fbpx
تقارير

الإمارات: تغيير السياسيات ـ الأسباب والنتائج

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقدمة:

على مدار عقد مضى ومنذ اندلاع شرارة الربيع العربي برزت سياسة الإمارات بوضوح وهي إشعال الحرائق في كل مكان للتصدي لموجات التغيير التي اجتاحت المنطقة العربية خوفاً من انتقال هذه التداعيات إلى النظام القبلي الحاكم هناك وتغيير التوازنات فيه أو ربما تغييره بالكامل. فعمدت سياسة ولي عهد أبوظبي والحاكم الفعلي الشيخ محمد بن زايد إلى محاصرة جماعات الإسلام السياسي ومشاكسة الدول الداعمة له مثل تركيا وقطر والدخول مع هذه البلدان في صدامات كانت لها تداعياتها السياسية والاستراتيجية على الشرق الأوسط وبعضها امتد إلى مناطق أبعد.

لكن ومنذ بدء العام 2021 الذي أطلق عليه البعض عام التهدئة ظهرت سياسة مغايرة للإمارات في أغلب الملفات التي كانت تنخرط فيها أبوظبي بشكل فاعل؛ فعلى سبيل المثال، تحولت حالة التململ التي كان يبديها ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد من إقدام نظيره السعودي الأمير محمد بن سلمان على المصالحة مع قطر إلى حالة من الحماس عندما أرسل شقيقه ومبعوثه الخاص مستشار الأمن القومي للبلاد الشيخ طحنون بن زايد إلى أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في زيارة وصفت بالخاصة محملاً برسالة وصفت أيضا وصفت بالهامة من الشيخ محمد بن زايد[1].

أيضا لم تكن زيارة الشيخ طحنون إلى الدوحة هي الأولى، فقد سبقتها زيارة مماثلة إلى أنقرة لمقابلة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان -الخصم الإقليمي العنيد- بالنسبة للإمارات من أجل طي صفحة الماضي والبدء في سياسة جديدة وعلاقة مختلفة عمادها الأساسي التعاون الاقتصادي وليس المنافسة السياسية.

وثمة مؤشر مغاير لمواقف الإمارات السابقة من الصراع الدائر بين الشرق والغرب الليبي منذ قرابة العقد، فلم تعد أبوظبي تلقي بدعمها الثقيل خلف اللواء المتقاعد خليفة حفتر ولو ظاهريا كما كان في السابق، فانزوت الإمارات بعيداً عن التطورات الأخيرة المتعلقة بالعملية السياسية التي بدأت في ملتقى الحوار السياسي الليبي بمدينة جنيف السويسرية في فبراير/ شباط 2021.

اليمن هي الأخرى لم تكن بعيدة عن سياسة الإمارات “المتهورة”، فقد صنعت أبوظبي على عينها عدداً من المليشيات العسكرية التابعة لها وكانت تقف على مسافة قريبة من الانفصاليين الجنوبيين ضد الشمال والتجمع اليمني للإصلاح، كما كانت تشارك بنخبة قواتها هناك قبل أن تقرر سحبها ودعم بعض الفصائل الأخرى الموالية لها، ثم شهد الدور الإماراتي تحولاً عما كان عليه قبل ذلك.

فماذا تغير حتى تشرع أبوظبي في انتهاج سياسة تصفير المشاكل بدلاً من المعارك الصفرية؟

أولاً: الأسباب التي دفعت الإمارات لتغيير سياستها :

1- قصف مصافي نفط سعودية بمسيرات إيرانية:

في سبتمبر 2019، استهدفت مسيرات مجهولة قيل إنها إيرانية أو على الأقل تقف وراءها إيران منشآت نفطية سعودية في منطقتي بقيق وخريص وتسببت هذه الأحداث في تعطيل تصدير النفط لأيام، وكانت هذه العملية رسالة للإمارات من قبل الحوثيين أو إيران تفيد بأن الأماكن الحيوية والاقتصادية في الإمارات ليست بعيدة عن أذرع إيران ويمكن أن يتكرر ما حدث مع السعودية مع الإمارات أيضاً ومن ثم تصبح البلاد بالكامل هدفاً سهلاً للحوثيين أو غيرهم.

