تقارير

الإعلام الثوري المصري: تحديات ومقترحات

الإعلام الثوري المصري: تحديات ومقترحات

مقدمة

قد يؤرخ البعض تدشين آلة لإعلام الثوري المصري من تاريخ انقلاب الثالث من يوليو 2013، وإن كان الصحيح هو أن جزء من هذا الإعلام، وجد بعد ثورة يناير واستمر إلى الانقلاب لينضم إلى بعض آخر، كون ما يمكن تسميته بالإعلام الثوري المصري، وأعني هنا بالبعض الذي وجد قبل الانقلاب، قناة مصر 25 والتي دشنت بعد ثورة يناير والتي كانت صوت التيار الإسلامي وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين وحزبها، أو هكذا أريد لها، وهذا ما نريد أن نقف عنده كي نفهم رؤية الشارع المصري، وفي القلب منه الشارع الثوري للإعلام الثوري المصري.
فقناة مصر 25 والتي استمرت أثناء اعتصام رابعة العدوية من مصر وبعد فض الاعتصام من لبنان، حتى انتقلت إلى تركيا بأسماء مختلفة بعد تعثر حتى انتهى بها المقام إلى الاسم الذي تعمل به الآن (قناة وطن) لتنضم إلى قنوات أخرى مثلت إما جزء من نفس التيار كـ (قناة مكملين) أو (قناة رابعة أو الثورة فيما بعد) أو تيار أخر مثّل التيار الليبرالي متمثل في (قناة الشرق)، لكن هنا يجب أن نعي أن المشاهد المصري صنف الإعلام الثوري وبصمه ببصمة الإسلام السياسي، وهو ما جذب قطاع من الشارع الثوري وأحجم عنه قطاع آخر.

تصنيف وتعريف

الإعلام في توصيفه الثوري هو إعلام بديل فرضت وجوده ظروف استثنائية، سواء على المستوى الفني، أي العمل في غير الظروف الطبيعية لعمل المؤسسات الإعلامية، أو على مستوى الحالة السياسية والمجتمعية والأمنية التي تفرض على هذا الإعلام العمل في ظروف استثنائية تتطلب تكتيكات ومناورات تبقي المؤسسة على قيد الحياة، مع ذلك في على هذا الإعلام أن يبقى شجاعا في طرحه مثورا لمشاهديه جاذبا لقطاعات جديدة لخدمة المشروع السياسي الذي تعمل له.
وعليه فإن هذا الإعلام يجب أن تكون له رؤية واضحة وفهم عميق للدور الذي يلعبه ومجالات عمله ومساحات ومحددات هذا العمل، للوصول للهدف الموضوع له، مع  وضع شروط ومعايير للعمل سواء في المنتج أو الكادر المنفذ لهذا المنتج، كما يجب أن يضع لنفسه مؤشرات أداء لقياس زوايا الانحراف لتعديل المسار وتطويره.
لكن يواجه الإعلام الثوري المصري عدة مشكلات نسردها في مباحث قصيرة على النحو التالي:

المبحث الأول المشكلات الإدارية:

تنقسم هذه المشكلات إلى قسمين، قانونية الكيانات الإعلامية الثورية العاملة في بلد المهجر، ومشكلات إدارية داخلية، يمكن تناولها على النحو التالي:

أولا: قانونية الكيانات الإعلامية الثورية العاملة في بلد المهجر

الإعلام الثوري المصري يعمل، الجانب الأكبر منه في تركيا التي تم اختيارها بعد فشل التجربة في لبنان، وبسبب دعم القيادة السياسية التركية المتمثلة في الرئيس أردوغان للقضية المصرية ورفضه المبدئي للانقلابات العسكرية، وهو ما جعل الحكومة التركية تغض الطرف عن عمل تلك القنوات بغير أوراق رسمية تسمح لها بالبث من أراضيها لما يتطلبه ذلك من موافقات معقدة نص عليها في القانون التركي، وهو ما حدا بتلك القنوات للعمل تحت غطاء شركات الإنتاج الإعلامي، وهو ما لا يصحح وجودها ولا يضفي عليه الشرعية.
وهو ما يجعل بقاء تلك القنوات مرهون ببقاء القيادة التركية الحالية، ومع الحديث عن عدم استقرار الأوضاع في تركيا المتأثرة بتجاذبات داخلية وخارجية يجعل استقرار المؤسسات الإعلامية المصرية الثورية مهدد، وقد شهدنا ذلك إبان محاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016.

