relier) الناس فيما بينهم بحيث يجعلهم يتشاركون في نفس المعتقدات، ونفس الطقوس المتعلقة بما هو مقدس بالنسبة لهم.

ومع ذلك فإن الأيديولوجية تختلف عن الديانات الميثية [19]، فهذه الأخيرة هي ديانات التعالي: الكلام المقدس (الميثوس) يتجاوز فيها الكلام المعقلن (اللوغوس)، والاعتقاد يتجاوز فيها حدود المعرفة، والمقدس يبدو فيها كسرٍّ يتجاوز العقل.

إن الأيديولوجيات هي ديانات المحايثة [20]؛ فهي تعقلن المقدس وتقدس العقل (العقل المؤهل العزيز على روبيسبير).

فهي بتعبير كنط (ديانات في حدود العقل)، أو على وجه الدقة (ضمن أشكال العقل)؛ لأن مضمونها ليس أكثر معقولية من مضمون الديانات الميثية.

ورغم أنها خصوصية، وتنتمي إلى مجموعات معينة، وأنها تبرر بصورة عامة سيطرة أمة أو شعب أو قبيلة أو سلالة أو طبقة أو حزب، فإنها تدعي الشمولية، وتحاول أن تفرض نفسها على الإنسانية كلها.

إن الأيديولوجيات الكبرى المعاصرة -مثلها مثل الديانات الكبرى الكونية، التي يمكن أن نرى فيها أشكالًا انتقالية بين الديانات الميثية والديانات الأيديولوجية- تؤكد أنها صالحة للجميع وصادقة دومًا في كل مكان.

وهذا هو سبب كونها تود أن تغتصب شمولية المعرفة العلمية» [21].

أي أنه يمايز بين الدين والأيديولوجيا، إلا أن هناك من يرى أن الأيديولوجيا بمعناها اللغوي تعني: علم العقيدة، ويرى أن «للأيديولوجية معنيين اصطلاحيّين أحدهما أعمُّ من الآخر:

أوّلهما: مطلق (النظام الفكريّ والعقائديّ) الشامل للأفكار (النظرية) [22]، أي: الأفكار المبيِّنة للواقعيّات الخارجيّة، والتي لا ترتبط -بشكل مباشر- بسلوك الإنسان، والأفكار (العملية)، أي: الأفكار المتعلّقة بسلوك الإنسان والمحتوية على (الوجوب) و(المنع).

وثانيهما: يختصّ (بالنظام الفكريّ المحدِّد لشكل سلوك الإنسان).

فعندما تستعمل (الأيديولوجيا) في مقابل (الرؤية الكونيّة)، فالمقصود منها -حينئذ- هو المعنى الخاصّ؛ لأنّ الرؤية الكونية عبارة عن (النظرة الكلّية التي تدور حول ما هو موجود) [23]، وتتكوّن فقط من (الأفكار النظرية)، وبهذا المعنى تصبح (الأيديولوجيا) في مقابلها؛ لأنّها تتكون من مجموعة من (الأفكار العملية) التي تحدّد الشكل العامّ لسلوك الإنسان.

وبناء على هذا فالاعتقاد (بوجود الله) يصبح جزءًا من الرؤية الكونيّة؛ لأنه لا يتعلّق بالأعمال مباشرة، ومفهومه ليس فيه (وجوب) ولا (منع).

وإذا استعملنا (الأيديولوجيا) بمعناها العامّ، فستكون شاملة لمثل هذا الاعتقاد -أيضًا.

أمّا إذا استعملناها بمعناها الخاصّ، فلن تكون شاملة له.

وعلى العكس من هذا، فإنّ الاعتقاد (بوجوب عبادة الله) ليس جزءًا من الرؤية الكونيّة، وإنّما هو جزء من الأيديولوجيا؛ لأنّه يحتوي على مفهوم (الوجوب)، ويتعلّق مباشرة بسلوك الإنسان وأعماله» [24].

وظائف الأيديولوجيا

يرى (بخلر) أن الأيديولوجيا لصيقة الصلة بالسياسة؛ لذا فإنه عندما تحدث عن وظائف الأيديولوجيا كان يتحدث عن الوظائف التي تخدم السلطة أو الحكام أو السياسة، وقد اقتصر على خمسة عناصر ارتآها:

«الأولى: وظيفة التجمع (ralliment) ذلك أن السياسة بطبيعتها تهتم بحفظ الأمن الخارجي، وضمان التلاحم الداخلي. هذان الأمران لا يمكن ضمانهما بواسطة نشاط اجتماعي متميز، إذا لم تكن الحياة الإنسانية تتضمن تهديدًا دائمًا بالصراع أو الفوضى. فالسياسة تهتم بالاختلاف وبالصراع سواء بين أعداء أو بين خصوم. وحيث إن الصراع في السياسة لا يكون بشكل فردي فإن الأيديولوجيا تقوم بوظيفة خلق تعارف بين الأصدقاء وتعيين للأعداء. كما تهدف إلى إيقاظ مشاعر جدّ بدائية بحيث تدفع الفرد إلى الذوبان في المجموعة الحامية، وحثه على استخدام العنف ضد كل من لا ينتمي إلى هذه المجموعة.

الوظيفة الثانية: التبرير (justification) ففي العبارة: (أنا أقوم بهذا العمل السياسي لأنه…) فإن كل ما يمكن أن نملأ به نقط الحذف يدخل في إطار الوظيفة التبريرية للأيديولوجية، ولكن لمن نتوجه بهذا التبرير؟

قطعًا ليس للفاعلين السياسيين الذين ينقسمون إما إلى معتقدين أو تقنيين، وكلا هذين الصنفين غير محتاج للتبرير الذي يعتبر في نظرهم مضيعة للوقت وهدرًا لطاقتهم بدل العمل. إذن فالحاجة إلى التبرير تنمو في أوساط المتعاطفين الذين هم في حاجة إلى الاقتناع بصدق ما يؤمنون به، وبخطل معتقدات الخصوم أو الأعداء. كما يتوجه التبرير بالأساس إلى الأنصار المحتملين ما دام أن كل الفاعلين السياسيين سيستقطبون الأنصار داخل نفس الوسط الاجتماعي. لذلك يجب إعطاء أدلة مقنعة للأنصار تجعلهم يختارون هذا المعسكر الأيديولوجي بدل الآخر، ولكن من الاستحالة بمكان تبرير أيديولوجية ما بإنتاج دليل قاطع يقيمها على العقل؛ لأن الأيديولوجية هي الاكتساح العاطفي الجامح لقيمةٍ ما كـ: الحرية، المساواة، الرفاهية، النظام، وإرادة إقامة مجتمعٍ ما على هذا الأساس.

وما دام أن هناك قيمًا عديدة لا يمكن ترتيبها إلا بإدخال معلومة إضافية تصبح بدورها من ضمن القيم مما يستتبع أن كل اختيار يبقى اعتباطيًّا في آخر المطاف، الشيء الذي يترتب عنه أنه لا يمكن الانتهاء أبدًا من عملية تبرير لأيديولوجية ما؛ فالتبرير يعتبر المسئول الرئيسي عن التفرع الأيديولوجي.