تسببت هذه الواقعة وقبلها واقعة استهداف مطار أبو ظبي ومنشآت نووية إماراتية تحت الإنشاء من قبل الحوثيين، في إعادة حسابات صانعي القرار في أبو ظبي بأن الانخراط العسكري للإمارات خارج حدودها قد يكون سبباً في استهداف البلاد عسكرياً وإدخالها في أتون معارك أكبر من قدراتها وإمكاناتها السياسية والعسكرية.

كما أن استراتيجية التصعيد من قبل ولي عهد أبوظبي قوبلت ببعض الرفض من قبل شركاء له في الحكم مثل حاكم دبي محمد بن راشد الذي لم يكن موافقاً على سياسة بلاده الخشنة في عدد من الملفات منها المشاركة في عملية عسكرية في اليمن والمشاركة في حصار قطر[2].

على إثر هذه الأحداث، شرعت الإمارات في تقييم سنوات التدخل العسكري والانخراط المباشر في ملفات هامة ودفعها ذلك إلى استبدال سياستها فأعلنت مباشرة وقف عمليتها العسكرية في اليمن واستبدالها بالمشاركة الدبلوماسية، وأرسلت الحاكم الفعلي الثاني في البلاد طحنون بن زايد في زيارة سرية لإيران لتهدئة الأجواء بعد غضب طهران من احتمالية توجيه الولايات المتحدة الأميركية ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية عام 2019 إبان حكم ترامب بعد تزايد الحديث عن هذه الفرضية عقب التحركات العسكرية في المنطقة وإرسال واشنطن لعدد من القوات إلى الرياض[3].

2- تراجع تحالف السعودية-الإمارات-مصر:

على إثر الانقلاب العسكري في مصر عام 2013 أو ربما قبله بأشهر تشكل تحالف يضم الإمارات والسعودية وبعض قادة الجيش المصري من أجل الإطاحة بنظام الرئيس محمد مرسي، وعقب الإقدام على هذه الخطوة ضم هذا التحالف قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، وأصبح هذا التحالف الثلاثي ومن خلفه إسرائيل رأس حربة مشروع الثورات المضادة لوأد ثورات الربيع العربي وقد تمكن في ذلك بشكل كامل في اليمن وساهم في سوريا بدرجة ما؛ أما في ليبيا، فقد ساهم في تأجيج الصراعات القبلية القديمة وخلط الأوراق سياسياً وعسكريا بدعم اللواء المتقاعد خليفة حفتر من أجل الإجهاض على الثورة الليبية، لكنه لم يفلح في تحقيق ذلك حتى الآن.

وبعد سنوات من التنسيق بين أطراف التحالف تحول هذا التنسيق إلى منافسة بين أبوظبي والرياض في العديد من الملفات أبرزها الملف الاقتصادي الذي كشفه الخلاف بينهما في أوبك على حصة الإمارات في المنظمة بعد اعتراضات السعودية على طلب أبوظبي؛ هذا الخلاف في أطراف التحالف تسبب في تراجع تأثير أبوظبي في المنطقة بصورة ملموسة، على الأقل مقارنة بسنوات ما بعد الانقلاب في مصر. 

فقد تفاوضت السعودية منفردة تقريبا مع قطر على اتفاق العلا الذي وضع نهاية للأزمة الخليجية. لاحقا وبصورة متسارعة، تجاوز إصلاح علاقات قطر مع مصر والسعودية كونه مجرد سلام بارد، حيث تعاونت الدوحة مع القاهرة لتسهيل وقف إطلاق النار بين “إسرائيل” وحماس في الوقت الذي جرى فيه تهميش أبوظبي التي فشلت في الوفاء بوعدها بالاستفادة من اتفاقيات أبراهام لتعزيز ما يدعى بـ “عملية السلام”. بينما ناقشت السعودية وقطر التعاون الأوثق في مجموعة من الملفات، والذي بلغ ذروته في إنشاء مجلس التعاون السعودي القطري. وفي حين شاركت الإمارات في تدبير الحصار بهدف عزل الدوحة إقليميا ودوليا، فقد خرجت قطر منه بروابط أوثق مع واشنطن، وتم الاعتراف بها كشريك ووسيط موثوق به في المنطقة، كما ظهر تناقض بين نهج أبوظبي الصفري وبين عودة قطر كوسيط في فلسطين وأفغانستان والقرن الأفريقي وإيران.