ثانيا: المشكلات الإدارية الداخلية:

وبعيدا عن إشكالية الوجود للكيانات الإعلامية الثورية المصرية فإن هذه الكيانات تواجه مشكلات يمكن أن تفجرها من الداخل، وهي المشكلات الإدارية المتعلقة باللوائح ونظم العمل داخل تلك المؤسسات، فاللوائح الداخلية وما تشمله من حقوق المؤسسة وحقوق العاملين فيها والواجبات المترتبة على كل طرف تنظم كثيرا العلاقة بين العاملين ومؤسساتهم، وهو ما افتقدته المؤسسات الإعلامية الثورية المصرية، والذي أفرز بالنتيجة خلافات ظهرت على الساحة وأثرت ليس فقط على المؤسسة والعاملين بها، بل على مصداقية تلك المؤسسة لدى جمهورها.
ولم تكن أزمة الشرق الأخيرة هي الأولى بل سبقها أزمة قناة مصر الآن (وطن حاليا) ومن قبلها قناة الشرق، وإن كان الكثير يرون أزمة الشرق الأولى مالية إلا أن جزء كبير من الأزمة كان إدارياً.
والأمر لا يتوقف على عدم وجود لوائح داخلية لكن المشكلة أيضا تكمن في إدارة هذه المؤسسات من غير المؤهلين لتولي مناصب إدارية عليا، فالعديد من قيادات هذه المؤسسات إما أنهم عملوا بالصحافة ولم يمارسوا العمل التلفزيوني، أو أنهم لم يأتوا من خلفية إعلامية من الأساس، وهو ما يؤثر بشكل كبير على الحالة الإبداعية التي يجب أن يكون عليها إعلام ثوري يعمل في ظروف استثنائية.
ويأتي في السياق حالة عدم إدراك المهام الوظيفية مع اختلاط المسميات الوظيفية في مؤسسات لم تعتمد في هيكلها الوظيفي على موظفين محترفين بالأساس يعلمون مسبقا بواجباتهم المهنية وحدودها، وهو ما خلف كثير من المشاحنات اليومية المتصاعدة والتي وصلت إلى حد الصراع.

المبحث الثاني: المشكلات المالية:

تواجه مؤسسات الإعلام الثوري المصري مشكلة كبيرة تتمثل في التمويل مع زيادة أعباء تكاليف التشغيل من مصروفات بث وإيجارات للمقرات وكلفة المرتبات مع ارتفاع أسعار المعدات المستخدمة في عمليات الإنتاج، من كاميرات ووحدات مونتاج وإضاءة وصوت، والتي تحتاج تحديث من فترة لأخرى لمواكبة تقنيات البث والتسجيل، وهو ما يمثل عبء آخر يضاف إلى الأعباء الأساسية المفروضة على تلك المؤسسات.
ولما كانت تلك المؤسسات تُمول من خلال الدعم من ممولين بشكل أقرب إلى التبرعات، فإن هذه المؤسسات تواجه عثرات تضعها دائما على حافة الانهيار، بل منها من وصل إلى الانهيار مثل قناة (رابعة، الثورة فيما بعد) بعد أن أوقف الممولون الدعم فتوقفت القناة، أو في تجربة الشرق الأولى التي أنقذها شراء ممولون جدد لكن بأسعار تفضيلية جاءت بالنتيجة على حساب الموظفين.
التمويل والخشية من توقفه، أثر بشكل كبير على منهجية الإدارة في تسيير أعمال تلك المؤسسات، سواء في التأثيث باختيار الأدوات المستعملة والقديمة في الإنتاج أو في التوظيف أو التدريب أو حتى في قياس مؤشرات الأداء.

المبحث الثالث: المشكلات الفنية:

تتنوع المشكلات الفنية في المؤسسات الإعلامية الثورية المصرية ما بين مخرج فني على الشاشة، أو في مرحلة الإعداد والتخطيط أو التقنيات المستخدمة في الإنتاج، وأخيرا عدم وضوح الخطة والهدف لدى العاملين في تلك المؤسسات.
وفي الغالب يؤثر العامل المالي بشكل كبير في ظهور هذه المشكلات، والذي يضغط باتجاه تقليل النفقات ومن ثم يذهب بالمؤسسة إلى استخدام تقنيات أو أجهزة قديمة لا تسمح بمواكبة المشهد الإعلامي العالمي وحتى المصري في ظل إنفاق النظام مليارات الجنيهات على إعلامه، ولم يستطع العامل البشري تعويض ضعف الإمكانات، ذلك لأن الكادر الفني في تلك المؤسسات هاو أكثر منه محترف ويحتاج إلى تأهيل وتدريب كبير لتعويض النقص الفني الذي يعاني منه.
وعلى مستوى الإعداد والتخطيط، فإن كوادر الإعداد والتحرير والقائمين عليهم، ليسوا بأحسن حالا من الكوادر الفنية، فنقص الخبرة المهنية وعدم وجود تدريب وتأهيل كافيين أثروا بشكل كبير على المنتج المكتوب (سكربت) المخرج النهائي، ليس هذا وفقط، بل عدم وضوح الرؤية لدى واضع الخطة والخريطة جعل هذه المؤسسات تفقد البوصلة ومن ثم تفقد الغاية من وجودها.
وقد ظهر ذلك في نوعية التوظيف، والذي تضطر معه إدارات تلك المؤسسات استخدام موظفين قليلي، بل وعديمي الخبرة، من صغار السن من الطلاب أو حديثي التخرج، ومع ذلك فإن هذه المؤسسات وبحجة ضعف التمويل لم تدفع موظفيها للتدريب والتأهيل ورفع الكفاءات من خلال الدورات التأهيلية في تخصصهم.
كما أن العمل بسياسة رد الفعل على الأحداث، مع عدم وجود رؤية جامعة لما يجب أن يكون أو الهدف الذي يجب السعي لتحقيقه، يجعل من المؤسسات الإعلامية الثورية المصرية آلة للملهاة أكثر منها أداة للتوجيه والتصويب والتثوير والإعداد للوصول للهدف السياسي الذي تعمل عليه هذه المؤسسات.
ولا يمكن القياس على ظاهرة أو اثنين في برامج قائمة على فريق ويرفعه مقدم البرنامج، على نجاح الإعلام الثوري المصري أو حتى قناة أو مؤسسة فيه، فالمشكلة أن الإعلام الثوري المصري قائم على رد الفعل لا الفعل والتوجيه في وقت الكل مجمع على أن القضية المصرية هي معركة وعي.

المبحث الرابع: مشكلات خارجية تؤثر على عمل المؤسسات الإعلامية الثورية:

المشكلات التي تواجه مؤسسات الإعلام الثوري المصري لا تقف عند ما سبق مما عرضنا، ولكن الأهم والذي يعد مشكلة وجودية، هو عدم وضوح الرؤية وتحول المؤسسات الإعلامية إلى وظيفة لتأمين سبل العيش أو حاضنة للشباب لاستيعابهم، لكن المشكلة الحقيقة ليست فقط في عدم وضوح الرؤية والهدف لدى من يقودون تلك المؤسسات، بل يشاركهم فيها القيادة السياسية التي تقود المشهد الثوري، ففيما يبدو أن وعي القيادة السياسية بالدور الذي يمكن أن تلعبه تلك المؤسسات أثر بشكل كبير على عمل تلك المؤسسات، كما أن حالة الخلاف الذي تعيشها تلك القيادة ربما كان له دور كبير في حالة فقدان البوصلة التي تمر بها هذه المؤسسات، وربما ظهر ذلك في تناول القضايا المصيرية في حياة المشهد الثوري والتي تمثلت في اتخاذ نهج التثوير في مرحلة ما من عمر هذه المؤسسات والركون إلى التبريد والدخول إلى المساحة الرمادية في مرحلة لا تظهر فيها القيادة السياسية للمشهد الثوري موقف محدد، وهو ما يسبب في النهاية مشكلة كبيرة لهذه القنوات ظهر في حالة تراجع لمؤيديها وإن لم تنخفض المشاهدة.