الوظيفة الثالثة: الإخفاء الذي يعتبر المهمة الأساسية المعروفة للأيديولوجيا، حيث تقوم بإخفاء مصالح أو عواطف تجاه الأنا، أو تجاه الآخر. لكنْ إذا كان إخفاء المصالح بالنسبة للأنا عملية غير ذات معنى، فإن إخفاء المصالح بالنسبة للغير لا يمكن أن يلقى لدى الآخر نجاحًا؛ إذ إن القولة التي تؤكد بأن الدفاع عن الحرية أو الإعلاء من شأنها ليس إلا ستارًا تخفي وراءه البورجوازية استغلالها للشعب تعتبر قولة مفرغة من كل معنى. ولكن على العكس فإن إخفاء العواطف مسألة مفيدة جدًّا؛ ذلك أن إظهار العواطف العدوانية يشكّل خطرًا على الآخر، ويعرض صاحبه لإجراءات وقائية وعقابية، مما يحتم بالضرورة إخفاءها تحت ستار ما نسميه بـ(التأدب).

كما أن من الأفيد للفاعل السياسي أن يخفي عن نفسه عواطفه؛ لأن من غير اللائق الإحساس بسيطرة العواطف عليه، خاصة إذا كانت تقود إلى تصرفات تتناقض مع المعايير المتلقاة؛ إذ ليس من السهل القيام بالقتل والنهب والاغتصاب، في الوقت الذي يتألم فيه الآخرون. فالقسوة صفة لا يتميز بها إلا أشخاص تربوا على العنف، أو أصحاب النفوس القوية. من هنا يحتاج المرء إلى تبرير أعماله الخبيثة؛ فالحرب قد شكلت دائمًا ذلك المحول للقيم الذي يسمح بالقيام بعدوان ضد (الأجنبي) يحرمه بين الشركاء في الداخل. لذا فإن الأيديولوجية تبيح الأعمال الشريرة بين الشركاء ولكن بتعيين بعضهم كأعداء ينبغي القضاء عليهم.

الوظيفة الرابعة: وهي الأقل وضوحًا تتمثل في التعيين؛ ذلك أن الفاعل السياسي يجد نفسه أمام عدة اختيارات، وليس هناك أي حل عقلاني يمكنه من الاختيار بشكل حاسم، لذلك يتطلب الأمر معلومة إضافية غير عقلانية إذا لم يرد المرء أن يظل مكتوف اليدين؛ بحيث إن الفاعل السياسي لا يمكنه ألا يتصرف؛ لأنه بعدم تصرفه يكون في الواقع قد تصرف بتوجيه سلوك خصومه، ومن حيث إنه ليس هناك إمكانية إقامة تفاضل بين القيم بشكل عقلاني، فالأيديولوجية تسمح بتعيين قيمة أو عدة قيم على أساسها يقوم تنظيم معين للمجتمع.

الوظيفة الأخيرة: هي تجويز الإدراك؛ إن هذه الوظيفة لا تعمل إلا على توضيح الوظيفة السابقة؛ ذلك أن الفاعل السياسي محاولة منه لإيجاد السبل وسط عدم اليقين حيث المعطيات اليقينية دائمًا نادرة، يقوم بتبسيط أقصى للمعطيات، وهو في حاجة -بالتالي- إلى إدراك الواقع الاجتماعي كواقع حقيقي مصفى وجامد.

كما أن عليه أن يدركه ككلية شفافة؛ لأن هذا الإدراك غير الواقعي يمكنه من تقييم آثار أعماله.

كما أن عليه -أخيرًا- أن يستشرف من خلال فكره نتائج أعماله، ومن ثمة التحكم في المستقبل، وفي الطرق المؤدية إليه؛ إذ إن عليه أن يحافظ على وهم التحكم في التاريخ من خلال الأعمال التي يقوم بها، وبدون هذا الإدراك المدعم بالأيديولوجية فإنه لن يكون إلا لعبة للصدفة والقدر، ولن يكون آنذاك فاعلًا سياسيًّا قادرًا على الاختيار بين الحلول الممكنة» [25].

أزمة الأيديولوجيا

قد تتعرض أية أيديولوجية لمأزق أو أزمة، هذا المأزق قد يعصف بها ويدخل بها إلى مقبرة الأفكار، وقد تتجاوزه وتتعافى من بعض آثاره. هذا المأزق قد يكون نتيجة لسوء التطبيق، وليس عيبًا في الفكر نفسه، وقد تكون الأزمة لأن هناك قصورًا حقيقيًّا في البنية الفكرية للأيديولوجية نفسها.

ويرى الدكتور ناصيف أن المأزق بالنسبة إلى الأيديولوجية قد يكون ناشئًا من أن هذه الأيديولوجية «تصل إلى غايتها وتتحوّل مؤسسات وممارسات وأعرافًا وعادات، وتحقّق تمامًا ما وعدت به، فتصبح أمام وضع تقليدي جديد تستمر فيه حتى تنشأ انقلابة اجتماعية تاريخية تستدعي رؤية جديدة تعجز الأيديولوجية السائدة عن توفيرها، وترفض أن تعترف بهذا العجز.

وفي أسوأ الأحوال، تجد النظرية الأيديولوجية نفسها في طلاق كامل مع الواقع الاجتماعي التاريخي الذي تكوّنت لأجله، فلا هو يفهم خطابها، ولا هي تفهم تطوره وأسباب ابتعاده عنها، وشيئًا فشيئًا تتحوّل إلى مجموعة تصوّرات خالية من المعنى الواقعي والوظيفة العملية.

وفي حال بين الحالين يكشف التطور التاريخي والبحث النظري أن الحقيقة الجزئية التي حملتها النظرية الأيديولوجية لم تعد كافية لتأمين حيوية الأيديولوجية واستمرارها في استقطاب الجماهير وتغذية الوعي والعمل النضالي اللذين ساهمت في تغذيتهما في فترة صعودها وامتدادها، الأمر الذي يطرح بجدية قضية النقص النظري وتقلّص الكفاية النظرية في الأيديولوجية.

ويمكننا تسمية الشكل الأول: شكل الاستنفاد، والشكل الثاني: شكل الهامشية أو الانقطاع، والشكل الثالث: شكل التطابق المتراجع» [26].

الأيديولوجيا بين العقل والإيمان بها

في العلاقة بين الأيديولوجيات والعقل من ناحية وبينها وبين العاطفة من ناحية أخرى إشكال يحتاج منا لتسليط الضوء عليه، فهي في مراحل تكون في تصالح مع العقل، وفي أخرى في تصادم معه، وفي مراحل النشأة يكون العقل هو الزند الذي تنقدح منه الأيديولوجية، ثم في مراحل أخرى يحرِّج القائمون على هذه الأيديولوجية العقل من العمل إلا في إطار أيديولوجيتهم، والعقل الذي يتمرد على هذه الأيديولوجية فهو غير مرحب به، «فالأيديولوجية تتعاطى مع العقل بمرونة ودهاء»[27] تمتطيه وقت حاجتها له، وتعطيه ظهرها عندما يظهر التبرم بها، بل وتستخدم معه العنف على كافة الأشكال والمستويات.

والأيديولوجيات بعد أن تستوي على سوقها وتسري في اللاوعي الجمعي للجماهير، وتنزل منهم منزلًا حسنًا وتؤخذ كمسلّمة، ويكون لها بريق تعشو به عقول الجماهير، يكون العقل أسيرًا للأطر التي أطّرتها تلك الأيديولوجيات، وهنا تكون «حرية نشاط العقل مرتبطة بما تسمح به الأيديولوجية بوصفها منظومة فكرية اعتقادية سائدة، وأداة رئيسية من أدوات السلطة الحاكمة، وموجهًا من موجِّهات العلاقات بين الدول» [28].

ويرى د. ناصيف أن وظيفة العقل بالنسبة إلى «قيم الأيديولوجية ليست تكوينية وإبداعية، بل تأويلية وتسويغية، وعندما يقوم العقل بهذه الوظيفة فإنه لا يؤكد صفته الإنسانية الشمولية، بل صفة الخصوصية الجماعية بكل ما فيها من إمكانات نزاعية.

إن حرب القيم هي الحرب الأيديولوجية بامتياز.

وهكذا لا يهتم العقل الأيديولوجي مباشرة بقضية إبداع القيم العليا الصالحة للجماعة التي يخدمها، بل يهتم بقضايا الدفاع عن هذه القيم باعتبارها صحيحة وصالحة. وإذا تجرأ وحاول الإبداع في مجالها، فإنه يتوجب عليه أن يخضع لجملة شروط وقواعد، منها: الانطلاق من داخل منظومتها، وليس من خارجها، والحصول على تجاوب الجماعة واستحسانها.

وعلى أي حال فنادرًا ما يجد العقل الأيديولوجي نفسه أمام امتحان من هذا النوع؛ فالعمل الذي يقوم به طبيعيًّا داخل منظومة القيم، والمقاصد المشتقة من النواة العقدية للأيديولوجية يكفي لكي يندمج في جملة القوى التي تنتج الأيديولوجية، ويرتاح إلى كونه يشارك إلى حدٍّ ما في تشييد صرح قيمها» [29].

أما الإيمان -وهو بمعنى التصديق، وليس الإيمان الديني- فتحتاجه الأيديولوجيات، بل إن الدكتور ناصيف يرى أن الإيمان يأتي في مرتبة سابقة للعقل فيقول:

«من البديهي القول بأن العقل إذا حظي باعتراف لدوره في الأيديولوجية فإنه يأتي في المرتبة الثانية في أحسن تقدير؛ ذلك لأن الأيديولوجية -كمنظومة اعتقادية- ترتكز على الإيمان، وتنحدر من الإيمان، وتتحرك بالإيمان، بحقيقة معينة من حقائق الحياة الاجتماعية التي تتوسط بين الإنسان كفرد والإنسان كنوع.

فالإيمان موقف روحي يخترق نشاطات الإنسان في العالم، وليس محصورًا في الدين وحده.

والإيمان الأيديولوجي ينزع -دون شك- إلى اتباع منطق الإيمان الديني، لكنه مهما فعل يبقى مختلفًا عنه؛ لأن التجربة الأيديولوجية تجربة نسبية مع النسبية الاجتماعية التاريخية، بينما التجربة الدينية تجربة نسبية مع المطلق الغيبي.

ومن الطبيعي أن تختلف الأيديولوجيات في تصورها للعقل ووظائفه، وفي مدى إدراكها وإعلانها لأسبقية الإيمان فيها على العقل، إلا أن هذا الاختلاف لا ينفي الحقيقة القائلة بأن الأيديولوجية تسعى -على الدوام- إلى تعزيز أوّلية الإيمان فيها، سواء في توكيد نفسها كمنظومة فكرية، أم في علاقتها بسلوك الناس أفرادًا وجماعات، وبالطبع يشتد هذا التعزيز أو يضعف، يتسع أو يضيق، يتوتر أو يتراخى، بحسب الوضع النضالي الذي تكون الأيديولوجية فيه، وبحسب حاجة المقاصد التي تطرحها للعمل إلى الالتزام الذاتي.

وعلى العموم يظهر استنفار الإيمان بقوة حتى التعصب العدواني في الأيديولوجيات الكلية أو ذات النزعة الكلية، كما في الأيديولوجيات الجزئية أو الصغيرة -في أزمنة التحولات والأزمات- أكثر مما يظهر في أزمنة الهدوء والاستقرار» [30].

ويؤكد لابيير على عمق احتياج الأيديولوجية لإيمان الجماعات بها فيقول:

«إن الأيديولوجيا تقدم للمرء أسباب الحياة، كما تقدم له الأسباب التي تجعله يضحي بحياته من أجلها، وتقدم في نفس الوقت الأسباب التي تدفع المرء لأن يضطهد ويقتل.

إن الأيديولوجيا قاتلة، خاصّة عندما تكون مهددة من طرف أيديولوجيات مضادة، والناس يتصارعون أكثر حول المصالح كلما كانت هذه المصالح مبررة بواسطة أفكار.

والأيديولوجيات غازية؛ فهي تدفع إلى الحرب الدينية، وخاصة عندما تكون القوى الاجتماعية التي تعبر الأيديولوجيا عن إرادة قوتها قوى جديدة.

إن كل الأيديولوجيات حمراء بدون استثناء، لا فقط بدم هؤلاء الذين ضحوا بحياتهم من أجلها، بل كذلك الدم الوفير للضحايا الذين أدوا ثمن انتصارها» [31].

الأيديولوجيا والهُوية

الهويات ليست من البدهيات، وليست ذاتية الاستمرارية، بل تحتاج دائمًا إلى من يحرسها ويحافظ عليها ويدافع عنها، وإلا فضعفها بل وزوالها سيكون هو المصير المحتوم. والناظر لخريطة العالم قديمًا وحديثًا سيرى كم من أمة تغيرت هويتها، بل وانمحت من الوجود، وأصبحت أثرًا بعد عين. وقد تتخلى الأمم عن هويتها طوعًا أو كرهًا. فالمصريون -مثلًا- تركوا دينهم الذي كانوا عليه وهو النصرانية، ولسانهم الذي كانوا يتحدثون به وهو الديموطيقية، واختاروا طوعًا وحبًّا أن يكونوا مسلمين دينًا، عربًا لسانًا.

وهم لم يفعلوا ذلك مع الرومان ومن قبلهم اليونان، يقول د. جمال حمدان: “أقام اليونان ثم الرومان بأعداد لا يستهان بها بلا شك ولنحو 3 أو 4 قرون، ومع ذلك لم تحدث (أغرقة) ولا (رومنة) لغويًّا ودمويًّا، وقصارى ما نجح اليونان والرومان في تحقيقه هو مزج الكتابة الإغريقية واللاتينية باللغة المصرية القديمة في شكل الديموطيقية التي لم تلبث أن اختفت هي الأخرى”[32].

والإكراه على تغيير الهويات منتشر وغالب؛ فالأمم القوية تسعى -في الغالب- لفرض هويتها على الشعوب الضعيفة، وتنظر بعين الازدراء لها، فلا تحترم دينها أو لغتها أو عاداتها وتقاليدها، وتفرض هويتها فرضًا على الأمم المغلوبة.

وقد تحدث الممانعة والمقاومة لهذا الفرض، أو يحدث الذوبان الجزئي أو الكلّي في الهوية المفروضة. ومن أجلى الأمثلة وأوضحها على ذلك ما فعله الرجل الأبيض القادم من أوروبا بالهنود الحمر المستوطنين بالأمريكتين (العالم الجديد). وما فعله الفرنسيون بشعوب قارة إفريقيا التي احتلتهم، وفرضت عليهم لغتها فرضًا.

وقد يحدث في التاريخ أمور على غير ما اعتاده الناس؛ فمثلًا المغول المنتصرون يدخلون في دين المسلمين المنهزمين، وتتغير هوية المغول، ويصبحون بعد ذلك من ناشري دين الإسلام في بلادهم، والبلاد المحيطة بهم والمجاورة لهم. ولعل ذلك يكمن في قوة الشعوب الإسلامية وقتها في العلم والحضارة وضعف أنظمتها السياسية المنوط بها حماية الشعوب. والأمم القوية هي التي تحافظ على هويتها، وترابط على ثغورها، أما الأمم الضعيفة المسلوبة فهي التي تفرّط في هويتها وتضيعها. وهوية الأمم يحمل تاريخها ويتمثل واقعها وحاضرها ويستشرف مستقبلها، والتفريط فيها هو تفريط في التاريخ والحاضر والمستقبل.

ويرى الدكتور ناصيف نصار أن كل جماعة تسعى بكيفية واعية أو غير واعية إلى توكيد هويتها، وتعزيز الشعور بأهميتها بمختلف الوسائل المتاحة. ويذهب إلى أن الأيديولوجية عندما تتولى مسئولية إبلاغ هذا السعي إلى غايته يصبح خطاب الهوية على قدر عال من التشعب والتعقيد، سواء من جهة قوى الفكر التي تنتجه، أو من جهة الموضوعات التي تدخل في نطاقه. ويؤكد على أن الهوية الجماعية التي تطرحها الأيديولوجية -كحقيقة قائمة في الوجود الموضوعي- هي حقيقة تاريخية، تكونت في الماضي، وهي مستمرة اليوم، وتريد الاستمرار في المستقبل. فالعقل الأيديولوجي -حسب وجهة نظره- لا يقدر أن ينفصل في خدمة هذه الحقيقة عن الخيال والذاكرة المشحونة بالعواطف والاستشراف الواعد بالخير.

وهو يرى أن جميع المجالات تخدم هوية الجماعة، فالعقل الاقتصادي يدرس دور النظام الاقتصادي الذي تعيش الجماعة في ظله في مدى محافظة الجماعة على روابطها، وفي شعورها بقدرتها المادية، وفي تحسين ظروف معيشتها، والعقل السياسي يتناول هوية الجماعة في علاقتها بالدولة ونظام الحكم المعتمد فيها. والعقل الثقافي يتناول الهوية نفسها، لكن من زاوية الأنشطة والظواهر الثقافية التي يوفرها الواقع أمامه.

إلا أن هذه العقول جميعها تحتاج إلى العقل التاريخي، وتحتاج إلى أن تعمل كعقول تاريخية؛ لأن مشكلة الهوية الجماعية مشكلة تاريخية بامتياز؛ فالعقل المتقدم في خدمة الهوية الجماعية أيديولوجيًّا هو العقل التاريخي، الذي يدرس الماضي في ضوء الحاضر ومن أجله، ويدرس الحاضر في ضوء المستقبل ومن أجله [33].

فالهوية لا تستغني عن الأيديولوجيا؛ حيث إنها العقل الواعي الحارس لها، والمنظِّر لها، والمستشرف لمستقبلها، والمدافع عنها. والأيديولوجيا يقوم بها النخبة؛ فهم طليعة المحافظين على الهوية بوعي وتخطيط وتأطير. والمحافظون على الهوية من غير الأيديولوجيين إنما يحافظون عليها بلا وعي أو تفكير، بل هي محافظة أشبه ما تكون بالأمر الفطري المغروس فيهم، الذي رضعوا لبانه مع حليب أمهاتهم. وكذلك فإن الأيديولوجيا المعادية للهوية هي التي تعمل على اجتثاثها أو تحجيمها أو إضعافها، وصراع الهويات هو في حقيقته صراع أيديولوجيات.

فاحتياج الهوية للأيديولوجيا لا مفر منه ولا محيد.

الأيديولوجيا الشمولية والعنف

إن اختلاف الأفكار والرؤى والاتجاهات وتنوعها في المجتمعات الحية القوية هو دليل فاعليتها وثرائها، وثمرة إعمال العقل، واستثماره للحرية البناءة. أما المجتمعات الضعيفة فإن هذا الاختلاف والتنوع دليل على الفوضى، وتكريس لحالة الجدال التي لا تبني، والتي يسعى الفرقاء من خلالها لإثبات وجهة نظرهم حتى ولو كانت خاطئة، وأثبتت التجارب فسادها أو ضررها أو انعدام جدواها. وقد تبتلى بعض المجتمعات بفكرة منظمة (أيديولوجيا) ترفض وجود أي فكرة سواها في ساحة الأفكار، وتحاول السيطرة على المجتمع بالحديد والنار.

وهذه هي الأيديولوجيات الشمولية التي لا ترى إلا نفسها، ولا يتسع صدرها لمنافس فما بالك بالعدو. وأهم ما يميز تلك الأيديولوجيا هو إضفاء الإطلاقية على مذهب يقدِّم نفسه على أنه التعبير الذي لا يجادَل فيه عن «الحقيقة» التي ينبغي على كلِّ أحد أن يخضع لها. إن هذا المذهب يتجمد في كتلة من المفاهيم والمبادئ والقواعد، فلا يعود في الإمكان بعدُ أن يبلَّغ عبر التبادل أو الحوار بما يؤدي إلى الانفتاح على الآخر، أو السعي للقاء معه على أرضية مشتركة.

فعندما يتحجر الفكر عند الفرد في أيديولوجيا ما فإنه لا يناضل من أجل إرساء مزيد من العدل ومزيد من الإنسانية، بل من أجل نُصرة فكرة ومبدأ وقاعدة، وذلك دون أية مراعاة للآخر؛ إذ يصبح الدفاع عن صحة الفكرة أهم من العلاقة بالآخر. ويصير الإنسانُ صاحب الأيديولوجيا الشمولية غيرَ قادر على العلاقة مع الإنسان الآخر، وتتعذر إمكانيةُ قيام أي تواصل مع الآخر أو أي قدر من التفاهُم معه. إن تلك الأيديولوجيا الشمولية -بتعصبها الفظّ- لا تقيم وزنًا للطِّيبة، لا بل أكثر من ذلك إنها تُزري بها. لقد ضرَّجَتِ تلك الأيديولوجياتُ العالمَ بالدماء طوال القرن الماضي (الحرب العالمية الأولى [1914-1917م]، والحرب العالمية الثانية [1939-1945م]. فعندما تتراجع إحدى الأيديولوجيات نكتشف مدى الويل والدمار الذي أنزلتْه بالبشر.

وإن الصراع بين الإنسان العاقل وبين تلك الأيديولوجيات غير متكافئ؛ فهي لا تتورع عن استخدام أحقر الوسائل وأبشعها وأخسها.

ولِكَيْ تَفرِضَ تلك الأيديولوجيات عقائدَها وتبسط سلطانها وتدافع عن نفوذها، لا تتردد في اللجوء إلى أسوأ وسائل العنف في حقِّ مَن يرفض تقديم الولاء لها، أو الانضواء تحت لوائها. إن كلَّ انشقاق علني هو -في نظر هؤلاء الأيديولوجيين الشموليين- جريمةٌ ينبغي المعاقبة عليها على أنها جريمة. فمن يجرؤ -في أي وقت- على التصدي للأفكار والمذاهب القائمة ويسعى إلى الانتصار لمقتضيات الضمير والعقل، يُخشى عليه أن تحطِّمه أدواتُ العنف التي تختص بوظيفة إعادة توطيد السكوت والنظام.

ولا يعدم الأمر أناسًا يبلغ بهم الجبنُ أو الضعفُ أو الخوَر أن يتنصلوا من عقلهم، ويذعنوا للتجنيد لحساب تلك الأيديولوجيات الشمولية، فتراهم يصيرون حراس سُنَّتها المسلحين، وكهنة معبدها المنظّرين.

فهذه الأيديولوجيات الشمولية تستخدم العنفَ، وبطبيعة الحال تبرر العنفَ الذي يخدمها، ويعمل على توطيد أركانها، ويؤكد أصحاب تلك الأيديولوجيات -باسم الواقعية السياسية- أن العنف وحده فعّال في التاريخ.

إننا نعلم اليوم أن «واقعية» كهذه ترتضي العنفَ ضد الآخر وتستسيغه وتبرره، وتجعل من الفعالية المعيارَ المطلق للعمل السياسي، إنما هي مجرمة بالفعل، تستحق الردع.

إن الشرْعَنَة الأيديولوجية للعنف إنما هي طريقة للتستر تهدف إلى إنكار لا إنسانيته؛ فالأيديولوجيا تجيز للفرد ارتكاب الشرِّ بِنيَّة فعل الخير؛ فالقتل الأيديولوجي لا يُعَد شرًّا، بل وسيلةٌ للنضال ضد الشر، فهو خيرٌ إذن.

إن شَرْعَنَة العنف تعني إباحته وتبرئته في آنٍ معًا. ويُستخدَم العنفُ ويبرَّر عبر التأكيد على ضرورته، لكن استخدام العنف وشرعنته -في الواقع- هما اللذان يجعلانه ضروريًّا.

تدَّعي تلك الأيديولوجيات أن العنف هو الحل، بينما هو المشكلة الحقيقية في الواقع، وبقدر ما يكون اللجوءُ إلى العنف أكثر اتساعًا واستخدامًا يكون البحث عن الحلِّ الحقيقي مستحيلًا.

ويبدو أن الرغبة في العنف الكامنة في الإنسان هي التي تختلق أيديولوجيات العنف، وليس العكس. إلا أن وظيفة تلك الأيديولوجيات هي -بالتحديد- إتاحة الفرصة للإنسان العنيف لتبرير عنفه ولشرعنته، وبهذا تنشأ جدليةٌ بين العنف والأيديولوجيا؛ إذْ تستند الواحدة على الأخرى، وتدعم إحداهما الأخرى وتقويها وتعززها؛ فالعنفُ يولِّد تلك الأيديولوجيات، وتغذي تلك الأيديولوجيات العنفَ.

ويحتاج العنف إلى الاحتماء بالحجج العقلانية التي تَحكُمُ له، وتُسكِتُ اعتراض الضمير أو امتعاضه أو حيرته.

ولا يكفي تفكيك بنية تلك الأيديولوجيا لإزالة العنف، بل ينبغي -في الوقت نفسه- استنفاد العنف بترويض الرغبة والطاقة اللتين تحركانه [34].

وتنطبق هذه الرؤية على الشيوعية التي قتلت المخالفين لها حتى وإن كانوا أصحاب الأمس ورفاق الحركة والثورة.

وتتجسد هذه الرؤية كذلك بكل تجلياتها في الصهيونية التي هي خلية سرطانية تنخر في جسد الأمة الإسلامية، بل والعالم أجمع، فهي ترى أن بقاءها لا بد أن يغذيه الدم، فمنذ أن وُجد هذا الكيان الصهيوني على أرض فلسطين وهي تمارس العنف بطريقة ممنهجة ومطّردة، ويتجسد إرهاب الدولة فيها وفي أفعالها تجاه الفلسطينيين.

ومن العجيب أن نرى هذا العنف في الليبرالية الغربية التي تدعي الحرية، واحترام ورعاية حقوق الإنسان، وتعلن دائمًا أنها تعمل على نشر الديموقراطية في أرجاء المعمورة.

هذه الليبرالية قتلت ملايين البشر في فيتنام وأفغانستان والعراق والجزائر، وتساند الديكتاتوريات التي تقمع شعوبها، وتذيقها كؤوس الهوان ألوانًا.

هذه الليبرالية التي ترعى الرأسمالية التي لا تتورع عن إذكاء الصراعات وإنشاب الحروب لتحريك اقتصادها، وجني الأرباح الطائلة من بيع أسلحة الدمار والإهلاك، ولا يهمها القتلى والجرحى طالما خزائنها ملأى.

وانتسبت إلى الإسلام أفكار غالية وجّهت سلاحها إلى صدور إخوانها من المسلمين، وسلم منها الأعداء، واصطلى بنارها أقرب الناس إليها، فلا هي للإسلام نصروا، ولا للعدو كسروا.

الأيديولوجيا وتشكيل الرؤية للآخر

إن الأيديولوجية باعتبارها إطارًا جامعًا لمجموعة من الأفراد حول فكرة معينة، فإن هؤلاء الأفراد الأيديولوجيين يصنفون الآخرين حسب قربهم أو بعدهم من أيديولوجيتهم، أو حسب اصطفافهم معها أو ضدها، ولكن «ليس من الضروري أن يكون جميع أفراد الجماعة موافقين إطلاقًا على الصورة التي ترسمها الأيديولوجية عن هذا الآخر أو عن ذاك ممن يحملهم التاريخ على التفاعل معهم» [35].

وبحث الآخر والاهتمام به ومعرفته أمر يهم التفكير الأيديولوجي من «وجهة القصد إلى تأمين أكبر قدر ممكن من مصالح الجماعة التي يرتبط هذا التفكير بها.

فالمعلومات الدقيقة والصحيحة عن الآخر مطلوبة في الأيديولوجية، لا من أجل معرفة الآخر في حد ذاته ولذاته، بل من أجل معرفته في علاقته التأثيرية مع جماعة الأيديولوجية» [36].

وصورة الآخر في التعامل الأيديولوجي تعتبر «صورة إجمالية ترسمها جماعة أيديولوجية عن غيرها من الجماعات، بكيفية مصلحية، تجعل منها صورة غير محايدة، مشحونة عاطفيًّا، هادفة إلى نتائج معينة ومصنوعة مع نزعة إلى التبسيط والتضخيم» [37].

«ولا يخفى ما للمؤسسات الإعلامية من دور في توظيف صورة الآخر في التعامل الأيديولوجي، وبخاصة بعد الثورة التي عرفتها البشرية في العقود الأخيرة في مجال وسائل الاتصال والإعلام.

وفي الواقع تشارك المؤسسات الإعلامية -إلى حدٍّ ما- في إنتاج هذه الصورة كما يحددها قادة الجماعة الأيديولوجية.

المؤسسة الإعلامية بما تتيحه من إمكانية واسعة جدًّا للنشر والتوصيل، بالصحيفة أو بالراديو أو بالتلفزيون، تستثير المخيلة الأيديولوجية، وتحملها على إبداع صورٍ للآخر، يعجز عن إبداعها الخطاب الكلامي المحدود النطاق.

ولكن إذا كان من الضروري عدم إغفال هذا الجانب من عمل المؤسسة الإعلامية، فإنه من الضروري -أيضًا- عدم المبالغة في تقديره. فالدور الرئيسي للمؤسسة الإعلامية، في خدمة الجماعة الأيديولوجية، هو دور تبليغي.

وفي قيامها بهذا الدور، تستطيع تسخير إمكانياتها التقنية الخاصة، بأكبر قدر من التفنن؛ لكي ترتسم صورة الآخر على الشكل الذي تريده الأيديولوجية في مخيلة الألوف والملايين من الناس» [38].

أما المؤسسات التربوية فهي مشاركة بقوة وفعالية في تشكيل رؤية هذا الآخر «من خلال إجراءات وترتيبات عديدة، بعضها منظور وبعضها غير منظور، بعضها علني وبعضها الآخر مستور.

يبدأ الأمر أحيانًا باسم المؤسسة، حيث يشير إلى انتماء اجتماعي معين، ثم يأتي دور القسط والأفضلية في التسجيل والجو العام والنشاطات غير الصفّية واختيار الأساتذة والمنهاج والكتب ورابطة القدامى، وسوى ذلك من الشروط والنشاطات التي يعيش التلامذة في جوّها ويشاركون فيها.

فهذه كلها مجالات تستطيع الإدارة التربوية استخدامها لبث صورة معينة عن الآخر، المحدد بوعي أو بلا وعي على أساس التمييز الطبقي، أو الطائفي، أو الديني، أو المناطقي، أو الاثني، أو العرقي، أو القومي، أو المهني، أو سوى ذلك، من شأنها أن تؤثر لمدة طويلة في سلوك حامليها.

فالصورة المنطبعة عن الآخر في نفوس التلامذة، بأسلوب ناعم، والراسخة بفضل التكرار والأشكال المتنوعة، والمقترنة بخبرة عاطفية شخصية، ترافقهم طيلة حياتهم، ولو تعرضت بعد خروجهم من المدرسة للامتحان والتعديل.

إن الموقف من الآخر وكيفية التعامل الأيديولوجي معه أمر يستبطنه الفرد في المدرسة، ويبقى مقيمًا في لا وعيه وفاعلًا في تصرفاته، إلى أن يتغير بالخبرة المباشرة ويحل محله ما يخالفه.

ولذلك تحرص الجماعات الأيديولوجية السياسية، الواعية والقادرة، على تلقين الناشئة سياستها تجاه الآخر عن طريق العناية الخاصة بالمؤسسة التربوية، فتراقب، وتخترع، وتستبعد، وتفسر، وتتوسع، وتكرر، وتسكت، وتحذف، وتضيف، حتى تأتي صورة الآخر على الشكل الذي تريده وتراه مناسبًا لأعمار التلامذة.

وهكذا يتربى جيل بكامله على كراهية الآخر والنفور منه، أو على قبول التعايش معه، أو على الخوف والحذر الدائم منه، أو على الإعجاب به ومحبته والاطمئنان إليه، أو على احتقاره والسعي إلى السيطرة عليه، أو على الاعتراف به واحترامه والتعاون معه بإخلاص، تنفيذًا لسياسة عامة تتبعها الجماعة الأيديولوجية تجاه ذلك الآخر» [39].

ولكن يؤكد الدكتور ناصيف على أن «الجماعة الأيديولوجية لا تحتفظ بالصورة نفسها عن أي جماعة تتعامل معها، سلبًا أو إيجابًا، من دون أن يطرأ عليها أي تغيّر.

فالوقائع تدل على أن التغير يصيب العلاقات بين الجماعات الأيديولوجية، والصور المصاحبة لهذه العلاقات كجزء منها، ويطول المنطلقات الأيديولوجية نفسها» [40].

علاقة الفلسفة بالأيديولوجيا

نلقي الضوء هنا على العلاقة بين الفكر والسلوك؛ حيث يرى كمال اللبواني في مقالة «أسئلة الليبرالية: الفلسفة والأيديولوجية» أن الفكر كتعبير معقّد عن الخبرة، والفكر السياسي (خصوصًا) كحصيلة للخبرة في الحياة الاجتماعية الاقتصادية، وعلاقته بالسلوك السياسي الموجّه نحو تغيير أو إعادة إنتاج شروط هذه الحياة، فالبشر يعيشون ويعانون ويدركون ويكوّنون معارف وخبرات يتم تلخيصها وتداولها على شكل أفكار، ثم من هذا العالم الذهني المثالي ينطلقون نحو السلوك الذي يخدم مصالحهم وإرادتهم.

وهكذا يصبح الذهن الاجتماعي مكان تجمّع الأفكار العامة، وتأطير أنماط الرأي العام، لكن تنظيم محتوى هذا الذهن يتم عبر الفلسفة؛ فالفلسفة هي الموقف الوظيفي من عالم مختلط وغير منظم من المعارف والأفكار والقيم والأحكام.

الفلسفة تنظم عالم المفكر في سياق عقلي منطقي متماسك، وتضعه في قالب لغوي منضبط؛ لتسهل اختيار أنماط السلوك بناء على معرفة ودراية وترابط معقول بين المعرفة والغاية.

وبذلك تسهّل الفلسفة عملية بلورة وإنتاج أيديولوجيا تتوجه نحو الواقع للتأثير فيه، فتكون الأيديولوجية عندها تعبيرًا عن الانتقال من عالم الفلسفة وقبله الفكر والذهن، نحو السلوك والبرنامج التنفيذي الذي رغم كونه ينطلق من عالم الفكر لكنه يصل به إلى عالم التنفيذ، فيحسب الإمكانات وينظم الجهود ويضع البرامج الكفيلة بالتأثير المادي على وقائع الحياة وشروطها.

كما أن الأيديولوجية من جهة ثانية هي -أيضًا- مشروع يتم بواسطته الانتقال من الفردي نحو الجماعي، من الخاص نحو العام؛ لأنها تقوم بصياغة المصالح الفردية المختلفة في مشروع عام يحققها جميعًا ومعًا.

إن ساحة صراع الأيديولوجيات هي الفلسفة، ونقد الأيديولوجيا يتم بالفلسفة، وتطورها يتم بتطور الفلسفة.. وكل نقد ونقاش سياسي هو جهد فلسفي يهدف لإعادة تنظيم الأفكار؛ لتنتج نمطًا معينًا من السلوك، يحقق غاية مبطنة مسبقًا وموقفًا محددًا.

وقد قارن أحد الباحثين بين الأيديولوجيا الشمولية والفلسفة فقال: بينما الأيديولوجيا تأكيد مغرور صاخب لعقيدة قطعية معصومة، فإن الفلسفة بحث متواضع ومتأنٍّ وصامت عن الحقيقة.

إن للأيديولوجيا سلطانًا مرعبًا في تجميع البشر؛ إلا أنها لا توحِّدهم، بل تحشدهم وتكوِّمهم وتكدِّسهم.

ليست المسألةُ مسألةَ رابطة بين أناس أحرار، بل مسألةُ قطيع من البشر المُستَلَبين.

فاعتناق الأيديولوجيا يتم عبر تدريب جماعي يَحرِم الإنسانَ من كلِّ استقلالية فكرية.

على العكس تمامًا من ذلك، ينبثق البحث الفلسفي من سعي شخصي يستنفر استنفارًا كليًّا مسؤوليةَ الفرد الباحث عن إنسانيته.

فالالتزام الفلسفي هو دومًا رغبةٌ في الحرية تؤدي إلى قطيعة، وهذه القطيعة مخاطرة [41].

بين الأيديولوجيا والطوباوية

عبر د. فرحان اليحيى في مقالة «الأيديولوجيا المفهوم والدلالة» عن وجهة نظره في العلاقة بين الأيديولوجيا والمثالية فقال: «قد ترتبط الأيديولوجيا بالطوباوية، باعتبار الأخيرة تعبيرًا عن طموحات وأحلام الفئات التواقة إلى تغيير أوضاعها على المدى البعيد أو القريب، كـ: البرجوازية الأوروبية التي كانت تحلم بالحرية قبل الثورة الفرنسية، وقد نالتها بعد نجاح الثورة وانهيار الملكية. وكذا الشعوب العربية التي تحلم بالوحدة أو اللحاق بحضارة العالم المتقدم.

وهذا يعني أن الأيديولوجيا والطوباوية مفهومان متلازمان، حتى إن مصطلحًا نُحت منهما سُمّي بـ(الأيدتوبيا).

فإذا كانت الأيديولوجيا تسعى إلى تفسير الواقع وتغييره، فإن الطوباوية تثوير لها، وهذا يعني أن لها دورًا فعالًا في الشئون الإنسانية؛ لأنها تعبّر عما هو ناقص في الواقع، ومن هنا يمكن عدّها عنصرًا ثانيًا من عناصر الأيديولوجيا وبُعدًا من أبعادها، وقلما تخلو عقيدة أو تيار فكري أو سياسي منها وبضمنها المثالية والمادية».

وقد ألقى د. الأنصاري مزيدًا من الضوء على العلاقة بينهما فقال:

«بالرغم من صعوبة التمييز بين الأيديولوجيا واليوتوبيا، إلا أنه يمكن القول بوجه عام: إن كلاهما مجاله الواقع، فالأولى تتضمن جانب الفكر وجانب العمل، بمعنى أنها تتضمن مجموعة الأفكار والبرنامج الذي يترجمها إلى واقع عملي، وكلا الشقين مرتبط بالآخر، وقد تنجح الأيديولوجيا وقد تفشل. بيد أن التجارب التاريخية تثبت أنه ما من أيديولوجية معينه قد عانقت الواقع بصورة مائة في المائة، وربما يؤول ذلك في أهم محدداته إلى الزيف المتعمد من قبل صانعيها؛ لتكريس وضع اجتماعي بعينه، لمصلحة صفوة أو نخبة أو زعامة بالذات.

أما اليوتوبيا (حلم المدينة الفاضلة)، فهي وإن كانت تنطلق من الواقع، فإنها توجه السلوك نحو عناصر لا يحتويها هذا الواقع؛ لأنها قد تنجح في نشاطها المعارض في تحويل الواقع التاريخي القائم إلى واقع يتطابق وينسجم مع مفاهيمها، حتى وإن كانت هذه المفاهيم لم تدخل ويستحيل أن تدخل حيز التنفيذ العملي.

وواقع الحال، فإن التمييز بين ما هو يوتوبي وما هو أيديولوجي صعب للغاية، فما يبدو في حالة معينة يوتوبيا أو أيديولوجيا يعتمد في المقام الأول على مرحلة ودرجة الواقع الذي يطبق عليه الفرد هذا المعيار، فيصف الناس -الذين تكون أفكارهم ومشاعرهم مرتبطة بنظام معين، ويحتلون مواقع معينة- كل الآراء التي لا يمكن تحقيقها ضمن إطار النظام الذي يعيشون به بكونه يوتوبيا مطلقة.

ومن الممكن جدًّا أن تصبح يوتوبيات اليوم واقع الغد، حيث اليوتوبيات واقع لم ينضج بعد. أضف إلى ذلك أن الفئات المسيطرة في المجتمع، والتي تكون في اتفاق كامل مع النظام القائم هي التي تكرر ما يعتبر يوتوبيا، بينما الفئة الصاعدة هي التي تقرر ما يعتبر أيديولوجيا، ويعود ذلك بالأساس إلى أن هذه الفئة الصاعدة تعتبر في نزاع مع المواضع والأشياء كما هي كائنة. ويعني ذلك أن الأفكار التي تسمو وتتفوق على الواقع التاريخي، وتحاول تكسير حدود النظام القائم والفكاك منه إلى ما هو أفضل هي يوتوبيا، بينما الأفكار التي تخص الواقع هي أيديولوجيا» [42].


الهامش

[1] انظر: د. معن زيادة: الموسوعة الفلسفية العربية، (1/159).

[2] السابق، نفس الصفحة.

[3] انظر: د. علي عبد المعطي محمد ود. محمد علي محمد: السياسة بين النظرية والتطبيق، دار الجامعات، الإسكندرية، 1974م، ص (381).

[4] انظر: عبد الله عبد الوهاب محمد الأنصاري: الأيديولوجيا واليوتوبيا في الأنساق المعرفية المعاصرة، رسالة ماجستير بكلية الآداب، جامعة الإسكندرية، ص (47) وما بعدها، وعبد الله العروي: مفهوم الأيديولوجيا، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 1983م، ص (42) وما بعدها.

[5] انظر: الأيديولوجيا واليوتوبيا، ص (39).

[6] انظر: الأيديولوجيا، ص (8, 19).

[7] مفهوم الأيديولوجيا، ص (9).

[8] يشير للحديث الذي أخرجه البخاري في «الزكاة»، باب: «قول الله -تعالى: ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾…»، ح(1407) أن المغيرة بن شعبة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال».

[9] أي: التي ترتبط بدراسة أصول الآراء وطبيعتها وتطورها.

[10] انظر: الأيديولوجيا، إعداد وترجمة: محمد سبيلا وعبد السلام بن عبد العالي، دار توبقال للنشر، الطبعة الثانية، 2006م، ص (40).

[11] انظر: مفهوم الأيديولوجيا، ص (10-11).

[12] العروي: مفهوم الأيديولوجيا، ص (103-104)، وانظر: الأيديولوجيا، ص (20).

[13] انظر: محمد سبيلا: الأيديولوجيا نحو نظرة تكاملية، الدار البيضاء، المركز الثقافي الغربي، الطبعة الأولى، 1992، ص (11) ومواضع أخر.

[14] الأيديولوجيا، ص (9).

[15] ناصيف نصّار: الأيديولوجية على المحك – فصول جديدة في تحليل الأيديولوجية ونقدها، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 1994م، ص (22، 39).

[16] الأيديولوجيا، ص (32).

[17] الأيديولوجيا، ص (25).

[18] السابق، ص (25-26).

[19] قال مصطفى بوعزة نقلًا عن كتاب «فقه الفلسفة»، ص (61): «لقد قام مفهوم (اللوغوس) في اليونان في مقابل (الميثوس)، فاللوغوس الذي اصطلح عليه في الفلسفة الإسلامية (بالعقل) مقتضاه (النظر في أسباب الظواهر الملحوظة، طلبًا للنظام الضروري الذي يجمع بين عناصر الوجود كلها)، بينما الميثوس أو ما اصطلح عليه (بالأسطورة ) فمقتضاه (الاستناد إلى أساطير الأولين وأديان المتقدمين تعليقًا لأحداث الكون بأطوار ومآلات التصارع القائم بين الآلهة)» [مقالة: الكلمة ومفهومها تداوُلٌ في كل أمة، موقع مجلة ديوان العرب].

وجاء في مقالة تحت عنوان: «نشأة الفلسفة» قوله: «ميثوس mythos = كلمة يونانية تعني الأسطورة. اللوغس logos = كلمة يونانية تعني الخطاب، المبدأ والعقل» [http://www.9rayti.com].

[20] يقول سعيد بنكراد: «يعد مفهوم (المحايثة) من المفاهيم التي أشاعتها البنيوية في بداية الستينيات، ليصبح بعد ذلك مفهومًا مركزيًّا استنادًا إليه يفهم النص وتنجز قراءاته. وأصبح (التحليل المحايث) هو كلمة السر التي يتداولها البنيويون كبضاعة مهربة تشفي من كل الأدواء. فـ(التحليل المحايث) هو وحده الذي يجيب عن كل الأسئلة ويدرك كل المعاني. والمقصود بالتحليل المحايث أن النص لا ينظر إليه إلا في ذاته مفصولًا عن أي شيء يوجد خارجه. والمحايثة بهذا المعنى هي عزل النص والتخلص من كل السياقات المحيطة به. فالمعنى ينتجه نص مستقل بذاته ويمتلك دلالاته في انفصال عن أي شيء آخر.

ومع ذلك، فإن المحايثة لها أصول أخرى غير ما أثبتته البنيوية في تفاصيل تحاليلها. فالمحايثة هي ما هو معطى بشكل سابق على الفعل الإنساني وتمفصلاته، فهي، كما يشير إلى ذلك لالاند في قاموسه مرتبطة بنشاطين: نشاط يحيل على كل ما هو موجود بشكل ثابت وقار عند كائن ما (والأمر يتعلق برؤية ستاتيكية)، وآخر يحيل على ما يصدر عن كائن ما معبرًا عن طبيعته الأصلية (رؤية دينامية). وفي الحالتين معًا نحن أمام مضامين سابقة في الوجود على الإنسان ومعطاة مع الطبيعة ذاتها. وفي هذا السياق فإن المحايثة هي رصد لعناصر لا تفرزها السيرورة الطبيعية لسلوك إنساني مدرج داخل الزمنية التاريخية باعتبارها مدى يخبر عن المضامين وينوعها.

ولقد حاول القديس أوغستين شرح السيرورة المنتجة للتلفظ الإنساني باعتباره مدخلًا أساسًا نحو الفهم وإنتاج الدلالات، من خلال القول بوجود (معرفة محايثة) يمتلكها الله ويسربها إلى الإنسان عبر مفصلتها في ألفاظ ثلاثة: لفظ القلب وهو لفظ مفكر فيه خارج أي لسان وهو ما يشبه القدرة التي يملكها الإنسان من أجل اكتساب اللغة، واللفظ الداخلي، وهو لفظ مفكر فيه من خلال لسان ما، وهو ما يشبه لحظة تصور العالم من خلال حدود لسانية، ثم اللفظ الخارجي، وهو اللفظ الذي ينتسب إليه الفرد اختيارًا أو قدرًا. والأساس في كل هذا أن المعرفة -من منظور لاهوتي- سابقة في الوجود على السلوك الإنساني ومصدرها محفل متعال، ولا يقوم هذا الإنسان إلا بتصريفها في وقائع بعينها» [موقع سعيد بنكراد].

[21] الأيديولوجيا، ص (26-27).

[22] جاء على الهامش: «ينبغي الالتفات إلى أن كلمة (النظري) مشترك لفظي، فتارة تستعمل في مقابل (البديهي) من الإدراكات، وبهذا تطلق (الإدراكات النظرية) على الإدراكات التي لابد من إثباتها بالدليل والبرهان، وتارة أخرى تستعمل كلمة (النظري) في مقابل (العملي) من الإدراكات، ويقصد بها حينئذ تلك الإدراكات التي لا تتعلق -بشكل مباشر- بعمل الإنسان، والمقصود هنا هو المعنى الثاني».

[23] جاء على الهامش: «يختلف اصطلاح (الرؤية الكونية) عن (معرفة الكون) ومن الفروق بينهما، أن (معرفة الكون) لا تشمل (معرفة الله) و(معرفة الإنسان)، بينما تشمل (الرؤية الكونية) العلاقات بين (الله) و(الإنسان) و(الكون)».

[24] محمد تقي مصباح اليزدي: الأيديولوجية المقارنة، ترجمة: عبد المنعم الخاقاني، دار المحجة البيضاء، بيروت، الطبعة الأولى، 1413هـ- 1992م، ص (10-11).

[25] الأيديولوجيا، ص (52-55) باختصار.

[26] الأيديولوجية على المحك، ص (103-104).

[27] السابق، ص (39).

[28] نفسه، ص (38).

[29] نفسه، ص (52-53).

[30] نفسه، ص (42-43).

[31] الأيديولوجيا، ص (26).

[32] شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان (شخصية مصر البشرية)، (2/297).

[33] انظر: الأيديولوجية على المحك، ص (47-49).

[34] انظر: مقالة بعنوان: الأيديولوجيا، ترجمة: محمد علي عبد الجليل، مراجعة: ديمتري أفييرينوس، موقع معابر.

[35] الأيديولوجية على المحك، ص (108).

[36] السابق، ص (110).

[37] السابق، ص (113).

[38] السابق، ص (125-126).

[39] السابق، ص (126-127).

[40] السابق، ص (132).

[41] مقالة: الأيديولوجيا، ترجمة: محمد علي عبد الجليل، مراجعة: ديمتري أفييرينوس.

[42] الأيديولوجيا واليوتوبيا، ص (100-101).

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close