3- وصول بايدن إلى البيت الأبيض وتغيير استراتيجيته في المنطقة:

مثّل رحيل الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب عن البيت الأبيض ضربة كبيرة لطموح الإمارات الإقليمي والدولي؛ فبعدما كان يعوّل محمد بن زايد على علاقاتها الخاصة بدوائر صنع القرار في واشنطن، بات الأمر أكثر صعوبة مع وصول رئيس ينتمي للحزب الديمقراطي وهو جو بايدن الذي لم يكن متحمساً لسياسة أبوظبي في المنطقة مثل سلفه دونالد ترامب، وذلك في العديد من الملفات وأبرزها التطبيع العربي مع إسرائيل أو ما بات يعرف بـ “اتفاق أبراهام”[4].

فسياسة توسيع الاستيطان التي تنتهجها إسرائيل في العقد الأخير لم تكن محل ترحيب من قادة الحزب الديمقراطي، لاسيما في ظل تنامي دور التقدميين في التيار الديمقراطي وعلى رأسهم السيناتور بيرني ساندرز الذي يبدي استياءه من سياسة تل أبيب تجاه الفلسطينيين، وظهر ذلك بشكل كبير في الحرب التي وقعت الصيف الماضي بين فصائل المقاومة في غزة وبين إسرائيل على خلفية دعم المسجد الأقصى وسكان حي الشيخ جراح في القدس المحتلة[5].

وليس فقط التفاوت في دعم إسرائيل بين بايدن وترامب من معوقات سياسة الإمارات في المنطقة، ثمة أمر آخر وهو تغيير سياسة واشنطن ونقل اهتمامها من الشرق الأوسط إلى وسط آسيا بسبب تنامي النفوذ الصيني الذي أصبح يقلق الولايات المتحدة بشكل كبير. فبايدن يرى أن التصدي للصين من أهم أولويات إدارته في المرحلة الحالية ومن ثم تكثيف كل الجهود لعرقة التمادي الصيني مما يعني أن الشرق الأوسط رغم أهميته للإدارات الأمريكية المتعاقبة لم يصبح من أولويات الإدارة الأمريكية الجديدة، هذا التغير في أولويات الساسة في واشنطن جعل الموقف الإماراتي أقل قوة عما كان في السابق فالقوى الإقليمية الكبيرة في الشرق الأوسط مثل تركيا وإيران وروسيا أيضا ستجد مساحة للعب أدوار أكبر في ظل الانشغال الأميركي بالصين وهذا الأمر قد يدفع أبوظبي للتريث كثيراً في سياستها المندفعة والتقليل من طموحاتها الجيوستراتيجية التي كانت تقوم بها إبان حكم ترامب[6].

4- الانسحاب الأميركي من أفغانستان وعودة طالبان:

رحيل إدارة بايدن من أفغانستان منح طالبان قوة كبيرة بعدما خلت لها الساحة في البلاد عقب انهيار الجيش الحكومي الأفغاني الذي أنفقت عليه الولايات المتحدة أكثر من 80 مليار دولار في 20 عاماً دون أن تستفد منه شيئاً. النجاح الذي حققه المقاتلون التابعون لطالبان في حسم المشهد والعودة إلى العاصمة كابول خلال ساعات رفع من أسهم الحركة وجعل لها الكلمة العليا في البلاد في نفس الوقت بعث رسالة إلى الدول التي تعتمد على الولايات المتحدة كعامل أهم في الحفاظ على أمنها القومي ومنها الإمارات -التي كانت الدولة العربية الوحيدة التي شاركت في التحالف الدولي للحرب في أفغانستان عام 2011- بإعادة حساباتها في مغامراتها الخارجية مما شكل تحدياً أمام أبوظبي مما قد تنم عنه العلاقة مع طالبان في المستقبل خاصة بعد هروب الرئيس الأفغاني السابق أشرف غني إلى الإمارات قبل ساعات من دخول طالبان إلى كابول[7].

الدور الفعال الذي لعبته كل من قطر وتركيا -غريما الإمارات الإقليميين- في الأزمة الأفغانية ورسائل الثناء الأمريكية للدوحة وأنقرة منحهما قوة جديدة في مواجهة الدور الإماراتي في المنطقة وخاصة وسط آسيا في ظل قرار واشنطن نقل اهتمامها وثقلها إلى آسيا لمواجهة التمدد الصيني مما يعني أن التعاون الأميركي مع قطر وتركيا قد يشهد حالة من النمو في الفترة المقبلة، بالإضافة إلى ضرورة وجودهما في أفغانستان، في ظل التصعيد ضد إيران والرغبة في عدم ترك أفغانستان ساحة لنفوذ طهران وموسكو هناك[8]

5- لجوء الجميع إلى خفض التصعيد بدلاً من الصراع:

تتجه دول المنطقة عموما، بما فيها الإمارات، نحو خفض التصعيد مع تحول تركيز الولايات المتحدة بعيدا عن المنطقة وعدم اهتمامها بتوجيه مواردها للانخراط في صراعاتها. حيث تتزايد شكوك الإمارات، كما بقية حلفاء واشنطن، حول مدى التزام الولايات المتحدة بدعمهم في مواجهة التهديدات الإقليمية. على سبيل المثال، وحتى خلال حكم إدارة ترامب، الحليف الوثيق للإمارات والسعودية، أصيب شركاء واشنطن بالذهول من عدم وجود أي رد عسكري أمريكي على الهجمات ضد منشآت النفط السعودية. ومع قدوم إدارة بايدن، باتت الإمارات تشعر بقدر أقل من الغطاء الأمني، حتى إن ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد طلب صراحة من مستشار الأمن القومي الأمريكي “جيك سوليفان” توقيع معاهدة أمنية ثنائية يقرها الكونغرس بما يضمن أن تكون العلاقات المستقبلية الثنائية أكثر استقراراً[9].

ومن هنا يمكن القول إن عام 2021 شهد العديد من خفض التصعيد في العالم بداية من الأزمة الخليجية ومروراً بالتصعيد بين إيران وأمريكا وحتى الأزمة بين الهند وباكستان بخصوص إقليم كشمير المتنازع عليه بينهما. هذه التغيرات دفعت الإمارات إلى التراجع قليلاً عن سياستها الهجومية واللجوء إلى القوة الناعمة وعلى رأسها الاقتصاد للتعاون مع المنافسين الإقليميين بدلا من الصراع ولو على الأقل خلال السنوات الباقية في ولاية الرئيس الأمريكي الأولى جو بايدن[10].

ثانيا: التداعيات والنتائج:

الأدوار التي لعبتها الإمارات خارج خلال العقد الماضي جعلت أي تغير في موقفها عن السابق سوف ينعكس بشكل مباشر على الملفات الهامة التي كانت منخرطة فيها؛ ومن ثمّ قد تشهد العديد من الملفات تغيراً خلال الفترة المقبلة وإن لم يكن تغييراً جذرياً.

1- هدوء في بيئة مشحونة

رغم التغيرات الحاصلة، فإن النهج الإماراتي لا يعني بأن الإمارات قامت بالانتقال من محور تحالفات إلى محور مضاد. ولكن يعني أن الإمارات قررت تبنّي نهج أقرب للتصالحي تجاه منافسيها والجهات التي تعتبرها أبوظبي تهديدا لمصالحها ولأجندتها الإقليمية. تخلت الإمارات عن سياستها المغامرة وحسابات الصراع الصفرية لكنّ رؤيتها لمستقبل المنطقة ونظامها الإقليمي، وتعريفها للحلفاء والمنافسين والتهديدات، فضلا عن انحيازاتها الأيديولوجية، كل ذلك لم يتغير.

فقد قررت فقط التعامل مع كل ذلك بنهج مختلف أقل تكلفة، وأكثر عقلانية. وليس هذا تحولا بسيطا بالنسبة للمغامرات التي كانت تقوم بها أبوظبي خلال عقد مضى حيث من المرجح تماما أن يخلق هدوءً مهما في بيئة المنطقة المشحونة، ويوفر مساحة كافية للتنافس بوسائل بديلة. إلا إن استمراره سيكون محكوما فقط بتفوق نفعه على المواجهة المباشرة. أي أن التحول في السياسة الإماراتية يمكن اعتباره أكثر من كونه مجرد إجراء تكتيكي، لكنه مازال أقل من كونه تحولا استراتيجيا في أهداف سياسة الدولة الإقليمية[11].

2- بقاء الخصوم الإقليميين كما هم والحلفاء أيضاً

تحركات طحنون بن زايد “التصالحية” لا تعني بالضرورة تبديل الحلفاء والخصوم رغم ما طرأ من تغير على بعض التحالفات في المنطقة منذ عام، فالإمارات لا تقبل الاكتفاء بسياسة الدول الصغيرة التقليدية المتمثلة في التحوط، لكنّها صنّفت نفسها كلاعب في حد ذاتها، ليس فقط في الخليج والمنطقة العربية، ولكن في المحيط الهندي والبحر الأحمر والقرن الأفريقي. في هذه الرؤية الاستراتيجية، يقع الإسلام السياسي وإيران والنفوذ التركي ضمن دائرة التهديدات الإقليمية، كما تبرز قطر كمنافس، بينما السعودية ومصر و “إسرائيل” حلفاء رغم التناقضات أحيانا والتنافس أحيانا أخرى[12]

فهذا التحول في نهج الإمارات الإقليمي من المبكر تماما توقع أنه سيغير هذه الرؤية، لأنه لم ينشأ نتيجة إعادة تعريف المنافسين والحلفاء، أو نتيجة تغير أهداف الدولة الاستراتيجية، لكنّه نشأ استجابة لتقدير المخاطر المتمثلة بصورة أساسية في الشك حول مدى التزام الولايات المتحدة تجاه الإمارات وتجاه المنطقة عموما. فمن أجل تجنب مخاطر الاستهداف المباشر، تم تعديل نهج إدارة التنافس الإقليمي وليس الأهداف طويلة الأمد للدولة.

وحتى فيما يتعلق بالعلاقة مع واشنطن، فإن الشك الإماراتي لم يغير بعد حقيقة أن الولايات المتحدة والشركاء الأوروبيين لا يزالون حتى الآن الأكثر تفضيلا لدى أبوظبي. ولا تخلو التقديرات التي تذهب إلى أن أبوظبي تتجه لفك الارتباط مع واشنطن لمصلحة الصين، من مبالغات. كما أنها تتجاهل أن تصاعد العلاقات الإماراتية-الصينية، خاصة في مجال المعلومات والذكاء الاصطناعي فضلا عن صفقات الأسلحة، مرتبط أكثر بصعود الصين الاقتصادي والتكنولوجي وليس نتيجة تحول الإمارات تجاه الصين على حساب واشنطن.

وحتى مع تراجع اهتمام واشنطن بالمنطقة، فإن أولوية احتواء الصين تحتم على الولايات المتحدة مراقبة علاقة بكين مع حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، ومن بينهم الإمارات، والعمل على عدم تطورها لأبعاد تضر بالتوازن مع واشنطن. وهو ما يجعل الإمارات في مواجهة مزيج من الضغوط والإغراءات الأمريكية لضمان بقائها ضمن شبكة نفوذ الغرب.

3- محاولة لعب دور الوسيط:

الاستراتيجية التي تبني عليها أبوظبي سياستها الخارجية تقوم بالأساس على لعب أي دور في مناطق النفوذ وتقديم نفسها كلاعب لا يمكن تجاهله في الملفات الهامة ومن ثم قد تقدم أبوظبي على محاولة لعب دور الوسيط في ملفات هامة مثل النزاعات الحالية مثلا بين المغرب والجزائر بسبب إقليم الصحراء أو التدخل في حل الأزمة الحالية بين دول الخليج ولبنان عقب تصريحات وزير الإعلام جورج قرداحي عن التدخل السعودي في اليمن، وربما التوسط في الخلاف السياسي في السودان بين المكون المدني والعسكري عقب “الانقلاب” الذي قام به الجنرال عبدالفتاح البرهان على شركائه في الحكم من التيار المدني في 25 أكتوبر 2021.

لتحقيق هذه الاستراتيجية قد يلعب حاكم دبي محمد بن راشد أدوراً في الفترة المقبلة نظراً لبعده عن المشهد السياسي والتدخلات الخشنة التي كان يلعبها حاكم أبوظبي الفعلي محمد بن زايد ومن ثم هذه الأدوار قد تعيد تقديم الإمارات نفسها مرة أخرى من خلال الدعم الاقتصادي والدبلوماسي لكن نجاح هذا الأمر مرهون بقدرتها على إزالة الكوارث التي تسببت فيها أبوظبي خلال العقد الماضي في بلدان مثل اليمن ومحاربة الربيع العربي[13].

الخاتمة:

شهد مطلع العام 2021 تهدئة واضحة في عدد كبير من الملفات كانت الإمارات حاضرة فيها جميعاً بسبب المغامرات التي كان يقودها ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد في ظل دعم أميركي غير محدود وصل لأقصى درجاته إبان حكم الرئيس السابق دونالد ترامب. هذه التهدئة نجم عنها حل الأزمة الخليجية غير المسبوقة بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي. أيضا الصراع الليبي وصل إلى مرحلة ما قبل الحل النهائي بسبب انسحاب الإمارات من المشهد ولو بشكل مؤقت من خلال التوصل لحكومة وحدة وطنية كما تنتظر البلاد انتخابات رئاسية لأول مرة منذ اندلاع شرارة الثورة الليبية[14]

الصراع في القرن الإفريقي هو الآخر شهد مرحلة تهدئة ملحوظة، فقد انسحبت الإمارات من القواعد التي كانت تبنيها في ميناء عصب في إريتريا بعد انسحابها الفعلي في اليمن الذي تأثر هو الآخر بغياب أبوظبي، فاختفت دعوات الانفصال التي كانت تكررها الجماعات الموالية لأبوظبي في عدن، حتى وإن كانت هذه الفصائل لا تزال متواجدة، لكن من الملاحظ غياب فاعليتها كما كان في السابق[15].

كل هذه التغيرات حدثت بسبب إعادة تموضع الإمارات سياسياً وعسكريا في الإقليم عقب التغيرات الهامة التي وقعت خلال عام وأهمها وصول الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى البيت الأبيض؛ ومن ثم في حال غياب الأسباب التي دفعت الإمارات لتغيير سياستها، فإنه من المتوقع أن تعود أبوظبي لسياستها القديمة وصراعاتها في الإقليم والذي تسبب في الكثير من الكوارث؛ فكل هذا التغيير مرهون فقط بوجود متغيرات خارجية، وليس بناء على رغبة حقيقة من قبل صناع القرار في الإمارات لتغيير سياستها.


الهامش

[1] -The Qatar Blockade Is Over, but the Gulf Crisis Lives On, Foreign policy, January 2021,link

[2] -Yemen’s Houthis threaten to attack United Arab Emirates targets, Reuters, SEPTEMBER 18, 2019, link

[3] -EXCLUSIVE: UAE’s secret mission to Iran, middleeasteye, 13 October 2019 link

[4]– Israel, UAE ministers in US as Biden seeks to expand normalization. france24, 13/10/2021, link

[5] -Bernie Sanders: The U.S. Must Stop Being an Apologist for the Netanyahu Government, nytimes.15/05/2021, link

[6] – The “new normal” in US-China relations: Hardening competition and deep interdependence, Brookings, August 12, 2021, link

[7] – Surprise, panic and fateful choices: The day America lost its longest war, Washington post, August 28, 2021, link

[8] – من الصراعات الصفرية إلى تصفير المشاكل: الإمارات تتبنى نهجا إقليميا جديدا، مركز أسباب، أكتوبر ٢٠٢١ الرابط

[9] المرجع السابق

[10] -الرابحون والخاسرون من عودة طالبان، مركز أسباب، أغسطس ٢٠٢١، الرابط

[11]– Mohammed bin Zayed’s Dark Vision of the Middle East’s Future, NYTimes, an. 9, 2020,link

[12] – Turkey’s views on Sheikh Tahnoon’s visit, Tactical Report, 20/08/2021, link

[13]-الإمارات تحمّل نفسها أكثر من طاقتها، مركز كارنيجي للشرق الأوسط يولو ٢٠٢٠ الرابط

[14] – UAE Steps Back From Wars as Biden Reasserts Mideast Role, Bloomberg, February 28, 2021, link

[15] -The Horn of Africa and the Gulf: Shifting power plays in the Red Sea, theafricareport, November 2020, link

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close