المبحث الخامس: أطروحات الحل

1. العمل على توفيق الأوضاع للعمل بشكل رسمي ولو من خلال مؤسسات تركية مرخصة لتفادي أزمة يمكن أن تقع في حالة غياب القيادة الحالية، وكخطة بديلة يقترح البحث عن دولة أو أكثر بديلة للعمل منها، مع وجوب التأكيد على تفهم أن المؤسسات الإعلامية هي جزء من مشروع ثوري يجب الحفاظ عليه.
2. الاستفادة من رابطة الإعلاميين المصريين المنشأة حديثا، والتي من المفترض أن تكون حريصة على العاملين والمؤسسات على السواء، بوضع لائحة مقترحة يتوافق عليها العاملين في المؤسسات وإداراتها لتنظيم العمل في تلك المؤسسات، مع وضع توصيف وظيفي للمسميات الوظيفية المندرجة في هياكل العمل في هذه المؤسسات، ولا ضير أن يستفاد في ذلك بخبرات أفراد الجالية أو من خارجها من المتخصصين في الموارد البشرية والقانونيين لتهيئة مناخ عمل محوكم يقلص الصراعات داخل المؤسسات.
3ـ أن تبتعث قيادات تلك المؤسسات إلى دورات تدريبية متخصصة في إدارة الكيانات الإعلامية لرفع الكفاءة وضخ فكر جديد لتطوير عمل المؤسسات الثورية العاملة.
4ـ تأسيس شركة إدارة تسويقية تعمل على تنمية الموارد لتلك القنوات، كما يقترح تأسيس شركة للدعاية والإعلان يقوم عليها كوادر مهنية محترفة في هذا المجال لتسويق المنتجات والخدمات العربية والتركية، مستفيدة من الجالية العربية الموجودة في تركيا، وكذا نسب المشاهدة التي لا بأس بها لترغيب الشركات المعلنة للاستفادة من جمهور تلك القنوات، مع ميزة استفادة المعلن عرض منتجه في المؤسسات الثورية كافة، ومن ثم تقاسم هذه المؤسسات أرباح تلك الإعلانات لرفع قدراتها المالية.
5ـ فتح أكاديمية إعلامية للتدريب والتأهيل بهدف الربح يستقدم إليها مدربين أكفاء ومعروفين لجذب المتدربين ويستفاد فيها من الإمكانيات الموجودة بالقنوات من استوديوهات يمكن استخدامها في هذا الإطار.
6ـ الاستفادة من مدخلات تنمية الموارد وإيجاد شراكات وتوأمة مع القنوات التركية والعربية المتعاطفة مع القضية، للمساعدة في إيجاد التجهيزات وتطويرها، وتدريب الكوادر الفنية ورفع كفاءتها.
7ـ مساهمة القنوات من خلال مواردها الحالية في ابتعاث كوادرها للتدرب من خلال خطة ممنهجة تستوعب كل العاملين في تلك القنوات خلال عامين سواء من الكوادر الفنية أو التحريرية أو حتى الإدارية، وهو ما سيحل مشكلة توظيف الكوادر الضعيفة برفع كفاءتها.
8ـ إيجاد رؤية وهدف موحد تعمل عليه المؤسسات الإعلامية الثورية مع تقسيم الأدوار وتوزيع المهام من خلال خريطة برامجية متكاملة، يكون لكل مؤسسة دور فيها، وفي سبيل ذلك يقترح إنشاء لجنة تضم المسئولين التنفيذيين والقائمين على التخطيط في تلك المؤسسات يضاف إليهم خبراء في الإعلام و خبراء في علم الاجتماع وخبراء في علم النفس (إن وجد) أو التواصل معهم عن بعد، ويضاف إلى هذه النخبة ممثل عن القيادة السياسية الثورية، لوضع رؤية شاملة لعمل المؤسسات والتخطيط للمستهدف، والتعامل مع طوارئ المواقف للخروج بموقف موحد يوجه الشارع الثوري، وبعد تدشين رابطة الإعلاميين المصريين وتواجد مديري القنوات المصرية فيها فيقترح أن تقوم الرابطة بهذا الدور.

خاتمة

إن مرحلة التمهيد والإعداد للثورة والتي يجب على الإعلام العمل عليها تتركز مهمته فيها على كسب عدد كبير من المثقفين والمفكرين والأدباء وقادة الرأي إلى صف الثورة، ومن ثم جذب قطاعات أكبر من الشارع لصف الثورة، لكن هذا لا يمكن أن يكون إلا من خلال مبادئ ثابتة ورؤية محددة تعرف الطريق وترسم مساره قيادة واعية، ويعمل الإعلام الثوري على توضيحه وتأهيل الشارع للاصطفاف وراءه تمهيداً للم شمل القطاعات الثورية لتشكل النواة الصلبة التي يمكن الاعتماد عليها لتحقيق التغيير، وهو ما لن يحدث إلا من خلال وجود منظومة إعلامية متكاملة وقوية فنيا وماليا تستطيع أن تحدث التغيير، من خلال إنتاج الأفكار وإيقاظ الهمم وفتح مسارات عمل للوصول في النهاية للهدف المأمول(* ).


* الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *